الفصل 451 - غرفة الشاي
الفصل الرابع والثمانون
«غرفة الشاي»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――بينما انتشرت ألسنة لهيب التمرد في جميع أنحاء الإمبراطورية الفولاكية العظمى، كانت علامات الاضطراب تتنامى يومًا بعد يوم.
لقد مضى أكثر من تسع سنوات منذ أن اعتلى فينسنت فولاكيا العرش كإمبراطور، لكن هذه كانت المرة الأولى التي تشتعل فيها الشؤون الداخلية للبلاد حتى النخاع، وتغرق فيها قلوب الشعب في اضطراب عارم.
كان تاريخ الإمبراطورية الفولاكية تاريخًا مكتوبًا بالحروب والدماء.
وحتى لو حلّ عصر من السلام غير المسبوق تاريخيًا، فإن النزاعات التي تنشب في بقاع نائية بعيدًا عن أعين وآذان العاصمة الإمبراطورية لم يكن بالإمكان منعها كلياً. ونتيجة لذلك، لم يذق الناس طعم الطمأنينة الحقيقية قط.
ومع ذلك، فقد كان قاطنو العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا ينعمون بظاهر من السلام والاستقرار.
ولأن العاصمة كانت تقع تحت وطأة قبضة الإمبراطور مباشرة، فقد كانت المدينة المهيبة الوحيدة التي ظلت بمنأى عن النزاعات. وبمعنى ما، فقد استند هذا الأمان برمته إلى هيبة وسلطة الإمبراطور فينسنت فولاكيا―― غير أن ذلك أضحى شيئاً من الماضي.
ففي العام قبل الماضي، وقعت محاولة لاغتيال الإمبراطور في قلب العاصمة الإمبراطورية ذاتها. وأُصيب الإمبراطور يومها بجروح بالغة كادت تودي بحياته، وكان الجاني حينها أحد الجنرالات الساميين.
ومنذ تلك الحادثة، أدرك الشعب أنهم ليسوا في مأمن حقيقي حتى داخل الإمبراطورية. وبعد أن استوعبوا تلك الحقيقة، باتوا يتوقعون وقوع مثل هذا في أي لحظة.
ولهذا السبب، ظل مقام الإمبراطور ثابتًا وراسخًا في مواجهة روح التمرد لدى الجنرالات التسعة الساميين القابعين في ذروة القوة العسكرية للبلاد، فلن تنهار الإمبراطورية الفولاكية مهما تزلزلت أركانها من الجذور――.
???: [――أمن الشعب وتطلعاته قد تزعزعا بشكل كبير في الآونة الأخيرة.]
كان ذلك تقريرًا يقرّ علنًا بوجود شروخ وتصدعات في المبادئ الأساسية الراسخة للإمبراطورية.
وعندما تردد صدى هذا التقرير في قاعة العرش المهيبة، كان بالإمكان قطع رأس أي شخص يحاول أن يصمّ أذنيه عن سماع هذه الكلمات غير السارة بلا أدنى رحمة في مكانه، لذا لم يكن غريبًا أن يستبد التردد والوجل بالجميع.
المسؤولون المدنيون والضباط العسكريون المصطفون هنا في قصر الكريستال بالعاصمة الإمبراطورية―― حتى وإن تباينت ساحات معارك كل منهم، فإن كل فرد احتشد هنا في صميم الإمبراطورية الفولاكية كان محاربًا لا يشق له غبار. ومع ذلك، لم يملك أولئك القوم إلا أن يترددوا؛ فالظهور بمظهر المحارب الجبان هنا كان يعني الموت المحتوم دون سواه.
لم يكن الموت في حد ذاته ما يخشونه، بل كانوا يخشون الموت سدى بلا جدوى.
كانوا يخشون أن يلاقوا حتفًا مخزيًا لا يليق بمحارب شجاع من فولاكيا.
ولهذا، أظهر القادة احترامهم وتبجيلهم للشيخ الحكيم ذي الشعر الأبيض الذي تقدم بهذا الطرح؛ رئيس الوزراء بيرستيتز فوندالفون. ثم حبسوا أنفاسهم انتظارًا لرد فينسنت، الذي رُفع إليه هذا التقرير.
فينسنت: [――――]
العرش الضخم، الذي احتوى جسده النحيل بالكامل، كان رمزًا للسلطة والسيادة توارثه الأباطرة تباعًا منذ عهد أول إمبراطور لفولاكيا.
ومع راية الإمبراطورية المرفوعة خلف العرش، كان الشعار الوطني المتمثل في ذئب تخترقه السيوف يرمق الحشود من علٍ. وبوجود ذئب السيف خلف ظهره، جلس فينسنت في هدوء وثبات تامين.
متكئًا على عرشه بأريحية وتؤدة، لم يبدُ على فينسنت أي ملمح من ملامح السطوة العسكرية.
وفي الواقع، لم يسبق لأحد أن سمع شائعة تفيد بأن هذا الإمبراطور، المُنعم بحكمة لا تُسبر أغوارها، يتفوق في الفنون القتالية أو يتقنها. ولم يسبق لأحد أن رآه يمتشق سيفًا أو يظهر أدنى اهتمام برياضة الصيد.
وطالما أن الإمبراطور يعتلي العرش الإمبراطوري، فكان يُنتظر منه أن يحكم أرجاء الإمبراطورية قاطبة دون استثناء.
ورغم أن الإمبراطورية تُعلي من شأن القوة قبل كل شيء، إلا أن المهارة القتالية لم تكن شرطًا ملزمًا لمن يقف على قمة هرمها. ذلك أن سيف الإمبراطور لم يكن سوى أتباعه الأقوياء الذين لا نظير لسطوتهم.
ومع ذلك――
???: [――هـڪ]
كان جانب عظيم من الحرس والجنود يرزح تحت وطأة ضغط نفسي هائل يفرضه الإمبراطور، الذي لم يحرك ساكنًا واكتفى بالجلوس صامتًا هناك.
لم يكونوا ليخسروا شيئًا لو همّوا بالإطاحة به، فالعرش لا يبعد عنهم سوى مسافة بضع خطوات وثوانٍ معدودة. وإن كان من الطبيعي في عرفهم أن يقمع القويُّ الضعيفَ، فلم يكن لدى القوات الإمبراطورية أدنى سبب للوجل من هذا الإمبراطور الجالس أمامهم.
ورغم كل ذلك، فإن تلك المسافة الفاصلة وهيبة الإمبراطور العصية على التحدي كانتا معقلًا لا يمكن اختراقه.
فينسنت: [أمن الشعب، هڪذا إذن؟]
فجأة، وكاسرًا حاجز الصمت المطبق، انطلقت هذه الكلمات من بين شفتي الإمبراطور.
وفي اللحظة التي خُيّل للجميع فيها أن التوتر المخيّم على أرجاء قاعة العرش في طريقه إلى الانقشاع، عاد ليزداد ثقلًا ووطأة، خانقًا أنفاس القوات وحابساً دقات قلوبهم.
ضيّق فينسنت عينيه اللوزيتين السوداوين، وحدّق مليًا في بيرستيتز، الذي واصل تقديم آيات الولاء واضعًا باطن كفه فوق قبضته أمام صدره:
فينسنت: [منذ متى بدأ أباطرة بلادي يلتفتون إلى أنات شعبهم ومعاناتهم؟]
بيرستيتز: […أدرك مغزى ما تتفضل به يا سعادة الإمبراطور. بيد أن الواقع يشهد بأن شائعات الرعية قد أثارت ارتيابًا وقلقًا بالغين حول شرعية حكم سعادتكم. وإن غضضنا الطرف عن هذا الأمر، فإن هذا الدم المسموم سيتفشى كالوباء العضال في سائر أرجاء الإمبراطورية.]
فينسنت: [وهل تشير عليّ بسفك هذا الدم المسموم كله؟]
بيرستيتز: [بكل خضوع وتواضع؛ حتى سعادتكم ستفقدون حياتكم إن قُطع رأسكم. أفلن يكون من قلة الحكمة أن يخسر المرء رأسه لمجرد الإبقاء على طرف من أطرافه؟]
فينسنت: [――――]
بيرستيتز: [وبطبيعة الحال، سيكون الأمر مثاليًا لو أمكن احتواء هذه المعضلة واجتثاثها بالاكتفاء ببتر الأصابع والآذان والأظافر فحسب.]
ومختتمًا كلمته الأخيرة بانحناءة وقورة، أدلى بيرستيتز برأيه دون مواربة.
ذلك الطرح الجريء، بل والقاسي بعبارة أخرى، جعل سائر القوات والجنود يقشعرون رعبًا. ولكنهم في الوقت ذاته أكبروا فيه جرأته على النطق بما يختلج في صدورهم، وتفوهه بما كان لا بد أن يُقال.
ففي النهاية، كان بيرستيتز يعبر عن الموقف الموحد لجميع القوات تجاه نيران التمرد الآخذة في الانتشار في أنحاء الإمبراطورية.
لقد كان الجنود الإمبراطوريون يشتعلون حنقًا من استسلام الرعية لحكم فينسنت، وانجرارهم خلف من يرفعون أصواتهم بين الفينة والأخرى لإيقاد شرارة العصيان والتمرد في كل حدب وصوب.
فلو كان المرء جزءًا من تلك الفئة الأولى البادئة، لكان مؤهلًا لنيل شرف الخصم الشجاع المقاتل. ولكن ما عسى أن يُقال عن خزي أولئك التابعين الذين ركبوا الموجة؟
إن القتال، والانتصار، والانتزاع بالقوة هي المبادئ الجوهرية الراسخة لأبناء هذه الإمبراطورية.
«يجب أن يكون شعب الإمبراطورية قويًا»؛ مقولة أساء جمّ غفير من الناس فهم مرماها وغايتها، واتخذوها ذريعة لتحقيق مآربهم الخاصة. أفلا يكون إفناؤهم هو السبيل الأوحد لتجسيد جوهر مقولة «يجب أن يكون شعب الإمبراطورية قويًا» على حقيقتها؟
ومع ذلك، لم يتخذ فينسنت إجراءات ردعية استباقية لمجابهة هذه التمردات، بل اكتفى بالاعتماد على الحاميات المتفرقة هنا وهناك لصد الهجمات. ومع ذلك――،
بيرستيتز: [إن تجريد جميع جنرالات الدرجة الأولى وإرسالهم لمجرد وأد التمردات في مهدها لن يحسم الموقف حسمًا جذريًا.]
فينسنت: [――لقد أوتيت فصاحة وبيانًا يا بيرستيتز. فمواجهتك لي رأسًا لرأس، ومن خلفك تصطف القوات بكامل عتادها، تجعل المشهد يبدو وكأنك أنت المحرك الفعلي وقائد هذا التمرد.]
بيرستيتز: [إنكم لتمزحون يا مولاي. فأنا لست في وارد قيادة عصيان لإزاحة سعادتكم عن العرش الإمبراطوري.]
فينسنت: [همف.]
وبزفرة ساخرة خفيفة، لم يعر فينسنت بالًا لتفنيد بيرستيتز واعتراضه.
ومع هذا، كان من المفهوم تمامًا لماذا نطق فينسنت بتلك الكلمات. ففي نهاية المطاف، كانت كل كلمة تفوه بها بيرستيتز قد عبرت بصدق عما يختلج في أفئدة القوات الإمبراطورية منذ أمد بعيد.
بما في ذلك تلك النقطة التي أشار فيها إلى التوزيع المتوقع لجنرالات الدرجة الأولى، واعتراضه عليه بأنه لن يكون كافيًا.
وبمعزل عن هذا التراشق اللفظي الحاد والمخضب بنذر الشقاق――.
بيرستيتز: [سعادة الإمبراطور، إن هذا التمرد هو…]
فينسنت: [لقد أنصتُّ إلى مشورتك وعلمت ما لديك. غير أنني――]
بيرستيتز: [――――]
فينسنت: [――لديّ خطة أنا أيضًا.]
اجتاحت نظرات فينسنت كلاً من بيرستيتز والجنود والضباط المحتشدين، ماحية كل ذرة ارتياب متبقية في نفوسهم تجاه الإمبراطور.
فعندما دُعي إلى هذا الاجتماع واحتشدوا في بادئ الأمر في قاعة العرش، كانت تتنازع كل واحد من القوات مشاعر متباينة إزاء إحجام فينسنت وتردده في اتخاذ موقف حاسم ضد هذا التمرد.
وفي الحقيقة، كان بيرستيتز هو من نطق بلسان حال القوات، بيد أن مشاعرهم كانت متطابقة ومشتركة، ولم تزدد إلا اتقادًا وتأججًا إثر سماع مرافعته الصريحة.
إلا أن تلك المشاعر، التي كادت تنتشر كألسنة لهيب التمرد ذاته، قد خمدت في لحظة واحدة.
تميل وتخبو كحريق هائل واجهته عواصف الرياح وسيول المياه؛ فتباطأت، وخارت قواها، وتلاشت أصداؤها تمامًا.
وحينها――،
فينسنت: [أم أنكم تشكون في كلماتي؟]
ارتجف حاجبا بيرستيتز إثر هذا السؤال الموجه من الإمبراطور، صاحب تلك الحكمة العميقة التي لا تُقاس.
وما من أحد من الحاضرين كان بمقدوره معرفة كنه العواطف التي توارت خلف تينك العينين الضيقتين اللتين تشبهان خيطين رفيعين.
شيء واحد فقط لا مراء فيه؛
القوات: [――حاشا وكلا! ليس على الإطلاق!]
دوّت أصوات القوات في انسجام مذهل، ملبية سؤال الإمبراطور بنبرة مفعمة بالبسالة والإقدام.
وبضربة من أقدامهم هزت الأرض، استل الضباط العسكريون سيوفهم من أغمادها ورفعوها عاليًا في الهواء. بينما جمع المسؤولون المدنيون باطن أكفهم مع قبضاتهم أمام صدورهم، منحيين بأعلى درجات التبجيل والإجلال التي تليق بمناصبهم، معلنين إذعانهم المطلق لسؤال الإمبراطور.
ما كان لأحد أن يفك شفرة ما يدور في خلد الإمبراطور فينسنت فولاكيا.
ولكن، إن كان السؤال المطروح هنا هو ما إذا كانوا سيتنكرون لما يعجزون عن إدراكه باعتباره أمرًا لا يستحق الثقة، فالجواب الحاسم هو النفي القاطع.
فإن كانت الثقة تُشترى بالأفعال والإنجازات الساطعة، فإن فينسنت يمتلك سجلًا حافلًا يشهد له.
إنجازات تدعو للفخار، بدأت باجتيازه «مراسم الاختيار الإمبراطوري» وتتويجه إمبراطورًا، وتلاها عهد رغيد خلا من كبريات الاضطرابات والفتن.
وبعد أن استعرض سطوته وأداءه العظيم، ها هو الإمبراطور ينطق بالكلمات التي ترسخ تلك الثقة في النفوس.
――«أم أنكم تشكون في كلماتي؟»، هڪذا سألهم.
فينسنت: [لقد أعملت فكري مليًا في شأن هذا التمرد. فهل بلغ بكم الأمر، ما لم أطلعكم على كل تفصيلة من البداية وحتى المنتهى، ألا تبدوا طاعة مرضية ومطلقة؟]
القوات: [――حاشا وكلا! ليس على الإطلاق!]
فينسنت: [إن كان الأمر كذلك، فأرهفوا أسماعكم، وأدّوا ما يجب فعله قبل أن تزوغ أبصاركم هنا وهناك. فلست بالذي يجمل واجهات مناصبكم لمن يقصر في أداء ما هو منوط به.]
كانت نبرة الإمبراطور تنضح صقيعًا وحدّة، ولهذا السبب بدت مألوفة تمامًا للقوات وراسخة في وجدانهم.
كان لنظرات فينسنت ونبرة صوته سطوة غريبة قادرة على إشعال حميّة الأرواح وإخمادها كما يشاء. تلك السطوة المهيبة، القادرة على الجمع بين الصقيع واللهب، جعلت قلوب الجنود تستعر حماسة في تلك اللحظة بالذات.
كانت نظرات القوات قد تبلدت بالوجل والشكوك حول ما يدور في رأسه.
لم يُمنحوا جوابًا ملموسًا شافيًا، غير أن الغشاوة التي رانت على عيونهم قد انقشعت بالكامل. ――لأن إمبراطورهم قد حسم الأمر أمامهم مؤكدًا أنه يُحكم خيوط أعمق مكائده وتدابيره.
وحينها فقط، تمكن جنود الإمبراطورية من استعادة إيمانهم الراسخ بالنصر والقتال حتى الرمق الأخير.
بيرستيتز: [وما الذي ترغبون في إماطة اللثام عنه لي وللقوات، ولو بشيء يسير؟]
فينسنت: [ولأي غاية قد أفعل ذلك؟ فإن كشفتُ أوراقي، فسيلقي ذلك بظلاله القاتمة على استراتيجيتي. وما الذي سنجنيه في المقابل؟ راحة بال لك، ولأولئك الجنود الذين يرتعدون فرقًا مما يخبئه القادم؟]
صدّ فينسنت رئيس وزرائه بنبرة قاطعة جافة، وكأنه يخبره بأنه لا مجال أصلًا للمقارنة بين الأمرين.
وقد ناصرت القوات رد الإمبراطور تأييدًا مطلقًا. فلم يعد في صدورهم أدنى أثر لذلك الإحساس السابق بأن كلمات بيرستيتز كانت تصدح بلسان حالهم.
بل على العكس تمامًا، باتوا يشعرون بنفور وحنق تجاه مقترحات بيرستيتز وتشكيكه؛ فإيضاح فينسنت بأن له رؤيته الخاصة كان كافيًا وشافيًا لهم.
فينسنت: [لك ألا توافق. بيد أنني لست بالذي يقدم تبريرات تستند فحسب إلى هيبة الإمبراطورية ومكانتها.]
محدقًا في بيرستيتز الواجم، أردف الإمبراطور موضحًا.
وعند سماع صوت الإمبراطور وهو يقارع حجج خصومه المترددين، كان السواد الأعظم من القوات يهزون رؤوسهم موافقة في سرهم. لم تعد ثمة حاجة لمزيد من الكلام، غير أن الإمبراطور واصل حديثه:
فينسنت: [ولكن كما أسلفت؛ ليس لدي أدنى رغبة في البوح بنواياي لكم. وعوضًا عن ذلك، فليس لدي لكم سوى كلمة واحدة.]
بيرستيتز: [سعادة الإمبراطور…]
فينسنت: [يجب أن يكون شعب الإمبراطورية قويًا.]
بيرستيتز: [――――]
فينسنت: [――وسأعدّ لكم ساحة وغى تليق بمسلك ذئب السيف ونهجه.]
مومئًا برأسه بعمق، قطع فينسنت هذا العهد على نفسه أمام القوات المحتشدة، متجاوزًا بيرستيتز بالكامل.
ولم تكد تمضي لحظة حتى سرت في أجساد الجنود حميّة ملتهبة حارقة. فالجحيم التي أحاطت بكيانهم لم تكن بأقل ضراوة من نيران التمرد المستعرة في سائر أنحاء الإمبراطورية.
فإن كانت نيران التمرد وليدة الارتياب في الإمبراطور، فإن اللهيب الذي اندلع في صدور القوات بات شعلة من الثقة المطلقة في شخص الإمبراطور وسلطانه.
فينسنت وبيرستيتز: [――――]
تبادل فينسنت وبيرستيتز النظرات في صمت مطبق بينما كانت الحرارة تشتعل رويدًا رويدًا بين صفوف الجنود.
الإمبراطور ورئيس الوزراء، كلاهما ارتقى إلى أعلى مراتب الإمبراطورية بفضل عبقريته ودهاؤه الاستثنائي؛ ولم يكن بمقدور القوات المحيطة استشفاف مغزى تلك النظرات المتبادلة بين الرجلين.
ومع ذلك، لم ينبس بيرستيتز ببنت شفة أخرى من شأنها إضعاف عزيمة الإمبراطور أو تقويض سلطته.
بل عوضًا عن ذلك――،
بيرستيتز: [――سعادة الإمبراطور، مع كامل احترامي وتبجيلي، لديّ سؤال أخير أود طرحه.]
فينسنت: [أما زال لديك مزيد من الأسئلة والظنون؟ على خلاف المرة الأولى، لا يبدو أن من يقفون خلفك يشاطرونك الرأي الآن.]
بيرستيتز: [من العسير للغاية على من يتبوأ منصب رئيس الوزراء أن يبني توصياته استنادًا إلى وجود مؤيدين له أو غيابهم.]
فينسنت: [إن لسانك لا يكف عن العمل. فتكلم إذن.]
أذن له فينسنت بالحديث، بحركة مقتضبة من فكه النحيل.
وردًا على ذلك، استهل بيرستيتز حديثه بقوله: «حسنًا إذن»، ثم استطرد قائلًا:
وكان ما قاله هو――،
بيرستيتز: [――بخصوص الأمير ذي الشعر الأسود.]
فينسنت: [――――]
بيرستيتز: [إن أولئك الذين يثورون في أرجاء البلاد قد اتخذوه زعيمًا وقائدًا لهم. إنه فتى ذو شعر أسود وعينين سوداوين، وتفيد أصوله… بأنه ابن غير معلن لسعادتكم.]
وكأنه ألقى بأحجار سحر النار المشبعة بطاقة المانا المتفجرة، فإن صنيع بيرستيتز هذا، للخير أو للشر، قد ألجم ألسنة الجنود المحيطين به وجعلهم عاجزين عن النطق من فرط المباغتة.
لقد تناهت إلى مسامع القوات تلك الشائعات من قبل. وحتى بالنسبة لهم، سيكون من محض الكذب ادعاء عدم اكتراثهم بحقيقة تلك الأنباء، غير أنهم لم يمتلكوا الجرأة قط لطلب التيقن منها.
وها هو بيرستيتز يجابه هذا الأمر مباشرة دون مواربة، فعادت مشاعر الترقب لتخيم على الأجواء، وبدا وكأن أولئك الجنود الذين استبد بهم الحنق قبل قليل قد انقلبوا وتأهبوا لسماع الجواب.
لقد غدا وجود هذا الأمير هو الشغل الشاغل والمحور الأوحد لاهتمام سائر أبناء الإمبراطورية قاطبة.
كيف سيبدو ذلك في عيني فينسنت، وكيف ستتلقاه أذناه، وبأي منطق سينطق فمه؟
وبعد برهة وجيزة من الصمت، نادى فينسنت رئيس وزرائه باسمه: «بيرستيتز».
وحينها――،
فينسنت: [إياك وأن تنقاد خلف مثل هذه الشائعات الرخيصة الطائشة؛ فليس لدي أي أبناء. وإن لزم الأمر، فتقصوا مبعث هذه الأراجيف واجلبوا وريث العرش المزعوم هذا بين يديّ. سأتخذه مهرجًا أتسلى به في بلاطي.]
وبابتسامة ماكرة لا تخلو من الخبث علت محياه، قطع الإمبراطور ذو الشعر الأسود الشك باليقين أمام الجميع.
بيرستيتز: [――أحقًا ليس الأمير ابنًا لسعادة الإمبراطور؟]
كان ذلك هو السؤال ذاته الذي طُرح قبل بضع دقائق فحسب أمام ذلك الحشد الغفير.
بيد أن نبرة المشاعر في صوته كانت مختلفة قليلًا وحملت ثقلًا أكبر بكثير. لقد كان سؤالًا جادًا وبصوت لا يدرك غوره ومغزاه إلا من ألقى السمع إليه مباشرة.
ففي نهاية المطاف، كانت المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة للشيخ الذي طرح السؤال.
ولم يكن المكان قاعة العرش ولا قصر الكريستال، بل مقر إقامة رئيس الوزراء داخل العاصمة الإمبراطورية.
ورغم أن كليهما كانا يتوليان مقاليد الحكم في الإمبراطورية، إلا أن التوتر بين فينسنت وبيرستيتز كان دائمًا على صفيح ساخن، وكان الانطباع السائد لدى المحيطين بهما أنهما لا يتوافقان أبدًا، إن أردنا صياغة الأمر بألطف عبارة.
ولهذا السبب، كان من المؤكد أن يمثل حوارهما هذا صدمة هائلة لأي شخص قُدر له أن يشهده.
أن يزور فينسنت فولاكيا قصر بيرستيتز فوندالفون سرًا، وأن يواجها بعضهما البعض داخل غرفة على هذا النحو.
وبطبيعة الحال، إذا أردنا وزن كلمة «صدمة» بمعناها الحقيقي، لكانت أبعد غورًا وأشد وقعًا في أرض الواقع.
فينسنت: [――――]
ضيّق فينسنت عينيه السوداوين إثر السؤال، وثبّت بصره على جليسه ولاذ بالصمت. وعوضًا عن التفكير المجرد، كان الإمبراطور يتعمد الصمت والتريث بغية محاصرة خصومه ودفعهم إلى الزاوية، ولذا لم يكن بيرستيتز في عجلة من أمره.
لقد كان شيخًا خبيرًا يدرك جيدًا ما للصمت والوقفات المتأنية من عظيم الأثر.
وفي الواقع، ورغم أن المسألة وُصفت بأنها «مسألة حياة أو موت»، إلا أنه لم يكن ثمة أدنى أثر للقلق، أو الاضطراب، أو الحرص على النجاة بالنفس في هيئة بيرستيتز وهو يطرح السؤال منتظرًا الجواب.
حقًا، لم يكن لديه أدنى اكتراث بالحفاظ على ذاته. وذلك تحديدًا كان أشد ما يثير الريبة والفزع في شأن هذا الشيخ.
فينسنت: [أمر بديهي.]
بيرستيتز: [――――]
فينسنت: [الجواب لا يتبدل؛ ليس لدي أي ورثة. وكل ما يُشاع محض ترهات.]
بيرستيتز: [كما أسلفتُ القول، لن يتسرب حرف مما يدور هنا إلى الخارج. وحتى لو كان الجنرال من الدرجة الأولى أولبارت نفسه، فلن تلتقط أذناه المرهفتان شيئًا. وأنت تعلم ذلك جيدًا.]
وبعد صمت طويل، عقّب بيرستيتز على جواب فينسنت.
كانت «غرفة الشاي» في قصر بيرستيتز بمثابة معقل منيع صغير جُهز بكل ما يلزم لغاية وحيدة: عقد المحادثات شديدة السرية. وكان يُشاع أنه داخل فولاكيا، تُستخدم في تشييد هذه الحواجز الغامضة أنواع نادرة من السحر، موظفة فنون اللعنات الغامضة أو أدوات الميتيور.
بل قيل في الشائعات إن تكلفة تشييد «غرفة الشاي» هذه وحدها تكفي لشراء مدينة بأكملها.
بيرستيتز: [لقد تلقيتُ مخصصاتي المالية الكافية. وسأضعها بين يديك بعد موتي، لتنتفع بها وتستخدمها خير استخدام.]
فينسنت: [وهل تظن أن غرفة تسمى «غرفة الشاي» ستليق بقصر الكريستال؟]
بيرستيتز: [الاسم والديكور الداخلي ليسا بذي بال، فبإمكانك إعادة تأثيثها كما يحلو لك. المهم هو وظيفتها… فهنا، لست بحاجة إلى ارتداء قناع زائف.]
وبدلًا من استخدام التلميحات المبطنة، تحدث بيرستيتز بلهجة صريحة ومباشرة لينزع عنه قناعه.
وعندئذ، أغمض فينسنت إحدى عينيه. لم يكن ذلك تفكيرًا متأملًا، فالجواب كان جليًا كالشمس. لم تكن تلك سوى وقفة أخرى، وفترة صمت متعمدة.
ورغم علمه التام بأن ذلك لن يفت في عضد الشيخ الجالس أمامه، إلا أنه لم يكن ليتنازل عن أسلوبه.
فلن يحيد عما عقده في قرارة نفسه. ورغم أن بعض معارفه القدامى ذوي الطباع المتساهلة قد أخبروه بصراحة بأن الأمر ليس مجرد لعبة، إلا أن ذلك كان جزءًا من سجيته المتأصلة.
فينسنت: [ليس لدي أدنى سبب لمسايرتك والانقياد خلفك. فأنا وأنت نعيش علاقة صراع متبادل تقوم على تقاطع مصالحنا المشتركة. فلا تسئ فهم ذلك.]
بيرستيتز: [فهمت. وإن كان الأمر كذلك، فأود منك أن تبدد شكوكي.]
فينسنت: [――――]
بيرستيتز: [سأسأل مرة أخرى؛ ليس لديك أي ابن، أليس كذلك يا سعادة الإمبراطور؟]
فينسنت: [――. الجواب يظل كما هو.]
كرر فينسنت الجواب ذاته بحزم. فرد بيرستيتز بكلمة مقتضبة: «فهمت إذن»، دون أن يرتسم على ملامحه أي أثر لخيبة أمل أو راحة.
وإن أخذ فينسنت في حسبانه الغاية التي يرمي إليها هذا الشيخ، لأدرك تمامًا بماذا ينبغي أن يجيب، غير أنه ونظرًا لارتباطه الوثيق بالقضية الراهنة، طرح سؤالًا في المقابل:
فينسنت: [جدلًا وافتراضًا؛ لو كان لدي ولد، فما عساك فاعلًا؟]
بيرستيتز: [لو كان لسعادة الإمبراطور نجل، لكان ذلك يعني أن سعادته على استعداد للنهوض بواجبات الإمبراطور الحقيقية. وحينها سيتم تأمين ذلك الابن في أقرب فرصة، وسنعيد سعادة الإمبراطور الحقيقي إلى سدة العرش.]
فينسنت: [همم. وماذا عني أنا إذن؟]
بيرستيتز: [أما عن المصير الذي يلاقيه الخونة، فكلانا يعلمه يقينًا، أليس كذلك؟]
كان جواب بيرستيتز حاسمًا، مفعمًا بالهدوء والواقعية المطلقة.
لقد كان من المثير للدهشة رؤية رجل بلغ هذا المدى الأقصى من نكران الذات في سبيل خدمة نهج الإمبراطورية وركائزها. وحقيقة خلو هيئته من أي شائبة ارتياب جعلت شذوذ حالته يبرز بشكل أكثر جلاءً.
ومع ذلك، وعلى النقيض من هواجس بيرستيتز――،
فينسنت: [――لا بد أن تلك الشائعات المتعلقة بولي العهد قد روج لها ذلك الرجل نفسه، الذي لا يكف عن الفرار والإفلات.]
بيرستيتز: [أتراه يفعل ذلك لإذكاء نيران التمرد في مختلف الأصقاع؟ وهل يُعقل أن يكون ثمة أطفال لم تكن أنت ولا حتى الجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس على علم بوجودهم؟]
فينسنت: [ذلك مستحيل قطوع.]
بيرستيتز: [حتى أنت لا تحيط علمًا بكل ما يتعلق بسعادة الإمبراطور.]
فينسنت: [――أقول إنه مستحيل تمامًا.]
هز فينسنت رأسه نفيًا في وجه بيرستيتز، الذي كان حريصًا على استقصاء أدق التفاصيل وتفحّصها.
لم يكن هذا مجرد تمنٍّ، أو رغبة شخصية، أو ادعاء للفهم. فذلك أمر يستحيل وقوعه البتة. وبمقدوره أن يجزم له بذلك دون أن يخامره أدنى ريب.
وبغض النظر عن أي اعتبارات، فإن فينسنت فولاكيا لم ينجب طفلًا قط.
فقد كان هذا الرجل دقيقًا وصارمًا لدرجة لم يترك معها أي متسع لمثل هذه الشكوك أو حتى بصيص احتمال. ولدرء أي شبهة، لم يسبق له حتى أن شارك امرأة مخدع نومها.
إرادة فولاذية تأبى أن تغمض عينيها قط في حضرة الآخرين؛ وذلك تحديدًا ما جعله يتشبث بنهجه وأسلوب وجوده هذا.
ولهذا السبب――،
فينسنت: [――فينسنت فولاكيا ليس له أي ولد. وما أقدمتَ عليه كان عين الصواب.]
بيرستيتز: [عين الصواب؟ إن كان هذا يُعد صوابًا، لكان حريًا بي أن أنتزع العرش بيدي هاتين. وما دام ذلك ممتنعًا، فليس بالأمر الصائب. وفي المقام الأول…]
فينسنت: [――――]
بيرستيتز: [فبهاتين الذراعين اللتين تشبهان أغصان شجرة هرمة يابسة، أعجز تمامًا عن صون عزة الإمبراطورية ومنعتها.]
بدت نبرة صوت الشيخ الرتيبة الهادئة أشبه بهوس محموم يستبد بكيانه أكثر من أي شيء آخر.
إن جمّاً غفيرًا من البشر يعتقدون جازمين بأنهم على صواب ويسلكون وفقًا لذلك. ولولا ذلك، لما استطاعوا إظهار مكنون قدراتهم على أكمل وجه، وبطبيعة الحال، لما تمكنوا من إثبات ذواتهم.
فكم يا تُرى من الناس في هذا العالم يستطيعون المضي بثبات دون أن تتزعزع أقدامهم، حتى وهم يدركون في أعماقهم أنهم يقترفون الأخطاء؟ ثابتين لا يلوون على شيء، ولم يعودوا سوى بهذه الحصيلة وحدها.
إذن وحينها――،
فينسنت: [――――]
――إذن، وفيما هم يغذّون السير قدمًا وسط ركام هذه الأخطاء، ما الذي ينتظرهم حقًا في نهاية هذا الدرب؟
بيرستيتز: [إن كانت كل الشكوك قد تبددت الآن، فإن ما يتعين عليّ فعله سيظل كما هو دون أي تغيير.]
وبينما كان فينسنت غارقًا في تأملاته، تحدث بيرستيتز بصوت غير مبالٍ.
لعلّه لم يتوقع وجود ولي عهد في المقام الأول. وإذا أُخبر من قِبل أقرب مقربيه بانعدام هذا الاحتمال كلياً، فيمكنه أن يسحب شكوكه في الوقت الراهن.
وبناءً على ذلك، انتقل انتباه بيرستيتز ومحور اهتمامه سريعًا إلى الموضوع التالي.
بيرستيتز: [إذن، كيف سنتعامل مع المتمردين الذين يوجهون نِصالهم نحوكم؟]
فينسنت: [هل كنت غير راضٍ عن الحوار الذي دار في قاعة العرش؟]
بيرستيتز: [لقد تجرأت على التحدث بلسان القوات، بيد أنني في نهاية المطاف في موقف يختلف عنهم؛ إذ يحدوهم ثقة عمياء في حكمتكم وسلطتكم. ――لقد أرسلنا الجنرال من الدرجة الأولى أراكيا والجنرال من الدرجة الأولى ماديلين إلى شتى أرجاء البلاد لسحق بذور التمرد، لكن ذلك وحده لا يكفي لسد الثغرة.]
فينسنت: [――――]
مسندًا ذقنه على كرسيه، استمع فينسنت في صمت مطبق لتقرير بيرستيتز.
في الواقع، لم يكن سلوك بيرستيتز في قاعة العرش مرتبًا مسبقًا. لكن، وبالنظر إلى مجريات الأمور داخل الإمبراطورية وموقف فينسنت، فقد كان التكتيك الأمثل المتاح.
فبذلك، أُعيد توجيه إحباط القوات وشكوكهم. غير أن بيرستيتز، الذي كان على علم تام بحقيقة أن فينسنت يجلس صوريًا على عرش شاغر، كان يراوده الشك حيال سلطته.
بيرستيتز: [في العادة، هذه هي المرحلة من الخطة التي تتطلب القدرة القيادية للجنرال من الدرجة الأولى تشيشا أو الجنرال من الدرجة الأولى غوز. وبما أنه يتعذر حشد كليهما، فكخطة بديلة… ما رأيكم في استدعاء الجنرال من الدرجة الأولى غروفي؟]
فينسنت: [――تحركات الشمال الغربي تثير الريبة بشكل مفرط. وسواء كان ذلك من تدبير كاراراغي أم طرف آخر، فليس لدينا أي خيار لإبعادهم عن تلك الحدود في الوقت الراهن.]
كانت المهام الأصلية الموكلة للجنرال من الدرجة الأولى هي حفظ الأمن الداخلي وكبح جماح التهديدات الخارجية.
هذا الموقف برمته كان نتاجًا لتعاون فينسنت وبيرستيتز، ولكن إن عرّض ذلك ركائز الإمبراطورية للخطر، فسيكون أشبه بوضع العربة أمام حصان الريح العاصفة―― أي خنقها حتى الموت نتيجة قيادة متمركزة حول ذاتها.
كما كان نشر غروفي غومليت بمثابة محور أساسي لا غنى عنه في خطوط دفاع الإمبراطورية.
بيرستيتز: [إذن، وماذا عن الجنرال من الدرجة الأولى أولبارت؟]
فينسنت: [لا نرغب في إبعاده بتهور عن العاصمة الإمبراطورية وتعريضه للقوات المتمردة دون مسوغ. من الضروري إبقاؤه في العاصمة ونشره في نقاط استراتيجية بالغة الأهمية. على الأقل، في الوقت الحالي، وطالما أنه على استعداد لاتباع أوامرنا.]
بيرستيتز: [وهناك أيضًا فترة نقاهته لتعافي الذراع التي فقدها في حادثة مدينة الشياطين. وبالنظر إلى الظروف الراهنة، لن يكون من العسير إبقاؤه في العاصمة الإمبراطورية. وإن كان الأمر كذلك، فماذا عن الجنرال من الدرجة الأولى موغورو.]
فينسنت: [بالنسبة له، فثمة واجب لا يمكن لأحد سواه أداؤه.]
ناقرًا الأرض بمقدمة حذائه، دحض فينسنت اقتراحات بيرستيتز واحدًا تلو الآخر.
لقد أُسندت مهام حاسمة لكافة الجنرالات التسعة الساميين. ولم يتبق سوى قلة قليلة منهم ممن لم يندرجوا ضمن هذه الفئة.
بيرستيتز: [هل الجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس لا يزال مجهولًا؟]
فينسنت: [من العسير عليه للغاية التمييز بين الصديق والعدو. فقناعاته لا تتبدل مهما اختلفت المبادئ أو القضايا الكبرى التي يحملها المرء. ولذلك، فقد أقصيته من الرقعة.]
يكفي القول إنهما كانا يعرفان بعضهما البعض منذ أمد بعيد. بيد أنهما لم يشعرا ولو لمرة واحدة بأنهما يفهمان بعضهما.
ربما لم يكن بوسع أحد فهم سيسيلوس سوى سيسيلوس نفسه. فقدرته في استعمال السيف لا يُشق لها غبار، لكن لم يكن ثمة متسع ليسمحوا فيه لعدم اليقين والتقلب بأن يسود موقفه.
ورغم ذلك، وبالنسبة لسيسيلوس، الذي طالما اشتهى الوقوف على المسرح الأعظم، فقد بدا الأمر برمته كقصة تدعو للأسف.
فينسنت: [وعلى أية حال، فلا أمل يُرجى في عودته. فأكثر من أولئك الذين لا طائل من استخدامهم، فإن البيادق التي تسبب المتاعب حين تحريكها لن تفضي إلا لنسف الحسابات عن مسارها. وبشكل عام، ينبغي النظر إلى المتمردين من الزاوية عينها.]
بيرستيتز: [――. إن لم يُعد إلى الرقعة، فليس لدي أي اعتراض. وإن كان الأمر كذلك، فما القوة الحربية التي تضعونها في الحسبان لمجابهة ولي العهد، الذي يقدم نفسه بصفاقة كابن لسعادتكم، والمتمردين الذين يكتسبون زخمًا يومًا بعد يوم، فضلًا عن الجنرال من الدرجة الأولى يورنا؟]
فينسنت: [أراكيا، وأولبارت دونكلين، وماديلين إيشارت.]
بيرستيتز: [――――]
فينسنت: [وإن خِلتَ أنهم غير كافين، فأضف إليهم تشيشا غولد وموغورو هاغاني.]
وعند سماعه كلمة «غير كافين»، هز بيرستيتز رأسه مكتفيًا بالقول: «على الإطلاق».
ورغم أنه كان من المشكوك فيه مدى رحابة صدر المرء لتقبل هذا، فقد كان موقفًا استثنائيًا أن يصطف خمسة من الجنرالات التسعة الساميين لمواجهة خصم واحد. علاوة على ذلك، كان هناك أيضًا جنرالات الدرجة الثانية، وفي طليعتهم كافما إيرولوكس، الذي يمكن اعتباره فعليًا جنرالًا من الدرجة الأولى من حيث القوة الخالصة، ولم يكونوا قلة يُستهان بها.
لذلك――،
فينسنت: [――في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، سنلتحم في مواجهة المتمردين.]
بيرستيتز: [ربما سيغير المتمردون استراتيجيتهم الحربية بمجرد أن يجمعوا شتات قواتهم بالكامل.]
فينسنت: [أمير ذو شعر أسود لجمع القوات، وحفنة من المتواطئين يتخذونه كرمز للخداع والتضليل؟ كيف لمثل هذه الشرذمة أن تكون على قلب رجل واحد في إصرارها على أصالة أمير لا وجود له من الأساس؟ على المدى القصير، قد تكون هذه خطوة داهية لإشعال فتيل التمرد، لكن التناقضات ستتراكم حتمًا بمرور الوقت.]
لقد استغل المتمردون هذه السانحة ليرفعوا أصواتهم، وانضوى كثير منهم تحت جنرال أمير مزيف.
حتى وإن تقاطرت كافة القوات المتمردة من شتى أصقاع البلاد للاحتشاد في العاصمة، فلن يكونوا قادرين على التنسيق فيما بينهم. ومع ذلك، فمن المؤكد أن فينسنت فولاكيا لم يغفل عن وضع مثل هذا الاحتمال في الحسبان.
ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فقد ترك الأمر عنصرًا من الارتياب. وبالحديث عن الارتياب――،
بيرستيتز: [――معركة حاسمة في العاصمة الإمبراطورية، هڪذا إذن؟ منذ تأسيس الإمبراطورية الفولاكية العظمى، ولمجموعة من المتمردين أن تزحف نحو العاصمة الإمبراطورية، إنه لأمر يماثل تمامًا ما حدث في «مقصلة ماغريزا».]
فينسنت: [بيرستيتز.]
بيرستيتز: [نعم؟]
فينسنت: [يبدو أنك تستمتع بوقتك حقًا.]
إزاء ملاحظة فينسنت، أطلق بيرستيتز همهمة «هاه؟» بدت مرتبكة على غير عادته. غير أنه، وحينما قرص وجنته بأصابعه، أدرك للمرة الأولى حقيقة مشاعره هذه.
وبعد أن استقصى مليًا مبعث تلك البهجة التي تسرّبت إليه رويدًا رويدًا، وتقصّى أصلها الحقيقي،
بيرستيتز: [أنا في غاية الأسف. أعلم أن صدور هذا مني أنا من بين كل الناس أمر مستهجن، لكني أقدم اعتذاري القلبي الخالص.]
فينسنت: [الاعتذارات لا طائل منها. ما الذي يدعوك للتبسم؟]
بيرستيتز: [ابتسامة… الأمر وما فيه، أنني رأيت أن هذا هو ما كان متوقعًا.]
فينسنت: [كما كان متوقعًا؟]
بيرستيتز: [كما كان متوقعًا، فتصوير دوامة الحرب المستعرة، هذا الشيء بعينه، هو التجسيد الحقيقي للإمبراطورية الفولاكية ذاتها.]
ولأي شخص من خارج الإمبراطورية، لبدا هذا القول أشبه بخرف شيخ هرم أو تفاهة لا تستحق الالتفات.
غير أن هذا كان على الأرجح شعورًا راسخًا يختلج في قلب كل فرد في الإمبراطورية الفولاكية، صغيرهم وكبيرهم، ولم يكن بيرستيتز يشكل استثناءً فريدًا في هذا الصدد.
――لا، وبالطبع، فقد كان من النادر للغاية أن يتفوه أحد بمثل هذا القول، حتى ممن يتبوأ مثل هذا المنصب.
فينسنت: [وهل يرتكز الوجود بأسره للإمبراطورية الفولاكية على ذلك حصرًا؟]
بيرستيتز: [لكل منا صورته الخاصة عن المستقبل الذي يستشرفه. سعادة الإمبراطور… لا، بل أنا واثق بأن لكم صورتكم أيضًا.]
فينسنت: [――――]
داخل غرفة الشاي، حيث لم يكن ثمة أي ثغرة للتنصت، ومع ذلك كله، فقد أسهب في الحديث قليلًا بما يفيض عن الحاجة.
لم يكن هذا الإسهاب من شيم بيرستيتز المعهودة، ولعلّه كان برهانًا قاطعًا على أن الدماء البشرية لا تزال تجري في عروقه. وإن كان الأمر كذلك، فربما لم تكن في عروق فينسنت أي دماء بشرية تجري فيها بعد كل شيء.
والسبب في ذلك――،
فينسنت: [――لقد تماديت في الحديث يا بيرستيتز. من تظنني أكون ماذا بحقك؟]
فبالفعل، وفي طيات الكلمات الهادئة التي صاغ بها رده، لم يكن ثمة أي أثر للابتهاج أو الرثاء اللذين كان ينبغي أن يعتملا في نبرته.