الفصل 430 - سباركا
الفصل الثالث وستون
«سباركا»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――فلنعد بعقارب الساعة قليلًا إلى الوراء.
غوستاف: [――بدءًا من هذه اللحظة، ستخضعون أيها السادة لاختبار قاطع يحدد مدى أهليتكم لتغدوا مبارزين على أرض هذه الجزيرة.]
وتم اقتياد سوبارو قسرًا من غرفة العلاج وزُج به في غرفة أخرى؛ وعقد غوستاف أذرعه الأربعة العاتية، ممررًا بصره الثاقب فوق المشهد الماثل أمامه.
وتوجهت تلك النظرات الآلية والباردة كالصقيع نحو أربعة أشخاص، من بينهم سوبارو.
رجل سحلية ذو حراشف رمادية يرتدي أسمالًا بالية وقذرة، ورجل نحيل يغطي الوشم نصفه العلوي العاري برأس حليق، وشاب ذو ملامح جسورة وشعر بلون الصدأ.
وقد كُدسوا جميعًا داخل الغرفة ذاتها التي حُشر فيها سوبارو.
وبناءً على ما تناهى إلى مسامعهم للتو، فمن منظور غوستاف، بدا أن سوبارو وأولئك الرجال يقفون جميعًا في المأزق نفسه.
غير أن ثمة استياء واضحًا من هذا التصور قد اعترى أولئك الذين أُلقي بهم في هذه الغرفة.
؟؟؟: [مهلًا أيها الحاكم غوستاف! أتنوي حقًا بدء «سباركا» الآن؟ ومع وجود هذا الطفل في صفوفنا؟ نحن لا نلهو هنا!]
وبمجرد رؤيته لسوبارو وهو يُدفع من ظهره إلى داخل الغرفة، هتف الشاب ذو الشعر الصدئ مستنكرًا؛
كان يتمتع بملامح لا بأس بوسامتها، غير أن ذقنه غير الحليق وملامحه المنهكة، مضافًا إليها ملامح الإحباط الناضحة بالسخط، قد أطاحت بالكثير من جاذبيته.
ومع ذلك، لم يكن مظهره الخارجي ذا بال هنا؛ وبرهانًا على ذلك، اندفع الرجلان الآخران في ثورة سخط ضد غوستاف، كأنما عصفت بهم فورة الغضب ذاتها.
رجل السحلية: [أجل يا رجل! كيف لبرغوث كهذا أن ينفعنا في شيء!؟ حياتي اللعينة على المحك هنا!]
الرجل الموشوم: [عدم تحويل القتال في الحلبة إلى استعراض للوحشية؛ ألم تكن تلك سياسة الحاكم، أو هكذا سمعت، ولكن…؟]
ذو الشعر الصدئ: [الأمر كما قالا تمامًا؛ فنحن بحاجة إلى تفسير مقنع؛ وبادئ ذي بدء، حتى وإن أضفنا هذا الطفل إلى صفوفنا، فسيظل عددنا ناقصًا؛ لقد صرحتَ بنفسك أن المجموعة تتألف من خمسة أفراد!]
وتعالت أصوات رجل السحلية، والرجل الموشوم، وذي الشعر الصدئ في وقت واحد، مصوبين جام غضبهم نحو غوستاف.
ولما كان يجهل كنه «سباركا» أو كيف تعنيه من الأساس، وجد سوبارو نفسه في موقف لا يسعه فيه التدخل العبثي؛ ومع ذلك، استطاع بطريقة أو بأخرى التقاط خيوط الموقف؛
فبحسب ما بدا، كان وجود سوبارو قد خيب آمالهم بشدة، ولهذا راحوا يصبون سخطهم وتبرمهم على غوستاف.
سوبارو: […غوستاف-سان، يبدو أن الجميع مستاء من هذا الأمر، ومع ذلك…]
غوستاف: [لقد سمعتهم جيدًا يا شوارتز؛ وبصفتي المسؤول المخول، لا أملك سوى أذنين اثنتين مثلك تمامًا، على النقيض من عدد أذرعي، غير أنني عاقد العزم على أداء واجباتي على أكمل وجه؛ متضمنًا ذلك استخدام رأسي الوحيد هذا.]
ذو الشعر الصدئ: [إن كان ذلك――]
غوستاف: [――اصمت؛ فمقاطعتي، بصفتي المسؤول المخول، تعدل العصيان وعرقلة الإرادة المباشرة لصاحب الجلالة الإمبراطور.]
وببضع كلمات قاطعة وحاسمة، أُخرس ذو الشعر الصدئ في الحال، وكُبتت أي تعليقات أخرى كان ينوي التفوه بها.
ولم تتبدل ملامح غوستاف قط، ولا اهتزت نبرة صوته؛ ومع ذلك، كان الوزن الثقيل الكامن وراء كلماته أشد فتكًا من ذي قبل.
وطبق ذو الشعر الصدئ شفتيه، وتبعه الرجلان الآخران في صمت مطبق؛ وعند رؤية ذلك، أومأ غوستاف برأسه.
غوستاف: [حسنًا إذن، سأواصل حديثي؛ وكما أعلنتُ لكم، سأشرع الآن في بدء «سباركا» الخاصة بكم؛ وقد تقرر سلفًا أن يقتصر الجمهور على المبارزين المقيمين في هذه الجزيرة، دون أي حضور من خارجها؛ فليكن هذا بمنزلة اختبار حاسم يثبت مدى كفاءتكم لإمتاع زوار رفيعي المستوى في المستقبل.]
سوبارو: [جمهور…]
وتمتم سوبارو بتلك الكلمة بخفوت، وشعور الاستياء يعتصر قلبه.
فسيسيلوس المزيف —الذي لازمه حتى لحظة دفعه إلى الغرفة— كان قد ودعه قائلًا: «أتمنى لك حظًا طيبًا! سأراقبك من الأعلى هناك!».
ولم يتبين سوبارو مغزى تلك العبارة بدقة، غير أنها منحته الآن تصورًا تقريبيًا لما ينتظره.
سوبارو: [لا تخبرني أنك تنوي إجبارنا على مقاتلة بعضنا بعضًا…]
رجل السحلية: [ها! يبدو أنك تجهل كل شيء حقًا أيها البرغوث! فلو كان الأمر كذلك، لكنا في غاية السعادة والسرور بوجود شخص مثلك بيننا!]
سوبارو: [أُه…]
وما إن نطق سوبارو بخاطره، حتى سخر منه رجل السحلية مخرجًا لسانه الطويل في استهزاء.
غير أن كلامه كان يحمل وجهًا من الصواب؛ فلو قُدر لـ«سباركا» أن تكون تصفية بين الحاضرين في الغرفة، لكان طفل مثله فريسة مرحبًا بها بينهم.
ولكن، ما كان يثير ذعرهم حقًا هو أن سوبارو لن يشكل أي عون لهم في القتال المترقب――
سوبارو: [بمعنى آخر، جميعنا سنقاتل ضد شيء ما؟]
الرجل الموشوم: [أنت فطن ولا بأس بذكائك أيها الصغير؛ أما أنا، فصبري ينفد سريعًا؛ لذا فلتطبق فمك للحظة…]
وبدلاً من الثناء عليه بلطف لاستنتاجه الصحيح، عاجله الرجل الموشوم —وعيناه محتقنتان بالدماء— بتحذير غليظ.
وحتى هذه اللحظة، كان الشعور السائد هو أن بوادر العمل الجماعي بينهم قد وُلدت ميتة؛ رغم أن الموقف لم يكن يحتمل الحديث بمثل هذا التراخي والعبث.
ذو الشعر الصدئ: [ما هو ذلك الشيء الذي تعتزم إجبارنا على مقاتلته ماذا بحقك؟]
غوستاف: [لن يكونوا مبارزين متمرسين؛ فلو كان الأمر كذلك، لما كانت لكم أي فرصة تُذكر في النجاة؛ وبصفتي المسؤول المخول، هذا كل ما يسعني الإفصاح عنه؛ ――لأن هذا الخصم لا يظهر في وضح النهار أبدًا.]
ذو الشعر الصدئ: [――؟ أهذا لغز؟ يا لها من دعابة سمجة ومقيتة.]
وتقلصت زوايا فم ذي الشعر الصدئ في استياء وهو يعقب على كلمات غوستاف.
ثم التقط أنفاسه بصعوبة وواصل قائلًا: «إذن»:
ذو الشعر الصدئ: [ورغم أنك تجبرني على الصمت، فاسمح لي بسؤالك عن هذا على الأقل؛ إن كان هذا الطفل هو الفرد الرابع، فأين الفرد الخامس؟ ففرقتنا…]
غوستاف: [إن الفرد الخامس في فرقتكم لا يزال غارقًا في سباته داخل غرفة العلاج؛ وما لم يستيقظ ذلك الفرد، فإن الحاضرين هنا هم من سيخوضون غمار «سباركا» بمفردهم.]
ذو الشعر الصدئ: [أأنت فاقد لعقلك أيها الحاكم…!]
غوستاف: [إن تطلب الأمر الانصياع لإرادة صاحب الجلالة الإمبراطور، فسأوظف كامل عقلي أو حتى جنوني طوع أمره.]
وأمام جواب غوستاف الجليدي، أشاح ذو الشعر الصدئ بنظره بعيدًا وقد يئس من جدوى النقاش؛ ثم نقل بصره نحو سوبارو، وناداه قائلًا: «أنت».
وبسبب موقفه العدائي السابق وندائه المفاجئ، تصلبت وجنتا سوبارو:
سوبارو: [مـ-ماذا هناك…؟]
ذو الشعر الصدئ: [ظاهر الأمر أنك مجرد طفل بائس ومثير للشفقة، لكن ما الذي تجيده حقًا؟ أتملك أي مهارات خاصة؟ أي سحر؟ ربما تملك سلاحًا فتاكًا ومفيدًا؟]
سوبارو: [مـ-مهارات خاصة ومفيدة…]
وجالت عينا سوبارو في ذعر وهو يُمطر بسيل من الأسئلة.
ولسوء الحظ، ومنذ أن تقلص جسده، لم يعد واثقًا من قدرته على التلويح بسوطه ببراعة؛ وفيما يخص السحر، فهو مجرد من أي حيلة دون وجود بياتريس المحبوبة بجواره؛ وفوق ذلك، حتى حيله البسيطة المتفرقة بات من العسير استخدامها بكفاءة في ظل جسده المتصاغر.
وعجز سوبارو عن الرد فلزم الصمت؛ فوضع ذو الشعر الصدئ يده فوق جبينه:
ذو الشعر الصدئ: [يا للسخرية، إنه مجرد طفل بالفعل… يا لها من ورطة مريعة.]
وتمتم بصوت يفيض بخيبة أمل ساحقة.
رجل السحلية: [هي، هيهي، ابُتلينا ببرغوث، وعددنا ناقص؛ لقد قُضي الأمر؛ قُضي الأمر! نهايتنا هُنـااااا!]
الرجل الموشوم: [اخفض صوتك اللعين أيها الوغد ذو الحراشف؛ أتريد أن تموت لأنك أثرت حنقي…؟]
رجل السحلية: [هاااه؟ لا أسمعك، صوتك خافت للغاية!]
ولما لم يرق لهم الحوار الدائر بين سوبارو وذي الشعر الصدئ، اشتعلت مشادة عنيفة بين رجل السحلية والرجل الموشوم؛ وتبادلا نظرات حارقة وكأن شجارًا داميًا على وشك الاندلاع في أي لحظة؛ فتدخل ذو الشعر الصدئ بينهما صارخًا: «مهلًا!»:
ذو الشعر الصدئ: [لماذا نتقاتل فيما بيننا!؟ أعلم أنكم تشعرون بالإحباط واليأس، لكن استمعوا إليّ! لقد كنتُ محاربًا أخدم شخصية رفيعة المقام قبل قذفي إلى هنا! فإن اتبعتم تعليماتي، فستتمكنون من…]
رجل السحلية: [اخرس! كنتَ محاربًا؟ فما الذي أتى بك إلى هذا الجحيم إذن؟ لأنك هُزمت وأُسرت، أليس كذلك!؟ هذه ليست بشارة خير إطلاقًا!]
الرجل الموشوم: [لا توجد حماقة أشنع من أن يسلم المرء زمام حياته لشخص آخر؛ ولن أسمح لأي وغد بأن يتحكم في مصيري.]
ذو الشعر الصدئ: [أ-أيها الأوغاد…!]
غير أن رجل السحلية والرجل الموشوم أدارا ظهوريهما تمامًا لمحاولات ذي الشعر الصدئ الذي وقف بينهما.
وما زاد الطين بلة، أن ردودهما القاسية جعلت وجه ذي الشعر الصدئ يحتقن ويستشيط غضبًا؛ وبالنظر إلى المجهول الذي ينتظرهم، كان هذا الوضع ينذر بكارثة محققة.
سوبارو: [غـ-غوستاف-سان…]
غوستاف: [شوارتز، بصفتي المسؤول المخول، لم يعد لدي ما أضيفه؛ فقد صرحتُ بنواياي واضحة جلية؛ فحتى أصغر قطرة دم تُسفك على أرض جزيرة المبارزين هذه، ستُسخر لخدمة ازدهار الإمبراطورية؛ حتى أصغر قطرة.]
سوبارو: [حتى وإن أعدتَ كلامك مجددًا، فلا أزال عاجزًا عن الفهم…]
وانشغل الثلاثة بعراكهم الطاحن، بينما وقف سوبارو وحيدًا، عاجزًا عن فك طلاسم كلمات غوستاف الغامضة.
وبينما كان يرقب الأربعة وهم يغرقون في لجج مأزقهم اليائس، آثر غوستاف التزام الصمت المطبق.
وحينها――
△▼△▼△▼△
――وظلت العلاقة بين الأربعة في أدنى مستوياتها وأكثرها توترًا، وهكذا انطلقت «سباركا»، المعضلة التي تنتظرهم الآن.
سوبارو: [――――]
ساحة دائرية تطوقها جدران شاهقة الارتفاع؛ ذلك هو مسرح المبارزين الذي يُطلق عليه اسم «حلبة المبارزة».
وعلى الجانب الآخر من الجدار، انتصبت مدرجات متدرجة مخصصة للجمهور؛ وكانت المقاعد تمتلئ رويدًا رويدًا بأطياف البشر، وكان ملموسًا أن حماسة هادئة ومكتومة تخيم على أرجاء المكان.
غير أن الأمر المريب بحق، هو أن أولئك الذين يراقبون حلبة المبارزة―― وهم «المبارزون» بحسب تفسير غوستاف، كانوا يفعلون ذلك في صمت ودون أدنى تذمر أو تبرم.
ففي تصور سوبارو المسبق، كان يُفترض بجمهور يتواجد في بقعة كهذه أن يكون حشدًا فوضويًا ومتوحشًا.
ومع ذلك، فإن هذا التباين الشاسع عما توقعه كان أمرًا حتميًا لا مفر منه.
ففي نهاية المطاف، غوستاف هو من يتولى إدارة هذه الجزيرة وإحكام قبضته عليها؛ ――وكان من المستحيل تخيل أن ذلك العملاق الصارم الذي لا يلين سيسمح بأي سلوك غير منضبط أو همجي من قِبل المبارزين.
سوبارو: [مجرد الركض في الممرات هنا قد يُعاقب عليه بأشد العقوبات صرامة.]
ولهذا السبب، كان سوبارو يبذل غاية جهده لرسم قناع من الشجاعة الزائفة، محاولًا إشاحة نظره عن واقعه المروع؛
وإلا، لكانت ركبتاه المرتعدتان قد أجبرتاه على الفرار هربًا في أية لحظة.
――وببطء مميت، ومن وراء البوابة الحديدية المنفرجة، لاح بريق عيني وحش مابست كاسر!
وحش المبارزة: [――――]
وكان وحش المابست الذي يخطو خارجًا يحمل رأس أسد، وتعرف سوبارو على الفور على ذلك الجسد المبهرج؛
لقد كان وحش المابست الضخم ذاته الذي جلبته تلك الفتاة ذات الضفائر إلى القصر في الماضي؛ وهو الخصم الهائل نفسه الذي اتُخذت جثته مادة لصنع سوط سوبارو؛ غير أن اسمه لم يحضر في ذهنه على الفور.
سوبارو: [أ-أسد…؟]
وحش المبارزة: [――روووووووو!!!]
وكأنما يستجيب لنداء سوبارو، زأر وحش المابست―― أو بالأحرى، أسد المبارزة؛ وتردد صدى الزئير المزلزل في أرجاء حلبة المبارزة بأسرها، وشعر سوبارو بارتداد الصوت يهز كيانه من الداخل؛
وحش مبارزة يفوق غوستاف ضخامة، ومجرد رؤية كينونة كهذه حتى من مسافة بعيدة كان أمرًا يبعث على رعب لا يُحتمل.
ذو الشعر الصدئ: [إن لم نقضِ على هذا الوحش، فلن نخرج من هنا أحياء.]
ومحدقًا في الأسد، نطق ذو الشعر الصدئ بصوت يقطر قتامة.
وبالفعل، كان كلامه هو عين الصواب؛ فتلك هي الشروط الوحيدة لاجتياز هذه الـ«سباركا»، وهو تحدٍ يتحتم على سوبارو والثلاثة الآخرين التكاتف لإنجازه؛
لقد كان تحديًا مرعبًا لا يلوح في أفقه أي بصيص أمل للانتصار.
رجل السحلية: [تبًا، سحقًا، لماذا أُقحمت في هذا الجحيم…؟!]
ذو الشعر الصدئ: [كفاك عويلًا! علينا بذل كل ما في وسعنا للنجاة! انظر هناك!]
رجل السحلية: [إيه؟]
ومغطيًا وجهه بكلتا يديه، ندب رجل السحلية حظه وكأن القيامة قد قامت؛ فربت ذو الشعر الصدئ على كتفه وأشار نحو ما يبدو كأنه أطراف حلبة المبارزة―― ولنكون أكثر دقة، نحو شيء مثبت عند الطرفين الأيمن والأيسر للساحة، من منظور مجموعة سوبارو الواقفة في الزاوية المقابلة للأسد؛
وهناك، تمكنوا من رؤية شيء مغروس في كلتا الزاويتين――
الرجل الموشوم: [――أهذان… سيفان؟]
سوبارو: [أوه، يبدو الأمر كذلك بالنسبة لي أيضًا…!]
وما إن أيد سوبارو كلمات الرجل الموشوم، حتى حصد نظرة ازدراء باردة؛ ولكن حتى وإن لم يتقبل حلفاؤه كلامه، فإن ما رآه لم يتبدد كالدخان؛
فقد كان هناك سيفان مغروسان في الأرض هناك بالفعل.
ذو الشعر الصدئ: [من المستحيل أن يرموا بنا كطعام لوحش المبارزة هذا دون أي أسلحة؛ ولذا فأولويتنا القصوى هي تأمين سلاح؛ غير أن السيف الموجود على اليمين هو الوحيد الصالح للاستخدام.]
الرجل الموشوم: […أجل.]
وأومأ الرجل الموشوم موافقًا على تحليل ذي الشعر الصدئ؛ وكان سوبارو يشاطرهما الرأي نفسه، غير أنه آثر لزوم الصمت، خشية أن يرمقوه بنظرات حارقة إن نطق.
ففي النهاية، كان السيف الموجود على اليمين صغير الحجم، بينما كان السيف الموجود على اليسار ضخمًا للغاية؛
لقد كان السيف الأيسر ضخمًا لدرجة تفوق الوصف، ونصله شديد السماكة، ناهيك عن صعوبة التحكم فيه، مما جعله يتساءل عما إذا كان هذا السيف مخصصًا لاستخدام غوستاف نفسه؛
وحتى لو لم يتقلص سوبارو، لظل السيف هائلًا لدرجة يبدو معها رفعه ضربًا من المستحيل.
ولعل ذا الشعر الصدئ والرجل الموشوم كانا عاجزين هما أيضًا عن استخدام سيف بتلك الضخامة المفرطة؛
وبناءً عليه، لم يكن بالإمكان استخدام سوى السيف الأصغر كسلاح؛ ولو كان بينهم فرد قادر على التلويح بذلك السيف الضخم، لكان ذلك كفيلًا ببعث طمأنينة هائلة في نفوسهم.
ذو الشعر الصدئ: [إنه أضخم من اللازم؛ لا خيار أمامنا سوى الاستحواذ على ذلك السلاح، واستهداف عيني وحش المبارزة هذا؛ نحيل أحشاء رأسه إلى عصيدة، ونقضي عليه تمامًا؛ هذا هو سبيلنا الأوحد للانتصار.]
الرجل الموشوم: […أوتجيد استخدام السيف؟]
ذو الشعر الصدئ: [سبق وأخبرتك؛ لقد كنتُ محاربًا؛ وأجيد استخدامه ببراعة تفوقك.]
وأجاب ذو الشعر الصدئ بثقة عارمة، فأغلق الرجل الموشوم عينًا واحدة وبدا غارقًا في التفكير؛ وبحكم جبري متسرع اعتبر فيه ذلك الصمت بمثابة موافقة ضمنية، التفت ذو الشعر الصدئ نحو سوبارو ورجل السحلية:
ذو الشعر الصدئ: [حين يعلن عن بدء النزال، سأنطلق لتأمين ذلك السيف؛ وفي تلك الأثناء، ولما سأكون أعزل ومكشوفًا، أبعدوا وحش المبارزة عني.]
سوبارو: [كـ-كيف يمكنني إبعاده؟]
ذو الشعر الصدئ: [بإمكانك لفت انتباهه بالصراخ أو إحداث جلبة! على الأقل، تدبر هذا الأمر بنفسك!]
سوبارو: [فـ-فهمت…]
وأمام توبيخ ذي الشعر الصدئ الصارم، أومأ سوبارو برأسه بخنوع؛
لقد كانت خطة متهورة ومخيفة إلى أبعد حد، لكن لم يسعفه التفكير بأي بديل آخر؛ وإن كانت مهارة ذي الشعر الصدئ تضاهي مستوى ثقته بنفسه، فبإمكانهم إسقاط هذا الأسد؛
ويتحتم عليه النجاة من «سباركا» المرعبة هذه ليتمكن من رسم مساره التالي؛
ولذا――
غوستاف: [――حسنًا إذن، فلتبدأ «سباركا»!!]
ومع ذلك الإعلان الجهوري القاطع من غوستاف، اتخذ الأسد المنطلق وضعية التأهب للانقضاض؛
وتحت وطأة حضوره المرعب، أخذ سوبارو نفسًا عميقًا استعدادًا لجذب انتباه وحش المبارزة، ليشتري بضع ثوانٍ تتيح لذي الشعر الصدئ تأمين سلاحه.
ذو الشعر الصدئ: [غوااا!؟]
سوبارو: [――هـڪ!؟]
وبسرعة فاقت قدرته على الصراخ، عُقد لسان سوبارو حين رأى ذا الشعر الصدئ يسقط أرضًا بجواره مباشرة!
فذو الشعر الصدئ —الذي خطط للانطلاق راكضًا فور إعلان غوستاف— هوى فوق الأرضية؛ وكان ذلك بحد ذاته مفاجأة صادمة، لكن الصدمة الكبرى تمثلت في الركلة التي ارتطمت بوجهه!
والذي وجه تلك الركلة لم يكن سوى الرجل الموشوم، الذي كان يُفترض أن يكون حليفه في المعركة!
لقد أطاح بقدمي ذي الشعر الصدئ حين همّ الأخير بالانطلاق، وعاجله بركلة قاضية وهو يسقط؛ ثم، وبعد أن تيقن من سقوطه وتمدده بلا حراك:
الرجل الموشوم: [سبق وأخبرتك؛ لن أسلم زمام حياتي لشخص آخر قط…]
وبعد أن لفظ كلماته، انطلق الرجل الموشوم بخطوات سريعة متوجهًا نحو السيف الصغير؛
واتسعت عينا سوبارو ذعرًا أمام هذا الانقلاب المفاجئ، ومتخبطًا في حيرته عما ينبغي له فعله:
رجل السحلية: [لـ-ليس أنا! أ-أنا لن أموت هنا!]
سوبارو: [مهلًا!؟]
وصرخ رجل السحلية بصوت يرتجف رعبًا، وولى هاربًا موليًا ظهره للأسد؛ وعلى هذا النحو، التصق بجدار حلبة المبارزة وبدأ يغير لون حراشفه ببطء؛
واندمجت حراشفه الرمادية مع لون الجدار، مما جعل رؤية جسده الضخم أمرًا بالغ الصعوبة؛
أحدهم غدر برفيقه، والآخر التصق بالجدار جبنًا، والثالث ضُرب غيلة من قِبل رفيقه، والأخير لم يفعل سوى أن يفتح عينيه ذعرًا، وقد استبدت به الحيرة التامة أمام هذا الفوضى العارمة!
――لقد كانت هذه هي أسوأ بداية ممكنة على الإطلاق.
سوبارو: [مـ-ما الذي يمكنني…]
«ما الذي يمكنني فعله؟»؛ وبينما شحب وجه سوبارو من هول الصدمة، رمق الأسد بنظرة وجلة؛
بالنظر إلى هذا الفريق الذي يفتقر لأدنى ذرة من الاتحاد، ما هو الانطباع الذي تكون لدى وحش المبارزة يا تُرى؟ أو بالأحرى، كان سوبارو مرتعبًا من أن تنغرس أنياب الوحش في جسده في اللحظة التي يستدير فيها؛
غير أن――
وحش المبارزة: [――――]
سوبارو: [إيه؟]
لقد أُعلنت البداية، وظن أن وحش المبارزة سيتلاعب بهم حتمًا، في ظل حماقتهم المتناهية؛ غير أن الأسد ظل متمسمرًا في وضعية التأهب ذاتها التي اتخذها في البداية، دون أن يأتي بأدنى حركة؛
وكأن شارة البدء لم تُطلق من الأساس؛
وبينما كان سوبارو يتأمل ذلك، أدرك الحقيقة؛ ――أن الأمور تسير تمامًا كما كان يخشاها.
سوبارو: [هـ-هذا سيئ للغاية――!]
ومادًا يده، حاول التحدث فورًا، لكنه عجز عن تجاوز تلك النقطة؛
ففي نهاية المطاف، كان سوبارو يجهل اسمه؛ ولا يسعه مناداة شخص يجهل اسمه، وحتى إن ناداه، فما هو الأثر الذي قد يحققه نداء من مجهول؟
ولهذا السبب، تلاشت قوة صوت سوبارو، وعجز عن إيقاف الكارثة المحدقة.
الرجل الموشوم: [الآن وقد حصلتُ على هذا، يمكنني…]
وبعد غدره برفاقه، وصل الرجل الموشوم —الذي ركض بتلك الضراوة— إلى السيف المغروس في أرض حلبة المبارزة؛
وضحك في سره، ثم انتزع السيف من الأرض وتلمسه بيمناه؛ وكم من الشجاعة بثها ملمس وثقل المعدن البارد في قلب ذلك الرجل الذي كان أعزل قبل لحظات؟
وبخفة المنتصر، أدار رأسه، ووجهه يفيض غرورًا وكأنه يخلو من أي أعداء.
وحش المبارزة: [――روووووووو!!]
وأُطاح الأسد بوجه الرجل الموشوم بلا أدنى رحمة، بضربة قاضية من كفوفه الأمامية!
وأطارت مخالبه الحادة كل ما يعلو عنق الرجل في الهواء، ولما لم يدرك جسده بعد فناء كينونته، استغرق الأمر بضع ثوانٍ قبل أن تتفجر الدماء كنافورة هادرة؛
سوبارو: [إييك…]
وأمام هذا المشهد المروع، غص حلق سوبارو برعبه؛
وفي الوقت عينه، لعن نفسه من أعماق فؤاده لغبائه وعجزه عن إدراك الحقائق في وقت مبكر؛
فقد تحرك الأسد في اللحظة ذاتها التي قبض فيها الرجل الموشوم على مقبض السيف؛
وبالنسبة للأسد، كان ذلك هو الإعلان الحقيقي والفعلي لبدء القتال؛ وحتى تلك اللحظة، كان أمام سوبارو وفريقه متسع من الوقت لصياغة خطة محكمة؛
غير أن نفاد الصبر والتخبط دفعا فرقة سوبارو لتدمير كل شيء وتخريبه.
وحش المبارزة: [――روووووووو!!!]
ومع الرنين المعدني الحاد الذي دوى إثر سقوط السيف على الأرض، هوى جسد الرجل الموشوم المقطوع الرأس إلى الخلف؛ وبلا مبالاة تامة بموت فريسته، أطلق الأسد عواءً مدويًا، وشرع في ركض متوحش مسخرًا قوائمه الأربع؛ ――متجهًا مباشرة نحو جدار حلبة المبارزة.
رجل السحلية: [توقف، توقفتوقفتوقف، ابتعدابتعدابتعددددددددد!!]
ولم يكن يعلم أي حيلة استخدمها الأسد لتحديد موقع رجل السحلية المموه في الجدار؛ ورغم جهله بتلك الحقيقة، فإن ما تيقن منه تمامًا، هو أن عجز رجل السحلية عن تحمل اقتراب الأسد —مما دفعه لإطلاق صرخة رعب ومحاولة الفرار— كان بلا شك السبب المباشر لتلقي الضربة القاضية؛
وحش المبارزة: [――روووو!]
واندفع الأسد برأسه مباشرة نحو الجدار، وسحقت نطحته الجبارة النصف السفلي من جسد رجل السحلية قبل أن يسنح له وقت للفرار، مما أدى إلى انسكاب أحشائه الداخلية كضفدع سحقته عجلة عربة مسرعة؛
رجل السحلية: [غويه.]
ورغم أنه قد اكتسى بلون الجدار للتمويه، إلا أن الأعضاء التي اندلقت من فمه المهروس احتفظت بلون أحمر ووردي زاهٍ، وساور سوبارو تفكير شارد حول كيف أن الأحشاء الداخلية تظل محتفظة بحقيقتها؛
ومع تلك الخواطر، أدرك سوبارو —دون أدنى ذرة شك— أن رجل السحلية المسحوق أمامه قد فارق الحياة؛
وحينها――
ذو الشعر الصدئ: [يا لها… يا لها من حماقة غبية وتصرف أحمق…]
وهز ذو الشعر الصدئ رأسه، وتمتم بوهن ويأس أمام مشهد الموت المزدوج هذا؛
لقد بذل غاية جهده لاجتياز هذا المأزق، ودفع الجميع للتكاتف معًا بطريقته الخاصة؛ غير أن أحد رفاقه قد غدر به، والآخر ولى الأدبار هاربًا، مما بدد تلك الاحتمالية من جذورها؛
ولم يكن ذو الشعر الصدئ يتوقع من سوبارو أن ينجز ما كان يأمله من الرجل الموشوم ورجل السحلية أيضًا؛
وحتى لو عُقدت عليه بعض الآمال، فإن سوبارو نفسه لم يكن يشعر بأدنى قدرة على تلبية تلك التوقعات؛
ولعله قد قرأ ما يختلج في صدر سوبارو، فنظر الرجل في عيني سوبارو مباشرة:
ذو الشعر الصدئ: […ابقَ خلفي.]
وبعد استيعاب مدى اليأس الذي يغلف موقفهم، كم من البشر قادر على التحلي بمثل هذه الشجاعة الجسورة ومواجهة حتفه المحتوم وجهًا لوجه؟
فذو الشعر الصدئ —الأعزل من السلاح، والمجرد من الرفاق— لم يملك سوى أن يأمل في استقبال لحظاته الأخيرة بكبرياء وكرامة على الأقل؛
ومحتضنًا الطفل سوبارو خلف ظهره، حدق بصرامة في الأسد الذي التفت نحوهما؛
وردًا على تحديقه، أطلق الأسد زئيرًا قصيرًا، ثم اندفع نحو سوبارو والرجل، مثيرًا سحابة من الغبار بينما ركلت قوائمه الأربع الأرض بضراوة؛
سوبارو: [أُه، أُه…!]
وعجز عقله عن استيعاب الأحداث التي توالت في ذلك الجزء من الثانية؛
فلو كان أحد رفاقه الموثوقين حاضرًا هنا، فهل كان سيجد سبيلًا للنجاة بطريقة ما؟
لويس، ميديوم، فلوب، تاريتا، آل، آبل، ميزيلدا، هولي، كونا، أوتاكاتا، ريم――.
لو كان أي من رفاقه متواجدًا هنا، فهل كان سينجو بطريقة ما؟
سوبارو: [في مكان كهذا…]
«أنا سأموت»، وحاول سوبارو اعتصار بقية الجملة من صوته المرتجف؛
غير أنه عجز عن ذلك؛ فقبل أن يتمكن من النطق بها، كان الأسد قد لحق بسوبارو والرجل―― لكن ليس تمامًا؛
وذلك لأن كتفي سوبارو قد قُبض عليهما، ودُفع بقسوة بالغة نحو الأمام!
ذو الشعر الصدئ: [كلا، أنا لا، أنا لا أريد أن أموت―― هـڪ!!]
وصرخ ذو الشعر الصدئ، وهو يقذف بسوبارو ليكون درعًا أمامه في وجه الأسد!
محدقًا في ذهول، لم يسعفه الوقت حتى للعن الرجل على غدره؛ فكل ما حدث هو أن جسد سوبارو قد طار بخفة كورقة خريف ذابلة حين ارتطم الأسد به مباشرة؛
سوبارو: [――――]
يا له من جسد هش وضعيف؛
لقد تمزق جسد سوبارو إربًا في لحظات جراء الارتطام الساحق لوحش المبارزة؛ ولم يعنِ هذا أن أوصاله قد بُترت، بل أن أحشاءه قد سُحقت وتناثرت كقطع صغيرة مجهرية؛
عظامه، وأعضاؤه الداخلية، كلها تهشمت وتحطمت، كأن شاحنة عاتية قد دهسته؛
ذو الشعر الصدئ: [أنقذوني! لقد اقترفتُ خطأ! كذبت! كوني محاربًا كان محض كذبة! كنتُ أحاول التظاهر بالأهمية فحسب! أخرجوني من هنا! أخرجوني من هناااا!!]
وتحت سوبارو الذي كان يتأرجح في الهواء، صرخ ذو الشعر الصدئ وولول وهو يقفز متشبثًا بالجدار؛ وبكل ذرة يأس، توسل لغوستاف القابع فوق السور العالي؛
ومع ذلك، ظل غوستاف —وهو يرقب الرجل الباكي والمخاط يسيل من أنفه— بملامح باردة ولا مبالية، دون أن يرف له حاجب؛
ولعله كان قد أدرك كذبة ذي الشعر الصدئ منذ البداية؛
أو لعله لم يكن يكترث قط لكونها حقيقة أم كذبة؛
وأيًا كان الأمر، فلم يعد لذلك أي أهمية تُذكر؛
ذو الشعر الصدئ: [أنقذ――]
وبينما كان ذو الشعر الصدئ يتوسل ويتشبث بالجدار، ضربته إحدى مخالب الأسد من الخلف مباشرة، فسُحق كما تُسحق حبة طماطم رُميت على الجدار؛
وهكذا، الرجل الموشوم، ورجل السحلية، وذو الشعر الصدئ، قد سقطوا جميعًا كفرائس أمام وحش المبارزة؛
؟؟؟: [――سو، باسو، هل تسمعني؟]
وفجأة، وسط طنين صاخب يملأ أذنيه، تناهى إلى مسامعه صوت، فأمال سوبارو رأسه بوهن؛
وحينها فقط أدرك أنه قد قُذف بعيدًا، وقبل أن يعي ذلك، كان قد هوى أرضًا وتدحرج فوق التراب؛ وحتى وإن أدرك ذلك، فقد كان أعجز من أن يوقف عجلة الانهيار على أية حال؛
وفضلاً عن ذلك، كان الصوت الذي سمعه قادمًا من أعلى السور، حيث تقف هيئة تراقب سوبارو وهو يتخبط فوق الأرض؛
صبي ذو شعر أزرق مربوط، بوجه يثير الحنق والغيظ بعض الشيء:
سيسيلوس: [عذرًا، يبدو أن توقعاتي قد خابت هذه المرة! ظننتُ أنني قادر على ذلك، لكن يبدو أنني لستُ ببراعة والدي؛ ويبدو أنني أفتقر للمهارة في تقييم الرجال!]
سوبارو: [آه، آه…]
سيسيلوس: [وفي غضون ذلك، أثمة ما تود قوله لرفيقتك حين تستيقظ من غفوتها؟ لقد فكرتُ في مدى درامية تمرير رسالة أخيرة، فلماذا لا أغتنم هذه الفرصة البديعة!]
وبينما يراقب تأوهات سوبارو، بدت هالة سيسيلوس المزيف ثابتة ولا تهتز قط؛
وبتأمل الأمر، فإن مسلكه لم يتبدل إطلاقًا؛ لا حين استيقظ سوبارو، ولا حين تجاذبا أطراف الحديث في غرفة العلاج، ولا وسوبارو في هذه الحالة، مشرفًا على الموت؛
وشعر سوبارو أن هذه الرؤية المجنونة للحياة والموت هي العنصر الذي يمنح سيسيلوس المزيف —رغم كونه مجرد فتى كاذب ظاهريًا— لمسة من الأصالة والمصداقية؛
فإن صح هذا الافتراض، فلعله يكون حقًا الجنرال الأقوى في إمبراطورية فولاكيا؛
سوبارو: [――إنني.]
سيسيلوس: [إيه؟ ماذا؟ باسو، أرجوك ارفع صوتك قليلًا، فهذه هي كلماتك الأخيرة! فإن أخطأتُ في نقل الرسالة، فأظنني سأندم على ذلك طوال حياتي.]
سوبارو: [إنني أمقت، هذه…]
سيسيلوس: [――――]
وهكذا أعلن بصعوبة نحو سيسيلوس المزيف، الذي وضع يديه حول أذنيه ليتمكن من التقاط صوت سوبارو؛
ورفع سيسيلوس المزيف حاجبيه عند سماع هذه الكلمات؛ وسيضطر للحديث بصوت أعلى قليلًا، معتصرًا بقية كلماته من أعماق حنجرته:
سوبارو: [الإمبراطورية، إنني أمقتها من أعماق قلبي.]
سيسيلوس: [――أجل، أجل، بكل تأكيد؛ سأحفظ ذلك في ذاكرتي جيدًا وأمرره نيابة عنك يا باسو.]
ومتشبثًا بحقده العميق، لعن سيسيلوس المزيف الذي بدا وجهه وكأنه يتعامل مع مشكلة لا تعنيه البتة؛
لكن، وما إن كانت تلك اللعنة كافية لتدمير الإمبراطورية، فلم يكن سوبارو واثقًا من ذلك؛
ففي النهاية――
وحش المبارزة: [――――روووووووو!]
من بين الأربعة الذين خاضوا القتال ضده، لم يتبقَ سوى سوبارو؛ وهكذا، اقترب وحش المبارزة منه، وفاغرًا فكيه العملاقين، ابتلع سوبارو بكامله بدءًا من رأسه بلا رحمة!
سوبارو: [――هـڪ!]
ورغم أن سائر عظام جسده قد تهشمت بالفعل، إلا أن أنياب الأسد مزقت كل شبر من جسده إلى شرائح؛
وكانت الرحمة الوحيدة التي نالها هي أن جسده قد بات أعجز عن استشعار الألم من فرط ما كابده من تهشم، ولذا لم يقوَ على استشعار سوى استياء طفيف حيال ابتلاعه وتلاشيه إلى العدم؛
ثم، حاول بكل ما أوتي من قوة إحداث جلبة والبقاء عالقًا في حنجرة الأسد، غير أنه فشل في ذلك أيضًا؛
لأنه، ومع عضة ختامية واحدة، سُحق ذلك الرأس الماكر الذي حاول الانتقام――.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [إن لم نقضِ على هذا الوحش، فلن نخرج من هنا أحياء.]
حدث ذلك بعد لحظات معدودة من سحقه وسط اللحم المحمر المائل للسواد الذي كان يتلوى من حوله؛
وكأنما أُخذ على حين غرة عند سماع ذلك الصوت، أُعيد سوبارو إلى واقعه؛ غير أنه كان واقعًا ميؤوسًا منه لدرجة تغري المرء بالظن أنه مجرد كابوس مزعج سيتبدد عند اليقظة؛
إحساس صاخب من تلك الحرارة الصامتة، ورمال جافة مفروشة على طول أرض حلبة المبارزة؛
لقد تجسد أسوأ سيناريو ماثلًا أمام عينيه مباشرة، ورفاقه―― أو بالأحرى، أولئك الذين أُلقي بهم ببساطة في المأزق ذاته الذي يجمعه بهم، كانوا يحيكون شتى الحيل لحماية حيواتهم كأولوية قصوى لهم؛
ولو لم يفكر فيهم على هذا النحو، لكان من الشاق عليه تقبل واستيعاب كل ما جرى للتو؛
سوبارو: [أُواه، آاه، آاااه…!]
ورغم عدم حاجته لذلك، إلا أنه ظل يفكر في الأمر؛
وبسبب ذلك، تذكر جسد سوبارو بأكمله الارتطام الساحق لوحش المبارزة، ورعب التعرض للمضغ، وغضبه المتهور من هذا الواقع الأليم؛
ومع تصاعد هذه الخواطر، بالكاد استطاع الوقوف على قدميه مستقيمًا؛
؟؟؟: [تبًا، في النهاية هو مجرد طفل… حسنًا، لقد طفح الكيل! انظروا إلى هناك أيها الرفاق!]
؟؟؟: [آه؟]
وإلى جوار سوبارو الرابض أرضًا، وجه ذو الشعر الصدئ أنظار الرجل الموشوم ورجل السحلية نحو السيفين الكبير والصغير اللذين جُهزا لهم مسبقًا؛
غير أن انتباههم قد تركز تلقائيًا نحو السيف الصغير؛ ومغفلين السيف الضخم العاجز عن الاستخدام، تمحورت خطتهم حول تأمين الآخر، وإسقاط وحش المبارزة؛
الرجل الموشوم: […أوتجيد استخدام السيف؟]
ذو الشعر الصدئ: [سبق وأخبرتك؛ لقد كنتُ محاربًا؛ وأجيد استخدامه ببراعة تفوقك.]
وتواصلت الكلمات ذاتها التي سمعها سابقًا بلا انقطاع، وبدأ القلق يغلي في صدر سوبارو؛
ولكن، وحتى في غمرة رعبه وقلقه، كان هذا تصريحًا لا يسعه التغاضي عنه أبدًا:
سوبارو: [――هذه كذبة.]
ذو الشعر الصدئ: […ماذا؟]
وفجأة، قُطع اجتماع التخطيط بين الرجال بصوت سوبارو؛
وفي اللحظة التي التقط فيها تلك الكلمة، تبدلت نبرة صوت ذي الشعر الصدئ؛ واستدار الرجل، ورمق سوبارو بنظرة متعالية وهو جاثٍ على ركبتيه؛ وراكعًا، حدق سوبارو في وجه الرجل بصرامة وثبات؛
وهكذا، أعاد ما قاله مرة أخرى:
سوبارو: [ادعاؤك بأنك كنتَ محاربًا، محض كذبة؛ أنت تكذب وتلفق الأمور بجدارة!]
ذو الشعر الصدئ: [عـ-على أي أساس تدعي هذا…! أيها الوغد، أتنوي إهانتي لمجرد أنني دعوتك بطفل!؟]
سوبارو: [ومن الذي يهين الآخر هنا!؟ إن الكذب ومحاولة تصوير نفسك كبطل مغوار هو الإهانة العظمى! في مأزق كهذا، ما الجدوى من لعب دور البطل المغوار المزعوم!؟]
ذو الشعر الصدئ: [غـه، غـه…!]
ولعله ظن أنه قادر على إخراس الطفل بصراخ مدوٍ، غير أن ذا الشعر الصدئ بدا مرتبكًا بوضوح أمام ارتداد سوبارو وانتقاده اللاذع؛
والرجل الموشوم —الذي تحدث قبل لحظات— كان قد استشعر أيضًا مدى ارتباكه وتخبطه:
الرجل الموشوم: […يا هذا، أهذا ما قاله هذا البرغوث صحيح؟ ألم تكن محاربًا حقيقيًا قط، وكنتَ تحاول خداعي طوال هذا الوقت؟]
ذو الشعر الصدئ: [مـ-مهلًا، هذا مجرد هذيان طفل أحمق! لا يمكنك الانسياق وراء ترهات غبية كهذه في ساحة أرواحنا فيها على المحك…]
الرجل الموشوم: [بالضبط، ولأن أرواحنا على المحك حقًا، فما رأيك في أن تتفضل وتشرح موقفك…]
وأطبق الرجل الموشوم على ياقة ذي الشعر الصدئ، بينما تشوه الوشم الذي يشبه الجمجمة على وجهه من فرط الغضب؛ وابتلع ذو الشعر الصدئ ريقه أمام ذلك الموقف العدائي، وراح يلهث بخفوت كمن يوشك على الاختناق؛
وبسبب تدخله الطائش، اندلع شجار عنيف بينهم؛ ورجل السحلية —الذي لم ينخرط في الشجار— كان يتراجع ببطء ملحوظ متأهبًا للفرار؛
ورغم أن مقاطعة سوبارو كانت شرارة البداية، إلا أن هذا الفريق قد عاد مجددًا إلى حالة من التشتت والانهيار التام؛
وفضلاً عن ذلك، وسواء أكان سوبارو وفريقه في هذه الحالة المزرية أم لا――
غوستاف: [――حسنًا إذن، فلتبدأ «سباركا»!!]
فإن غوستاف لن يماطل أو يؤجل إعلانه الحاسم لبدء المعركة.
الرجل الموشوم: [هل تتكرم وتشرح، أيهـ―― أُه، آاااااااااه――!!]
وأعلن صوت عميق بدء النزال، وفور ذلك مباشرة، شق صراخ رجل أرجاء حلبة المبارزة؛
ولو نظر أي شخص نحوهم، لأدرك أن من يصرخ هو الرجل الموشوم الذي كان يضغط على ذي الشعر الصدئ طلبًا لجواب؛ وبطريقة ما، كان ذو الشعر الصدئ قد عض اليدين اللتين تطبقان على ياقته، وبدا أنه قضم أصابعهما حتى البتر!
وبينما كان فم ذي الشعر الصدئ يقطر دمًا، دفع صدر الرجل الموشوم الذي ينوح ألمًا، وانطلق راكضًا نحو السيف؛
رجل السحلية: [لـ-ليس أنا! أ-أنا لن أموت هنا!]
وهكذا، وعلى النقيض من ذي الشعر الصدئ الراكض نحو السيف، فعل رجل السحلية ما فعله في السابق والتصق بجدار حلبة المبارزة، ثم شرع يغير لون حراشفه سعيًا للتمويه؛
وبعد أن فقد إصبعين من يده، جثا الرجل الموشوم قابضًا على يده اليمنى النازفة، بينما ارتعدت ركبتا سوبارو رعبًا أمام الموقف الماثل أمامه، والذي كان أسوأ بأشواط من سابقه؛
ذو الشعر الصدئ: [اهتم، بشؤونك الخاصة…! لو أنكَ أطعتَ أوامري دون نقاش فحسب!]
ودون أدنى اكتراث بسوبارو أو الآخرين، وصل ذو الشعر الصدئ —بعينين محمرتين بالدماء— إلى السيف الأصغر؛
ولاعنًا انكشاف كذبته وقبض الرجل الموشوم عليه، مد يده وانتزع السيف من الأرض، وتهيأ لاستخدامه كما يفعل المحاربون؛
وحش المبارزة: [――――روووووووو!]
ثم، وبعد تلقيه إشارة “البدء”، انقض الأسد بضراوة؛
وكان الحادث الذي أعقب ذلك مطابقًا تمامًا لما جرى حين قبض الرجل الموشوم على السيف سابقًا؛ فلم يسنح لذي الشعر الصدئ حتى فرصة التلويح بالسيف الذي شهره، وبُترت كلتا ذراعيه بالكامل حين ضربته كفوف وحش المبارزة؛
وبقبضة محكمة على السيف، اقتُلعت ذراعا ذي الشعر الصدئ من المرفقين ونزولًا؛ وبينما حملق مذهولًا وأطلق صرخة واهية: «آه»، هوى الأسد بكل قوته نحو جسد الرجل المبتور الذراعين وأطاح به في الهواء، ليرتطم رأسه بجدار الحلبة؛
واستحال ذو الشعر الصدئ بقعة دموية ملطخة الجدار، بينما انطلق وحش المبارزة الزائر —متجاهلًا سوبارو والرجل الموشوم— راكضًا بشراسة نحو الجدار الخلفي لحلبة المبارزة؛
رجل السحلية: [توقف، توقفتوقفتوقف، ابتعدابتعدابتعددددددددد!!]
ورجل السحلية —الذي اتخذ من الجدار تمويهًا له— صرخ برعب أمام الهالة المرعبة للأسد المندفع نحوه؛
وبعد أن فضح موقعه بالصراخ، سارع رجل السحلية لتغيير مكانه، غير أن الوقت قد خذله؛ فسحقت اندفاعة الأسد النصف السفلي من جسده، مصيبة إياه بإصابة قاتلة جعلته يتقيأ أحشاءه الداخلية على الأرض؛
ثم، التفت الأسد —الذي فتك بالرجلين في طرفة عين— ببطء نحو سوبارو والرجل الموشوم، وأطلق زئيرًا متعطشًا للدماء؛
سوبارو: [إييك…]
الرجل الموشوم: [تبًا، الموقف يزداد سوءًا وانحدارًا…]
وعقله مخدر تمامًا، بدأت أفكاره المشلولة تنساب من جديد ببطء؛ وبسبب ذلك، تذكر جسد سوبارو الرعب، واصطكت أسنانه، وتقلصت أعضاؤه الداخلية؛
وكما نطق الرجل الموشوم وهو يجز على أسنانه، فإن الأسوأ ظل يتراكم فوق الأسوأ، وكانت النتيجة بلوغهم حالة من اليأس المدقع لا رجاء فيها؛
فلم تكن ثمة جدوى من نعت ذي الشعر الصدئ بالكاذب؛
ورغم إدراكه أن فضح كذبة ذي الشعر الصدئ هناك لن يجلب أي خير، إلا أن سوبارو أقدم على ذلك بلا تروٍ؛ وبسبب طيشه، تحول كل شيء إلى خراب ودمار؛
الرجل الموشوم: […أتزال ترغب في النجاة بحياتك أيها الصغير؟]
سوبارو: [إيه…]
الرجل الموشوم: [إن أردت النجاة، فالتقط ذلك السيف.]
ونطق الرجل الموشوم بهذه الكلمات نحو سوبارو، الذي كانت رؤيته غائمة، ويبدو كمن يوشك على الانهيار بالبكاء في أية لحظة؛
ومحدقًا نحوه، ضرب الرجل الموشوم الأرض بيده اليمنى النازفة، ونهض واقفًا والعرق البارد يتصبب منه؛ وفاعلًا ذلك، أشار بذقنه نحو السيف الملقى على الأرض―― قاصدًا السلاح الذي هوى مع ذراع ذي الشعر الصدئ المبتورة؛
الرجل الموشوم: [سأشتت انتباه هذا المسخ… وأنتَ تلتقط ذلك السيف، وتقذفه إليّ.]
سوبارو: [لـ-لكن…]
الرجل الموشوم: [حتى مع فقداني لإصبعين، أجيد استخدامه ببراعة تفوقك أيها الصغير…]
وبعد تلقيه هذا الأمر الواضح والصريح، ضاعت الكلمات من سوبارو تمامًا؛
فقد كان ثمة سيفان: كبير وصغير، ورغم إشارته للسيف الأصغر، إلا أنه لا يزال سيفًا طويلًا وضخمًا يعجز جسد طفل عن التلويح به؛ وكما أكد الرجل الموشوم، حتى لو شهره سوبارو بكلتا يديه، فإن النتيجة الحتمية هي سقوطه وتعثره لثقله وطوله؛
ومع ذلك، وحين أعلن الرجل الموشوم عزمه على تناول السيف والإطاحة بالأسد، رأى سوبارو في ذلك ضربًا من المستحيل، مسترجعًا ذكرى موته في المرة السابقة؛
ومع ذلك――
سوبارو: [أنا أيضًا… لا أريد الاستسلام…]
الرجل الموشوم: […أنت أفضل من ذلك النصاب وتلك السحلية الجبانة.]
ومتحملًا الألم، لوى الرجل الموشوم شفتيه بابتسامة، مرحبًا بعزيمة سوبارو الصامدة؛
ومع هذا، حدق الرجل الموشوم بصرامة في الأسد الذي يرقبهما بحذر، ورويدًا رويدًا، باعد المسافة بينه وبين سوبارو:
الرجل الموشوم: [اسمي وايتز…]
سوبارو: […إيه؟]
وايتز: [هذا هو اسمي يا شوارتز.]
وبعد أن ناداه باسم شوارتز، اتسعت عينا سوبارو ذهولًا؛
وتساءل سوبارو في سره من أين سمع الرجل هذا الاسم، فغوستاف كان الوحيد الذي خاطب سوبارو بـ شوارتز؛ ولهذا السبب، فإن الرجل الموشوم―― وايتز، قد التقط الاسم الذي نودي به خلال لقائهما الأول؛
وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك ليرجح كفة الموازين كثيرًا، وهو يعلم يقينًا أن وايتز كان جبانًا في المرة السابقة حين حاول الغدر بذي الشعر الصدئ؛
لقد كان موقنًا بذلك، لكن――
وايتز: [――انطلق!]
وأضحت صيحة وايتز في تلك اللحظة هي الحافز ليعول عليه ويركض دون أدنى تردد!
سوبارو: [――――]
وكابحًا رغبته الجامحة في الصراخ، ركض سوبارو فوق أرضية حلبة المبارزة بأقصى ما أوتي من قوة؛
وبديهيًا، كان ركضه بطيئًا؛ فجسده الطفولي لا يملك سوى أطراف قصيرة، وأحشاؤه —التي تقلصت بفعل الرعب والتوتر— كانت تؤلمه بشدة؛ ورغم أنه كان يعاني دومًا من نقص القوة في الظروف المعتادة، إلا أن جسده الراهن كان هشًا وضعيفًا لأبعد الحدود؛
ومع ذلك، واصل الركض باستماتة؛ ركض وركض وركض، حتى بلغ موضع السيف؛
سوبارو: [أُه، كـح…!]
ولا تزال كفتا ذي الشعر الصدئ متشبثتين بالسيف، ومجرد النظر إليهما يثير الغثيان في نفسه؛ غير أن الوقت لم يكن سانحًا للتقيؤ الآن؛
ونازعًا الأصابع المتصلبة والميتة واحدة تلو الأخرى، حرر السيف قسرًا من يدي ذي الشعر الصدئ؛
ثم، وهو يلهث بأنفاس لاهثة، رفع سوبارو السيف عن الأرض؛
سوبارو: [أجل، لقد انتزعتُه!]
وبتنفس عميق، رفع سوبارو السيف الذي التقطه؛ ثم استدار متأهبًا لقذف السيف باتجاه وايتز، وحينها――
وايتز: [شوااااااارتز!!]
وصيحة وايتز المذعورة جعلت كل شعرة في جسد سوبارو تقف رعبًا؛
والتفت سوبارو، فإذا بمجال بصره يمتلئ بأسد، فكاه مفتوحان على مصراعيهما، ومندفع كقذيفة مدمرة نحوه؛ وفي تلك اللحظة، شعر وكأنه غزال يوشك على الافتراس، وبدت حركة الأسد بطيئة وكأن الزمن قد توقف؛
سوبارو: [――――]
وببطء، اقترب الأسد المرعب منه؛
ولاح له أنه قادر على تفاديه، لكن لما كانت حركته البطيئة تعادل بطء رؤيته، فقد أدرك عجزه التام عن الهرب؛ ولذا، واصل حركة قذف السيف الذي يشهره؛
وعلى أقل تقدير، تمنى إنجاز رمية السيف قبل أن يطحنه هجوم الأسد؛
――أسرع، أسرع، أسرع أسرع أسرع أسرع!!
ووسط هذا التباطؤ الخانق، صرخ الصوت في رأس سوبارو باستماتة، مناجيًا ذراعيه وأصابعه للإسراع؛
فهل سيصل إليه؟ أخيرًا غادر السيف يد سوبارو، متأرجحًا ودائرًا في الهواء بشكل عمودي وهو يمر متجاوزًا الأسد المندفع نحو وايتز؛
ووايتز —ويده ذات الأصابع المبتورة ممدودة للأمام— كان يصرخ بشيء ما لسوبارو، الذي تحول إلى فريسة للأسد؛ غير أنه لم يتبين كنه تلك الصيحة؛ وحتى وإن لم يدركها، فلا بأس بذلك؛
فكل ما كان يعنيه هو استثمار السيف الذي أُلقي إليه لتحقيق النصر؛
سوبارو: [أُه، وااااااه――!!]
وفي اللحظة ذاتها التي ظن فيها أنه أتم دوره بنجاح، عاد العالم البطيء إلى سرعته الطبيعية!
وانقض الأسد العاوي عليه، وسوبارو —وهو يصرخ متوقعًا تمزق جسده بين مخالب وحش المبارزة وأنيابه— سقط على مؤخرته؛ والدموع والمخاط تنهمر على وجهه، استسلم سوبارو لحقيقة أنه سيموت بوجه بائس ومزرٍ للغاية؛
ومع ذلك――
سوبارو: [――إيه؟]
فهجوم الأسد —الذي كان يُفترض أن ينهي حياة سوبارو— لم يطله قط!
لأن الأسد غرس كفوفه الأمامية في الأرض أمام سوبارو مباشرة، ممتصًا زخم اندفاعه، ثم أطلق ساقيه الخلفيتين بقوة مدمرة نحو وايتز القابع خلفه مباشرة!
وايتز: [بـوه.]
وبعد أن تلقف السيف الذي قذفه سوبارو، هم وايتز بشق ظهر الأسد بضربة قاطعة؛ فسُحق وجه وايتز —الموشوم بالكامل— إلى أشلاء متناثرة بفعل حوافر ساقي الأسد الخلفيتين المرتدتين!
وتمامًا كما حدث في المرة السابقة، هلك وايتز بعد أن انفجر كل ما يعلو عنقه؛ وسقط السيف الذي شهره من كفه وتدحرج فوق الأرض بعيدًا، بلا طائل؛
وحش المبارزة: [――――روووووووو!]
ثم، التفت الأسد —الذي أردى وايتز قتيلًا للتو— ببطء نحو سوبارو من جديد؛
ولم يظهر أي تسامح أو رغبة في العفو عنه، بل كانت نية القتل وحشية وصافية؛
؟؟؟: [باسو! باسو! معذرة، لكن هل تظن أنك قادر على التعافي والوقوف بعد ذلك؟]
ومن خلفه، صدح صوت سيسيلوس المزيف من مدرجات حلبة المبارزة، وهو يراقب هذا النزال البائس؛ وناظرًا بازدراء نحو سوبارو الساقط على مؤخرته:
سيسيلوس: [كصحوة قوة كامنة، أو إطلاق تقنية محظورة تُحفز بمقتل رفيق درب! أهذا محتمل؟ أم مستبعد؟]
سوبارو: […أنا لا أملك أي شيء من هذا القبيل.]
سيسيلوس: [أجججل~، توقعتُ ذلك؛ عذرًا، يبدو أن توقعاتي خابت مجددًا! ألديك رسالة تود تمريرها للفتاة التي ترافقك، أو شيء من هذا القبيل؟ أتساءل كم سيكون وقع تمرير رسالة دراميًا وروائيًا!]
ولم يتبدل عن اللحظة التي فارق فيها الحياة سابقًا؛ ومخاطبًا إياه بتلك النبرة المسترخية، أطلق سوبارو زفرة طويلة قائلًا: «هاا»؛ والفرق الوحيد عن المرة السابقة كان أن عظام سوبارو لم تُطحن إلى أشلاء بعد؛
ورغم يقينه بأنه سيتمزق إربًا بعد قليل، ورغم أن الرعب يكاد يزهق روحه، إلا أنه لم يفارق الحياة بعد؛
سوبارو: [سيسي، سؤال واحد فقط.]
سيسيلوس: [ليست رسالة بل سؤال؟ ما يُطلق عليه وصية قبل الرحيل؟ وما إن كانت إجابتي ستشفي غليل سؤال باسو، فهذا سيكون اختبارًا حقيقيًا لبراعة ممثل متألق――]
سوبارو: [ذلك الأسد، لماذا لم يجهز عليّ قبل قليل؟]
سيسيلوس: [――همم.]
مومئًا نحو وحش المبارزة الماثل أمامه، وجه سوبارو سؤاله لسيسيلوس المزيف الجاثم فوق الجدار؛
ولم يكن سوبارو واثقًا مما إذا كان هذا الفتى المخادع سيلقي إليه بالإجابة الشافية التي يرجوها؛ ولكنه واسى نفسه بفكرة أن هذا التخبط العقيم ليس بالخيار السيئ في النهاية؛
وردًا على سؤال سوبارو، تحدث سيسيلوس المزيف وهو يمسح على ذقنه النحيل:
سيسيلوس: [هذا يسير يا باسو؛ ――مهما بلغت ضراوته، يظل الوحش وحشًا؛ وفي هذه الحالة، فالوحش لا يقنص إلا بدافع الغريزة؛ والغريزة هي قوة السعي للبقاء حيًا.]
سوبارو: […وماذا تعني بذلك؟]
سيسيلوس: [لو كنتَ أنتَ ذلك الوحش يا باسو، فمن كنتَ ستستهدف؟]
ولم تمنح هذه الصياغة الملغزة سوبارو الجواب المباشر والواضح الذي رجاه؛
ومستاءً من ذلك، تأمل سوبارو في مغزى كلمات سيسيلوس المزيف؛ فلو كان سوبارو هو ذلك الأسد، فمن عساه أن يستهدف بحق؟
ولو أراد استهداف شخص ما، فما هو دافعه――
سوبارو: [――آه.]
وفجأة، انقشع الضباب عن بصيرته؛ وأدرك السبب الدفين وراء ذلك التساؤل؛
و――
سيسيلوس: [حين تستيقظ من غفوتها، سأخبرها بأن باسو كان شجاعًا جسورًا؛ فأنا فاشل في الكذب، لذا شكرًا لله أنك كنتَ حقًا شجاعًا!]
وعند سماع هذا التعقيب المتبلد والبارد، لم يجد سوبارو متسعًا للرد عليه؛
فبعد إدراكه لتلك الحقيقة، اتسعت عينا سوبارو، ولوح الأسد الماثل أمامه بمخالبه نحوه؛
ولأول مرة، سمع سوبارو صوت تحطم عظامه وانسحاق جسده بوضوح جلي!
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [إن لم نقضِ على هذا الوحش، فلن نخرج من هنا أحياء.]
تحطمت جمجمته، وتهشمت كتفاه، وسُحق جسده بالكامل، وطُحن وركاه؛ كل شبر فيه قد تمزق إربًا؛
وببطء شديد، تجرع سوبارو مرارة هذه التجربة؛ جسد بشري يتلقى ضربة بقوة وسرعة تفوق الاحتمال لدرجة تدفعه للهلاك بتلك البشاعة، وكأنه يراقب ذلك من منظور شخص آخر؛
وبطبيعة الحال، لم يكن الأمر يعني غيره أبدًا؛
فلو أمكنه الخيار، لتمنى مواجهة النهاية بأقل قدر من المعاناة والألم؛ وبأدنى مستويات الرعب؛ ومع ذلك، فإن تفكير سوبارو هذا لم يكن ليولد لولا زخم تجاربه المتراكمة في كايوسفليم؛
――تلك الثواني العشر من الجحيم؛
ومنذ وقوع تلك المأساة، أدرك سوبارو يقينًا القيمة العظمى لبضع ثوانٍ عابرة؛
ولأن هذا الإدراك قد تجذر في أعماقه――
؟؟؟: [تبًا، سحقًا، لماذا أُقحمت في هذا الجحيم…؟!]
؟؟؟: [كفاك عويلًا! علينا بذل كل ما في وسعنا للنجاة! انظر هـ――]
وإلى جواره مباشرة، غرق رجل السحلية وذو الشعر الصدئ في يأس مطبق بعد استيعابهما للموقف الماثل أمامهما؛
وبينما كان يصغي لهذا الحوار الذي بات مألوفًا، صرخ سوبارو:
سوبارو: [وايتز! ثبّت ذلك الوغد مكانه!]
وايتز: [ماذا…؟]
وفي اللحظة التي أطلق فيها سوبارو صيحته، تشوه وجه الرجل الموشوم―― وايتز، الذي يغطيه وشم الجمجمة ارتباكًا وحيرة؛
وكان ذلك بدهيًا؛ فرغم أنه لم يُفصح عن اسمه قط، إلا أن سوبارو ناداه به؛ ولكن حتى وإن نُودي باسمه، فلم تكن لديه أدنى نية للانصياع لأوامر طفل غريب الأطوار؛
غير أن لا وايتز المربك، ولا ذو الشعر الصدئ، ولا رجل السحلية —الذين فزعوا من صرخة سوبارو المفاجئة— قد سنح لهم الوقت لإيقاف حركته المباغتة؛
وحينها――
سوبارو: [――أيها الأسد! من هو هدفك الحقيقي!؟]
وبكل قوته، قبضت يد سوبارو الصغيرة على السيف المغروس في الأرض وهو يصرخ؛
وفي تلك اللحظة، ودون انتظار إشارة غوستاف، زأر وحش المبارزة، وركل الأرض بقوائمه، وانقض بضراوة نحو سوبارو――.
سيسيلوس: [لو كنتَ أنتَ ذلك الوحش يا باسو، فمن كنتَ ستستهدف؟]
وانحفرت كلمات سيسيلوس المزيف الملغزة في قلب دماغ سوبارو كوشم مؤلم؛
أجل، هذا هو الجواب؛ فلو كان سوبارو هو الأسد، لبادر باستهداف «الأكثر خطورة» أولًا؛ وعلى سبيل المثال، في هذا المكان، سيكون ذلك هو الشخص الذي يشهر سلاحًا!
وحش المبارزة: [――――روووووووو!]
وجز سوبارو على أضراسه بقوة، وواجه الأسد العاوي المندفع نحوه بصلابة؛ اعترته قشعريرة رعب زلزلت كيانه، لكنه لن يُهزم، ولن يهرب، ولن يذرف دمعة واحدة؛
لقد قُتل مرتين بالفعل، ولا يبالي بعدد المرات التي سيضطر فيها لمواجهة هذا الرعب المتكرر؛
سوبارو: [لا تظن أنني سأنهار باكيًا وأستسلم فورًا لمجرد أنني طفل صغير!!]
ومتعاونًا مع وغد جبان، وسحلية مرتعدة، ونصّاب مخادع؛ وبكل ما أوتي من قوة، وبكل عزيمته، وبكامل جسده وروحه، سيخوض غمار هذه الـ«سباركا» حتى الرمق الأخير!
――وفي تلك اللحظة الحاسمة، حصدت كف الأسد الساحقة حياة ناتسوكي سوبارو بوحشية عارمة، لتطوي بذلك محاولته الثالثة!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※