الفصل 429 - نظام الجزيرة
الفصل الثاني وستون
«نظام الجزيرة»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――سبب وجوده في هذا المكان، وما حقيقة «الجنرالات التسعة الساميين»؛ كلاهما أمران يجهلهما سيسيلوس تمامًا.
غرق عقل سوبارو في دوامة من الحيرة، عاجزًا عن استيعاب تلك القنبلة المدوية التي أُلقيت في وجهه بغتة؛
وكانت وطأة الصدمة أشد قسوة من انسكاب ماء جليدي عليه، لدرجة جعلته يرمش بعينيه مرارًا وتكرارًا دون توقف.
سوبارو: [مـ-ماذا تعني بذلك؟ قولكَ إنكَ تجهل سبب وجودك هنا…]
سيسيلوس: [أعني ما قلته حرفيًا؛ وجدتُ نفسي مقذوفًا فجأة إلى «جزيرة المبارزين» هذه، ببيئة جديدة كليًا وآفاق مستقبلية مجهولة جعلتني في ورطة حقيقية؛ وحسنًا، يبدو المكان مريحًا ولطيفًا للإقامة، لذا فالورطة ليست خانقة جدًا، لكن دعنا نصيغ الأمر على هذا النحو فحسب.]
سوبارو: [――――]
سيسيلوس: [أوه؟ ألعلك غارق في التفكير مجددًا؟ يارجل، يبدو أن باسو يعشق التفكير العميق حقًا؛ وأعتقد أن هذا أمر رائع؛ فأنا من ذلك النوع الذي لا يطيق الإفراط في التفكير، كما ترى؛ ولا أسخر أبدًا ممن يغوصون في أفكارهم، ولا أرغب في مقاطعتهم، لذا سأطبق شفتيّ وألزم الصمت إذن!]
واستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى التزم سيسيلوس بالصمت، غير أنه هدأ في نهاية المطاف؛ ومع ذلك، وطوال فترة صمته، ظلت قدماه تقرعان الأرض بإيقاع متسارع، وعيناه تجولان في الأرجاء بلا هوادة؛
ورغم أنه قد لا يكون عابثًا، إلا أن ذلك كان كافيًا لتشتيت الانتباه وإثارة الأعصاب.
غير أن سوبارو لم يملك رفاهية الالتفات لمثل هذه الصغائر؛ فإن كان عليه التعامل مع أمر ما، فيجب أن يكون أمرًا ذا بال ومغزى؛
وعلى سبيل المثال――
سوبارو: [كيف يعقل ألا تعرف شيئًا عن «الجنرالات التسعة الساميين»، غير أنك تدرك أن لقبك هو «الصاعقة الزرقاء»؟ أليس هذا مريبًا وغريبًا؟]
سيسيلوس: [آه، إجابة هذا التساؤل في غاية البساطة؛ فأنا —ولا أحد سواي— من ابتكر هذا اللقب المذهل! سيسيلوس سيغمونت، الصاعقة الزرقاء لـ فولاكيا! ما رأيك؟ أليس لقبًا يترك انطباعًا ساحرًا وبديعًا في النفس؟ وسيأتي اليوم الذي يذيع فيه صيت اسمي لدرجة تجعل العالم بأسره ينبهر بي كبطل القصة وممثلها الرئيس! إنه تجسيد خالص لشغفي وطموحي.]
سوبارو: [لقب… أنتَ من ابتكره…]
وعند سماع هذا الرد المفعم بالفخر، تدلى كتفا سوبارو في خيبة أمل مريرة.
ومحتارًا أمام ردة فعل سوبارو، سأله سيسيلوس: «إيه؟ ما الخطب~؟» وهو يحدق في ملامح سوبارو بلا مبالاة؛ غير أن الأخير كان قد استنزف كل طاقة تتيح له الرد؛
فسواء كان الفتى الماثل أمامه هو سيسيلوس سيغمونت الحقيقي أم مجرد منتحل، فقد حسم سوبارو أمره وبلغ نتيجته؛
فنظرية وجود بالغين يأنفون من احترام الأطفال، لم تكن كافية لدحض حقيقة تصريحه الفاضح بجهله التام بـ«الجنرالات التسعة الساميين»؛
فمهما حاول تبرير الأمر، يستحيل على جنرال حقيقي من الدرجة الأولى أن يتفوه بجهله بوجود الجنرالات الساميين من الأساس.
سوبارو: [يجهل كونه جنرالًا في الإمبراطورية… لا بد أن هذه مزحة ثقيلة…]
وكان من العبث التام محاولة استخراج منطق سوي من ثقوب هذه الرواية الواهية؛
وبناءً عليه، تلاشت من عقل سوبارو أي احتمالية لكون هذا الصبي هو سيسيلوس الحقيقي؛ ولم يعدو كونه مجرد مخادع ومشاكس يعشق اختلاق الأكاذيب―― مجرد سيسيلوس مزيف؛
وهكذا، انقطع خيط الأمل الرفيع الذي نبت في هذا الطريق المسدود.
وإن بقيت بذرة أمل وحيدة، فهي أن يكون سيسيلوس المزيف مجرد كاذب، وأن تكون روايته السابقة عن هذه الجزيرة المرعبة محض كذبة أخرى من أكاذيبه――
؟؟؟: [――إذن، هنا كنتَ تختبئ يا سيغمونت.]
سوبارو: [وااا!؟]
وفي اللحظة التالية، قفز سوبارو فزعًا حين دهمه صوت رجل عميق وجهوري من خلفه وهو غارق في أفكاره؛
صوت لا يمت بصلة لسيسيلوس المزيف، ولا لتانزا الغارقة في سباتها على السرير بطبيعة الحال؛ والتفت سوبارو نحو مدخل «غرفة العلاج» —حيث انبعث الصوت— ليتضاعف ذهوله ويفوق كل حد؛
――فالهيئة المنتصبة عند مدخل الغرفة كانت لرجل بضخامة لا يستوعبها عقل.
سوبارو: [ضـ-ضخم جدًا…!]
لقد كان الرجل هائل الضخامة لدرجة تعقد اللسان ذهولًا أمام قامته؛
كلا، لم يكن فارع الطول فحسب، بل كان ممتلئًا بالطول والعرض معًا، ويجسد قوام جسده بأكمله معنى الضخامة والصلابة؛ فعنقه وأطرافه كانت في غلظة جذوع الأشجار، وثيابه السوداء —التي تشبه زي الشرطة أو العسكر— مشدودة ومحكمة لدرجة تكاد تتمزق من فرط تضخم عضلاته؛
وبغض النظر عن حقيقة تقلص حجم سوبارو، فقد كان هذا الرجل عملاقًا لدرجة أن النظر إليه يوجع الرقبة؛
فقد تجاوز طوله المترين براحة تامة، ولعله أطول بشري رآه سوبارو في هذا العالم الآخر؛ والسمات المميزة لهذا الجسد العملاق —الذي يحمل وجهًا في غاية الصرامة، وتبرز أنيابه حتى حين يطبق فكيه، وبشرته المصبوغة بلون أزرق داكن— كانت أكثر من أن تُحصى؛
غير أن السمة الأبرز والأكثر إثارة للصدمة لم تُذكر بعد؛
وتلك السمة كانت――
سيسيلوس: [يوو، كيف الحال يا غوستاف-سان! تبدو في غاية الأناقة والصرامة هذا الصباح! وأنا موقن بأن اهتمامك بأدق تفاصيل مظهرك هو جوهر صفات النبلاء، ويا له من موقف يحتذى به حقًا!]
غوستاف: [لا حاجة لهذا الإطراء؛ ويسرني أن أراكَ مفرطًا في نشاطك المزعج كعادتك؛ وكينونة مثلك يجب تسخيرها في حلبة المبارزة، وهذا ما حسمتُه بصرامة، بصفتي المسؤول المخول بتطبيق العدالة.]
وهكذا، أطلق ذلك الرجل العملاق―― المدعو غوستاف، زفرة استياء ردًا على ترهات سيسيلوس المزيف العابثة، مجيبًا إياه وهو يعقد أذرعه الأربعة الغليظة.
أجل، أربعة أذرع.
فرجل ضخم بوجه يشبه الشياطين، وجسد هائل مغلف بكتل عضلية صلبة، كان يملك ميزة امتلاك أربعة أذرع، بحيث يبرز ذراعان من كل كتف؛ وإن لم تخنه ذاكرته، فقد قيل له بوجود عرق من أنصاف البشر يُدعى «قبيلة متعددي الأذرع» يتمتع بهذه السمة؛ وكان قد سمع عنهم من عجوز يعرفه؛
عجوز، يعرفه جيدًا――
سوبارو: [أُه… صحيح، لقد كان فيلهيلم-سان.]
وحتى استرجاع أسماء معارفه بات مهمة شاقة ومجهدة لسوبارو؛
وبعيدًا عن صراع سوبارو الداخلي، ضحك سيسيلوس المزيف على كلمات غوستاف قائلًا: «كلا، كلا»:
سيسيلوس: [أقدر لكَ قلقك البالغ حقًا! وأفهم ما ترمي إليه يا غوستاف-سان! فإن كُتب لي الموت يومًا، فيجدر أن يكون في ساحة المعركة؛ وأنا ممتن للغاية لوجود شخص عاقل وحكيم كـ سيد الجزيرة، وأعد نفسي محظوظًا بحق!]
غوستاف: [إن الخلط بين الشؤون العامة والخاصة هو أصل الفوضى وانعدام النظام؛ ولا يعقل لي، بصفتي المسؤول المخول، أن أنزلق إلى ممارسة حمقاء كهذه.]
سيسيلوس: [أجل، أجل، مفهوم تمامًا! شكرًا جزيلًا لتقديرك العالي أيها الحاكم غوستاف~!]
وضيق غوستاف عينيه الحكيمتين نحو سيسيلوس المزيف الذي رسم ابتسامة بلهاء وضم كفيه معًا؛
وبطريقة مبطنة، بدت عبارة «الخلط بين الشؤون العامة والخاصة» في أذني سوبارو وكأنها إعلان صريح عن كراهية شخصية يكنها غوستاف لسيسيلوس المزيف، غير أنه لم يجد مبررًا للخوض في تفاصيل ذلك؛
وبعيدًا عن سيسيلوس المزيف، ظهر أخيرًا شخص يستطيع سوبارو التحدث إليه بمنطقية؛
غوستاف: [إذن يا سيغمونت، ما خطب ذلك الصبي الواقف هناك.]
وفي الوقت المناسب، وجه غوستاف انتباهه نحو سوبارو.
وأن يُرمق المرء بازدراء من هذا الارتفاع الشاهق، كان كافيًا لبث شعور خانق ومروع، وكأن جسده بأكمله قد طُوق بهالة من التهديد الساحق؛ وتلك الأذرع الأربعة المعقودة، بقبضاتها التي يضاهي حجم كل منها رأس طفل، كانت توحي بأن سوبارو سيلقى حتفه لا محالة إن تلقى ضربة واحدة منها؛
وابتلع سوبارو ريقه لا إراديًا، بينما صفق سيسيلوس المزيف بيديه بجواره:
سيسيلوس: [أوه أجل، لقد استيقظ أخيرًا؛ ولما كان قلقًا على رفيقته —تلك الآنسة الصغيرة— فقد جلبته إلى هنا؛ غير أن الصغيرة النائمة لم تكن هي من توقعها، وبدا أن ثمة تناقضات شتى قد طرأت؛ ولما كانت صدمة ذلك الأمر في طور التلاشي الآن، فستتخذ الحكاية مسارها الجديد بدءًا من هذه اللحظة.]
غوستاف: [شكرًا على هذا الشرح؛ ومع ذلك، أذكر أنني أمرتكَ بإحضاره أمامي —بصفتي المسؤول— فور استيقاظه مباشرة؛ فقد كان ذلك هو الشرط الحاسم لي، بموجب منصبي، لمنح هذا الصبي والفتاة إذن البقاء على هذه الجزيرة.]
سيسيلوس: [أحقًا؟ المعذرة، ذاكرتي تخونني أحيانًا.]
غوستاف: [――――]
وأمام رد سيسيلوس البارد، فرك غوستاف إصبعه بين حاجبيه في صمت؛
وفاعلًا ذلك، رمق الرجل —الأقرب إلى كبد السماء من سوبارو والآخرين— السقف بنظرة حادة، وتمتم في سره: «بصفتي المسؤول، أنا حارس النظام الأوحد؛ ولن أسمح بالخلط بين الشؤون العامة والخاصة أبدًا…»؛
ولم يكن سوبارو متيقنًا من طبيعة علاقة غوستاف بسيسيلوس المزيف، غير أن الأخير كان مصدر إزعاج بالغ له دون شك؛
وإدراكًا منه لذلك، ورغم شعوره بالشفقة على غوستاف، أحس ببعض الارتياح:
سوبارو: [لستُ الوحيد الذي يعاني من حماقات سيسي إذن.]
سيسيلوس: [من الظلم الفادح اتهامي بإزعاج الآخرين ودفعهم؛ فأنا أعتقد أنني قدمتُ لكَ شرحًا وافيًا لما أردتَ معرفته، ورافقتك إلى حيث رغبتَ في الذهاب، لترى من شئتَ رؤيته.]
سوبارو: [أجل، معك حق، لقد أخطأتُ التعبير؛ فالشرح كان مليئًا بالمنعطفات المربكة، والشخص الذي سُمح لي برؤيته لم يكن هو من أردتُ لقاءه، وقيل لي إنني ممنوع من ارتياد الأماكن التي أردتُ قصدها، وكل ذلك أصابني بالإحباط الشديد.]
وبدا أن سيسيلوس المزيف لم يكن يحمل أي ضغينة أو خبث، ولذا لم يكن ثمة مغزى من توجيه الاتهامات له؛
وحين أخبره سوبارو بذلك، أطلق سيسيلوس المزيف «تشه» مستاءً وزم شفتيه تبرمًا؛ وبهذا، التفت غوستاف مجددًا نحو سوبارو، وكأنه قد طوى صفحة إحباطه من سيسيلوس مؤقتًا؛
وحينها――
غوستاف: [أيها الصبي، بما أنك قد استيقظت، فلنبدأ حديثنا من جديد.]
سوبارو: [يسعدني ذلك حقًا؛ وكنتُ أود التحدث مع شخص آخر أيضًا؛ وإن كان شخصًا ذا مكانة رفيعة في هذه الجزيرة، فذلك أفضل بكثير.]
غوستاف: [أفهم ذلك.]
وبينما توخى سوبارو الحذر البالغ في انتقاء كلماته، مسح غوستاف على ذقنه بيديِه اليمنيين؛
وللوهلة الأولى، بدا مظهره الخارجي غاية في القسوة والصرامة، غير أن حديثه وهالته اتسما بالهدوء والرزانة المفرطة، ولمعت في عينيه بريق حكمة يقارب الانطباع الذي يتركه زيكر ذو الشعر الكثيف؛
وبعبارة أخرى، كان يجسد صورة البالغ الحكيم والموزون؛
وكأنما ليؤكد توقعات سوبارو، أومأ غوستاف برأسه في وقار وعمق:
غوستاف: [بصفتي المسؤول، اسمي هو غوستاف موريلو، وقد أوكلت إليّ مهمة إدارة هذه الجزيرة من قِبل صاحب الجلالة الإمبراطور، فينسنت فولاكيا، الإمبراطور السابع والسبعين لإمبراطورية فولاكيا المقدسة؛ فهل تفضلتَ بذكر اسمك وانتمائك؟]
وبأدب جم أعلن منصبه واسمه، وتوجه بحديثه مباشرة نحو سوبارو؛
وأُخذ سوبارو على حين غرة أمام هذه اللباقة، فوضع يده على صدره وحنى رأسه احترامًا:
سوبارو: [شـ-شكرًا جزيلاً لتعريفكَ بنفسك؛ اسمي هو ناتسوكي… ناتسوكي شوارتز.]
غوستاف: [فهمت؛ شوارتز.]
وتحت وطأة الضغط المهيب، أعلن سوبارو اسمه مجيبًا غوستاف؛
وللحظة خاطفة، وبعد حيرة بين استخدام اسمه الحقيقي أو المستعار، قدم إجابة هجينة ومختلطة نوعًا ما، غير أنه في هذه المرحلة، يُعد ذلك نجاحًا مقبولًا؛
وبصراحة، لم يكن واثقًا مما إذا كان الكذب على غوستاف خيارًا سديدًا أم خاطئًا؛
ومع ذلك، لم يكن ذيوع اسمه الحقيقي أمرًا في صالحه؛ ولعل الأمر لم يكن ذا بال بالنسبة لسيسيلوس المزيف لكونه جنرالًا مزيفًا، لكن المرء لا يدري من قد يكون ملمًا بشؤون المملكة المجاورة؛
وما يمكن إخفاؤه يجب إخفاؤه؛ حتى وإن كان سيسيلوس —عند سماعه لاسم سوبارو المستعار الحالي— قد أمال رأسه في استغراب بالغ وهو يردد: «هاه~؟»؛
غوستاف: [ولكن إن كنتَ ناتسوكي شوارتز حقًا، فلماذا ناداك سيغمونت باسم باسو إذن؟]
سوبارو: [أظن أن لـ سيسي منطقه الخاص في هذا الشأن؛ هل تود التحقق منه؟]
غوستاف: [――. كلا، دعنا نتجاوز ذلك؛ فبالنظر إلى المهام الجسام الموكلة إليّ بصفتي المسؤول، لا أملك متسعًا من الوقت لإهداره في مساعٍ عقيمة؛ وقد لا أكون رجلًا حكيمًا في ذاتي، لكنني أسعى جاهدًا لأكون كذلك في إدارتي.]
وهز غوستاف رأسه، متخذًا قرارًا حكيمًا وحاسمًا يشبه قرارات سوبارو؛
وكان من المزعج قليلًا افتراض أن ذلك يعود لتصرفات سيسيلوس المزيف المعتادة، ولذا كان من الأفضل اعتباره ثمرة لأسلوب سوبارو الرصين؛
وعلى أية حال――
غوستاف: [أنتَ قادر على الاستجابة لاسمك، ومن مظهرك، تبدو خاليًا من أي إعاقات جسدية ظاهرة؛ وبحسب تشخيص المعالج، فقد استُنزفت قواك بصورة ملحوظة، فهل تشعر بذلك أيضًا؟]
سوبارو: [قواي… ربما أشعر ببعض الإرهاق والتعب؛ غير أنني ممتن لكل ما بذلتموه لإنقاذي.]
غوستاف: [اسمح لي بتصحيح أمر واحد يا شوارتز؛ فمن أنقذك كان سيغمونت الواقف هناك، ولستُ أنا؛ وبصفتي المسؤول عن هذا المكان، لم أوافق على إبقائك هنا إلا وفق شروط صارمة.]
سوبارو: [فـ-فهمتُ ذلك.]
وكادت ردود غوستاف العقلانية والمنطقية أن تفقد سوبارو توازنه؛
فأسلوبه في الحديث ومضمون كلماته لم يحملا أي ترحيب دافئ بسوبارو، ونبرة صوته تأرجحت بين البرود وانعدام المشاعر، غير أن شروحاته الواضحة كانت عونًا حقيقيًا لا غنى عنه؛
ومقارنة بسيسيلوس المزيف، فإن مقدار ما يتحدث به، وكمية المعلومات في كلماته، كانا أكثر توازنًا ومنطقية بأشواط؛
وحتى سؤاله الأخير بدا نابعًا من قلق حقيقي على حالة سوبارو بعد استيقاظه، وإن استمرت الأمور على هذا المنوال، فمن المحتمل أن يصغي إن خاض سوبارو في الحديث معه بجدية؛
فسوبارو، وتانزا كذلك، قد قُذف بهما إلى «جزيرة المبارزين» هذه عن طريق الخطأ المحض؛
سوبارو: [غوستاف-سان، أنا وهذه الفتاة… واسمها تانزا، لكن ألا يُعد وجودها هنا ضربًا من الخطأ؟ يبدو أننا وصلنا إلى هنا بفعل زلة أو خطأ ما.]
غوستاف: [الخطأ، وما طبيعته؟]
سوبارو: [――! في الواقع، أجهل السبب الدقيق لذلك؛ لكننا كنا في بقعة نائية للغاية… أنتَ تعرف كايوسفليم، أليس كذلك؟ كان حريًا بنا أن نكون في تلك المدينة!]
وبحسب ما قاله سيسيلوس المزيف، فإن هذه الجزيرة و«مدينة الشياطين» تقعان على طرفي نقيض في الخريطة؛
وهذا وحده كفيل بجعل الجميع —بمن فيهم سوبارو— يدركون أن ما ألم بهم كان ورطة خانقة تفوق الوصف؛ فالانتقال من مدينة الشياطين إلى هذه الجزيرة ليس حدثًا عابرًا مألوفًا على الإطلاق؛
سوبارو: [أعلم أنه من الأنانية البالغة قول هذا بعد كل العون الذي تلقيناه، لكن لا يسعنا البقاء هنا طويلًا؛ وأنا واثق من أن رفاقنا يبحثون عنا في الخارج الآن! وإن أمكن، أود إرسال رسالة تطمئنهم على سلامتنا، والانضمام إليهم في أقرب فرصة.]
وكان السيناريو الأمثل هو مغادرة هذا المكان برفقة تانزا إن سنحت الظروف بذلك؛
لم يكن سوبارو يدرك سبب تواجد كليهما على هذه الجزيرة، غير أنه كان موقنًا بقلق يورنا البالغ على تانزا؛ ولما كانت غايتهم الأصلية هي ضم يورنا إلى صفوفهم، فلن يغضب آبل إن بادر بفعل يسرها ويفرح قلبها؛
وفضلاً عن ذلك، كان سوبارو يكن معزة خاصة ليورنا في قرارة نفسه؛
فإن استطاع رسم السعادة على وجه تلك المرأة الحنونة، فذلك خير وبركة، هكذا فكر؛
سوبارو: [لذا، عليّ مغادرة هذا المكان في أسرع وقـ――]
غوستاف: [――يكفي؛ هذا يكفي يا شوارتز.]
ومال سوبارو للأمام متأهبًا لرفع صوته، غير أن كفًا هائلة أوقفته في مساره؛ فقد دُفعت يدان يمنيان أمام وجهه مباشرة؛ وأمام ذلك التحذير الصامت، قطع سوبارو كلماته بـ«أُه»؛
وممررًا يده اليسرى فوق يده اليمنى، استخدم غوستاف يديه اليسريين لمسح ذقنه ورأسه في التوقيت عينه:
غوستاف: [أفهم ما ترمي إليه؛ ويمكنني القول إنني كونتُ فكرة تقريبية عن طبيعة وضعك؛ وفضلاً عن ذلك، يتحتم عليكَ الإصغاء لما يجب عليّ قوله، بصفتي المسؤول المخول؛ فذلك هو الإنصاف المحض.]
سوبارو: [الإنصاف…]
غوستاف: [أجل، الإنصاف؛ فهو العادل، والصارم، والمتجرد من التحيز، وهو الحقيقة المطلقة… إنه الركيزة الأساسية لبناء ما يسمى بـ«النظام»، والمنطق الحاسم.]
وقُوطع سوبارو في حديثه، وقطب حاجبيه أمام سيل الكلمات التي هطلت عليه ببطء وصرامة؛
فمصطلحات كالإنصاف أو العدالة، تبدو مثالية ومريحة من منظور شخص يسعى للفرار العاجل؛ غير أن سوبارو أومأ برأسه على أية حال، موقنًا بأن معاندة غوستاف هنا لن تجلب له سوى الوبال؛
وأمام استجابة سوبارو، أغلق غوستاف عينًا واحدة، وقال: «حسنًا إذن»:
غوستاف: [أنتَ تذكر ما صرحتُ به سابقًا، أليس كذلك؟ بأن سيغمونت هو من أنقذك، وأن سماحي —بصفتي المسؤول— ببقائك أنت وتلك الفتاة هنا كان مقيدًا بشروط صارمة.]
سوبارو: [هذا… أجل، أذكره جيدًا، ولكن…]
وكان انتباهه قد تركز بالكامل على جزئية إنقاذهم، مغفلًا حقيقة اقتران ذلك بشروط؛ غير أن غوستاف قد ألقى بذلك التحذير في وجه سوبارو بنبرة قاطعة ومستبدة بالفعل؛
ولكن، ما كنه تلك الشروط بحق؟ وما هي الشروط التي سُمح بموجبها لسوبارو وتانزا بدخول هذه الجزيرة؟
غوستاف: [يا شوارتز، الحقيقة هي أنك تملك حُكمًا سليمًا ورجاحة عقل، ولستَ فقيرًا في المعرفة لدرجة تعجز فيها عن إجابة أسئلتي، وتُحسن استخدام لباقة الحديث لمخاطبتي —بصفتي المسؤول— بألقاب الاحترام اللائقة، وتتمتع بصحة جيدة وفقًا لتشخيص المعالج، وثمة حقيقة قاطعة بأنك لم تصرح بمعاناتك من أي علل جسدية؛ فهل لديكَ أي اعتراض؟]
سوبارو: [سردكَ لكل هذا دفعة واحدة يصيبني بالدوار… لا اعتراض لدي، كما أظن.]
غوستاف: [كما تظن، هذا رأي يفتقر إلى اليقين والحسم؛ فهل تملك أي اعتراض أم لا؟]
سوبارو: [――. لا اعتراض لدي.]
ولم تترك نظرات غوستاف الثاقبة أي مجال لسوبارو لتقديم إجابة مراوغة أو فاترة؛
وتحت وطأة هذا الضغط الساحق، رفع سوبارو بصره نحو خصمه؛ فاصطدم بنظرات غوستاف الصارمة كتمثال حجري، لا تتبدل فيها ألوان عينيه ولا قسمات وجهه قيد أنملة؛
وكان الحوار يسير من طرف واحد تقريبًا، حيث استحوذ غوستاف على زمام المبادرة بالكامل؛
وهذا ما زرع في صدر سوبارو شعورًا متناميًا بالرعب والرهبة، غير أنه عجز عن ابتداع حل سريع ومنقذ؛ وكالمعتاد، كان يفتقر لأي معلومات مفيدة؛ وبعبارة أخرى، لم تكن أمامه أي خيارات متاحة؛
ونيابة عن سوبارو――
سيسيلوس: [أرأيت؟ ألم أخبرك بذلك؟ باسو يلبي معاييرك بدقة تامة يا غوستاف-سان؛ وهذا يأتي في الوقت المناسب تمامًا لجدول اليوم، لذا لا مجال للشكوى، أليس كذلك؟]
غوستاف: [غير أن الفتاة لم تستيقظ بعد.]
سيسيلوس: [أما بخصوص ذلك، إحم، ثمة طرق للتكيف والتلاعب بالأمور تحت صلاحيات الحاكم، أليس كذلك؟]
غوستاف: [أجل؛ وبشرط ألا تستيقظ الفتاة، فسنبدأ بعدد يقل بشخص واحد عما تنص عليه اللوائح.]
سيسيلوس: [يا للعجب، لقد نكشنا عش الدبابير حقًا، أليس كذلك!؟]
وبينما وقف سوبارو يتخبط في حيرته، كان من يخوض المفاوضات مع غوستاف هو سيسيلوس المزيف؛
ورغم عجزه عن إدراك جوهر ذلك الحوار، إلا أنه فطن لكونه يدور حوله وحول تانزا؛ وأدرك أيضًا أن سيسيلوس المزيف هذا أعجز من أن يدير حوارًا سويًا ومترابطًا؛
وفضلاً عن ذلك، ساور سوبارو هاجس مريع بأن من سيدفع ثمن هذا الإخفاق لن يكون سيسيلوس المزيف نفسه؛
سيسيلوس: [أعتذر يا باسو؛ يبدو أن قدرتي على التدخل والمساعدة تقف عند هذا الحد؛ وسيتعين عليكَ التكفل بالباقي بمفردك؛ وأنا موقن بقدرتك على تجاوز ذلك بنجاح!]
سوبارو: [مـ-مهلًا مهلًا مهلًا! هذا الحوار برمته ينضح بنذر الشؤم والهلاك! ما كنه ذلك التبادل الذي دار للتو ماذا بحقك؟ غوستاف-سان! ما هي شروط إقامتنا على هذه الجزيرة…]
غوستاف: [――يتحتم عليكَ المشاركة في «سباركا».]
سوبارو: [سبااا… ؟]
وقطب سوبارو حاجبيه أمام تلك الكلمة الغريبة التي هبطت عليه كالصاعقة من علياء؛
فإن كان غوستاف يقول إنهم سيشاركون فيها، فلا بد أن هذه الـ«سباركا» هي فعالية من نوع ما؛ وأي فعالية تُقام هنا، فوق جزيرة المبارزين―― لا مفر من استشعار هالة مرعبة ومقيتة تحيط بها؛
ففي السابق، أخبره آل بأن حياته في جزيرة المبارزين كانت سلسلة من العذاب والمشقة لا تطاق؛
فالفعاليات هناك حتمًا ستكون مروعة أو مهلكة:
سوبارو: [انتظر لحظة يا غوستاف-سان! ولماذا يتحتم علينا المشاركة في «سباركا»!؟ فنحن لم نأتِ إلى هذه الجزيرة بمحض إرادتنا!]
غوستاف: [أسرى حروب، عبيد، ومجرمون عتاة… تتفاوت الظروف التي تقذف بالبشر إلى جزيرة المبارزين هذه، غير أن قلة نادرة تأتي طواعية؛ والدور الأوحد الذي أضطلع به، بصفتي المسؤول، هو تأدية واجبي على أكمل وجه وفق إرادة صاحب الجلالة، وإرساء دعائم النظام في جزيرة المبارزين التي تؤوي كل هؤلاء المتمردين والخارجين عن القانون.]
سوبارو: [صاحب الجلالة… وإرادة الإمبراطور تتمثل في…]
غوستاف: [――في تحويل جزيرة المبارزين هذه إلى حمام الدم الأكثر مغزى في الإمبراطورية قاطبة.]
وكان ذلك الإعلان متجردًا من أي مشاعر وبطريقة مرعبة للغاية، لدرجة جعلت دماء سوبارو تتجمد في عروقه فور أن صرخ في وجهه؛
فألوان عيني غوستاف، وأسلوبه في الحديث، بدت باردة ولا تلين، غير أن ذلك كان انطباعًا قاصرًا؛ فثمة كلمات أدق وأكثر رعبًا لوصف غوستاف؛
لقد بدا وكأنه، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، آلة لا حياة فيها؛ كينونة جامدة وباردة كالصقيع؛
وبينما سحب سوبارو أنفاسه بصعوبة، متصلبًا أمام تبدل انطباعه عن غوستاف، خاطبه الأخير قائلاً: «شوارتز»؛
ثم رمق سوبارو بنظرة استعلاء، وهو الذي يبدو ضئيلًا للغاية أمامه:
غوستاف: [عليك بمناداته «صاحب الجلالة الإمبراطور»؛ في المرة الأولى تنبيه، وفي الثانية تحذير، ولن تكون هناك مرة ثالثة قط.]
سوبارو: […آه.]
غوستاف: [وأود التأكيد مجددًا على أنني لن أسمح لكَ برفض المشاركة في «سباركا» إطلاقًا؛ فإن أبيتَ خوض «سباركا»، فستلقى أنت وتلك الفتاة مصيركما الأصلي المحتوم.]
سوبارو: [مصيرنا الأصلي… ماذا تعني بذلك…؟]
غوستاف: [يُرفض التماس سيغمونت، وتُحرمون من إذن البقاء على اليابسة؛ ――مما يعني أنكما ستغدوان طعامًا سائغًا لوحوش المابست المائية التي تستوطن أعماق هذه البحيرة.]
وبلهجة قاطعة ومجردة من أي تردد، وضع غوستاف خيارات سوبارو المستقبلية على طاولة الموت؛
فهذا العملاق يخبر طفلًا صغيرًا بدم بارد أن الرفض يعني الموت الزؤام؛ وهذا هو التجسيد الحرفي للقسوة والبرود، وهو ما جعل سوبارو يلعن حظه العاثر الذي لا يوقعه إلا في أسوأ المآزق منذ أن تقلص جسده؛
ألم يكن من المعتاد أن يعطف البشر على الأطفال الصغار؟
أم أن إمبراطورية فولاكيا —التي تقدس القوة والأقوياء— تبيح قتل الأطفال بلا رحمة ولا هوادة لمجرد كونهم ضعفاء وعاجزين؟
سوبارو: [إن كان الأمر كذلك، فأمة كهذه تستحق الفناء والزوال حقًا…]
غوستاف: [لا أدرك مغزى ما تتفوه به، لكنني سأسمح بلعناتك وتذمرك؛ فإن كُمت الأفواه وصُودرت حرية القول، فسيتراكم الاستياء والغضب؛ وبذور الحماقة الكبرى لا تنمو إلا في مرتع الاستياء، وحين تُسقى بماء العداء والحقد.]
وبطء شديد وهو يهز رأسه، أطبق غوستاف على كتفي سوبارو بينما جز الأخير على أسنانه غيظًا؛
وواقعًا بين براثن كف قادرة على سحق رأسه كحبة جوز، عجز سوبارو عن إبداء أي مقاومة؛ بل لقد راودت سوبارو فكرة المقاومة العنيفة والفرار من هذا المكان، غير أن――
سيسيلوس: [لا أنصحكَ بانتهاج هذا المسار يا باسو؛ فالأرجح أنك ستكابد نهاية مروعة وفي غاية البؤس؛ ولا أقول هذا بدافع اللطف أو ما شابه، بل لأنني أرى أن ذلك سيكون سيناريو مملًا وباهتًا، ولذا أرجوك بشدة أن تتراجع عن ذلك!]
سوبارو: [شكرًا لصراحتك الصادمة؛ اذهب إلى الجحيم يا سيسي.]
سيسيلوس: [يا للعجب، لقد أنقذتُ حياتك حقًا، ومع ذلك تقذفني بهذه الكلمات الجارحة؛ ورغم ذلك، فأنا أتفهم تمامًا المشاعر التي دفعتكَ للتفوه بها، لذا لن أستشيط غضبًا منكَ.]
ومع وقوف سيسيلوس المزيف بلا مبالاة سادًا طريق المدخل، سُلبت من سوبارو آخر ذرة أمل في المقاومة؛
وفي النهاية، ورغم محاولته التنفيس عن سخطه وغيظه من الموقف بتوجيه الشتائم نحو سيسيلوس المزيف —الذي لم تتضح هويته كصديق أو عدو بعد— إلا أن التفاعل مع رده بدا لسوبارو كإهدار تام للطاقة؛
وعلى أية حال، فقد أُجبر سوبارو قسرًا على المشاركة في هذه الفعالية المشؤومة، «سباركا»؛
فإن رفض، سيُلقى به طعامًا لأسماك البحيرة، وإن انصاع لأوامرهم ونجح――
غوستاف: [أثبتْ جدارتك وكفاءتك، وسأتحمل —بصفتي الحاكم— مسؤولية الترحيب بكَ كمبارز رسمي هنا.]
سوبارو: […رائع جدًا.]
فإن أبلى بلاءً حسنًا، سيغدو عبدًا في حلبة موت، وإن أخفق، سيُلقى به طعامًا للأسماك!
ولطالما اعتقد سوبارو أن لا خير قط قد ألم به منذ أن صُغر جسده، غير أنه توجب عليه تصحيح تلك القناعة الآن:
――فلم يحظَ بأي خير إطلاقًا منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماه أراضي إمبراطورية فولاكيا.
سوبارو: […أنا أمقت إمبراطورية فولاكيا من أعماق قلبي.]
وكانت شكوى سوبارو المشحونة بالحقد والكره —وكأنه يراعي نوم تانزا المتواصل— خافتة، وهادئة، وبالغة الرقة.
وحينها――
△▼△▼△▼△
――واستشعر لفحات الحرارة التي تغلف الساحة بأكملها تلف جسده من كل حدب وصوب؛
غير أن الأمر المرعب حقًا، هو أنه ورغم سيل النظرات الكثيفة التي تنهال عليهم من كل اتجاه، لم يكن ثمة سوى جلبة خافتة تكاد لا تُذكر؛
لقد كان إحساسًا غريبًا بصمت يصم الآذان، عوضًا عن أي حماسة مكبوتة أو صخب هادر؛
ومع ذلك، لم يملك سوبارو ترف الغضب أو التذمر من ذلك الموقف؛
؟؟؟: [تبًا، تبًا… هل تمزحون معي، هذا أسوأ كابوس على الإطلاق…!]
؟؟؟: [سأفعلها، سأكون أنا من يفعلها ويسحق هذا اللعنة…]
؟؟؟: [اصمتوا! اتبعوا أوامري طواعية وبلا نقاش، جميعكم! افعلوا ذلك وسنخرج من هنا أحياء!]
وشق ذلك الصمت الصاخب أصوات ثلاثة رجال يقفون في محيط سوبارو المباشر؛
رجل سحلية ذو حراشف قاسية كالصخر، ورجل أصلع الرأس يغطي جسده وشم كثيف، وشاب ذو ملامح وسيمة وشعر طويل بلون الصدأ؛
انحدروا جميعًا من خلفيات وأعراق متباينة، غير أن قاسمًا مشتركًا واحدًا جمع بينهم؛
ألا وهو تجاهلهم التام لسوبارو كقوة يعتد بها، وتلك النظرة المتوترة لموقف حياة أو موت التي استوطنت في مآقيهم؛
وكما تبدو الأمور الآن، فرغم تباين تواريخ ميلادهم، إلا أن تاريخ وفاتهم سيكون واحدًا لا ريب فيه.
غوستاف: [――أيها السادة، بادئ ذي بدء، أهنئكم على بلوغكم هذه الجزيرة؛ فصاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا في العاصمة الإمبراطورية سيكون في غاية السرور والرضا؛ وبصفتي الحاكم الذي استؤمن شخصيًا من قِبل صاحب الجلالة الإمبراطور على إدارة جزيرة المبارزين هذه، يسعدني أن أقدم لكم هذا الاختبار المشرف.]
وهكذا، وبصوت جهوري مدوٍ، تحدث غوستاف موريلو —حاكم جزيرة المبارزين جينونهايف ومخرج هذا العرض الترفيهي الدموي— من مقعد خاص فوق السور الشاهق المشرف على حلبة المبارزة؛
ثم، ومن تحت قدمي غوستاف―― وما إن فُتحت بوابة الممر الذي يقود المقاتلين إلى ساحة الحلبة، حتى انبثق طيف مرعب من جوف الظلام ببطء وتثاقل مميت؛
وجه أسد بعينين مصبوغتين بلون الدم، وأربع سيقان تنتهي بحوافر كحوافر الأيائل؛ وبقرون وأنياب ملتوية وذيل طويل يبعث على الرعب، كان جسده الهائل يجعل غوستاف —رغم ضخامته— يبدو ضئيلًا أمامه؛
ومع اللعاب الذي يسيل من شدقيه وهديره المرعب، تقدم العدو الفتاك، وحش مابست―― كلا، بل ما يُعرف هنا باسم «وحش المبارزة»، بخطوات ثقيلة ومزلزلة؛
وذلك الوحش الكاسر، هو الخصم الذي يجب على سوبارو والثلاثة الآخرين مواجهته――
غوستاف: [――استجابة لإرادة صاحب الجلالة الإمبراطور، أثبتوا هيبتكم وجدارتكم كمواطنين أقوياء في هذه الإمبراطورية العظمى!]
――لقد كان ذلك هو الفاحص والممتحن في «سباركا»، الاختبار الهمجي الممهد لنيل لقب مبارز!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※