الفصل 428 - مرحبًا بكَ في جزيرة المبارزين!
الفصل الحادي وستون
«مرحبًا بكَ في جزيرة المبارزين!»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――شعر وكأنه قد تُرِك وحيدًا في بقعة باردة ومظلمة.
مكان حالك السواد كأنه أغمض عينيه، وبارد كأنه ألصق وجنتيه بكتلة حديد منبوذة؛ وكان يرجو الخلاص باستماتة، وهو يستشعر قيود الأسر تكبل كامل جسده.
ولهذا السبب بالذات، ظل يمد يده في ذهول وتخبط، متلمسًا أي شيء قد تقع عليه يداه.
غير أن ذلك لم يكن هو الدافع الذي جعله يمد يده نحو ذلك النور الأبيض الساطع في نهاية المطاف؛
فذلك النور―― بل بالأحرى كينونته، كانت فتاة تخفي ملامح عزيمة مأساوية على وجهها؛ وقد بسط يده نحوها، ليس طلبًا للنجاة منها، بل لشعوره بوجوب إنقاذها وحمايتها.
وهكذا، متجاوزًا تلك القيود التي تمنع جسده من الحراك قيد أنملة، مد يده؛ يده هو بالذات؛
مد يده و――
؟؟؟: [――إنها صغيرة للغاية.]
وبينما تمتم بتلك الكلمات، حدق ناتسوكي سوبارو في كفه المنعكسة في مجال بصره المشوش؛
فاليد المرفوعة نحو السقف، وباطنها يتجه نحو الخارج، كانت يده هو، ممتدة من كتفه؛ تنقبض وتنبسط طوع إرادته تمامًا؛ ودون أدنى ريب، كانت تخصه هو؛
غير أنها كانت يد طفل صغير، تقل حجمًا عما عهده سوبارو في نفسه؛
وهذا يعني――
سوبارو: [لم أعد إلى هيئتي الطبيعية…]
لقد كانت تلك فرصته الثمينة للفرار من مأزقه الميؤوس منه؛ فرصة كان ينبغي له نيلها بعد أن خاض أهوالًا ومصاعب لا توصف؛ فقد خاطر بحياته حرفيًا مرات ومرات لأجل هذا المبتغى، أو هكذا بدا له، ومع ذلك أفلتت الثمرة من بين يديه؛
وكم من التضحيات الجسام قدمها لقاء ما ضاع من بين أصابعه؟
كم… عدد… تلك التضحيات――
سوبارو: [――!؟ صحيح، ما الذي أفعله ماذا بحقك!؟]
وفجأة، سرت صدمة يقظة في وعيه الغائم، فرفع سوبارو تلك الكف التي كان يحدق فيها نحو وجهه؛
وانهمرت الذكريات لتتدفق في رأسه: تفاصيل ذلك الموقف الغريب الذي خاضه في «مدينة الشياطين»، وتلك المطاردة القاتلة والشاقة مع أولبارت حيث عانى الأمرين، لدرجة جعلتها أشد هولًا من الكارثة نفسها؛
لقد نجح سوبارو في انتزاع النصر بعد أن راكم أعدادًا لا تُحصى من “حالات الموت”؛ وكان حريًا به أن ينال مكافأة المنتصر―― والمتمثلة في إبطال تحوله إلى طفل؛
وتذكر سوبارو أيضًا ملامسة أولبارت لصدره محاولًا إبطال ذلك التحول؛
وفور ذلك، شعر وكأن أحدهم يهمس بلغة الحب الروحية في أذنيه، و――
سوبارو: [فقدتُ الوعي بعد ذلك، ثم… ثم ماذا حدث؟]
وحاول سوبارو النبش في ذكرياته الضبابية مستطلعًا ما جرى؛ غير أنه، ومهما حاول دفع أو سحب ذلك الباب الذي يوصد على ذكرياته المنقطعة، أبى الباب أن ينفتح؛
وجز سوبارو على أضراسه بقوة، وتزايد نفاد صبره وهو يستشعر مدى عناد ذلك الحاجز――
؟؟؟: [――على رسلك، على رسلك، فلنهدأ قليلًا ولا داعي لكل هذا التوتر والارتباك؛ فلحسن الحظ خرجتما على قيد الحياة، ويمكنك أخذ وقتك الكافي لترتيب أمورك بعد أن تستيقظ تلك الآنسة الصغيرة التي جاءت معك.]
سوبارو: [――إيه؟]
وفجأة، طرق مسامع سوبارو صوت ينبعث من جواره مباشرة، فاستدار ينظر بملامح يكتنفها الذهول التام؛ وإذ به وهو مستلقٍ فوق فراش خشن وقاسٍ، تتلاقى عيناه مع شخص يسند ذقنه على كفيه هناك؛
شخص يرسم ابتسامة عريضة ملأت شدقيه، ويحدق في وجهه عن قرب شديد!
سوبارو: [واااااه!؟]
؟؟؟: [يا للهول، على رسلك! أعجبتني ردة فعلك كثيرًا، لكن من الأفضل أن نبقي أصواتنا خافتة؛ فإن أحدثنا الكثير من الجلبة، فسنلفت أنظار «سيد الجزيرة»، وسيرتب لنا قتالًا مزعجًا حتى الموت؛ ولكن من ناحية أخرى…]
سوبارو: [أُه، آاه، أُه…]
؟؟؟: [رغم أن ذوقه قد يبدو رديئًا، إلا أنني لا أمقت الأمر، بل في الواقع أحبه كثيرًا!]
وأمام سوبارو —الذي وثب واقفًا على قدميه دون وعي وعيناه تجولان في حيرة وارتباك— كان هناك فتى ذو شعر أزرق، يتباهى بكل أريحية وبرود؛
كان يربط شعره الطويل على هيئة ذيل حصان، ويرتدي ثيابًا تذكر بالطراز الشرقي الكلاسيكي، وهو طراز نادر الرؤية في هذه الديار؛ ومأخوذًا بمدى غرابة مظهره، ابتلع سوبارو ريقه قبل أن يختار كلماته وتساؤلاته؛
فلم يكن الطرف الآخر غريبًا فحسب، بل المكان، والبيئة، والهواء المحيط بأكمله――
سوبارو: […من تكون أنتَ؟ وأين نحن؟]
؟؟؟: [――أوه، يا له من أمر رائع وبديع! يا لها من أسئلة ممتازة! تمامًا كما توقعت… كلا، بل إنها تفوق كل توقعاتي بمراحل!!]
سوبارو: [بـففف؟]
وحاول سوبارو بحذر قياس طبيعة تصرفات هذا الشخص؛ غير أن الطرف الآخر —وعيناه تلتمعان بالبريق— أمسك بيد سوبارو بسرعة، وأخذ يصافحها صعودًا وهبوطًا بقوة جعلت سوبارو يظن أن كتفه ستُقتلع من مكانها؛
ولم يكن سوبارو متراخيًا أو فاقدًا لحذره، ومع ذلك، شعر بعجز تام عن مجاراة حركته؛
وأمام سوبارو المذهول، أفلت الفتى ذراعه مطلقًا: «أوف»، واستدار دورة كاملة في مكانه كأنما يرقص، ثم قال:
؟؟؟: [أنتَ، يا من عبرتَ البحيرة السوداء وبلغتَ هذه الجزيرة―― «جزيرة المبارزين: جينونهايف»! أنتَ، بتلك النظرة الحادة والمريبة في عينيك، والمفعمة بنذر مذهلة كهذه! سأجيبك بكل سرور!]
وكانت نبرته وحركاته مسرحية واستعراضية إلى أبعد حد، وبدا شديد الفظاظة قياسًا بشخص يلتقي به لأول مرة؛ ومع ذلك، لم تظهر عليه أي علامة تفيد باكتراثه بما يدور في خلد سوبارو، بل واصل بكل صفاقة تمسكه بأسلوبه المسرحي الصاخب؛
كأنه ممثل فوق خشبة مسرح، يستمتع بفيض من التصفيق الحار كأمر بديهي――
؟؟؟: [――سيسيلوس سيغمونت.]
والطريقة التي بسط بها ذراعيه يمنة ويسرة وهو يجهر باسمه، جعلت وقفته تبدو مستوحاة مباشرة من رقصات مسرح الكابوكي؛ [1]
وبطبيعة الحال، لا وجود لمسرح الكابوكي في هذا العالم، ولذا لم يكن يقلد عرضًا حقيقيًا؛ ومع ذلك، انطوت تلك الوقفة على بأس وحضور سلب أنفاس سوبارو تمامًا؛
وفضلاً عن ذلك، لم يكن ما حبس أنفاس سوبارو مجرد تلك الوقفة المهيبة، بل مدى الألفة التي يحملها ذلك الاسم في ذاكرته؛ أين سمع به من قبل؟ وما إن تذكر، حتى قطب حاجبيه؛
لقد سمعه مباشرة من لسان آبل؛
وإن لم تخنه ذاكرته، فذلك الاسم يخص أحد «الجنرالات التسعة الساميين»――
سيسيلوس: [أنا «صاعقة فولاكيا الزرقاء». ――والممثل الرئيس لهذا العالم.]
وشخص بصر سوبارو في دهشة وهو يسمعه يعلن ذلك بفخامة واعتزاز أمامه؛
فالاسم واللقب كلاهما يتطابقان تمامًا مع ما استحضره عقله؛ ――غير أن أمرًا واحدًا فقط انتصب كمعضلة هائلة:
ألا وهو――
سوبارو: [――أقوى رجل في فولاكيا… مجرد طفل!؟]
――فسيسيلوس سيغمونت، المبتسم أمامه مباشرة، كان طفلًا في مثل سن سوبارو المتقلص، وتفوح منه هالة شقي مزعج ومشاكس للغاية!
△▼△▼△▼△
――إن الأثر البالغ لـ«التحول إلى طفل» كان يلقي بظلاله الثقيلة على عقل ناتسوكي سوبارو وجسده معًا.
وكانت الآثار الجسدية واضحة ومفهومة؛ فكما هو متوقع من مظهره الخارجي الراهن، اقتصرت قدراته على الإمكانات البدنية لطفل في نحو العاشرة من عمره؛ فقوة ذراعيه وساقيه، وبطبيعة الحال طاقته وقوته الانفجارية، كلها تراجعت إلى مرحلة ما قبل البلوغ؛
غير أن ثمة شكوكًا حول مدى نفع قدرات سوبارو الجسدية الأصلية في الأساس وفق معايير هذا العالم الآخر؛ ولذا يمكن القول باطمئنان إن الفارق كان ضئيلًا، مهما شق عليه الاعتراف بذلك؛
أما الأمر الأشد خطورة، فتمثل في الأثر الذي طال باطنه، لا ظاهره؛
سوبارو: [ربما أصبح تفكيري مشوشًا بالكامل…]
لقد كان تعبيرًا مبسطًا ومجازيًا، لكنه يعكس بدقة الموقف السيئ الذي وجد سوبارو نفسه فيه؛
فقدرته على التصور، والتفكير، واستحضار المعارف، كانت تتراجع وتضعف؛ ورغم أنه يستخدم العقل ذاته كالسابق، إلا أن قدرته على فتح الأدراج واسترجاع المعلومات باتت أضعف، وعجز عن بلوغ تلك الأدراج العالية في ذاكرته؛
――ففي برج قلعة اللازورد القرمزي، اندلعت لعبة المطاردة الجحيمية التي دبرها أولبارت؛
والعدد الهائل من المحاولات التي خاضها لوضع خطة مضادة كان متأثرًا بعمق بتراجع قدرته على التفكير؛ وهو موقن بأنه قبل تقلص جسده كان سيعثر على الحل بوتيرة أسرع؛
ولعله كان سيبتكر تلك الفكرة وينهي تلك المحنة بسرعة أكبر، لدرجة تحميه من تجرع كل تلك الآلام؛
ولحسن الحظ حينها، لم يكن سوبارو بمفرده، بل أولئك الأعزاء عليه هم من أنقذوه؛
فقد استشعر أصوات الجميع ودعمهم يتردد صدى في عقله، و――
سوبارو: [كلا، كلا، ليس الأمر هكذا…]
وفجأة، جاش في صدره شعور دافئ، فسارع سوبارو إلى مسحه بكفه؛
وتلك المشاعر الممزوجة بالارتياح واللوعة كانت أقرب إلى الشوق الجارف للديار؛ وقبل تحوله لطفل، كان بمقدوره تحمل تلك العواطف في ظل الفوضى وحسه بالمسؤولية، لكن بدا أن جسده الطفولي قد أضعف حتى الحصون التي تحميه من ذرف الدموع؛ وإن لم يتوخَ الحذر، فسينهار باكيًا في أية لحظة؛
سوبارو: […لا تبكِ، إياك والبكاء؛ أأنا أحمق؟ كلا، أنا أحمق حتمًا.]
ومهما كابد من الأسى، فلا يسعه استعارة القوة ممن لا يتواجدون معه في هذه البقعة؛
ومسح دموعه بحركة سريعة، وبذل سوبارو غاية وسعه للعودة إلى صلب الموضوع؛ وتوجب عليه ذلك، فهو السبيل الوحيد الذي سيمنحه فرصة لم الشمل مع رفاقه مجددًا؛
فالمهم الآن ليس ضعفه النفسي ولا حنينه المباغت، بل ما يحتاجه حقًا هو التركيز على جوهر ورطته الماثلة؛
ألا وهي――
سوبارو: [هل سمعتُ من آبل أو زيكر-سان أي شيء عن عمر صاحب الرتبة الأولى…؟]
مسترجعًا أنفاسه، نقب سوبارو في ذاكرته التماسًا لجواب يشفي غليله؛
سيسيلوس سيغمونت―― لقد سمع بأنه الأقوى بين الجنرالات التسعة الساميين في فولاكيا؛ وهذا يعني أنه الشخص الأشد بأسًا في الإمبراطورية بأسرها؛
وكان السبب الرئيس لذهابهم إلى «مدينة الشياطين: كايوسفليم» في المقام الأول هو كسب يورنا —إحدى الجنرالات التسعة الساميين— كحليفة لهم؛ ففي سبيل استعادة العرش، كان لزامًا على فصيلهم ضم أكبر عدد ممكن من الجنرالات الساميين؛
وحينها، كان من الطبيعي تمامًا مناقشة أمر ذلك المتربع على الرتبة الأولى بدقة؛
ولذا حاول فتح ذلك الدرج المستعصي في عقله باحثًا عن أي تفصيل، ولكن――
سوبارو: [كل ما أذكره عنه هو أنه شخص غير محبوب، ولذا لا يمكن الاعتماد عليه كثيرًا…]
ولم يكن واثقًا إن كان ذلك هو الجزء الذي ترك الأثر الأكبر في نفسه، أم أن ذلك كان كل ما قيل له بالفعل، غير أن تلك كانت حصيلة معلوماته المحدودة عن صاحب الرتبة الأولى؛
ولسوء الحظ، عجز عن العثور على أي معلومة تخص مظهره أو سنه أو ما شابه، وهو عين ما يرغب في معرفته في هذه اللحظة؛
سوبارو: [لكن إن كان غير محبوب لكونه مجرد طفل، فالأمر بات مفهومًا ومنطقيًا تمامًا.]
ففي إمبراطورية تقدس القوة والأقوياء، من الغريب جدًا أن يكون الشخص الأقوى مكروهًا؛
أما إن كان ذلك الأقوى مجرد طفل، فالصورة تتضح تمامًا؛ فالكثير من البالغين سيترددون في الانصياع لأوامر طفل صغير، مهما بلغت قوته؛
وهكذا، وبينما حاول سوبارو التوفيق بين معلوماته السابقة ومعرفته الجديدة الماثلة:
سيسيلوس: [――يبدو أنك قد توصلتَ إلى نتيجة ما في رأسك!]
وأمام هذا الحديث، رفع سوبارو بصره ليرى الفتى ذا الشعر الأزرق―― سيسيلوس، يقف أمامه متخذًا الوقفة الاستعراضية ذاتها التي اتخذها سابقًا؛
وبعد أن تركه واقفًا هناك وهو غارق في أفكاره، رمش سوبارو بعينيه وقال:
سوبارو: [آ-آسف، لقد تركتكَ معلقًا هناك لبرهة.]
سيسيلوس: [آه، كلا، لا عليكَ إطلاقًا ولا تقلق بشأني؛ فأنا كثيرًا ما أُستبعد من النقاشات على أية حال! واعتدتُ على تركي وحيدًا وتجاهل الحديث معي، هاهاها!]
سوبارو: [أ-أهكذا الأمر حقًا…]
وأظهر سيسيلوس أسنانه البيضاء ناصعة، كاشفًا عن واقعه المحزن بكل مرح ولا مبالاة؛
ورغم دهشته من هذا الموقف، سر سوبارو لأن فظاظته لم تعكر صفو مزاج الفتى؛ ففي النهاية، يحمل سوبارو في جعبته سيلًا من التساؤلات التي يود طرحها عليه؛
وحار في أمره، متسائلًا من أين يستهل هذا الكم الهائل من الأسئلة:
سوبارو: [أعتذر عن وقاحتي مجددًا، أنا حقًا…]
سيسيلوس: [كما. قلتُ. لك! لا توجد أدنى مشكلة؛ وبالطبع هذا لا يعني أن قلة الأدب والفظاظة والتصرف دون مراعاة الآخرين أمور مقبولة، لكنني أملك من سعة الصدر ما يجعلني أتسامح معها إلى حد ما؛ فلو كنتَ ضيق الصدر وتافهًا وسطحيًا، أفلن يكون ذلك بمثابة لعب دور ثانوي وتلقي النصيب الخاسر؟]
سوبارو: [أ-أجل، معك حق؛ شكرًا لك، هذا يريحني؛ وبناءً على ذلك، فأنا…]
سيسيلوس: [هذا يذكرني! لم أسألكَ عن هذا لأنك كنتَ مستغرقًا في تفكيرك، لكن ما رأيك في تلك الوقفة التي اتخذتُها للتو؟ وبما أنني وضعتُ كل طاقتي في تلك الوقفة، فأود بشدة سماع انطباعك عنها؛ وكنتُ أفكر فيما إذا كانت إضافتها لفقرة تقديمي لنفسي ستمنحها اللمسة الساحرة الأخيرة التي تنقصها!]
سوبارو: [مـ-مهلًا لحظة واحدة، أرجوك، كنتُ أتحدث…]
سيسيلوس: [أوه أجل! ثمة أمور أخرى أود الاستفسار عنها، فأنا مهتم بها للغاية! ما رأيك!؟ لو تكرمتَ بسرد تفاصيل ذلك بإسهاب، لكنتُ سـ――]
سوبارو: [――أنصت إليّ!]
ورغم محاولته الحديث بهدوء، أُحبطت كل محاولاته بفعل سرعة تدفق كلمات الطرف الآخر الخاطفة كالبرق؛
وخشية أن يبتلعه زخم هذا الحوار الجارف، أطلق سوبارو صرخة مدوية لا إرادية؛ وفور فعل ذلك، شعر سوبارو بالذهول وهو يرى عيني سيسيلوس اللوزيتين تتسعان:
سيسيلوس: [أوه، أيعقل أنني كررتُ فعلتي مجددًا؟]
سوبارو: [في هذه الأيام، يكاد المرء لا يسمع مثل هذا الرد المبتذل الجاهز…] [2]
سيسيلوس: [رد مبتذل؟]
سوبارو: [إحم، إنها عبارة من مسقط رأسي، تعني نمطًا كلاسيكيًا ومستهلكًا.]
سيسيلوس: [هوهو، من مسقط رأسك إذن! هذا مثير للاهتمام للغاية! آه، يبدو أن هذه النقطة لم تكن جيدة إذن.]
وببريق يلتمع في عينيه، سارع «الصاعقة الزرقاء» للانقضاض على ما يثير فضوله؛
ولعل لقبه ذلك يرمز أيضًا إلى طباعه الصريحة المفرطة تجاه رغباته، كأنه صاعقة تبحث عن أعلى قمة لتهوي عليها؛ لقد كان شخصية تعجز عن الاستقرار أو الهدوء؛
――ولكن، لعله كان يخفي حقيقة شخصيته وراء هذا القناع المسرحي؛
سيسيلوس: [والآن، عمَّ ستحدثني؟ لا أستطيع كبح خفقان صدري تشوقًا لسماع ما ستنطق به تاليًا! هاااه~، أشعر بأنني مفعم بالحياة والنشاط!]
سوبارو: […لا يبدو الأمر تمثيلًا على الإطلاق.]
وبعينين تفيضان بالبريق، رغب الصبي في أن تصوغ كلمات سوبارو حكاية مثيرة؛
ومسلكه الذي بدا مجردًا تمامًا من أي خداع أو مكر، جعل سوبارو يتساءل إن كان سيسيلوس يقوى حتى على الكذب؛ وفي المقام الأول، ما الجدوى من نصب فخ كهذا لسوبارو الآن؟
فلو لم يكن برفقة آبل، لما حظي سوبارو بأدنى ذرة اهتمام في الإمبراطورية؛ ――وبالطبع، كان هناك استثناءات لأولئك الذين استهدفوا حياته بضراوة لا تلين؛
سوبارو: [لكن تلك استثناءات، ولا أود رؤيتها مجددًا إن أمكن.]
سيسيلوس: [――؟ ما الخطب؟]
سوبارو: [آه، كنتُ أحدث نفسي فحسب؛ وفضلاً عن ذلك، أنا ناتسوكي سوبارو… غـه.]
ومع إمالة سيسيلوس لرأسه حيرة، نطق سوبارو باسمه لتبديد شكوك الفتى، لكنه سرعان ما فطن لغفلته وتسرعه في الكشف عن هويته الحقيقية؛
ففي الفترة التي تنكر فيها بزي امرأة، اتخذ سوبارو اسم «ناتسومي شوارتز» حذرًا لئلا يذيع اسمه في أرجاء الإمبراطورية بلا مبالاة، غير أن طيشه الطفولي قد أفسد ذلك التدبير؛
فلو اتفق —بأي احتمال ضئيل— أن سيسيلوس —وهو من يشغل رتبة جنرال من الدرجة الأولى في الإمبراطورية— على علم بمنافسة الاختيار الملكي في مملكة لوغونيكا المجاورة وبالشخصيات المنخرطة فيها، فحينها――
سيسيلوس: [ناتسوكي سوبارو، أليس كذلك؟ له وقع غريب على الأذن، لكنه ينساب بسلاسة ولطافة؛ وبالمناسبة، أيهما اسم العائلة: ناتسوكي أم سوبارو؟]
سوبارو: [――. ا-اسم عائلتي هو ناتسوكي، واسمي الشخصي هو سوبارو.]
سيسيلوس: [هاهاا، فهمتُ ذلك؛ إذن سأناديكَ سوبارو-سان! ولكن إن عثرتُ على صيغة نداء أفضل، فسأغيرها وفق مزاجي، فلا تجفل من ذلك.]
وملوحًا بيده في الهواء، أجاب سيسيلوس بملامح تخلو من أي بادرة تشير إلى معرفته السابقة بالاسم؛
وارتاح سوبارو لسماع ذلك، غير أن ريبة طفيفة نبتت في صدره في الوقت ذاته: ――أيعقل أن يكون هذا الطفل هو سيسيلوس سيغمونت حقًا؟
سوبارو: [――――]
وبتفكير أعمق، يمكن لأي شخص ادعاء هوية ما؛ وبطبيعة الحال، يستطيع الصبي الماثل أمامه فعل ذلك، تمامًا كما عرف سوبارو عن نفسه بأنه ناتسوكي سوبارو؛
ولا ريب في أن اسم «الصاعقة الزرقاء» ولقبه —كالأقوى في فولاكيا— ذائعا الصيت؛
ومن الإفراط في التفاؤل توقع الاصطدام بأقوى رجل في فولاكيا في بقعة مجهولة ومريبة كهذه؛ وفوق ذلك، فالأرجح أن يكون هذا مجرد فتى يدّعي أنه الصاعقة الزرقاء لإعجابه بالاسم واللقب؛ وتلك فكرة أشد منطقية وقبولًا؛
سيسيلوس: [يا للعجب، ما تلك النظرة المريبة في عينيك؟ أهناك خطب ما بشأني؟]
سوبارو: […أأنت، الصاعقة الزرقاء الحقيقي؟]
سيسيلوس: [ها قد عادوا لقولها مجددًا! تمامًا ككل مرة!]
ولما لم يكن استدراج الآخرين من نقاط قوته، ألقى سوبارو بسؤاله المباشر في وجه سيسيلوس، فانفجر الأخير في ضحك صاخب ومجلجل على الفور؛
وتساءل إن كان بوسعه الاستمرار في مناداة هذا الصبي بسيسيلوس، غير أنه بدا أن أناسًا غير سوبارو قد خامرتهم الشكوك ذاتها حيال صحة هويته؛
ومع ذلك――
سيسيلوس: [كلماتي صادقة لا ريب فيها! ورغم أن الصراخ بذلك أمر يسير، إلا أنه لا يثبت شيئًا في واقع الأمر، أليس كذلك؟ ومن ناحية أخرى، وفيما يخص أي معلومات سرية يمكن استخدامها لإثبات هويتي… فحتى لو أطلعتك على شيء من هذا القبيل، فهل ستملك القدرة على تمييز الحقيقة من الزيف؟ فأنتَ يا سوبارو-سان لا تعرفني جيدًا، أليس كذلك؟]
سوبارو: [هذا… أجل، معك حق في ذلك.]
سيسيلوس: [إذن، فإهدار الوقت في الجدال حول صحة هويتي حماقة لا طائل منها؛ فلنتجاوز الترهات غير المجدية وننتقل إلى الموضوع التالي! فهذا أشد بناءً ونفعًا بكثير، مع أنني متخصص في التدمير وسحق الأشياء!]
وشعر سوبارو وكأنه ينساق وراء فصاحة الفتى وزخمه، غير أنه مع اندفاع سيسيلوس في حججه بضراوة ودون توقف، لم يجد سوبارو أي منفذ للاعتراض؛ وفضلاً عن ذلك، فما نطق به كان عين الصواب، وإن اتسم بالتطرف؛
ففي داخل سوبارو، لا توجد أي وسيلة لمعرفة ما إذا كان هذا هو الصاعقة الزرقاء حقًا أم لا؛ ولا يملك أي دليل يستند إليه؛ ومن ثم، حتى لو استمر في الشك في هذا السيسيلوس المؤقت، فلن يظفر بجواب شافٍ أبدًا؛
وإن كان الأمر كذلك――
سوبارو: [――――]
وبمجرد تنحية سيسيلوس كهدف للبحث والتمحيص، قفز التساؤل التالي إلى الصدارة بشأن الموقف الراهن؛
فبينما كان سوبارو على وشك ترك أولبارت يبطل تحوله إلى طفل، ابتلع وعيه فراغ هائل―― كلا، بل ابتلعه شيء أشد سوادًا وقتامة، وتلاشى وعيه تمامًا؛
غير أنه كان جليًا أنه لم يفقد الوعي وينتهي الأمر عند ذلك الحد؛
والدليل القاطع: أن سوبارو يرقد الآن فوق فراش رث، مواجهًا لسيسيلوس؛
فحتى مع شح الموارد في قرية الشودراك، بُذلت جهود لجعل الأسرة مريحة باستخدام الأعشاب الناعمة والأخشاب الملساء؛ غير أن هذا الفراش لم يراعِ أيًا من ذلك إطلاقًا؛
فكل ما وُجد لم يكن سوى لوح خشن يصلح للاستلقاء عليه بالكاد؛
وما زاد من قتامة هذا الانطباع هو خلو الغرفة وجدرانها العارية من أي أثاث بخلاف هذا السرير؛
فالجدران الرمادية جافة ومتصدعة، والأرضية ملطخة بأوساخ يستحيل تنظيفها؛ والهواء الرطب الخانق يهاجم رئتيه، والبيئة أبعد ما تكون عن الراحة؛
وبدا الأمر وكأنه يقبع داخل زنزانة سجن حقيقية؛
سوبارو: [إحم، سيسي، أيمكنني سؤالك عن أمر ما؟]
سيسيلوس: [سيسي! ما هذا؟ أهذا أنا، بالصدفة؟]
سوبارو: [لستُ واثقًا من قدرتي على مناداتك بسيسيلوس وأنا أجهل ما إن كنتَ الحقيقي أم المزيف…]
ولم يكن الأمر تحسبًا للقاء سيسيلوس الحقيقي، بل كان بمثابة تسوية توصل إليها سوبارو تجاه هذا الصبي الذي تعذر التحقق من هويته؛
فمناداته بـ«سيسيلوس المؤقت» ستكون فظة ومزعجة كبداية؛ وبمعزل عن كونه مفرطًا في الألفة لدرجة تثير الشكوك، إلا أن مسلكه كان وديًا للغاية وأراد سوبارو تجنب إثارة استيائه؛
سوبارو: [بل لعله أكثر شخص ودود في الإمبراطورية… كلا، لا وجه للمقارنة بينه وبين فلوب وميديوم؛ لكنني أظنه يقدم أداءً جيدًا.]
غير أنه لم يكن بوسعه الرهان على ذلك، فهناك أمثلة لأناس أظهروا الود في البداية قبل أن تنقلب طباعهم؛
ومع ذلك، فإن مصادفة سوبارو للشقيقين أوكونيل حين كان برفقة ريم كانت بمثابة بصيص حظ استثنائي لم يعهده من قبل؛ ولعله الحظ الأوفر الذي ناله طوال حياته؛
«لمَ ناداني فلوب حينها يا تُرى؟»؛ لعل منظره مع ريم كان يثير الشفقة واللوعة لدرجة عجز فلوب عن التغاضي عنها؛
سيسيلوس: [سيسي، سيسي، هكذا إذن… يا له من إحساس فريد! ونغمة بديعة! والآن حين أسترجع الماضي، لم يسبق لي أن نوديتُ بلقب تدليل قط؛ إنه يحمل نكهة غنية ومنعشة، أليـ~ـس كذلك؟]
وفي المقابل، كان سيسيلوس مبتهجًا بلقب التدليل الأول في حياته؛
وقد اختار سوبارو اسمًا رخيصًا وبسيطًا له، لكن ما دام الفتى سعيدًا به إلى هذا الحد، فإن تعكير صفو حماسته أمر غير مرغوب فيه، ورأى أنه لا داعي لابتكار بديل آخر؛ ولم يكن يملك أي أفكار أخرى على أية حال؛
سوبارو: [إذن، بالعودة إلى موضوعنا… هذا المكان ليس كايوسفليم، أليس كذلك؟]
سيسيلوس: [كايوسفليم… تقصد «مدينة الشياطين»؟ أجل، ليس كذلك على الإطلاق؛ بل يقع هذا المكان في الطرف المقابل تمامًا من الإمبراطورية، من الشرق إلى الغرب! وكما أسلفتُ، هذه «جزيرة المبارزين: جينونهايف».]
سوبارو: [جزيرة المبارزين…]
وتقلصت شفتا سوبارو وهو يستشعر غرابة تلك الكلمة غير المألوفة، «جينونهايف»، تنزلق من فوق لسانه؛
فالاسم لم يثر في ذاكرته أي صدى، غير أن لقب المكان بعث في نفسه إحساسًا بالقلق والريبة؛ فإن كانت كايوسفليم تُنعت بمدينة الشياطين لكثرة أنصاف البشر القاطنين فيها، فلا بد من وجود سبب حاسم وراء نعت جينونهايف بجزيرة المبارزين؛
جزيرة المبارزين، وهذا يعني――
سوبارو: [――جزيرة… للمبارزين؟]
واستحضرت كلمة “مبارز” صورة معينة في مخيلته، وتذكر سماعها في مكان ما من قبل؛
وإن لم تخنه ذاكرته، فقد كانت كلمة يطلقها آل بين الحين والآخر بالفعل؛ فقد قضى قرابة عشر سنوات ويزيد كمبارز في مكان ما، موقنًا دومًا بأنه سيلقى حتفه؛
ورغم أنه فقد ذراعه اليسرى، إلا أنه استطاع النجاة والفرار من ذلك المكان؛
إذن، فهذه البقعة هي――
سوبارو: [مستحيل… أهذه حلبة لألعاب الموت…؟]
سيسيلوس: [ألعاب الموت؟ أهذه عبارة من مسقط رأسك أيضًا؟ وماذا تعني؟]
سوبارو: […شيء أشبه بالكولوسيوم، ساحة يقتل فيها الناس بعضهم بعضًا.]
سيسيلوس: [أوه، فهمتُ ذلك! إذن فقد استوعبتَ الأمر بسرعة البرق! بالضبط، هذه البقعة هنا هي «ساحة ألعاب الموت»!]
سوبارو: [――هـڪ.]
وضحك سيسيلوس في وجه سوبارو، بينما سرت قشعريرة رعب باردة في جسد الأخير بعد التلفظ بهذا الاحتمال المروع؛
وحقيقة أنه يصفق بيديه أمام صدره ويتحدث بكل تلك الأريحية جعلت سوبارو يشك في أنه أساء السمع؛ غير أنه ومهما طال انتظاره، لم تفلت الكلمات التي كان يرجو سماعها من ثغر سيسيلوس؛
――كلا، لقد انطلقت كلمات، لكنها لم تكن الكلمات التي تمنى سوبارو سماعها قط:
سيسيلوس: [مجددًا، مرحبًا بكَ في جزيرة المبارزين؛ ومن النادر جدًا أن يدخلها صغار في مثل سني وسنك يا سوبارو-سان، وحتى لو دخلناها، فنحن لا نعيش طويلًا، لذا أتمنى لكَ حظًا طيبًا!]
سوبارو: [هـ… هـڪ!]
سيسيلوس: [هـ؟]
سوبارو: [هذا سخف وهراء! لا بد… لا بد أن ثمة خطأ ما قد وقع!]
وتشنجت قسمات وجهه، وتهلج صوت سوبارو أمام سيسيلوس الماثل أمامه؛
لقد كان الأمر فوق طاقة استيعابه؛ فأن يجد نفسه في مثل هذا المكان، لا بد أن يكون خطأً فادحًا:
سوبارو: [لأنني كنتُ في كايوسفليم حتى لحظة استيقاظي، و…]
سيسيلوس: [كلا كلا، لقد كنتَ مستلقيًا فوق هذا الفراش طوال نومك أيضًا؛ وكنتَ تئن وتتأوه في منامك؛ وأنا أتفهم أن تئن من قلة الراحة في النوم هنا، لكن حين كنتُ في كايوسفليم…]
سوبارو: [ليس هذا ما أقصده! ألا تفهم ما أقوله!؟]
سيسيلوس: [همم.]
وانفجر سوبارو بالصراخ متطايرًا ريقه من فرط غيظه من سيسيلوس الغامض؛
وأغلق سيسيلوس عينًا واحدة أمام شكواه، مبديًا استعداده للإصغاء دون أن يقاطعه؛ وذلك المسلك دفع سوبارو لإشاحة بصره عنه، جائلًا بنظراته في أرجاء الغرفة:
سوبارو: [أنا… كنتُ في كايوسفليم؛ ووجودي هنا لا بد أن يكون خطأً ما؛ وكنتُ أنجز مهامًا برفقة آخرين أيضًا.]
سيسيلوس: [حتى لو زعمتَ أنه خطأ، فأنتَ هنا بالفعل كما ترى؛ وإن قبلتُ بتلك الحجة، فهذا يعني أنني أنا من كان ينبغي أن يُقذف به بعيدًا من الجزيرة إلى مدينة الشياطين.]
سوبارو: [ألا يُفترض أن يكون ذلك ممكنًا إذن، بما أنني فوق جزيرة المبارزين هذه!؟]
سيسيلوس: [لا علم لي؛ ――ولكن إن كنتَ تنشد جوابًا حاسمًا على ذلك، فيمكنني تقديمه لكَ في طرفة عين.]
وهز سيسيلوس كتفيه أمام نوبة غضب سوبارو لأنه أبى الإصغاء، وبسط يده في هدوء؛ وأشار إصبعه النحيل نحو جدار في أقصى مؤخرة الغرفة؛
――كلا، لم يكن جدارًا؛ بل كان يشير إلى نافذة تعلوها قضبان حديدية؛
نافذة منصوبة في موضع مرتفع تطل على ما وراء الغرفة، وتتدفق عبرها ريح رطبة؛
سوبارو: [كلا، كلا كلا كلا…!]
وشفتيه ترتعدان، قفز سوبارو من فوق السرير في ذعر عارم؛
وما إن وطئت قدماه الحافيتان الأرضية الباردة، حتى ترنح رأسه واستشعر ضعفًا في أطرافه، غير أنه قاومه وركض مسرعًا نحو النافذة؛ ثم وثب وأمسك بالقضبان، رافعًا جسده عنوة، واضعًا ذقنه فوق إطار النافذة وهو يتلوى بارتباك؛
ثم، وحين استطاع بطريقة ما إلقاء نظرة نحو المشهد الخارجي――
سوبارو: [――بـ… حر؟]
سيسيلوس: [أجل، إنها بحيرة.]
ناظرًا عبر النافذة، تمتم سوبارو بتلك الكلمة في ذهول مطبق.
وحاول سيسيلوس تأكيد ما تفوه به سوبارو بعد أن التقط تلك التمتمة؛ غير أن سيسيلوس كان مخطئًا في تأكيده، إذ قال سوبارو «بحر» وليس «بحيرة»؛ [3]
وبالفعل، لقد أخطأ سيسيلوس؛ وإن كان قد أخطأ حقًا، فلعل المشهد في الخارج مجرد وهم وخطأ أيضًا؛
أو على الأقل، أدرك سوبارو أن ذلك مجرد أمل يرجو تصديقه في سراب أمانيه؛
سوبارو: [على مد بصري، لا أرى سوى بحيرة سوداء حالكة السواد…]
سيسيلوس: [الجزيرة بأسرها محاطة ببحيرة؛ والسبيل الوحيد للوصول من وإلى الشاطئ الآخر هو “رفع” الجسر المتحرك الوحيد؛ حقًا، إنه حصن طبيعي منيع، أو بالأحرى: سجن محكم!]
ولعجزه عن مواصلة رفع جسده، انزلق سوبارو مبتعدًا عن النافذة؛ وانطلق لسان سيسيلوس بأقصى طاقته بينما جثا سوبارو فوق الأرض، منكسًا ركبتيه بوهن؛
لماذا يبدو هذا الفتى في مثل هذا المزاج الرائق وسط بقعة ميؤوس منها كهذه؟
سوبارو: [لماذا…]
سيسيلوس: [همم؟]
سوبارو: [لماذا تبدو مستمتعًا ومبتهجًا إلى هذا الحد؟]
ولو كان سوبارو البالغ هو الحاضر، لتردد على الأرجح في السؤال بدلًا من طرحه بتلك المباشرة الفجة؛
لكن لكونه طفلًا يفتقر إلى كبح انفعالاته، انطلق السؤال عفو خاطر يفيض من شفتيه؛ والتفت سيسيلوس نحو سؤال سوبارو الصريح بنظرات طفولية في عينيه، وقال:
سيسيلوس: [ذلك لأنني أستشعر نهاية «الفصل الأول»!]
سوبارو: [الفصل الأول…]
سيسيلوس: [يا للأسف، رغم أنني لا أدرك كنه الأمر بدقة، إلا أنني أُلقيتُ في «ساحة ألعاب الموت» هذه، وكان عليّ القتال حتى الموت وسط دوامة من الدماء! ثم هبت عليّ ريح جديدة تحمل رائحة دماء مختلفة ونذيرًا مغايرًا! وما دام الأمر كذلك، فمن المنطقي تمامًا أن تنتقل الحكاية إلى مرحلتها التالية!]
ولم يفهم سوبارو شيئًا من حديث سيسيلوس وهو يتحدث بأسلوب فلسفي عميق رافعًا أصابعه؛ ――كلا، لم يكن عاجزًا عن الفهم، بل كان يرجو ألا يفهم؛
لأنه إن حاول استيعاب ما يقوله سيسيلوس بالكامل، فهذا يعني――
سيسيلوس: [فلن تكون القصة ممتعة ومشوقة بخلاف ذلك؛ فلا يمكنك إبعاد بطل الرواية ونجم العرض عن خشبة المسرح؛ فهذا تدنيس فاحش في أي قصة محبوكة كما ينبغي!]
――فأقوى رجل في فولاكيا، «الصاعقة الزرقاء»، كان مجرد مهووس بالدراما والمسرحيات!
△▼△▼△▼△
وسيسيلوس سيغمونت، ذلك المهووس بالدراما، كان شخصًا كثير الكلام والثرثرة؛
لدرجة تجعل المرء يوقن بأنه إن تُرك وشأنه، فسيواصل الثرثرة دون توقف إلى ما لا نهاية:
سيسيلوس: [وهكذا، كنتُ أتمشى في الخارج على غير هدى، وإذا بكَ تزحف نحو الشاطئ! أليس هذا مذهلًا؟ هذا أمر لا يتكرر كثيرًا؛ لقد كان قدرًا محتومًا بكل تأكيد! أو الأصح القول إنه كان مشهدًا خرج للتو من صفحات إحدى الروايات!]
سوبارو: [――――]
سيسيلوس: [لعلكَ لا تعلم هذا، لكنني لطالما تمتعتُ بحدس ثاقب للغاية؛ واليوم أيضًا، عثرتُ عليكَ أثناء تجوالي لأنني شعرتُ وكأن الريح تناديني؛ ولذا، فأنا محبوب من قِبل هذا العالم لدرجة تثير رعبي!]
سوبارو: [――――]
سيسيلوس: [وبالطبع، بما أنك نجوتَ من ذلك الموقف، فلديك فرصة جيدة لتكون محبوبًا من العالم أنت أيضًا! فلنبذل غاية جهدنا يا سوبا… بارو… هممم~؟]
ومائلًا رأسه، أخذ سيسيلوس يتأمل أمرًا ما متمتمًا بكلمات مبهمة؛
وبينما أصغى إلى تلك الكلمات الخاوية المتدفقة من شفتي الصبي، تحركت قدما سوبارو الحافيتان فوق الأرضية الحجرية الباردة؛
وكان الخروج والسير على هذا النحو خارج الغرفة التي استيقظ فيها تهورًا، بالنظر إلى جهله التام بالمكان؛
ومع ذلك، كان ثمة أمر يتحتم عليه التيقن منه:
سوبارو: [الأمر كما قلتَ لي، أليس كذلك؟ أعني أنني لم أكن بمفردي؟]
سيسيلوس: [إيه؟ آااه، أجل، هذا صحيح تمامًا؛ وأود الإشادة بكَ على هذا الصنيع أيضًا؛ فلم تخرج من ذلك الموقف بحياتك فحسب، بل أنقذت حياة رفيقتك كذلك، وهو إنجاز يجمع بين الحظ والشجاعة… شيء يشبه الموهبة الفذة!]
سوبارو: [أجل أجل، موهبة وشجاعة وكل هذا الهراء؛ إذن، ذلك الشخص الآخر…]
سيسيلوس: [كانت فتاة صغيرة؛ تشبهك في السن تقريبًا يا باسو… آه! هذا اللقب يحمل جرسًا لطيفًا، أليس كذلك؟]
وانحرف الحوار عن مساره بكل سهولة، غير أنه استطاع نيل الإجابة عن تساؤلاته؛
ولعل ما كان سيسيلوس يصارعه هو اختيار صيغة نداء لسوبارو ردًا على لقب «سيسي» الذي أطلقه الأخير عليه؛ وما دام اللقب ليس فظيعًا، فلا يبالي بما يُنادى به؛
والمهم هو تلك المعلومة التي انتزعها منه――
سوبارو: [――لويس.]
شخص في مثل سنه تقريبًا―― وحين يتعلق الأمر بشخص في سن سوبارو الراهن، فإن أول من يقفز إلى ذهنه تلقائيًا هي لويس؛ وصحيح أن ميديوم قد تحولت هي الأخرى إلى مثل هذا السن، لكن لما لم تكن حاضرة في ذلك البرج، فهي ليست مرشحة؛
وبصراحة تامة، كان انطباع سوبارو النفسي عن لويس كتلة من الفوضى والاضطراب:
سوبارو: [لن أتخلى عنكِ قبل أن أظفر بجواب على ذلك التساؤل؛ وفوق ذلك، ربما بفضل قوتكِ…]
فلو استطاعوا تسخير قدرة لويس على الانتقال الآني، لربما أمكنهم الفرار من هذه الجزيرة الخطيرة؛
فهو لا يعرف أرجاء الجزيرة بأكملها بعد، ورغم أن سيسيلوس هو الشخص الوحيد الذي التقاه هنا، إلا أنه وفق ما أخبره به الأخير، فهذه البقعة هي أسوأ بيئة محتملة يمكن لطفل أن يقبع فيها دون شك؛
ولذا――
سوبارو: [علينا مغادرة هذه الجزيرة في أسرع وقت ممكن.]
سيسيلوس: [هذا طموح عظيم ونبيل، لكنني أظن أن عقبات جمة ستعترض طريقك؛ فبحسب ما سمعتُه، لم ينجح سوى شخص واحد فقط في الهروب من هذا المكان، ولهذا السبب تحديدًا وُضعت «قاعدة اللعنة».]
سوبارو: [إذن سأكون أنا الشخص الثاني؛ كلا، بل أنتَ ورفيقتي سنصبح ثلاثة.]
وانطلقت عزيمة سوبارو لتجيب بدافع الغريزة؛ وعند سماع هذا، تفحص سيسيلوس هيئة سوبارو كأنه ينظر إلى أمر تافه، ثم أطلق صفيرًا حادًا؛
وبدا أن ذلك قد أدخله في مزاج رائق بطريقة ما، غير أنه لم يكن ثمة متسع للمبالاة بذلك؛
و――
سيسيلوس: [باسو، هنا.]
وبعد مسير قصير عبر ممر خافت الإضاءة يملؤه هواء رطب وبارد، توقف سيسيلوس فجأة؛ وشابكًا يديه خلف رأسه، أشار بذقنه نحو غرفة ذات باب خشبي داكن وقذر؛
ورفع سوبارو عينيه نحو الباب متسائلًا: «هنا؟»:
سيسيلوس: [هذه غرفة العلاج؛ ويُطلق عليها أيضًا اسم «غرفة الجثث»؛ فالكثير من البشر يتحولون إلى جثث هامدة هنا بعد أن يعجزوا عن الموت في الحلبة.]
سوبارو: [غـ-غرفة علاج، هكذا إذن؟ وأين المعالج؟]
سيسيلوس: [معالج، ها! ثمة معالجون نوعًا ما، لكن لا وجود لمستخدمي السحر الثمين من هذا الطراز هنا؛ فلو وُجدوا لتضاءلت أعداد الموتى، غير أن ذلك يخالف نهج «سيد الجزيرة».]
سوبارو: [――――]
وأمام هذا الجواب العابث، لزم سوبارو الصمت مطبقًا شفتيه لا إراديًا؛
لقد غاب الأمر عن بسامي تمامًا، غير أنه في إمبراطورية فولاكيا، يندر جدًا وجود أناس يملكون القدرة على ممارسة سحر العلاج؛ ولهذا السبب حظي سحر ريم العلاجي بمثل تلك القيمة والمكانة الرفيعة؛
غير أن الحقيقة القائمة هي أن لويس قد وُضعت في غرفة علاج تخلو من أي معالج؛
سيسيلوس: [الفتاة التي جلبتها معك كانت شديدة الوهن والضعف، ولهذا وُضعت هنا؛ فغاية هذه الغرفة —اسمًا على الأقل— هي معالجة المصابين، ولذا تتوفر فيها بعض البطانيات وقطع القماش لتضميد الجراح؛ أما نحن المبارزون فنُعامل كما رأيتَ سابقًا، وكانت ظروف النوم مروعة، أليس كذلك؟]
سوبارو: […أنتَ المبارز الوحيد هنا.]
سيسيلوس: [آهاهاها، معك حق في ذلك! والآن، تفضل بخوض لقائك العاطفي المؤثر!]
وكأنه يقرأ دخيلة سوبارو للمرة الثانية، ربت سيسيلوس على كتفه؛
وتحت وطأة حماسته، ابتلع سوبارو ريقه، ووطن نفسه، ومضى نحو الباب؛ ودفعه ليفتحه، فتقطب حاجباه أمام الرائحة الكريهة المنبعثة من الداخل؛
فما تدفق منها لم يكن سوى خليط من رائحة الدماء واللحم المتعفن، كأنها ذروة التردي الصحي وانعدام النظافة؛
«أترتعد حواسهم من مجرد النظافة؟»؛ فداخل تلك الغرفة الضيقة، تراءت أدوات بالية وضمادات غُسلت بإهمال وتُركت معلقة لتجف؛
ووسط تلك البيئة المزرية――
سيسيلوس: [تلك هي رفيقتك النائمة هناك.]
سوبارو: [――هـڪ، لويس!]
وأشار سيسيلوس نحو سرير في مؤخرة الغرفة بينما جال سوبارو ببصره؛
وبدت الغرفة كأنها مستوصف، يحوي سريرين أفضل قليلًا من ذلك الذي استلقى سوبارو عليه، وثمة بروز صغير لبطانية في أقصى طرف السرير؛
واندفع سوبارو نحوها، تحثه مشاعره المضطربة؛ وكان في عجلة لبلوغ لويس، غير أنه عجز عن حسم ما يجدر به قوله لها؛
ومع ذلك――
سوبارو: [――إيه؟]
وبعد أن هرع محاولًا هز كتف الفتاة الصغيرة، تجمد سوبارو مذهولًا في مكانه؛
ولم يكن ذلك لعجزه عن العثور على الكلمات المناسبة؛ ――بل لأنه عجز عن العثور على الشخص المعني بتلك الكلمات أصلًا!
فالفتاة التي قيل إنها جُرفت إلى الشاطئ برفقة سوبارو، ورقدت نائمة هناك، لم تكن لويس التي تثير مشاعر متضاربة في صدره؛
بل كانت تملك رأسًا صغيرًا، وقرنين بارزين، وشعرًا كتانيًا ينسدل عند كتفيها؛ وقد جُردت من ثوب الكيمونو الفاخر الذي يلف قوامها الضئيل، لتستقر بثياب داخلية بسيطة؛
لم تكن لويس، ولا كانت رفيقته ميديوم التي رافقته إلى كايوسفليم وصُغّرت هي الأخرى بتقنية أولبارت؛
بل كانت الراقدة هناك هي――
سوبارو: […تـ-تانزا؟]
ولم يصدر أي رد من الفتاة الصغيرة النائمة على ندائه المرتجف؛
غير أنه حتى لو لم تجب، فبمجرد وقوع عينيه عليها، أدرك الحقيقة؛ أدرك أنها ليست لويس ولا ميديوم، بل تانزا؛ الفتاة ذات قرون الأيل، وتابعة يورنا ميشيغوري، سيدة مدينة الشياطين؛
سوبارو: [لماذا… لماذا تتواجد هذه الفتاة هنا…؟]
سيسيلوس: [أوه-أوه؟ أأفسدتُ الأمر مجددًا؟]
ومن خلف سوبارو —المصدوم برؤية وجه نائم يختلف تمامًا عما تصوره— تفوه سيسيلوس بكلام ساذج؛
وبطبيعة الحال، لم يكن هو الملوم؛ لم يكن الخطأ خطأه، ولكن――
سوبارو: [ليس هذا ما قيل لي! لقد أخبرتني أن لويس هنا!]
سيسيلوس: [كلااا، أشك في ذلك؛ فأنا على يقين من أنني أوضحتُ وجود فتاة جُرفت إلى شاطئ الجزيرة معك يا باسو؛ وأنا متفاجئ مثلك تمامًا لكونها ليست الفتاة التي تصورتَها!]
سوبارو: [أُه، كـح…]
وانحبست الكلمات في حلق سوبارو عاجزًا عن الرد أمام حجة سيسيلوس المنطقية؛
ففي الواقع، كان سوبارو نفسه هو من افترض أن عبارة «الفتاة التي معك» تعني لويس؛ ولا يسعه سوى الاعتذار لسيسيلوس عن ذلك؛
لكن الأمر مريب وشاذ؛ فما الذي يجعل تانزا برفقة سوبارو؟
وبادئ ذي بدء، إن كانت تانزا هي الموجودة معهم هنا والآن، فحينها――
سوبارو: [ماذا حل بـ لويس…]
وواضعًا يده فوق رأسه، تملكه القلق البالغ حيال مصير لويس الغائبة عن الأنظار؛
فبعد إدراك حقيقتها، بات آبل وآل وميديوم ينظرون إليها كتهديد حقيقي؛ ولعل يورنا قادرة على حمايتها، لكن ذلك لجهلها بهويتها الحقيقية؛
فلو علمت بأن لويس مطران خطيئة، لغيرت رأيها حتمًا، تمامًا كما فعلت ميديوم؛
ولا يجد أي مبرر يدفع آبل والآخرين لكتمان حقيقة لويس؛
سوبارو: [عليّ إعادتها إلى ريم…]
فوجود لويس كان بمثابة خيط واهن ودقيق يصل بين سوبارو وريم فاقدة الذكريات؛
ورغم أنها لحقت به دون إذنه، إلا أن سوبارو يملك أسبابه التي تمنعه من التخلي عن إعادتها؛ وفوق كل شيء، لم يحسم أمره في قرارة نفسه حيال ما يجب فعله مع لويس؛
ورغم ذلك كله، بات موقع لويس مجهولًا لديه، وسوبارو يقبع في هذه الجزيرة الملعونة؛
سوبارو: [لا يجدر بي إهدار الوقت هكذا…!]
ولم تستقر خواطر سوبارو أبدًا، بل كانت مزيجًا مشوشًا من أمور شتى؛
ومع ذلك، أدرك حتمية مغادرة هذه الجزيرة والعودة إلى كايوسفليم فورًا:
سوبارو: [إن أمكن، سآخذ هذه الطفلة معي…]
سيسيلوس: [أوه، أأنت متأكد؟ ألم تكن هذه الفتاة غير تلك التي كنتَ تتوقعها يا باسو؟]
سوبارو: [كلا، هي ليست كذلك، لكن لا مبرر لتركها خلفنا، أليس كذلك؟ وفوق ذلك، لا بد أن يورنا-سان تبحث عنها الآن.]
فيورنا تفيض حنانًا لدرجة تجعلها لا تتردد في بذل ذاتها حتى من أجل طفل صغير التقته للتو؛
ولولاها، لما استطاع انتزاع النصر في لعبة المطاردة ضد أولبارت، ولا إقناع ذلك العجوز المسخ بالرهان الأصلي منذ البداية؛
ومن ثم، فإن إعادة تانزا إلى كنف يورنا هو السبيل البديهي لرد الجميل؛
سيسيلوس: [أرى أن حماسكَ وشهامتكَ أمران يستحقان الثناء، لكن كما أسلفتُ، أظن أن الأمر سيكون في غاية الصعوبة.]
غير أن رأي سيسيلوس ألقى بماء بارد فوق حماسة سوبارو؛
ورغم أن أسلوبه في الحديث ومسلكه ظلا على حالهما منذ البداية، إلا أن الحقائق التي نقلها سيسيلوس كانت بالغة الخطورة في صميمها؛ وعجز سوبارو عن كتمان إحباطه أمام قسوة واقعه:
سوبارو: [سمعتُك جيدًا؛ أنت تقول إن الخروج صعب، أليس كذلك؟ ولكن إن بحثنا عن قارب، أو أنزلنا ذلك الجسر المتحرك الذي ذكرتَه سابقًا، فحينها…]
سيسيلوس: [تقصد “رفع” الجسر؛ ولعل ذلك يشكل تحديًا، غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في موضع آخر؛ فالمشكلة الكبرى هي «قاعدة اللعنة»، أتعلم؟ قاعدة اللعنة.]
سوبارو: [قاعدة… اللعنة…؟]
وكانت كلمة غير مألوفة، غير أنه استحال تجاهلها بعد أن وُصفت بأنها المعضلة الكبرى؛
ونحو سوبارو العاقد حاجبيه، أطلق سيسيلوس «أجل»، ثم دس يديه داخل كمي ثوبه الشرقي:
سيسيلوس: [قوانين اللعنة، أو «قاعدة اللعنة»؛ قاعدة مزعجة وقوية للغاية وضعها «سيد الجزيرة» الذي يسيطر على جزيرة المبارزين هذه؛ اخترقها، وستموت! اعصَها، وستموت! قاومها، وستموت! ――إنها لعنة الموت المحتوم!]
سوبارو: […آه.]
سيسيلوس: [وهي تغطي الجزيرة بأسرها؛ أتدرك ما يعنيه هذا؟]
وبينما أعلن ذلك، استدار سيسيلوس في مكانه ملوحًا بأكمامه في الهواء؛
وقيلت تلك الكلمات بخفة تامة تخلو من أدنى ذرة جدية، غير أن وجود لعنة موت من هذا القبيل كان متناغمًا للغاية مع الصورة الذهنية التي يحملها سوبارو عن الإمبراطورية، لدرجة تمنعه من الضحك عليها ككذبة عابرة؛
سوبارو: [إ-إذن لا يمكن لأحد مغادرة هذا المكان؟]
سيسيلوس: [أجل، هذا صحيح تمامًا؛ ولولا ذلك، لكنتُ قد غادرتُ من هنا منذ زمن؛ وصحيح أن وحوش المابست في البحيرة قد تكون خصمًا عنيدًا، لكن بمقدوري الركض فوق سطح الماء إن رغبتُ في ذلك؛ أتعلم كيف تركض فوق الماء؟ تمد قدمك اليسرى قبل أن تغرق قدمك اليمنى…]
وشرع سيسيلوس في سرد تلك الفكرة الخيالية المستهلكة على مسامع سوبارو المذهول؛
وبدا أنها الطريقة التي يركض بها النينجا فوق الماء، والظاهر أن العديد من الخارقين في هذا العالم قادرون على فعل ذلك حقًا؛ كلا، ليس هذا وقت الهروب من الواقع على هذا النحو؛
سوبارو: [ذ-ذلك «سيد الجزيرة»، أهو من يلقي اللعنة على أرجاء الجزيرة؟ إن كان الأمر كذلك، فما رأيك في أن نجعله يبطل اللعنة؟ لأنني هنا عن طريق الخطأ…]
سيسيلوس: [هاهاها، يا لها من دعابة طريفة! وسواء كان خطأً أم صدفة أم زلة، فبمجرد وطء قدميك لهذه الجزيرة ونقش وشم اللعنة عليك، فأنتَ بالفعل أحد المبارزين هنا؛ مع أنه يمكنك القول إن عدم اعتيادك على طبائع المبارزين برهان على أن لديك دورًا أعظم لتلعبه!]
سوبارو: [――هـڪ.]
واندثرت الكلمات التي كان يتشبث بها، وحبس سوبارو أنفاسه؛
فكلمة “لعنة” لا تستحضر في ذهن سوبارو سوى أسوأ الذكريات والمآسي؛ وكما هو متوقع، بدا وكأن الأقدار قد حسمت أمرها بأن تتراكم الذكريات السيئة فوق بعضها لتغدو أشد قتامة؛
سوبارو: [هذا ليس… مزاحًا إطلاقًا… هـڪ.]
وقبل أن يدري، قُذف به إلى مكان يجهله، برفقة فتاة يجهلها تقريبًا؛ وفوق ذلك، قيل له من قِبل شخص يجهله تقريبًا، إنه إن حاول مغادرة المكان المجهول بمفرده، فقد يلقى حتفه بفعل لعنة ألقاها شخص مجهول آخر؛
فبماذا يجدر به أن يؤمن ماذا بحقك، وما الذي ينبغي عليه فعله في مثل هذا المأزق――
سوبارو: […وجدتها؛ أجل، هذا صحيح! سيسي، أنتَ أحد الجنرالات التسعة الساميين، أليس كذلك؟]
سيسيلوس: [أوه؟]
سوبارو: [إذن ربما تستطيع التواصل مع العالم الخارجي أو ما شابه؟ دعنا نرى، مثل هذه الفتاة النائمة، هي من طرف يورنا-سان في كايوسفليم…]
وعيناه محمرتان أمام تلك الفكرة، أطبق سوبارو بكلتا يديه على كتفي سيسيلوس؛
وأغمض سيسيلوس عينًا واحدة إثر ملامسته، بينما تناسى سوبارو خجله وحياءه؛
فبعد أن عامل سيسيلوس ككاذب يدّعي ما ليس فيه قبل قليل، بات سوبارو يعلق آماله الآن على كونه «الصاعقة الزرقاء» كما زعم؛
فما دام أحد الجنرالات الساميين في إمبراطورية فولاكيا، والأقوى في البلاد قاطبة، وشخصًا يسهل الحديث معه، فقد يصغي لما سيقوله سوبارو؛
ولم يكن ذلك في الحقيقة سوى وهم نابع من تفكير طفولي يدور حول ذاته؛
ومن ثم، ستنتهي تكهنات سوبارو إلى مسعى عقيم كالمعتاد؛
أو لعل سوبارو —لو لم يتبلد تفكيره بفعل التحول إلى طفل— لكان قد تنبه إلى السؤال البديهي بنفسه؛
ألا وهو――
سيسيلوس: [مهلًا يا باسو.]
سوبارو: [أوه، أجل، ما الخطب؟]
سيسيلوس: [ما هؤلاء «الجنرالات التسعة الساميون» الذين تتحدث عنهم؟]
سوبارو: [إيه…؟]
وبينما يقبض سوبارو على كتفيه، أمال سيسيلوس رأسه في فضول واستغراب تام؛
وتملك الذهول سوبارو، عاجزًا عن استيعاب ما يلقى على مسامعه؛ غير أن سيسيلوس تابع قائلًا: «أعني، كما تعلم»:
سيسيلوس: [بكل جدية وصراحة، أنا لا أدري حقًا لمَ أنا موجود هنا؛ وأظن أن ثمة تطورًا ما سيدفع القصة للأمام، وأتساءل إن كنتَ أنتَ هو ذلك التطور يا باسو!]
يا لها من قنبلة مدوية ألقاها في وجهه، لتزرع مزيدًا من الحيرة والذهول في عقل سوبارو الصغير!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
* [1] مسرح الكابوكي (Kabuki – 歌舞伎): هو فن مسرحي ياباني كلاسيكي يُعرف بأدائه الحركي والمبالغ فيه، وأزيائه الفاخرة، ومكياجه الاستعراضي البارز. أشار سوبارو إلى أن وقفة سيسيلوس تشبه وقفات ممثلي الكابوكي الاستعراضية.
* [2] رد مبتذل جاهز (Template): استخدم سوبارو هنا لفظة من لغته الأصلية تجمع بين اليابانية والإنجليزية (Template) للإشارة إلى الكليشيهات أو الردود النمطية المكررة في القصص، وهو مصطلح لم يستوعبه سيسيلوس إطلاقًا.
* [3] تورية كلمة بحر/بحيرة (Umi/Mizuumi): نطق سوبارو بكلمة “بـ… حر” متقطعة (U-mi باليابانية)، فظن سيسيلوس أنه يئن وأكملها ككلمة “بحيرة” (Mizuumi). الجدير بالذكر أن مفهوم “البحر” بحد ذاته يُعد أمرًا مجهولًا وغريبًا على سكان عالم ريزيرو.