الفصل 427 - (ب) فلوب أوكونيل
الفصل التاسع والخمسون (ب)
«فلوب أوكونيل»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
مايلز: [――احرص على حياتك يا فلوب؛ فالتضحية بالنفس شيمة الحمقى والمغفلين.]
كانت تلك هي النصيحة التي أسداها له مايلز؛ ذلك المحسن الذي انتشل فلوب من مستنقع بيئة بائسة ومزرية.
وبدا أن دار الأيتام التي قضى فيها فلوب وميديوم طفولتهما كانت أشد بؤسًا وانحطاطًا مما قد يتصوره أي عقل.
وكانت العبارة المعتادة التي يرددها البالغون في دار الأيتام على مسامعهم هي أن هذا المكان مخصص لأطفال لا عائلة لهم، ولا مأوى يأوون إليه، ولا معين يتكئون عليه، وأنه يوفر لهم سقفًا يستظلون به فوق رؤوسهم.
المشرف: [أنتم تنعمون برغد العيش مقارنة بجموع غفيرة من الأطفال الآخرين الذين لا يجدون كسرة خبز تسد رمقهم، ولا عملًا يؤويهم.]
وفي الحقيقة، كان ذلك هو عين ما فكر فيه فلوب أيضًا؛
فبالنسبة له ولأخته الصغرى ميديوم —بعد أن نبذتهما عائلتهما وتخلت عنهما— كانت الحياة جحيمًا شاقًا ذاقا فيه ويلات العذاب ذهابًا وإيابًا؛ وفيما يخص الطعام، اعتادا أكل الأعشاب والحشرات، وأحيانًا أرنبًا بريًا يثير صيده جلبة عارمة؛ وفي أسوأ السيناريوهات، كانا يلوكان التراب والطحالب لدرء قرصات الجوع القاتلة.
وبالمقارنة، بدت الحياة في دار الأيتام أفضل حالًا بكثير؛
فقد قُدمت لهما بطانيات —وإن كانت رقيقة وبالية وممزقة— ووُفرت لهما وجبات طعام —وإن اقتصرت على حساء عديم الطعم مع كسرة خبز يابسة؛ ووُكلت إليهما أعمال شاقة حيث لا قيمة إلا للأرقام المنجزة؛ ورغم تعرضهما للضرب والركل من البالغين وفق نزواتهم، إلا أن ذلك كان يقع بين الفينة والأخرى فحسب.
وكان ثمة جانب من الصواب في كلمات التوبيخ التي يطلقها البالغون، بأن العالم الخارجي أشد قسوة وإيلامًا بأشواط؛ ولذا، لم تخطر ببالهما فكرة الفرار إطلاقًا.
ومع كل ذلك، لم يكن فلوب ليطيق رؤية ميديوم وسائر الأطفال وهم يتعرضون للكمات البالغين وركلاتهم؛ ولذا، تعلم فلوب أن يتصرف بأقصى درجات المرح والحيوية لجذب انتباه الكبار نحوه وحده.
وحسم فلوب أمره بأن يكون هو، وفي كل يوم، الشخص الذي يستقطب السواد الأعظم من أنظار البالغين؛
فبروز فلوب ولفتُه للأنظار كانا يدفعان البالغين إلى تليين مواقفهم تجاه بقية الأطفال؛ وحتى في الأيام التي يتعكر فيها مزاج الكبار، كان فلوب —بوقوفه الصاخب في الصدارة— أول هدف يتلقى الإساءات والضرب.
فأن تلفت الأنظار، كان ذلك سلاحًا قائمًا بذاته؛
أصوات مرتفعة وحركات صاخبة، وتعبيرات وجه وانفعالات مبالغ فيها؛ ولحسن الحظ، لم يكن من العسير عليه ترسيخ عادة القيام بتلك الأمور؛ إذ بدا أنه يتمتع بموهبة فطرية في استقطاب الاهتمام.
وحوّل فلوب بؤرة غضبهم من الأطفال الصغار لتنصب عليه وحده، وخاض غمار أهوال مروعة تركته في مرات شتى على شفا الموت؛ وهناك، وفي تلك الليلة التي ظلت فيها ميديوم تمسح على جراح فلوب وتواسيها طوال الليل، تيقن من أمره تمامًا:
هذا هو الدور المحتوم الذي يتحتم عليه أداؤه في هذا المكان؛
ووسط وطأة الآلام المبرحة، هذا ما حدث به فلوب نفسه――
؟؟؟: [بالطبع لا، أيها الأبله المغفل.]
فلوب: [إيه…]
؟؟؟: [أول مرة أري فيها وجهي هنا منذ سنوات لا يعلم عددها إلا الأقدار، ولدى النظر أجد المكان القميء ذاته، بأطفال بلهاء يمارسون الحماقات ذاتها؛ وحين يتعلق الأمر بالأطفال المجانين، فبالي الصغير يكفي ويزيد.]
وبعد أن حدد الدور الذي يتعين عليه حمله، وطن فلوب نفسه على تجرع أشنع ما في دار الأيتام؛
غير أنه، وفي إحدى الليالي، تحطمت مخططات فلوب بصورة مباغتة؛
فالشخص الذي ظهر ممتطيًا ظهر تنين محلق لم يكن شخصًا حسن المظهر أو مهذبًا، على أقل تقدير؛
فلم يخفِ طباعه العنيفة والمنحطة، وكانت طريقته في بعثرة شعره الرمادي بنفاد صبر كافية لتجعل فلوب —حتى وهو طفل— يوقن بأنه من طينة البشر الذين لا يود المرء الاحتكاك بهم قط؛ كما ساهمت ملامحه —التي تذكر بفأر خبيث وخانع— في ترسيخ هذا الانطباع؛ كينونة ينكس المرء رأسه في حضرتها عادة لتفادي تلقي لكمة خاطفة.
ذلك الشخص―― مايلز، خيب انطباع فلوب الجاف عنه ببرود ولين مباغتين:
مايلز: [أنا من خريجي هذا المعهد مثلكم جميعًا؛ حسنًا، لقد كان مكانًا مقيتًا حتى في أيامي؛ ولهذا فررتُ من هذا الجحيم ونجوتُ بحياتي بعد أن كابدتُ الأمرين بالخشونة والقوة.]
وفي الليل، اعتاد المشرفون إغلاق باب غرفة الأطفال بقفل معدني ثقيل لمنع الصغار من التسلل خلسة في الوقت المخصص للنوم؛
وبعد أن حطم ذلك القفل الثقيل بوحشية بالغة واسترق النظر إلى الداخل، وشهد قرابة عشرين طفلًا مكدسين في غرفة ضيقة، فرقع مايلز بلسانه بضيق شديد؛
ثم رافق الأطفال —الذين أصابهم الرعب والذهول من ظهور هذا البالغ المجهول— خارج الغرفة؛ وتاركًا إياهم بكلمة واحدة: «انتظروا»، مضى نحو مخدع البالغين؛
وحينها――
مايلز: [كنتُ أترنح على الحبل الفاصل بين الحياة والموت يومًا بعد يوم، لكن حظوظي بدأت تبتسم لي في نهاية المطاف؛ ثم بعد انقضاء سنوات، تذكرتُ وكر الرذائل هذا وعثرتُ على… هذا المشهد.]
وبعد أن ألقى البالغين المقيدين فوق أرضية الغرفة، وراح يركل وجوههم وهو ينعتهم بالناكرين للجميل، ابتسم مايلز بسخرية فجة وبصق قائلًا: «هذا جزاؤكم العادل».
ولا بد أن هؤلاء الأطفال تجرعوا مرارات قاسية مع أولئك البالغين؛ ومع ذلك، لم يملك فلوب سوى أن يميل رأسه متسائلًا عما إذا كان يجدر به الذهاب إلى مثل هذه الأبعاد المتطرفة؛
والتفت مايلز نحو فلوب، ورفع حاجبيه الرفيعين قائلًا:
مايلز: [ماذا، أتريد المشاركة أنت أيضًا؟ إذن تقدم واقتص لنفسك؛ اقتص لنفسك مئة ضعف ويزيد.]
فلوب: [أوه، كلا، أنا لستُ…]
مايلز: [――هيا بنا!!]
وجعلت همسات مايلز الشيطانية فلوب يتردد في جوابه؛
غير أن ميديوم وثبت فجأة من خلف ظهر فلوب، وانهالت بالضرب على رأس أحد البالغين المقيدين دون أدنى تردد، مستخدمة فرع شجرة التقطته من الأرض! ――كلا، لم يقتصر الأمر على ميديوم وحدها؛
بل إن جميع الأطفال —باستثناء فلوب المذهول— تحولوا إلى متمردين تستعر في صدورهم نيران الغضب:
؟؟؟: [كنتم تؤذوننا دومًا!]
؟؟؟: [أنا أمقتكم جميعًا!]
ميديوم: [هذه الضربة من أجل أخي الأكبر!]
«توقفوا، توقفوا»؛ هكذا تعالت صرخات البالغين المقيدين العاجزين عن المقاومة، لتغرق تحت وطأة صرخات غضب الأطفال الهادرة؛
فنهشوا وجوه الكبار بأظافرهم، وصفعوهم على وجناتهم، وأخيرًا بالوا عليهم، بينما انفجرت شحنات حقدهم المكبوتة؛
مايلز: [بواهاهاها! انظروا إلى وجوههم المزرية! يا لها من تحفة فنية بديعة!]
ورقب فلوب المبهور تمرد أخته الصغرى وسائر الأطفال في ذهول تام، بينما استغرق مايلز في ضحك هستيري أمام تلك المشاهد الفجة برمتها؛
ولم يستطع فلوب حقًا دفع نفسه للضحك على ما يرى؛ وظل يجيل بصره في الأرجاء وهم يذيقون البالغين كل أصناف الإذلال، متسائلًا عما سيحل بهم الآن؛
مايلز: [حسنًا إذن، افعلوا ما يحلو لكم الآن… أو هذا ما كنتُ أود قوله، لكنني لا أدري إن كانت الكونتيسة دراكروي ستستشيط غضبًا وتفقد صوابها إن تخليتُ عنكم وتركتكم هنا.]
وجال مايلز ببصره بين الأطفال بعد أن وضعت ثورتهم الانفعالية أوزارها، مخاطبًا صغاره خارج مبنى الدار، واستطرد قائلًا: «وبناءً عليه»:
مايلز: [في الوقت الراهن، سآخذكم إلى الكونتيسة؛ وبوسعكم فعل ما يحلو لكم بعد ذلك؛ مع أنكم لستم ملزمين باتباعي على أية حال.]
وأمام دعوة مايلز الفظة، تبادل الأطفال النظرات فيما بينهم؛
وانبعثت ملامح القلق والارتباك على وجوههم؛ فقد صرح مايلز بأنهم أحرار في اتباعه أو البقاء، لكن ذلك كان «خيارًا» لم يسبق لفلوب ولا لسائر الأطفال أن اختبروه في حياتهم قط؛
فلم يملكوا يومًا حق اختيار أي شيء، بل قضوا أعمارهم يمتثلون لتعليمات البالغين؛ ولذا، وحين وُهبوا ذلك الحق على حين غرة، غرقوا في لجة من التخبط والحيرة؛
وأمام تردد الصغار، هز مايلز كتفيه قائلًا: «مهلًا مهلًا»:
مايلز: [فات الأوان على التردد الآن، كم أنتم مثيرون للشفقة؛ ――لقد جعلتموهم يدفعون ثمن أفعالهم بالفعل؛ وبات بمقدوركم اختيار ما ترغبون في فعله.]
وحين نطق مايلز بذلك فقط، استوعب الأطفال الحقيقة لأول مرة؛
فكما قال مايلز، لقد اختاروا التمرد وسلكوا دربهم بالفعل؛
――وحين استقرت الأمور وانتهى كل شيء، لم يختر أي طفل من بينهم البقاء في دار الأيتام؛
وبالطبع، ورغم أنه لم يشترك في إهانتهم، لم يكن بوسع فلوب إعلان بقائه في تلك الدار التي أذاقته سوء العذاب؛ وبادئ ذي بدء، سارعت ميديوم إلى قبول دعوة مايلز قائلة: «سأذهب!»، وحثت فلوب على الانضمام إليها هاتفة: «فلنذهب معًا!»؛
ولم يكن لفلوب سبيل لرفض رغبة ميديوم، أو اختيار الافتراق عن شقيقته؛ ولهذه الأسباب —التي بدت سلبية وأقل حماسة مقارنة بسائر الصغار— غادر فلوب دار الأيتام؛
لقد اقترف أمرًا فظيعًا وجللًا؛
أو لعله أقحم نفسه في أمر بالغ الخطورة، فنهشت لوعة الندم فؤاده؛
ومع ذلك――
ميديوم: [طابت ليلتك يا أخي الأكبر.]
وفي طريقهم نحو سيدة مايلز أو أيًا كانت صفتها، طرقت تلك الكلمات مسامعه وهو ينام برفقة أخته في العراء دون سقف يستظلان به، ملتفين بالبطانيات التي جلبوها من الدار؛
ومشهد أخته التي استسلمت لراحة عميقة واطمئنان وادع؛ والمنظر الممتد في الخارج، متجردًا من ذلك السجن المسمى مأوى؛
أدرك حينها أنه لم يعد بحاجة إلى القلق من التعرض للضرب، أو الخوف من أن تُذرف دموع شقيقته مجددًا؛
فلوب: [――شهقة.]
وعند إدراكه لتلك الحقيقة، انهمرت دموع فلوب؛
بكى وبكى وبكى بلا انقطاع، متذوقًا طعم حريته المالح والمنعش.
△▼△▼△▼△
――وفي الأفق البعيد، خفقت الأجنحة وطارت التنانين المحلقة مبتعدة، غائصة في كبد السماء المتلبدة بالغيوم الرمادية؛
وظل زيكر يرقب المشهد بيقظة حتى تضاءل الظل البعيد ليغدو بحجم حبة بازلاء، خشية أن يكون ذلك مجرد تمهيد للغارة التالية، وحينها فقط أرخى عضلات جسده؛
ولأسباب مجهولة، تراجع سرب التنانين المحلقة وانسحب؛ ولما كانت قاعة المدينة لم تسقط كليًا، فقد كان ثمة سببان محتملان لهذا الانسحاب: ――إما أنهم أنجزوا غاية عمليتهم العسكرية، أو وجدوا أنفسهم عاجزين عن إتمامها؛
ومن منظور زيكر، كان الاحتمال الأول هو الأرجح والأخف وطأة؛
وبالنظر إلى الأحداث الدراماتيكية التي وقعت أثناء الهجوم الضاري —والذي لم يستمر سوى ساعة واحدة أو نحو ذلك— بدا بموضوعية تامة أن الاحتمال الأول هو الأقرب للواقع؛
زيكر: [هبوط حاد في درجات الحرارة، ودمار كارثي ساحق في الشطر الجنوبي من المدينة…]
وممررًا كفه عبر شعره الكثيف الأجعد، تطرق زيكر إلى حدثين شاذين عجز عن سبر أغوارهما؛
فأثناء المعركة، هوت درجة الحرارة في أرجاء «مدينة الحصن» في طرفة عين، وحين شرع الثلج الأبيض يتهادى من السماء، شك في سلامة عينيه؛ وظاهر الأمر أن الثلوج تُرى أحيانًا فوق قمم الجبال الشاهقة الوعرة، غير أن رؤية الثلج في أراضي فولاكيا يُفترض أن تقترن دومًا بوقوع كارثة طبيعية خارقة؛
وبعبارة أخرى، كان تساقط الثلوج أثناء المعركة بمثابة كارثة طبيعية لا ريب فيها؛
لكن ذلك بحد ذاته خدم مصالح زيكر ورجاله على نحو بالغ الإيجابية؛
فالتبدلات المباغتة في درجات الحرارة تجعل التنانين المحلقة شديدة الوهن والهشاشة، ولا سيما حين يشتد الصقيع؛ فانحسرت قدرتها المزعجة على التحليق بصورة ملحوظة؛ ولولا ذلك، لفاقت الخسائر والأضرار كل تصور بمراحل؛
غير أن――
زيكر: [ما كنه ذلك النور الأبيض ماذا بحقك…؟]
فقد محا دمار يتعذر كبحه الشطر الجنوبي من المدينة محولًا إياه إلى أرض جرداء؛
لقد كان مشهدًا ينذر بنهاية العالم، حتى أن وصف «الكارثة الطبيعية» يعجز عن الإحاطة به؛ ورغم عدم تتابع مزيد من الدمار إثره، إلا أن المدينة تلقت ضربة قاصمة بفعل ذلك الانفجار الفردي؛
وانفرط عقد القيادة والسيطرة وتشتت التنسيق، مما أدى إلى تأخر تقييم الموقف الميداني؛ ولو ضغطت التنانين المحلقة بهجومها على تلك الحالة، لسقطت المدينة تدريجيًا بلا شك؛
ولهذا السبب، كان تراجع سرب التنانين المحلقة أمرًا يجمع بين حسن الطالع والغرابة الشديدة؛
وبناءً عليه، خمن زيكر أن للأمر صلة بأعدائهم؛
فهل وجه أحدهم ضربة قاصمة للعدو نيابة عن زيكر ورجاله الذين أُجبروا على الاكتفاء بالدفاع عن المدينة؟ وفي تلك الحالة، فإن المرشحتين الأبرز ستكونان إما ميزيلدا، زعيمة الشودراك، أو بريسيلا التي تملك سجلًا حافلًا بسحق أراكيا، الجنرال من الدرجة الأولى؛
وأيًا كانت صاحبة ذلك الصنيع العظيم――
زيكر: [في النهاية، النساء كائنات بديعة وعظيمة الشأن؛ غير أنني لا أرغب في اتخاذ خزي الاحتماء وراء ظهور النساء أمرًا مسلمًا به.]
فحقيقة تفوق النساء لم تكن تبريرًا لقصور زيكر وعجزه؛
فبينما ينبغي تقديس عظمة النساء ومحبتهن، يتحتم على المرء لوم أوجه نقصه وتداركها؛
وعلى أية حال――
رئيس الأركان: [لم أكن أظن قط أننا سنتعرض لمثل هذا الهجوم الكاسح، غير أنني أرى أن الترتيبات المسبقة قد آتت أكلها.]
زيكر: […التنانين المحلقة هي الخيار الكلاسيكي المتعارف عليه لاقتحام المدن الحصينة؛ غير أنه كان حريًا بنا توقع إرسال «جنرال التنانين المحلقة» نفسها، لا مجرد سرب عادي من التنانين.]
وهز زيكر رأسه ردًا على كلمات رئيس أركانه الجريح الذي تنزف الدماء من رأسه؛
فالتوقعات لم تكن مبشرة؛ إذ شملت الاستعدادات لمواجهة التنانين نصب غالبية الأسلحة الدفاعية الهجومية فوق السور الغربي، تحسبًا لغارة قادمة من جهة العاصمة الإمبراطورية، غير أن التنانين هاجمت من سائر الاتجاهات؛
وبعد انسحاب الجنرال من الدرجة الأولى أراكيا، افترضوا أن إرسال الجنرال التالي سيستغرق وقتًا، غير أن ذلك كان خطأً فادحًا في الحسابات―― وفي ظل الظروف الراهنة، لم يكن ذلك بمستغرب؛
فالأمر لم يعد مجرد تمرد محصور في نطاق مدينة واحدة، بل نذير زلزال سياسي عاصف يعم أرجاء البلاد؛
ومن منظور أولئك المتآمرين في العاصمة الإمبراطورية العارفين بحقيقة الموقف، كان من المتوقع أن يكرسوا كامل جهودهم لإخماد جذوة التمرد وهي لا تزال شرارة صغيرة؛ وكان ينبغي عليهم التحسب لاحتمال نشر جنرال آخر من الدرجة الأولى على الفور؛
زيكر: [كلا، فلنتفكر في هذا الأمر لاحقًا؛ والآن بعد أن تصدعت أسوار المدينة، سيسهل اقتحامها حتى دون حاجة إلى تنانين محلقة؛ فاحصروا حجم الخسائر، وانظروا في إمكانية ترميم الأسوار…]
صوت جندي: [――ألقِ سلاحك أرضًا في الحال! هذا أمر عسكري!]
صوت رجل: [تفه.]
وبسرعة خاطفة حدد زيكر النقاط التي تستوجب المراجعة واختزنها في ركن من أركان عقله؛
وبينما هم بتفقد الأضرار وإعمال فكره في التدابير المستقبلية، شق صوت حاد ومتوتر الهواء البارد؛
وعند الالتفات، تراءت هيئة رجل محاط بأولئك الذين صدوا غارة التنانين عن المبنى المستخدم كمقر للقيادة؛ أي قاعة المدينة؛
فالأسلحة والأنظار التي كانت مصوبة نحو التنانين حتى تلك اللحظة، تركزت الآن بالكامل نحو ذلك الرجل الذي يرمق محاصريه بنظرات شرسة وعدائية؛ وفي كلتا يديه كان يحمل سيفين طويلين، والدم يقطر من طرفيهما؛
غير أن تلك الدماء لم تكن دماء بشرية، بل دماء تنانين محلقة؛
زيكر: [ذلك الرجل هو…]
رئيس الأركان: [إنه أحد الجنود الذين أخرجناهم من الزنازين في الأقبية لمواجهة التنانين المحلقة؛ ممارس لأسلوب السيفين التوأمين…]
زيكر: [أجل، كنتُ أراقبه أنا أيضًا؛ لقد خاض قتالًا باسلًا ومهيبًا؛ ――مهلًا، كفوا أيديكم!]
وأومأ زيكر مؤكدًا ملاحظة رئيس الأركان، وبسط ذراعيه آمرًا رجاله بالتوقف؛ وعند أمر زيكر، رفع أحد الجنود صوته قائلًا: «أيها الجنرال من الدرجة الثانية!»:
الجندي: [إنه خطر للغاية! لقد أطلقنا سراحه من الزنزانة بدافع الضرورة القصوى للموقف، ولكن…]
زيكر: [أتريد إلقاءه في السجن مجددًا بمجرد زوال خطر التنانين؟ وكأنه سينصاع لمثل هذا الهراء بوداعة؛ فالتضحيات التي سنتكبدها لإعادته إلى الزنزانة هي المعضلة الأكبر.]
وردًا على مرؤوسه المتوتر، تقدم زيكر نحو الرجل المحاصر؛
فمهارة ممارس السيفين التوأمين كانت تفوق مستوى الجندي الإمبراطوري العادي بأشواط؛ وفي الواقع، فلولا أدائه الحماسي الملهم، لما كان ثمة يقين بقدرتهم على دحر جحافل التنانين التي أغارت على قاعة المدينة؛
ولو صُوب ذلك السيف نحوهم، لتسبب في إراقة دماء لا داعي لها؛
زيكر: [من البديهي أنك إن واصلت هذا التمرد، فستفقد حياتك أيضًا؛ ولهذا السبب…]
الرجل: [ولهذا السبب ماذا اللعنة!؟]
زيكر: [――――]
ورد الرجل بنبرة حادة وسلوك عدائي نحو زيكر الذي كان يحاول كسر الجليد؛ وبدلًا من الهدوء، وجه أحد سيفيه نحو زيكر وأطلق صيحة: «ها!» مصحوبة بابتسامة متوحشة:
الرجل: [أتريد مني الاستسلام بتلك البساطة؟ هذا لا يختلف إطلاقًا عما يثرثر به سائر هؤلاء الأوباش، أليس كذلك يا «زير النساء» الجنرال من الدرجة الثانية؟]
الجندي: [أنت! أتتجرأ على الاستهزاء بالجنرال من الدرجة الثانية زيكر!]
وكان زيكر يفخر بهذا اللقب —الذي قد يبدو مخزيًا في نظر البعض— غير أن نبرة الرجل انطوت على قصد صريح للازدراء والسخرية؛ مما أثار حفيظة جنود زيكر وأشعل عدائهم، غير أن زيكر كبح جماحهم مجددًا بيده:
زيكر: [بوسعك الاستسلام إن شئت، مع أن هذا لم يكن مقصدي؛ لقد كان بلاؤك في القتال استثنائيًا وباهرًا؛ ورغم أننا نقف في معسكرين مختلفين، إلا أن حقيقة مساهمتك في الدفاع عن المدينة لا ينكرها أحد؛ وبناءً عليه، فأنت طليق وحر.]
الرجل: [――. أأنت جاد فيما تقول؟]
زيكر: [إن الجزاء الحتمي بالثواب أو العقاب هو ناموس فولاكيا، وإرادة صاحب الجلالة الإمبراطور.]
فإمبراطور فولاكيا —الذي يزن الرجال بمقدار كفاءاتهم وإنجازاتهم— كان هو الركيزة الأساسية لنظام الجدارة في الإمبراطورية؛ وهو مبدأ ولاء يقدسه زيكر أيضًا؛
غير أنه، وما إن سمع الرجل جواب زيكر، حتى تبدل سلوكه ليغدو شائكًا وفجًا بصورة فاقعة؛
وانبعثت هالة مقبضة من كامل جسده وعينه؛ ولما كانت عينه اليمنى مغطاة برقعة عين، فقد حدق في زيكر بعينه اليسرى وحدها؛ وانسكبت سائر مشاعره الملتهبة من خلالها:
الرجل: [كيف لجنرال متمرد خان صاحب الجلالة الإمبراطور وخان الإمبراطورية وتحالف مع الأعداء، أن يملك كل هذه الوقاحة ليتفوه بمثل هذا الهراء…؟! لو كنتُ في مكانك، لغمرني الخزي من نفسي لدرجة شق بطني بسيفي في الحال!]
زيكر: [――――]
وحبس زيكر أنفاسه وهو يحدق في الرجل بثبات أمام تلك الكلمات الصادقة؛ إذ بدا أن مبعث عدائه الشديد يكمن في ولائه المطلق للإمبراطورية؛
وهذا الجندي —الذي كان ملقى في غياهب الزنزانة— كان على الأرجح أحد أولئك الذين قاوموا نداء فينسنت للاستسلام حتى الرمق الأخير إبان استيلائه على غوارال عبر حيلته؛ وبعبارة أخرى، كان رجلًا يتشبث بمبادئ الإمبراطورية بعنف وشراسة؛
وحينها――
زيكر: [إن أخبرتكَ بأنني، ومثلكَ تمامًا، أدين بالولاء الثابت الذي لا يتزعزع للإمبراطورية ولصاحب الجلالة الإمبراطور، فهل ستكون مستعدًا للإصغاء إليّ؟]
الرجل: [هاااه؟]
وأمام سؤال زيكر، فتح الرجل عينه اليسرى على مصراعيها وأطلق صوت استنكار فظ؛ وثبت عينه على زيكر دون أن تهتز نظراته، ثم بعد صمت وجيز، ألقى بسيفيه نحو الأرض؛
وارتمى السيفان فوق البلاط برنين معدني حاد، ورفع الرجل الأعزل كلتا يديه في الهواء؛
زيكر: [أأفهم من هذا أنك مستعد للإصغاء إليّ؟]
الرجل: [في الوقت الراهن، سأكف عن الهياج ما دمتُ سأنال ميتة مشرفة؛ مع أنني لو أردتُ المحاولة حقًا، لاستطعتُ على الأقل حز رأس هذا الجنرال الخائن…]
وأدار الرجل بصره في الأرجاء محملقًا في جنود زيكر بأسلوب استفزازي؛ وتصاعد استنفارهم أمام نظراته، غير أن الرجل أطلق قهقهة ساخرة:
الرجل: [لكنني لن أفعل ذلك؛ وإن كان هذا الحديث الذي تنوي خوضه حديثًا مملًا…]
زيكر: [أعتزم جعله حديثًا مثيرًا للاهتمام بما فيه الكفاية؛ فما هو اسمك…؟]
وبعد أن خفض سلاحه ليقترب منه خطوة، سأل زيكر الرجل عن اسمه؛ وتردد الرجل للحظة في الجواب، لكن لما لم تكن هناك أي جدوى من الخداع، حك رأسه وقال:
الرجل: [――جمال أوريلي؛ جندي أول.]
معلنًا اسمه ورتبته العسكرية؛
وردًا على هذا الموقف، أومأ زيكر برأسه بموافقة عميقة:
زيكر: [جمال، أليس كذلك؟ وكما تعلم، أنا زيكر عثمان؛ أحمل رتبة جنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية، وأُعرف بلقب «زير النساء»؛ ورغم ذلك…]
جمال: [هاه؟]
زيكر: [سأشعر بارتياح أكبر بكثير لو نُعتُّ بـ«الجبان» في الوقت الراهن.]
فذلك اللقب —الذي كان يُعد وصمة خزي في السابق— بات يحمل دلالة خاصة ورفيعة في وجدان زيكر؛
وعند سماع رد زيكر، قطب الرجل―― جمال، وجهه بعجز تام عن الفهم؛ وكان جليًا أن جمال بارع في استخدام السلاح، لكنه يفتقر إلى موهبة التفكير أو التحليل المنطقي؛
وفي ظل هذا الحال، فقد يصغي إن خوطب بمنطق الاستقامة والشرف؛
وهناك――
؟؟؟: [――معذرة، ألستَ أنتَ ممثل هذه المدينة وقائدها؟]
وكان جمال قد استسلم للتو، وانقشع عن قاعة المدينة ذلك التوتر الذي أوشك على الانفجار؛ وفور ذلك، انسل صوت هادئ كأنما كان يتربص باللحظة المواتية للمقاطعة؛
وكانت نبرة ذلك الصوت الرقيقة والناعمة تطرق طبلة الأذن بطريقة تبث السكينة والارتياح في نفوس من يسمعها؛
ومع ذلك، فإن ذلك الصوت غير المألوف جعل زيكر يستدير ويعقد حاجبيه الجعدين؛
وكان صاحب الصوت قد ظهر فوق الدرج الواصل بين الطابق العلوي لمقر القيادة والطوابق السفلية؛ ورافعًا يديه لإظهار خلوهما من أي عداء، أدار رجل ذو شعر رمادي بصره نحوه:
الرجل ذو الشعر الرمادي: [أأنتَ الجنرال زيكر عثمان-سان؟]
ولم يتردد قط في تحديد هوية زيكر بوصفه الجنرال القائد من بين سائر الواقفين في زيهم العسكري الأحمر الموحد؛
وبالطبع، بالنظر إلى العباءة التي يرتديها، وشارات الرتبة العسكرية فوق كتفيه، كان تمييز زيكر كأعلى رتبة في الغرفة أمرًا يسيرًا؛ ――والمعضلة تكمن في الجرأة على الإشارة إلى ذلك علانية؛
تلك الجرأة التي دفعته لإظهار وجهه في مقر قيادة شهد معركة طاحنة قبل لحظات، ومناداة قائد لا يعرفه باسمه؛ وتساءل زيكر عن انتماء هذا الرجل المتواضع الذي يخلو من أي ذرة خوف؛
ولما لم يكن معروفًا بين سكان المدينة، فالأرجح أنه اندس بينهم إبان الفوضى العارمة؛
والاحتمال الأقرب في تلك الحالة هو كونه――
زيكر: [رسول من العاصمة الإمبراطورية… رسول أُرسل إلينا؟]
الرجل ذو الشعر الرمادي: [إيه؟ أوه، كلا كلا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق! الموقف معقد للغاية ويصعب شرحه في الوقت الراهن، لكننا لا نمت بصلة للعاصمة الإمبراطورية أو أي شيء من هذا القبيل.]
وملوحًا بيديه المرفوعتين نفيًا، سارع الشاب لدحض شكوك زيكر؛ وإن صدق كلامه، فإن موقف الشاب يغدو أشد غموضًا وعصيانًا على الفهم؛
ولذا، ونيابة عن زيكر العاقد حاجبيه، صرخ جمال قائلًا: «أيها الوغد!» وهو يصك أسنانه:
جمال: [كنتُ أول من وقف أمامه! تأتي إلى هنا بعدي وتتجرأ… سأسحقك وأركل مؤخرتك!]
الرجل ذو الشعر الرمادي: [أعتذر بشدة عن ذلك؛ ولا أتوقع أننا قادرون على خوض حديث هادئ في هذه اللحظة؛ ولذا، لو تكرمتَ بمنحي الإذن فحسب.]
جمال: [إذن؟ إذن بماذا ماذا بحقك؟]
الرجل ذو الشعر الرمادي: [للمساعدة في تطبيب الجرحى وترميم المدينة في أعقاب الغارة… للمساعدة في معالجة آثار المعركة، إن صح التعبير؛ وأنا واثق من أن رفاقي وأنا قادرون على مد يد العون ولو بقدر يسير.]
وردًا على احتقان وجنتي جمال، تنهد الشاب قائلًا: «مع أن»: وارتخت ملامح وجهه —التي بدت متعبة ومستاءة قليلًا— بشيء من الهدوء:
الرجل ذو الشعر الرمادي: [بما أننا قد شرعنا في العمل بالفعل، فإن موافقتك ستكون بأثر رجعي، ولو جزئيًا.]
زيكر: [――. أنا أقدر هذا العرض بحد ذاته، غير أنه…]
؟؟؟: [الأمر ليس بهذه الصعوبة يا زيكر؛ ولا كذب في ما نطق به هذا الرجل.]
وقبل أن يطرح زيكر سيل أسئلته، قاطعه صوت مهيب ووقور يجبر المرء على الإصغاء إليه بانتباه؛
وتردد وقع عصا فوق البلاط بحدة، وحاذى ظل مقبل نحو الدرج ذلك الشاب؛ لقد كانت ميزيلدا، وقوامها الباسل مخضب بالدماء، مما زاد من جمالها المتوحش؛
وبحسب ما بدا، فإن كامل الدماء التي لطخت جسدها البديع تعود لخصومها، إذ لم تكن هناك أي جروح ظاهرة بخلاف ساقها المصابة سابقًا؛ وارتاح زيكر لرؤيتها تعود سالمة معافاة؛
وبعد عودتها، ربتت ميزيلدا على كتف الشاب النحيل كأنها تألفه:
ميزيلدا: [رفاق هذا الرجل قد شرعوا في مهامهم بالفعل؛ وأنا أضمن ذلك بنفسي.]
زيكر: [الآنسة ميزيلدا، يسعدني كثيرًا أنكِ بأمان؛ وهذا الرجل؟]
ميزيلدا: [لا أعرفه؛ هو ليس عدوًا لنا، بل مجرد فتى ذي وجه وسيم، ولذا سمحتُ له بالمرور.]
زيكر: [الآنسة ميزيلدا…]
وكانت المقاييس الجمالية لدى ميزيلدا تختلف قليلًا عن مقاييس زيكر، غير أنها كانت محقة تمامًا في وصف ملامح الشاب بأنها وسيمة وبديعة التناسق؛
وكانت الهالة التي تنبعث منه حيادية نوعًا ما، غير أن بريقًا قويًا من العزم والهدف تلألأ في عينيه؛
ولم يكن شخصًا سيئًا، هكذا اعتقد زيكر؛ غير أن حدسه العسكري نبهه:
زيكر: [لا أعتقد بوجود شخص يبادر بتقديم المساعدة في مثل هذا المأزق دون أن يبتغي مقابلًا؛ فمن تكون؟]
الرجل ذو الشعر الرمادي: [كما أسلفتُ، الموقف معقد ويصعب شرحه؛ غير أنني لا أحمل أي نوايا عدائية تجاهكم؛ ――ثمة أشخاص نبحث عنهم، هذا كل ما في الأمر.]
زيكر: [تبحثون عن أشخاص…]
ونحو زيكر الذي ردد كلماته، أومأ الشاب برأسه قائلًا: «أجل»؛
ثم خلع قبعته الخضراء التي كان يعتمرها ووضعها فوق صدره وهو ينحني؛ إيماءة مهذبة تنضح بالاحترام، لكنها لا تمت لتقاليد أهل الإمبراطورية بصلة:
الرجل ذو الشعر الرمادي: [اسمي أوتو سوين. ――أنا أبحث عن صديقي، وكذلك عن أخت صديقي الصغرى.]
وهكذا، وبعينين تشبهان عيني ضبع ماكر وفطن، أعلن عن غايته.
△▼△▼△▼△
――سيدة مايلز، الكونتيسة الرفيعة سيرينا دراكروي، كانت امرأة ذات بأس وطباع شرسة لا تلين؛
ففي مقتبل شبابها، خاضت صراعات مريرة ضد كبار نبلاء الإمبراطورية، وتماشيًا مع شريعة الحديد والدم التي تُعد تجسيدًا لروح الإمبراطورية، وضعت ثقلًا هائلًا على نظام الجدارة والاستحقاق، مؤازرة كل ذي موهبة وكفاءة؛
وفي المقابل، تمتعت بنزاهة تأبى السماح للأقوياء بإذلال الضعفاء كما يحلو لهم؛ ولهذا السبب، لم يتعرض الأطفال الذين جلبهم مايلز لأي سوء معاملة؛
سيرينا: [لقد بلغني الأمر؛ مايلز الذي يتحاشى المتاعب قد جلبكم إلى هذا القصر؛ فلا بد أنه قد رق لحالكم؛ وأنتم أحرار في التصرف كما تشاؤون داخل مقاطعتي.]
وابتسمت سيرينا ابتسامة عريضة وهي ترحب بفلوب وسائر الصغار؛
وتملك الهلع فلوب أمام الهيبة الطاغية لامرأة تفوقه طولًا وقامة، مما جعل قلبه الطفولي يود التمرغ في التراب إجلالًا؛ فضلًا عن ارتباكه من روعة القصر وأروقته الفسيحة التي لم يعهد لها مثيلًا من قبل؛
مايلز: [أمثال الكونتيسة لا يملكون مبررًا لتكبد عناء اضطهاد من هم أدنى منهم، حتى لو ملكوا المتسع لذلك؛ ففي النهاية، أولئك البالغون الذين يضربون الأطفال كانوا أطفالًا يُضربون على أيدي البالغين في صغرهم أيضًا.]
وعقب مايلز بخشونته المعهودة على كلام فلوب والأطفال، بعد أن استحموا بالماء الساخن، والتهموا وجبة ملأت بطونهم، وارتدوا ثيابًا نظيفة تنبعث منها روائح زكية؛
وبخلاف ميديوم والآخرين —الذين اتجهت أنظارهم نحو عالم يفيض بالجدة والإثارة في كل ما يرونه ويلمسونه— كان فلوب مأخوذًا بنمط حياة وفلسفة تفكير لم يألفها قط؛
وعلى وجه الخصوص، تأثر بعمق بتلك الفلسفات التي ينطق بها مايلز بعفوية تامة؛
فلولا مايلز، لما أدرك فلوب قط أن ثمة سبلًا للرؤية وفهم الأشياء لم يكن يعلم بوجودها في هذا العالم؛
وفوق كل هذا――
؟؟؟: [أوه، نحن متشابهون، أليس كذلك؟ أالتقطك الأخ الأكبر مايلز أنت أيضًا؟]
وكان فلوب —وهو يتبع ظهر أخته التي أُطلقت لها حرية الركض في أرجاء القصر— قد توقف عند حديقة غناء بديعة داخل تلك الباحة الشاسعة؛
وبينما استبد به الانبهار أمام مشهد الزهور العملاقة المتفتحة بأبهى حلة، ناداه صوت غاية في الرقة والنعومة من خلف ظهره؛
ورغم جفوله، التفت يبحث عن مصدر الصوت في الحديقة دون أن يعثر على أحد؛ وحين أمال فلوب رأسه حيرة:
؟؟؟: [هنا؛ المعذرة منك، أنا في الأسفل هنا.]
فلوب: [واااه!]
؟؟؟: [أوف، يا لها من سقطة.]
وحين انبثق رأس فجأة أمامه مباشرة، مائلًا من وراء السور الذي كان يتكئ عليه لاستراق النظر إلى الحديقة، سقط فلوب لا إراديًا على مؤخرته؛
ورمش فلوب بعينيه وهو يرى الآخر يضحك على سقطته تلك؛
وكان الشخص الذي ضحك على سقطة فلوب صبيًا أكبر سنًا منه، وإن كان لا يزال يبدو يافعًا؛ كان في نحو الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، بملامح جذابة وشعر بني ناعم؛
فلوب: […أراكَ تضحك ملء شدقيك، أليس كذلك؟]
الصبي: [أوه، المعذرة، المعذرة؛ لكن ما حدث للتو كان مشهدًا يستحق المشاهدة بحق؛ وكنتُ لأساعدك على النهوض، لكنني عاجز عن الحراك في الوقت الراهن.]
فلوب: [عاجز عن الحراك، هكذا تقول…]
ووقف فلوب نافضًا الغبار عن ثيابه من الخلف، وسار حول السور متوجهًا نحو ذلك الفتى؛ وحينها، وجد الصبي جالسًا القرفصاء فوق الأرض باسطًا كتلة مستديرة في حجره؛
وعند رؤية ذلك، اتسعت عينا فلوب انبهارًا وتساؤلًا:
فلوب: [أهذه بيضة؟]
الصبي: [أجل، أجل؛ بيضة ضخمة، أليس كذلك؟ إنها في الواقع بيضة تنين محلق.]
فلوب: [وما الذي تنوي فعله ببيضة تنين محلق؟]
الصبي: [سأعتني بها حتى تفقس، بالطبع.]
وكان حجم البيضة البيضاء يتطلب من الصبي احتضانها بكلتا ذراعيه؛ ولذا، ضمها بقوة نحو صدره وهو يرسل لفلوب ابتسامة عريضة؛
――وكان ذلك هو اللقاء الأول الذي جمع بين الشقيقين فلوب وميديوم أوكونيل، وبين باليروي تيميغليف؛ الرجل الذي سيغدو أخاهما بالعهد لبقية حياتهما.
△▼△▼△▼△
――ويمكن القول إن ما حصدوه تجاوز مجرد المعرفة النظرية بخطر التنانين المحلقة؛
فبطش مخالبها وأنيابها، وشساعة الاستراتيجيات التي تسخر أجنحتها لتنفيذها، والشراسة التي لا تتردد في الفتك بأعدائها؛ كلها أمور تجلت بوضوح مؤلم في مشهد المدينة المدمرة، وعلى أجساد أولئك الذين طالهم الهجوم؛
وبصراحة تامة، كان من العسير فهم كيف يخطر ببال أحد أن كائنًا بهذا القدر من الخطورة يمكن ترويضه واستخدامه بتلك الفاعلية الفائقة؛ فقد بدا خصمًا يستحيل التوفيق معه―― خطرًا لا يقل فتكًا عن تلك الحية العملاقة التي واجهوها في الأدغال؛
ومع ذلك――
ريم: [――――]
وضيقت ريم عينيها في هدوء وهي ترقب المشهد المتجلي وراء نافذتها، متأملة تنوع عناصر تلك اللوحة؛
ففي حديقة القصر، كان هناك تنين محلق يريح أجنحته، وجندي يطعمه بيده؛ وبخلاف الفكرة الشائعة عن كونه وحشًا مرعبًا وكاسرًا، بدت في عيني التنين نظرة وديعة وانبعث منه هديل عذب وهو يتناول الطعام من يد ذلك الجندي؛
ومن منظور ريم —التي قيل لها إن التنانين كائنات ضارية ومتوحشة، فضلًا عن معاينتها لبطشها عيانًا— كان مشهد تنين محلق يتصرف بكل هذا الود واللطف تجاه البشر أمرًا مذهلًا؛
وقد أخبرتها فتاة تبدو شديدة الدراية بالتنانين بأنها —لكبريائها الشامخ— لا تألف البشر ولا تودهم؛ ولن يلوم أحد من يظن خلاف ذلك؛
؟؟؟: [تبدين غارقة في الكآبة والوجوم.]
وفجأة، وبينما كانت تتأمل الحديقة، انطلق صوت من خلف ظهرها؛
غير أن ريم لم تُفاجأ؛ إذ كانت واعية بقدوم شخص ما بفعل وقع خطواته المقتربة؛
ومع ذلك، فإن سماع صوت شخص غريب، والشعور ببعض التوتر في ظل المكان الذي تتواجد فيه، دفعها للقول:
ريم: [لا أدري إن كنتُ كئيبة، لكن تدور في ذهني خواطر شتى؛ فهذا ليس مكانًا رغبتُ في القدوم إليه، ومع ذلك جُلبتُ إلى هنا رغماً عني.]
؟؟؟: [همم، أنتِ أكثر صراحة ومباشرة مما توقعت؛ يا لكِ من شخصية مريحة.]
ريم: […ومن تكون أنتَ…]
وفي الغرفة التي خُصصت لها —داخل صرح باذخ تبدو حتى الغرف الممنوحة لأسرى الحرب فيه غاية في الفخامة— استفسرت ريم عن هوية ذلك العجوز الذي ظهر أمامها، بينما أصدر الكرسي الذي تجلس عليه —وهو أفخم من أن يبعث على الراحة— صريرًا خفيفًا؛
كان رجلًا طاعنًا في السن بشعر أبيض وشارب أبيض، وعينين دقيقتين كخيط رفيع؛
وثيابه أبعد ما تكون عن زي المحاربين، ولا يسع المرء إلا افتراض أنه يشغل مكانة رفيعة للغاية؛
فوقاره وسنه، وحقيقة أن الحراس المكلفين بحراسة ريم قد اعتدلوا في وقفتهم ونكسوا رؤوسهم إجلالًا، كلها دلائل تشير إلى كونه يتبوأ منصبًا بالغ العلو؛
وأمام نظرات ريم المباشرة، لوح العجوز بيده بخفة، مشيرًا للحراس بمغادرة الغرفة؛ فانصاع الجنود في الحال، وانحنوا ثم غادروا؛
وهكذا، وما إن خلا المكان بالعجوز وريم، حتى أشار بيده نحو المقعد المقابل لجلستها:
العجوز: [أتأذنين لي بالجلوس؟]
ريم: […تفضل.]
وجلس العجوز في تؤدة واسترخاء في المقعد المقابل لريم مباشرة بعد أن أومأت برأسها موافقة؛
ومواجهًا إياها، مرر إصبعه فوق ذقنه، وتحدث:
العجوز: [أأخبرتكِ بشيء عني؟]
ريم: [كلا، لا شيء على الإطلاق؛ لم أسمع منها سوى: «عالجيه»، و«استريحي»، و«إن حاولتِ القيام بأي حركة مريبة فسأقتلكِ».]
وهزت ريم رأسها وهي تستحضر تعليمات سيدة المكان―― مادلين، التي تأبى الإصغاء لأحد؛
فريم قيد الإقامة الجبرية، والحراس يحيطون بها؛ وتلقت أوامر صارمة بعدم محاولة الفرار؛ ورغم أنها لا تنوي الهرب، إلا أن الموقف لم يكن مريحًا بحال؛
فأومأ العجوز برأسه مجيبًا: «فهمتُ ذلك»:
العجوز: [لديّ بعض المآخذ على أسلوب تعاملها مع الضيوف؛ وسأوجه كلمة عتاب وتنبيه للجنرال من الدرجة الأولى مادلين.]
ريم: […أتستطيع توجيه التنبيه لها؟]
وأُخذت ريم على حين غرة أمام كلمات هذا العجوز المجهول؛
فخلال الفترة التي قضتها بصحبة مادلين —بين أحداث مدينة الحصن واقتيادها إلى هذا القصر— ضاقت ريم ذرعًا بانعدام سبل التواصل معها؛
فمادلين عنيدة ومستبدة برأيها، وإن كان وضوحها وصراحتها هما طوق النجاة الوحيد في شخصيتها:
ريم: [كنتُ أظنها من النوع الذي يمقت تلقي الأوامر من الآخرين؛ وأنها إن وُجه إليها كلام، استشاطت غضبًا ولجأت إلى العنف في الحال…]
وبعد أن أفصحت عن مشاعرها إلى هذا الحد، وضعت ريم إحدى يديها فوق الأخرى خجلًا؛
وحين أعملت فكرها بروية، شعرت بالخزي من نفسها، متسائلة عن هيئة الوجه الذي ترسمه وهي تدلي بتلك الملاحظة، وهي التي سبق لها كسر أصابع شخص آخر لأنه لم يصغِ لما كانت تقوله؛
غير أن العجوز رسم ابتسامة خفيفة أمام محاسبة ريم لنفسها قائلًا: «همم»:
العجوز: [على عكس ما تتوقعين، أنتِ لستِ مخطئة في تقييمكِ هذا؛ حتى وإن كان سماع ذلك يؤلمني؛ وفي الواقع، لقد أخفقت في اتباع تعليماتي بدقة هذه المرة أيضًا؛ ومع ذلك――]
ريم: [――――]
العجوز: [يبدو أن ثمة عاملًا آخر كان أشد وزنًا وأهمية من مجرد نزوات الجنرال من الدرجة الأولى مادلين هذه المرة.]
وحافظ العجوز على شفتيه مسترخيتين، غير أن نبرة الابتسامة تلاشت من صوته كليًا؛
وحبست ريم أنفاسها للحظة أمام نظراته؛ فثمة شيء ما وراء تلك العينين الضيقتين الثاقبتين كان يزنها ويقيمها بدقة؛ وتلك النظرة وصفت ريم ببلاغة بأنها هي ذلك «العامل الآخر»؛
وذلك العامل هو ما جلب عواقب غير مرغوبة للعجوز الماثل أمامها؛
ريم: […من، تكون أنتَ؟]
العجوز: [أعتذر عن تأخري في تقديم نفسي؛ أنا رئيس وزراء إمبراطورية فولاكيا، بيرستيتز فوندالفون.]
ريم: [رئيس الوزراء، بيرستيتز…]
وانحنى العجوز―― بيرستيتز، بوقار من وسطه ردًا على سؤالها؛
وما إن طرق اسمه ومنصبه مسامع ريم، حتى تصلبت وجنتاها واشتد توتر كتفيها؛
فقد تذكرت سماع الاسم والمنصب معًا من قبل:
ريم: [إذن، فأنتَ…]
بيرستيتز: [أجل. ――أنا عدو صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت أبيلوكس.]
ريم: [――――]
وأكد ذلك دون أدنى تردد، ليعقد الذهول لسان ريم مجددًا وتفقد القدرة على مواصلة الحديث؛
لقد كان تأكيدًا لما تعلمه بالفعل، غير أنها لم تتوقع قط أن يُلقى على مسامعها بمثل هذا الوضوح وتلك المباشرة؛ وفي الوقت عينه، كانت هذه معضلة جسيمة جُرت إليها رغماً عنها؛ وحقيقة اقتيادها إلى أقرب بقعة من بؤرة هذا الإعصار السياسي جعلها تشعر بغرابة الموقف وسخريته المرة؛
فكان حريًا بآبل، وبريسيلا، وسوبارو أن يكونوا هنا، لا هي؛
ومع استحضار تلك النقطة، حمدت ريم مشاعرها لعدم وجود سوبارو في هذا المكان:
ريم: [لو كان هنا بمفرده، لتصرف بتهور وطيش، دون أدنى شك…]
فلا مجال للشك في سرعة بديهة ذلك الفتى ذي الشعر الأسود وقدرته على تجاوز حدود الخيال؛ وحتى في هذا المأزق، كان سيحدث وقائع تفوق كل تصورات ريم؛
وبهذا المعنى، كان من حسن الطالع غيابه عن المدينة وقت غارة التنانين؛ فمن المستبعد أن يقوى على تغيير مجرى الأحداث، ولن يجني سوى مزيد من الجراح والآلام؛
غير أن――
ريم: [――――]
«لكن، يا تُرى، حين يعلم بأن مادلين قد اختطفتني واقتادتني بعيدًا… فماذا ستكون مشاعره؟»؛
وبلغ الأمر حدًا جعل صدر ريم يئن تحت وطأة ألم كنصل قاطع صاغته مخيلتها؛
ريم: [――. إذن فأنتَ تعلم يقينًا أن آبل-سان هو الإمبراطور الحقيقي، أليس كذلك؟]
ومجبرة نفسها على تجاهل ألم ذلك الجرح الغائر في قلبها، طرحت ريم سؤالها على بيرستيتز؛ فأجاب بـ«أجل» مقتضبة:
بيرستيتز: [بالطبع؛ والسماح له بالفرار كان هفوة وزلة، غير أن الأمور بعد ذلك كانت تسير وفق ما هو مرسوم لها؛ أو الأصح القول إنها كانت كذلك، إذ إن تدمير غوارال قد ظل غير مكتمل في واقع الأمر.]
ريم: [ولماذا فعلتَ ذلك بآبل-سان؟ لا يسعني تخيل الدوافع التي تدفع المرء لحسم أمره على إعلان التمرد… أكان ذلك بسبب شخصية آبل-سان وطباعه؟]
بيرستيتز: [نحن لا ننشد الشخصية الفردية في الإمبراطور، وهو الذي يتربع على قمة هرم الأمة؛ فالمشاعر والتعلقات الشخصية شؤون تافهة في ميزان إدارة الدولة؛ وإن كان ثمة ما يُنشد، فهو الكفاءة المحضة، وثقة وجدارة شخص قادر على النهوض بمسؤولياته التاريخية.]
وهز بيرستيتز رأسه في تؤدة، مجيبًا بنبرة وملامح تجردتا من أدنى انفعال؛
فلم تهتز نبرة صوته قط، ولم تتبدل قسمات وجهه قيد أنملة؛ وافتقار ريم للتجارب الحياتية، مقترنًا بمهارات بيرستيتز الحوارية المتفوقة، جعل سبر أغوار ما يضمره أمرًا مستحيلًا؛
فهل هو عديم المشاعر ولذا يكذب، أم أنه ينطق بعين الحقيقة؟ أيهما كان؟
ومع ذلك، مالت رغبتها إلى تصديق ما قيل لها؛ بأن طباع آبل لم تكن هي الدافع وراء إشعال التمرد؛
فقد عاينت ريم دماء وقتلى لا حصر لهم في مدينة الحصن؛ ولم يكن أولئك الراحلون، ولا ريم نفسها، ليقتنعوا بأن سوء خلق آبل كان ثمنًا يبرر كل تلك الفظائع؛
ولذا――
ريم: [أتقول إنك أطحتَ بآبل-سان لعدم أهليته لمنصب الإمبراطور؟]
بيرستيتز: [الإطاحة لم تكن غايتي الأصلية؛ وتلك مجرد نتيجة حتمية بأثر رجعي.]
ريم: [وما الذي كان ينقص آبل-سان إذن؟ أنا أجهل حجم الأعباء التي ينوء بها عرش الإمبراطور، والقدرات التي يتطلبها، لكنني أرى… أنه شخص فذ واستثنائي للغاية.]
وتساءلت ريم في سرها عن سر اندفاعها للدفاع عن آبل، غير أنها انتقلت مفرداتها لإقناع ذلك الهاجس الذي يلح في صدرها؛
فبمعزل عن قدراته القتالية، برز آبل بدهائه وحكمته ومخزون فطنته؛
وحقيقة انصياع ميزيلدا، وزيكر، وحتى سوبارو لمنطقه، كانت برهانًا على امتلاكه للمهارات القيادية الكافية لإقناع الآخرين بآرائه؛
ورغم أنها تجهل التفاصيل الدقيقة، إلا أن ريم رأت في ذلك خصلة لا غنى عنها لمن يتربع في القمة؛
وأمرًا ضروريًا للمتربع فوق أعلى عرش في البلاد؛
تلك――
بيرستيتز: [ما زلتُ لم أتشرف بسماع اسمكِ أيتها المعالجة الجليلة.]
ريم: […يُقال إن اسمي ريم.]
بيرستيتز: [همم.]
وبدافع من الحذر والعداء نحو بيرستيتز، صاغت جوابها كأمر سمعته من الآخرين؛
ورغم ذلك، كانت ريم قد تقبلت بالفعل أن اسمها هو «ريم»، ولها العذر في ذلك؛ منذ اللحظة التي أعلنت فيها هويتها لبريسيلا بثبات―― أو منذ الوقت الذي سمحت فيه لسوبارو بمناداتها بذلك الاسم؛
وعلى أية حال، مرر بيرستيتز اسم ريم فوق لسانه مع زفير خفيف، ثم قال:
بيرستيتز: [يا ريم-دونو، كم وريثًا تظنين أن صاحب الجلالة الإمبراطور يملك في الوقت الراهن؟]
ريم: [وريثـ… ون؟ إحم، أتقصد أبناءً، أهذا ما ترمي إليه؟]
بيرستيتز: [أجل.]
ومع إيماءة بيرستيتز الهادئة، استحضرت ريم صورة آبل في مخيلتها؛
فريم تفتقر للذكريات، غير أن ذلك لا يعني فقدانها للمعارف التي اكتسبتها قبل ضياعها؛ واحتفظت ريم بمعارف التكاثر البشري؛
ومع ذلك، كان من المشكوك فيه أن يقيم آبل علاقة سوية وطبيعية كهذه مع أي شخص؛ وبادئ ذي بدء، عجزت ريم عن تخيل امرأة تستطيع الوقوف على المستوى ذاته مع آبل:
ريم: [لا يسعني تخيل ذلك؛ وأظن أنه لا يملك أي وريث، أليس كذلك؟]
بيرستيتز: [――. لقد أدركتِ الأمر بدقة تامة؛ وأنتِ محقة، فلا وجود لأي وريث قط.]
ريم: [أوه، بالتأكيد سيكون الأمر هكذا؛ مع أن هذا ينطوي على نوع من…]
«الإساءة لآبل-سان»، همت ريم بمواصلة عبارتها، غير أن كلماتها انقطعت فجأة في حلقها؛
ولم يكن ذلك لأن بيرستيتز نطق بشيء نحوها، ولا لأنه أمرها بالصمت؛ بل لأن العينين الضيقتين لذلك العجوز الساكن قد انفتحتا قليلًا؛ واقتربت ملامحه —وعيناه باديتان خلفهما— مباشرة من وجه ريم؛ وألجم صوت ريم حضور مهيب ومروع يفوق كل خيال؛
وفي سكون تام، وضع بيرستيتز كفه فوق الطاولة الفاصلة بينهما؛ وانبعث من كامل جسده غضب مستعر ومحيط لا حد له:
بيرستيتز: [لا وجود لأي ورثة، كما ترين؛ ――وهنا مكمن المعضلة الكبرى.]
ريم: [――آه.]
بيرستيتز: [يتحتم على الإمبراطورية أن تظل قوية؛ وإلا، فإن هذه الأمة سوف…]
وبينما أطلقت ريم أنفاسًا مبحوحة، قطع بيرستيتز كلماته، وبسط قبضته الموضوعة فوق الطاولة، ثم أطلق زفيرًا عميقًا؛
ثم أعاد إخفاء عينيه وراء جفنيه من جديد، ونظر العجوز نحو ريم:
بيرستيتز: [أرجو المعذرة؛ فهذه هي المرة الأولى التي أخوض فيها غمار التمرد، وعليّ الاعتراف بأنني قد توترتُ واضطربتُ قليلًا.]
ريم: […ولماذا، تخبرني بكل هذا الآن؟]
بيرستيتز: [――――]
ريم: [لم يكن هناك أي داعٍ لإطلاعي على هذه الأسرار.]
فكلمات بيرستيتز لم تكن مشحونة بالعاطفة، بل حملت وزنًا أثقل وأشد وضوحًا؛
ولم تشعر ريم بأنه كان يكذب، ولهذا السبب تحديدًا كانت تستجوبه: لمَ سمح لريم بسماع مثل هذه الأمور؟
فريم لا تعد نفسها صاحبة شأن مهم، وفي الحقيقة، لم تكن كذلك إطلاقًا؛
وصحيح أنها وجدت نفسها في موقع قريب من آبل وبريسيلا، لكن ذلك كان وليد الصدف وتطورات الأحداث، لا لكون ريم كينونة استثنائية:
ريم: [فلماذا إذن؟]
بيرستيتز: […أنتِ معالجة، وتنتمين إلى عرق «الأوني»؛ وأود استمالتكِ إلى صفنا إن أمكن؛ فأنتِ كينونة ثمينة للغاية.]
ريم: [――――]
ورغم أنه لم يكن كذبًا، إلا أن ذلك الجواب لم يكن الحقيقة بأسرها؛
غير أن بيرستيتز بدا وكأنه حسم أمره بألا يكرس مزيدًا من الوقت لريم الباحثة عن إجابات أعمق؛ ونهض العجوز ببطء من المقعد الذي كان يشغله:
بيرستيتز: [كنتُ أود مواصلة الحديث معكِ لبرهة أطول، لكن رجلًا في موقفي لديه مهام جسام يتحتم عليه إنجازها؛ وأعتذر عن إزعاجكِ واحتجازكِ هنا، لكنني سأحرص على توفير أقصى درجات الراحة الممكنة لكِ في هذا القصر، فكوني مطمئنة البال.]
ريم: […بيرستيتز-سان، ما طبيعة علاقتك بـ مادلين-سان؟]
بيرستيتز: [وصفِي بالحليف المتعاون سيكون الأدق؛ وبالطبع، هناك انطباع بأنها —من منظورها الخاص— تسخر بشريًا حكيمًا لمنفعتها؛ وهذا القصر هو قصري الخاص أنا أيضًا.]
وهز بيرستيتز كتفيه العريضين على نحو غير متوقع وهو يجيب بذلك، مما دفع ريم لإلقاء نظرة في أرجاء الغرفة ونحو الحديقة؛
ولما كانت مادلين تتصرف هناك كأنها سيدة المكان المطلقة، فقد افترضت أنه قصرها، غير أن الأمر تبين خلاف ذلك؛ وأناقة المبنى وأثاثه الفاره أقنعا ريم بصحة كلامه:
ريم: [لكنني لا أعتقد أن بمقدوري قضاء وقتي في الاسترخاء والكسل، ولا أرغب في ذلك أصلًا.]
بيرستيتز: [أسلوب صريح في الحديث، وغاية في الإمتاع والروعة؛ والآن مجددًا، أتمنى لكِ دوام الصحة والعافية يا ريم-دونو.]
ومرتديًا ابتسامة خفيفة، انحنى بيرستيتز من وسطه وغادر الغرفة؛
وفكرت ريم في محاولة إيقافه، غير أنها لعجزها عن إيجاد الكلمات المناسبة، وتقديرها لعدم قدرتها على منعه، لزمت الصمت وتركته يمضي؛
وحل محل بيرستيتز الحراس الذين أُخرجوا سابقًا، وعادوا للوقوف في أماكنهم؛
وتحت وطأة نظراتهم الصارمة، نظرت ريم نحو الخارج من جديد؛
وكان التنين المحلق قد فرغ لتوه من وجبته، وشرع يخفق بجناحيه ببطء ليرتقي نحو كبد السماء، وفوق ظهره ذلك الرجل الذي أطعمه؛
ريم: [――――]
ورغم أنه تنين محلق ضارٍ ومرعب، إلا أن التحليق فوق ظهره كان تجربة مفعمة بالإثارة؛
ولم تكن تملك رفاهية الاستمتاع بها بطبيعة الحال في ظل تلك الظروف؛ فقد نُقلوا من غوارال إلى وجهتهم في أقل من يوم واحد، مما جعلها تتساءل عن مغزى كل تلك الرحلة الشاقة التي خاضوها سابقًا؛
وبينما كانت ريم تضمد جراح فلوب، اقتادتهم مادلين إلى هنا――
ريم: [――العاصمة الإمبراطورية: لوبوغانا.]
تلك المدينة التي يتطلع آبل لاستعادة عرشه فيها، بعد أن أُطيح به منها؛
ومع تراءي «قصر الكريستال» في قلب المدينة من بعيد، كانت ريم ترزح في الأسر؛ ولمست زجاج النافذة المستحيلة الفتح، ومستشعرة برودة الزجاج على أطراف أصابعها، راودتها خاطرة مباغتة:
ريم: […هو.]
«أيسري الألم في قلبه حين يعلم بأن ريم قد اختفت؟»؛
ألم يعتصر فؤاده، تمامًا مثل ذلك الألم الذي ينهش صدر ريم الآن، كأنه نصل حاد يطعن أعماق قلبها؛
ومن أين انبعثت تلك الخواطر في عقلها؟ لم تكن ريم تدري كنه ذلك أبدًا.

△▼△▼△▼△
――وفتح فلوب عينيه ببطء، وتأمل سقف غرفة غير مألوفة؛
فلوب: [――――]
وأمضى برهة في ترتيب أفكاره، وسرعان ما تفحص ما حوله لتقييم الموقف؛
وتلك كانت عادته كتاجر متجول اعتاد المبيت في العراء؛ وبالطبع، كانت شقيقته —التي تملك حدسًا أشد حدة منه— هي المسؤولة عن اليقظة والحراسة، غير أن ذلك لم يكن مبررًا لتراخيه؛
فبطء ردود أفعاله قد يصنع الفارق الحاسم بين الحياة والموت؛ ولذا، كان النهوض من الفراش بأسرع ما يمكن مهارة اكتسبها كأمر بديهي للبقاء على قيد الحياة――
فلوب: [هذا المكان… أُغ!]
وفي اللحظة التي حاول فيها الالتفات بحذر، أطلق صرخة ألم إثر تشنج صدره بوجع مبرح؛
ولو كان في العراء في جوف الليل، لكان تصرفه غاية في الحماقة بلفت انتباه الوحوش الضارية إلى موقعه؛ ومع ذلك، فما وقع قد وقع؛
ولكي يستعيد توازنه بأنفاس متقطعة، حاول فلوب الاعتدال في جلسته، و――
فلوب: [مـ-ما هذا… لا أقوى على الحراك إطلاقًا…!]
فلم يكن عاجزًا عن حشد القوة في ذراعيه فحسب، بل إن الفراش الوثير امتص ثقل جسده؛ وغاص بدنه بنعومة في السرير، ولو قيل له إنه يعمل كقفص حديدي أكثر من كونه فراشًا لصدق ذلك؛
ومع ذلك، تلوى وجاهد باستماتة للخروج بطريقة ما:
فلوب: [هذا، هذا…! هذا شاق للغاية حقًا!]
؟؟؟: [――. أنتَ شخص غريب الأطوار بحق.]
فلوب: [ماذا!؟ من هناك!؟]
ومن خلف فلوب وهو يصارع الفراش، انطلق صوت حاد وعالٍ، فحاول الالتفات؛ غير أن جهوده ذهبت سدى، إذ عجز جسده المثخن عن الاستدارة على النحو الصحيح؛
وبينما تخبط فلوب كسمكة أُلقيت فوق اليابسة، تردد صدى تنهيدة عميقة:
؟؟؟: [أنا، التنين؛ وجراحك في طريقها إلى الاندماج والشفاء، فكف عن حرق أعصابك دون جدوى.]
ومع اقتراب الطرف الآخر نحو جانب الفراش أثناء الحديث، أطلق فلوب زفيرًا خافتًا؛
فتاة بشعر أزرق سماوي، وعينين ذهبيتين، وقرنين أسودين فوق رأسها―― إنها مادلين؛ جنرال من الدرجة الأولى في الإمبراطورية هاجمت مدينة الحصن، الكينونة المعروفة بـ«جنرال التنانين المحلقة»؛
وبحسب آخر ما أسعدته به ذاكرته――
فلوب: [إن لم تخني ذاكرتي، فقد مزقت مخالبكِ جسدي وكان الألم مبرحًا للغاية…]
مادلين: [صحيح؛ مخالب هذا التنين انتزعت الحياة من جسدك… وتلك الفتاة عالجتك اللعنة.]
فلوب: [تلك الفتاة… أوه، صحيح.]
ومشيحة بنظرها، تمتمت مادلين بتلك الكلمات بملامح يعلوها الضيق والنفور؛ واستحضرت كلماتها صورة حية في ذهن فلوب، جعلته يستوعب ما ألمّ به؛
وفي اللحظة ذاتها، تذكر أنه في غمرة وعيه الآخذ في التلاشي، طلب منها―― طلب من ريم أن تُقدم على أمر مروع وقاسٍ:
فلوب: [الآنسة مادلين، أهذا هو اسمكِ؟ عليّ أن أسألكِ: ماذا حل بـ غوارال؟ لقد تجرعت تلك المدينة انفجارًا هائلًا، فضلًا عن غارات رفاقكِ.]
مادلين: [――――]
فلوب: [وبالنظر إلى أنني نجوتُ بحياتي بالكاد، فأظن أن الزوجة-سان وأنا قد كُتبت لنا النجاة؛ غير أن تلك النتيجة تُعد ثاني أسوأ نتيجة في ميزاني؛ وبالطبع، فإن أسوأ نتيجة على الإطلاق كانت هلاكي والزوجة-سان معًا.]
ورافعًا سبابته، واصل فلوب حديثه موجهًا تساؤله نحو مادلين؛
وحافظت مادلين على ملامح ضيقها وهي ترمق إصبعه بنظرة جانبية؛ وظنًا منه أن هذه علامة تقود إلى موضوع تأبى الخوض فيه، استطرد فلوب:
فلوب: [لا أدري يا آنسة مادلين؛ فوجهكِ يبدو كمن يشعر بالتعاسة أو الامتعاض؛ وكانت أختي الصغرى تتقلب هكذا أيضًا حين تتبرم؛ وحقيقة أنها لا تبدو هادئة البتة في تبرمها بالنظر إلى ضخامة جسدها أمر يفيض باللطافة؛ وأظنكِ تشبهينها في ذلك؟]
مادلين: […المديـ…]
فلوب: [نعم؟ ماذا قلتِ؟]
مادلين: [المدينة سالمة اللعنة! لم أستطع تدميرها بالكامل اللعنة! أهذا ما تريد سماعه أخيرًا!؟]
ومظهرة أنيابها الحادة، زأرت مادلين في وجه فلوب؛ وتنفس الأخير الصعداء بزفرة ارتياح طويلة، مستشعرًا وهم عاصفة ريح غاضبة تجتاح جسده؛
وكلمة «سالمة» لم تكن وصفًا دقيقًا بالنظر إلى ما يذكره فلوب عن حال غوارال، غير أن مادلين أكدت عجزها عن تدمير المدينة؛
وإن كان الأمر كذلك، فـ――
فلوب: [لقد أحسنت الزوجة-سان استخدام حياتي إذن…]
وتذكر فلوب صنيعه قبيل فقدانه للوعي مباشرة، حين كان إدراكه غائمًا وطنين صاخب يملأ أذنيه؛
فقد كانت مادلين مضطربة للغاية أمام مشهد نزف فلوب وإشرافه على الموت، وقد لمح ذلك بطرف عينه؛ وبدت كأنها تستجوبه عن أمر ما بشغف وتشبث؛
ولذا لمعت في ذهنه خاطرة تسخير حياته؛ إذ يمكن إبرام صفقة: ففي مقابل إنقاذ حياة فلوب، تنال مادلين الجواب الذي تصبو إليه، مما يعني وجود بارقة أمل لنجاة غوارال من محنتها؛
وأن تُقدم ريم المسالمة على مثل هذا القرار الجليدي الصارم كان أمرًا يفوق التصور؛ ولا بد أنه ألقى بعبء نفسي ثقيل على عاتقها، مع أنه بالنظر إلى الموقف الراهن، يبدو أنها قد كللت مساعيها بالنجاح:
فلوب: [وأين هي الزوجة-سان، تلك التي داوت جراحي؟]
مادلين: […لقد جُلبت إلى هنا هي الأخرى اللعنة؛ كان ذلك هو الشرط الذي فرضه هذا التنين، وقبلت هي به؛ وهذا التنين يفي بعهوده دومًا؛ وسأحرص على وفائها بوعدها لهذا التنين أيضًا اللعنة.]
فلوب: [وعد…]
مادلين: [هذا.]
وارتاح فلوب لسماع نجاة ريم وسلامتها؛ غير أن حلية تحمل ناب وحش كاسر―― أو بالأحرى، ناب تنين طُلي بالأحمر، دُفعت لتستقر أمام ناظريه؛
قطعة نفيسة اعتاد فلوب ارتداءها حول عنقه، ولا تفارق جسده أبدًا؛
وثُبتت عند طرف أنف فلوب وهو مستلقٍ فوق الفراش:
فلوب: [أوه، أالتقطتِها لأجلي؟ شكرًا جزيلًا لكِ على هذا؛ إنها شيء غـ~ـالٍ وثمين للغاية؛ ولعجزتُ عن مواصلة حياتي ببهجة وسرور من دونها؛ ولذا…]
مادلين: [――كاريون.]
فلوب: [――――]
ومادًا يده، حاول فلوب استعادة الناب؛ غير أن مادلين تفادت يد فلوب بسهولة، وعوضًا عن إعادة الحلية، نطقت باسم؛
وجعل ذلك الاسم فلوب يحبس أنفاسه، وتابعت مادلين:
مادلين: [هذا ناب كاريون؛ فلماذا تحمله معك ماذا بحقك اللعنة؟]
ومرتين نطقت مادلين باسم «كاريون»، وقد سمعه بوضوح لا تشوبه شائبة؛
ويستحيل عليه أن يخطئ سماعه؛ لأن ذلك الاسم كان――
مادلين: [أجب اللعنة! لماذا تملك ناب كاريون…]
فلوب: [كنتُ حاضرًا حين وُلد كاريون؛ وابتكرتُ اسمه برفقتهم؛ برفقة الأخ الأكبر مايلز وباليروي.]
مادلين: [――هـڪ.]
فلوب: [وحين استُبدلت أنيابه بأنياب جديدة، نلنا أحدها كذكرى وتذكار؛ وكان برهانًا على الرابطة الوثيقة مع أخي بالعهد… مع عائلتي؛ ولهذا السبب أحمل أنا وأختي أنياب كاريون.]
وبهيام نطق فلوب بحديثه، كأنما يرفع الغطاء عن صندوق كنز دفين في صميم فؤاده؛
مجيبًا على تساؤلاتها حول منشأ ناب التنين المحلق المتأرجح في يد مادلين؛ أفراد عائلتهم الأعزاء―― محسنهم وأخوهم بالعهد، تذكار لشخصين لم يعد لهما وجود في هذا العالم؛
وعند سماع الجواب، عُقد لسان مادلين، وارتجفت شفتاها واتسعت عيناها؛
وبناءً على ردة فعلها، وحقيقة معرفتها باسم كاريون، وضع فلوب بعض الاستنتاجات، ومستهلًا بـ«أتأذنين لي؟»:
فلوب: [من أين عرفتِ اسم كاريون؟ بل وميزتِ نابه من النظرة الأولى؛ ولا أظن أن الرابطة التي جمعتكِ به كانت رابطة عابرة؛ وفضلاً عن ذلك، أنتِ…]
مادلين: [――هـڪ.]
فلوب: [أنتِ الفتاة التي حلت محل باليروي في المرتبة التاسعة؛ فلعلكِ كنتِ تعرفين باليروي وكاريون منذ زمن بعيد؟]
وعكست ردة فعلها حجم الألم الذي يعتصرها؛ ومحاصرة مادلين الصغيرة بالأسئلة على هذا النحو جعل صدره يئن وجعًا؛
غير أن صدر فلوب قد ذاق ألمًا أشد ضراوة في السابق حيال هذا الموضوع بالذات؛ فلا شيء في هذا الوجود كان أشد إيلامًا لقلبه من رؤية أخته تنتحب وتنوح؛
ولذا لم يتردد في محاصرة مادلين لسبر أغوار ما يكمن في أعماق قلبها:
――باليروي تيميغليف؛
أحد الجنرالات التسعة الساميين في إمبراطورية فولاكيا، والأخ بالعهد لفلوب وميديوم، والمتمرد الذي فقد حياته في ثورة ضد الإمبراطور؛ رجل نبيل ورؤوم، أحب تنينه العزيز كاريون ومحسنه مايلز حبًا جمًا؛
فما طبيعة الرابطة التي جمعت بينه وبين مادلين؟
و――
فلوب: [ولماذا أصبحتِ جنرالًا ساميًا؟]
مادلين: [――لأجل الانتقام.]
وكان ثمة تردد وجيز قبل أن تدلي بجوابها، غير أن الكلمات التي انطلقت كانت في غاية النقاء والشفافية؛
ارتجفت شفتا مادلين، واتسعت عيناها؛ ورويدًا رويدًا، تبدلت ملامحها بينما امتلأت عيناها الذهبيتان بذلك السعير الذي شوه قسمات وجهها―― غضب وهاج؛
غضب وحشي وعارم لتلك الفتاة الصغيرة المرافقة للتنانين، لفح كامل جسد فلوب الراقد فوق الفراش؛
وبلغ غضب مادلين من العنفوان حدًا جعله يتوهم ذلك المشهد عيانًا؛
وكشفت مادلين عن تقلدها لمنصب الجنرال السامي التماسًا للثأر والانتقام؛
وكلمة «الانتقام» كانت أمرًا يحمل فلوب خواطره الخاصة حوله؛ ――فبالنسبة لفلوب، كان ذلك هو غاية حياته الكبرى؛ غير أن هدفه في الانتقام لم يكن شخصًا بعينه، بل كان العالم بأسره؛
انتقام ضد هذا العالم ذاته، ذلك العالم الذي يُجبر البشر على اتخاذ قرارات تخالف إرادتهم؛
أما الغضب الكامن في عيني مادلين، فكان مختلفًا كليًا؛
وفيما يخص تلك العاطفة الضارية المتقدة في عينيها الذهبيتين، فقد علم الوجهة التي ينبغي تصويبها نحوها:
فلوب: [من أجل من تبتغين إنفاذ هذا الانتقام؟]
مادلين: […من أجل باليروي؛ انتقامًا للرجل الذي كان مقدرًا له أن يكون شريك هذا التنين.]
فلوب: [――――]
مادلين: [أنا، التنين، لن أصفح أبدًا عمن تجرأ على قتل حبيب هذا التنين؛ ولهذا السبب――]
ستقتص لمصرع باليروي؛ وفاض قوام مادلين الصغير بالغضب وهي تجيب؛
ولم يكن فلوب يدري كيف التقى باليروي ومادلين، وما التجارب التي خاضاها معًا، وما الصورة التي اتخذتها رابطتهما؛
غير أنه أدرك يقينًا أنها ترثيه وتندب رحيله من أعمق نقطة في وجدانها؛
ولهذا السبب، وتأسيسًا عليه――
فلوب: [――ومن هو قاتل باليروي؟ وكيف يكتمل انتقامكِ؟]
ولو كانت ميديوم هي الحاضرة هنا، لاحتضنت مادلين بين ذراعيها في الحال؛
فلو كانت ميديوم —التي ذرفت سيلًا من الدموع وعلا عويلها حزنًا على رحيل باليروي ومايلز— لعلّمت مادلين كيف تبكي وتنوح؛
فقد قُتل شخص عزيز عليها؛ وأمام تلك الحقيقة، استشاطت مادلين غضبًا؛
ولم تكن تدري كيف تحزن؛ وبصفتها كينونة ذات بأس خارق وقرنين أسودين تنصاع لها التنانين، لم يخطر ببالها سوى مسار وحيد للحزن: الغضب المحض؛
وكان الأمر عينه ينطبق على فلوب، الذي نسي كيف يبكي منذ أمد بعيد؛
وهكذا――
مادلين: [الذي تسبب في مصرع باليروي هو――]
وجاء جواب مادلين على تساؤل فلوب وهي تطبق قبضتيها الصغيرتين بإحكام؛
وقد سُلب منها حبيبها، وجُردت من الملاذ الذي تسكب فيه فيض محبتها، محتفظة به في قوامها الضئيل؛ وتركت مادلين جمر غضبها يستعر عوضًا عن ذرف الدموع، عاقدة العزم على نيل ثأرها؛
فلوب: [――――]
وحين طرق ذلك الاسم مسامعه من فم مادلين، أغمض فلوب عينيه؛
أغمض عينيه، ولزم الصمت التام؛ ولأول مرة، نسي ألم ذلك الجرح الآخذ في الاندمال والذي حفرته مادلين في صدره، مستسلمًا للظلام الدامس خلف جفنيه؛
وعند إغماض عينيه، انبعثت وجوه أحبائه حية في مخيلته من جديد:
مايلز: [أنتَ وميديوم لا تحسنان التفكير؛ أولئك الذين يجدر بهم البقاء في كنف الكونتيسة… لن يسعني الاعتناء بكم إلى الأبد، يا للمتاعب.]
باليروي: [هذه طريقة الأخ الأكبر مايلز في إظهار قلقه واهتمامه؛ مع أنه لو بقيتما هنا، لانتهى به المطاف بالاعتناء بكما إلى الأبد؛ فهو ليس صريحًا في مشاعره أبدًا، أليس كذلك؟]
مايلز: [اصمت واخرس يا بالي الصغير! فالذين يشقون طريقهم في الحياة لا ينبغي لهم العودة للتسكع هنا كل حين!!]
باليروي: [كلا، لن يكون ذلك من شيمي وطباعي؛ فقضاء الوقت هنا برفقة الأخ الأكبر مايلز، وفلوب، وميدي وسائر الرفاق، هو الأنسب لي بأشواط؛ أليس كذلك؟]
واستحضر ذكريات دافئة لباليروي الذي تكبد عناء المجيء من بعيد ليودعهم في يوم رحيلهم، ومايلز، وحوارهما في جوف تلك الليلة؛
ومع تلويحة عريضة من يده، غادر هو وميديوم ذلك المكان الذي احتضنهما طويلًا، وحينها――
وحينها، وبعد أن وصل أخيرًا إلى العاصمة الإمبراطورية، اتقدت عينا فلوب أوكونيل الزرقاوان ببريق حاسم؛
ومع استعار ذلك البريق في عينيه، نسجت شفتاه كلمات صريحة؛
وكانت تلك الكلمات هي――
فلوب: [――آه، إذن أنتَ هو قاتل باليروي… يا رئيس القرية-كون… أو بالأحرى، الإمبراطور فينسنت فولاكيا.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※