الفصل 424 - (ب) كارثة التنانين المحلقة
الفصل السادس والخمسون (B)
«كارثة التنانين المحلقة»
يحمل الفصل عنوان «كارثةُ التنانينِ المحلقة» (The Flying Dragon Cataclysm) مستكملًا مسار الجانب الموازي (Side B) في غوارال

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――في اللحظة التي وقع فيها بصره على الفتاة الصغيرة الواقفة وسط سحب الدخان، دقت نواقيس الخطر في رأس فلوب بعنف.
ولم يكن ذلك ناقوس الخطر الحقيقي الذي يتردد صداه في أرجاء غوارال؛ بل كان الرنين الصاخب لغريزة البقاء الفطرية الكامنة في داخله ككائن حي. وكان دويه مدويًا لدرجة جعلت رأسه يصدع ألمًا.
وبصراحة تامة، لم يكن فلوب مثل ميديوم؛ لقد كان رجلًا يعجز عن القتال.
فمحاولاته لتدريب جسده في السابق لم تجلب له سوى خيبة الأمل، ولم يرغب في الانتقاص من الدور الذي اختارته أخته لنفسها بعد طول تفكير، حين أدركت أنها كانت تؤلم شقيقها بمسحها على جراحه.
ولذا، لم يكن يملك حدس المحاربين ولا فراستهم في تقدير المخاطر.
ومع ذلك――
فلوب: [تلك الفتاة نذير شؤم حقيقي.]
وابتلع فلوب ريقه المر بينما رفعت الفتاة الصغيرة ساقها متقدمة خارج تلك الفجوة الهائلة التي خلفها ارتطامها بالأرض.
الفتاة: [――――]
فتاة صغيرة ذات قامة ضئيلة، تضيقت حدقتا عينيها الذهبيتين، وهي تسدد نظرات حارقة نحو فلوب والآخرين.
وبدت أكبر سنًا من شولت وأوتاكاتا بعامين أو ثلاثة أعوام، غير أن الهيبة التي انبعثت منها كانت تضارع هيبة ميديوم أو ميزيلدا―― كلا، بل كانت أشد فتكًا وخطورة بمراحل.
لقد بدت أشبه بذلك الجنرال السامي المهيب الذي سلب ميزيلدا إحدى ساقيها.
فلوب: […يا ذا الشعر الأحمر، أتظن أنك قادر على خلق ثغرة ما؟ أريد على الأقل تمكين الخادم-كون والآنسة أوتاكاتا من الفرار بطريقة ما.]
وكان الشخص الذي همس فلوب بهذا الاقتراح في أذنه هو هاينكل؛ الرجل الوحيد الذي يملك قوة قتالية في هذا المكان.
فبعد أن أثبت براعته في المبارزة بذبح تنين محلق، سيكون أقدر بكثير على المساهمة في حماية أوتاكاتا والآخرين، بدلًا من أن يتحول فلوب إلى مجرد درع بشري عاجز.
وحبذا لو كان هاينكل قويًا بما يكفي لسحق تلك الفتاة الصغيرة.
هاينكل: [――هـڪ.]
فلوب: [يا ذا الشعر الأحمر؟]
محافظًا على يقظته تجاه الفتاة، سأل فلوب هاينكل مستفسرًا، غير أنه لم يلقَ أي جواب منه.
وتردد في إشاحة بصره عن الخطر الماثل أمامه، لكن التنسيق مع هاينكل كان الأولوية القصوى. وبحسم أمره، ألقى فلوب نظرة جانبية نحو هاينكل ليتفحصه.
――وكانت عينا هاينكل جاحظتين من فرط الصدمة، ووجهه شاحب كالموت يتفصد منه عرق غزير ولزج.
شولت: [هـ-هاينكل-ساما؟ أأنت بخير؟]
هاينكل: [أُه، آااه…]
ولاحظ فلوب وشولت تصرف هاينكل غير المألوف في اللحظة عينها تقريبًا.
وعبر شولت عن قلقه الصادق حيال هاينكل، فتصلبت وجنتا السياف أحمر الشعر لسماع كلمات الصبي، وأفلتت من حلقه أصوات مبهمة ومضطربة.
وكان من العسير على من يراقبه من الجانب معرفة ما إذا كانت ردة فعله تلك ناجمة عن إدراكه لهوية الفتاة؛ غير أنه، وبصرف النظر عن التساؤلات، كان هناك واقع ساطع لا مراء فيه؛
ألا وهو――
الفتاة: [ما خطبك؟ أأنت خائف؟]
وتسلطت نظرات الفتاة التي ضيقت عينيها نحو ساقي هاينكل الواقف هناك؛ فقد كانت ركبتاه ترتعدان بعنف، لدرجة جعلته يجاهد بالكاد للبقاء واقفًا على قدميه.
وما كان ماثلًا هناك —واضحًا لأي ناظر تقع عيناه عليه— لم يكن سوى فيض عارم من الذعر والوجل؛ وبعبارة أخرى: اليأس المحض.
فلوب: [مرحبًا بكِ أيتها الصغيرة! لم أركِ من قبل، فهل تمانعين في تبادل أطراف الحديث معي قليلًا!؟]
وبعد أن عاين يأس هاينكل، صرخ فلوب بتلك الكلمات على الفور.
وفورًا، ارتجف كتفا هاينكل وشولت، بينما حولت الفتاة عينيها المفعمتين بالريبة نحوه؛ ونظراتها وحدها لن تقتله، غير أن وطأة الضغط الخانق المنبعث منها كانت من القوة بحيث لن يكون مستغربًا لو أردته صريعًا.
لكن فلوب استجمع شتات قلبه، وأرخى عضلات وجنتيه، وبسط يديه راسمًا ابتسامة عريضة:
فلوب: [أنا فلوب أوكونيل، تاجر بسيط ومتواضع. وأجد نفسي في موقف بالغ الصعوبة والحيرة؛ ويبدو أنكِ تعلمين عن الأمر أكثر مما أعلم أنا، أليس كذلك؟]
الفتاة: [――. أأنت مجرد ضحية عارضة؟ إذن فقد حان سوء طالعك.]
فلوب: [حسنًا، سوء الطالع عبارة لم أعتد سماعها؛ تنقصني أشياء كثيرة، لكنني أفتخر بامتلاكي للحظ الوافر. فلماذا أكون سيئ الطالع؟]
الفتاة: [بوسعكِ ذبح كل من في هذه المدينة؛ هذا ما قاله ذلك العجوز الخرف.]
فلوب: [كل من في المدينة…]
وأشارت الفتاة الصغيرة بذقنها نحو ما حولها مجيبة على سؤاله، فارتسمت ابتسامة متوترة على ثغر فلوب؛ غير أنه في قرارة نفسه كان أبعد ما يكون عن الابتسام، بل تملكه ذعر لا يوصف.
فهل ثمة متسع للتفاوض إن كانت غايتها إبادة سكان المدينة عن بكرة أبيهم؟
حبذا لو تمكن من التحدث إلى ذلك «العجوز الخرف» الذي أصدر إليها هذا الأمر المروع.
فلوب: [بناءً على ما سمعته، يبدو أن ذلك العجوز الخرف قد ارتكب خطأً حين أمركِ بإبادة المدينة بأسرها؛ فلمَ لا تراجعين الأمر مع رفاقكِ وزملائكِ الذين قدموا معكِ؟]
الفتاة: [لا وجود لرفاق أو زملاء؛ فمعي أنا، التنين، لا يوجد سوى الإخوة والأعداء. ――أنت تسخر من هذا التنين؛ ويبدو أنك تجهل معنى الخوف.]
فلوب: [أسخر منكِ؟ هذا افتراء شنيع! أنا أرغب في مصادقتكِ؛ وكبداية، كنتُ أفكر في سؤالكِ عن اسمكِ الكريم. ألا تتفق معي يا خادم-كون؟]
شولت: [أ-أجل، هذا صحيح تمامًا! أود معرفة اسمكِ أنا أيضًا! واسمي هو شولت!]
وحين بدت الفتاة على شفا فقدان صبرها، صفق فلوب بيديه طالبًا الدعم من رفاقه؛ واستغل شولت الموقف ليرفع يده معلنًا اسمه ببراءة.
ومع تقديم فلوب وشولت لنفسيهما، عقدت الفتاة حاجبي وجهها البديع، وقالت:
؟؟؟: [――مادلين إيشارت. أنا، التنين، إحدى الجنرالات التسعة الساميين.]
هاينكل: [الجنرالات التسـ…!]
وبنبرة هادئة، عرفت الفتاة―― مادلين، عن نفسها برتبتها، ليعقد الذهول لسان هاينكل تمامًا.
وركبتاه اللتان كانتا ترتعدان منذ لقائهما، ازدادتا اضطرابًا إثر سماع رتبتها التي تؤكد مدى بأسها؛ وكان بقاؤه واقفًا دون أن يسقط على الأرض معجزة حقيقية.
وحتى فلوب عجز عن السخرية من هول ما أصاب هاينكل؛ فخصم هاينكل —الذي خمن فلوب أنه يضاهي الجنرالات الساميين خطورة— تبين أنه جنرال سامٍ بالفعل!
وفوق ذلك كله――
فلوب: [――الآنسة أوتاكاتا.]
وبهيام خافت، لاحظ فلوب تحولًا في الموقف، ونطق باسم الفتاة التي أحدثت هذا التغيير.
وتحركت أوتاكاتا —التي ناداها فلوب— موجهة كامل تركيزها نحو مادلين الماثلة أمامها؛ واستلت القوس من ظهرها، وجهزت سهمًا مسددة إياه نحو مادلين مباشرة.
وكانت المسافة بينهما تبلغ نحو سبعة أو ثمانية أمتار؛ وحتى بالنظر إلى مهاراتها، فلن تخطئ الهدف من هذا المدى.
غير أن عدّ ذلك ميزة تفوق، كان أبعد ما يكون عن الصواب.
أوتاكاتا: [ذلك العدو هو قائد سرب التنانين المحلقة؛ وهي مثلما كانت مي سابقًا، ومثلما هي تاا الآن. اهزموا ذلك العدو، وينتهي القتال.]
شولت: [أ-أهكذا الأمر؟]
فلوب: [لعل تقدير الآنسة أوتاكاتا في محله؛ ما لم يكن هناك جنرالات ساميون آخرون غيرها.]
وحين ألقى فلوب نظرة نحوها، لم تعقب مادلين على كلامهم بشيء.
وبالنظر إلى سلوكها حتى الآن، فقد كانت طفلة تجيب على ما يُوجه إليها من حديث؛ ولو نطقوا بأمر خاطئ تمامًا، لكان من الطبيعي أن تبدي ردة فعل تنكر ذلك.
وبعبارة أخرى، كانت مادلين هي التي تقود الغارة على مدينة الحصن؛ ورأي أوتاكاتا بأن هزيمتها ستجبر التنانين على التراجع كان استنتاجًا صائبًا.
والمعضلة الوحيدة تكمن في أن تحقيق ذلك بدا أمرًا يستحيل إنجازه عمليًا.
مادلين: [أنتِ محاربة، وأنتَ محارب، وأنتَ… لا تهرب؛ إذن فأنتَ محارب أيضًا.]
شولت: [إيه…؟ أنا، تقصدينني أنا؟]
مادلين: [أجل؛ أنتَ محارب كذلك.]
وفجأة، وحين أشارت بسبابتها نحوه، اتسعت عينا شولت دهشة أمام هذا التقييم.
ولدهشة شولت، أشارت مادلين بيدها الصغيرة نحو أوتاكاتا، وفلوب، وشولت نفسه، واصفة إياهم بـ«المحاربين»؛
ثم انتقلت سبابة مادلين لتشير نحو الأخير؛ نحو هاينكل――
مادلين: [أما أنتَ، فلستَ محاربًا؛ ورغم أنك ذبحتَ تنينًا، إلا أنك مجرد جبان رعديد.]
هاينكل: [غـه…]
مادلين: [استل سيفك؛ فأنا، التنين، سأسحقك؛ جزاءً لكل قطرة دم سُفكت.]
ومع تلك الكلمات، خطت مادلين خطوة متئدة نحوه؛
وهكذا، رويدًا رويدًا، قلصت مادلين المسافة متقدمة نحو قاتل التنانين هاينكل، غير آبهة بالسهم الذي تصوبه أوتاكاتا نحوها.
أوتاكاتا: [――أصيبيها!]
وتزامنًا مع إعلان عزمها، انطلق سهم أوتاكاتا مصوبًا نحو صدر مادلين؛ وشق الهواء متجهًا نحوها مباشرة، غير أن يد مادلين ارتفعت لتمسك بالسهم بين إصبعين بكل خفة!
ولم تكلف مادلين نفسها حتى عناء النظر نحو أوتاكاتا؛ بل ظلت نظراتها مسلطة نحو هاينكل وحده.
فلوب: [يا ذا الشعر الأحمر!]
شولت: [هاينكل-ساما!]
وإدراكًا منهما لحجم الخطر، صرخ فلوب وحاول شولت جذب ذراع هاينكل؛ غير أن ضعف طاقة الصبي لم يكن كافيًا لتحريك هاينكل قيد أنملة.
بل على العكس، وأمام اقتراب مادلين منه، تنحنح هاينكل ونفض ذراع شولت التي كانت تحاول جره بعيدًا.
وسقط شولت على مؤخرته، بينما جز هاينكل على أضراسه بعنف:
هاينكل: [أوه، أوووه…!]
وأطبقت يد هاينكل على مقبض سيفه مشحونة بالقوة؛ واحمرت وجنتاه وهو يطبق فكيه بإحكام، والدماء تضخ في عروقه محاولة تبديد ذلك الرعب الذي جعل ساقيه ترتعدان.
ومع ذلك كله، لم تتوقف مادلين عن التقدم، مقتربة أكثر فأكثر منه.
ومقارنة بالتنين المحلق، كانت هذه الفتاة الصغيرة أصغر حجمًا بمراحل؛
وضد تلك الطفلة الضئيلة الزاحفة نحوه، هم هاينكل بتسديد ضربة بسيفه――
هاينكل: [――أوه.]
ومع رنين معدني حاد، سقط السيف من كف هاينكل المرتجفة متدحرجًا على الأرض!
ففي اللحظة التي كان يُفترض فيها إطلاق كامل عنفوان فنونه القتالية، عجز عن رفع ذراعه، تاركًا سيفه يفلت من قبضته!
و――
مادلين: [في النهاية، لستَ سوى جبان لا يمت للمحاربين بصلة.]
وانغرست كلمات مادلين المحتقرة في خاصرة هاينكل مصحوبة بقبضة يدها؛
وأصابت الضربة قوام هاينكل الضخم، وبقوة جبارة، طار السياف أحمر الشعر جانبًا في الهواء! وارتطم جسده بالكامل بمبنى حجري، مشققًا الجدار الحجري على هيئة جسده البشري.
وتلك الضربة الواحدة جعلت عيني هاينكل تنقلبان إلى الوراء، محدثة ريحًا عاصفة مدوية؛
ورغم أنها وجهت لكمة أحدثت دوي انفجار هائل، بقبضة تحمل طاقة لا تقل عن طاقة الصخور التي تقذفها التنانين على المدينة، لم يخمد غضب مادلين قيد أنملة.
هاينكل: [كـاح!]
وبينما هوى هاينكل متداعيًا نحو الأمام، سحقت قبضة مادلين الأخرى أنفه؛ فارتطم مؤخر رأسه بالجدار مجددًا، وفي ارتداده، هوت ركلة قاطعة من الفتاة في منتصف جذعه!
واخترقت قوة الصدمة جسده، مما جعل المنزل الواقع خلفه ينهار بانهيار صاخب أمام تلك القوة التدميرية الساحقة؛ وقبضت مادلين على ساق هاينكل الغارق في سحب الركام، وألقت به بوحشية في الاتجاه المعاكس!
وتدحرج جسد هاينكل بارتطام عنيف فوق قارعة الشارع، ليستقبله المبنى الواقع على الجانب الآخر من الشارع بارتطام قاسٍ؛
وتحطمت النوافذ إثر الارتطام، وانهمر الركام المتناثر فوق هاينكل كالمطر؛ ولم يتحرك هاينكل الساقط قيد أنملة بينما أحدثت الشظايا جروحًا غائرة في كامل جسده.
فلوب: [――――]
ولو كان فلوب مكان هاينكل، لكانت تلك اللكمات قاتلة في ثوانٍ؛
وبخلاف فلوب، لكان معظم البشر قد لقوا حتفهم إثر هذا الهجوم الوحشي؛ ولم يعد واضحًا ما إذا كان هاينكل حيًا أم ميتًا بعد أن تلقى سلسلة ضربات يعجز حتى أمثال ميديوم عن النجاة منها.
غير أن مادلين —التي تحترف القتال— لم تكن لتقبل بخاتمة فاترة كهذه.
مادلين: [يا لكَ من مسكين رعديد.]
وامتدت يد مادلين خلف ظهرها وهي تمتم بنبرة لم تخفِ احتقارها الصريح؛ وفُكت أزرار الحزام المثبت على ظهرها، وعلى الفور، فُتح سلاح كان محفوظًا هناك بصوت مسموع.
لقد كان نصلًا حادًا قابلًا للطي يشبه المقراض المفتوح على مصراعيه؛ وتذكر فلوب رؤية سلاح مماثل أثناء رحلات الصيد لدى القبائل الرحل في السهول الشاسعة؛
ويُطلق عليه اسم «نصل الأجنحة المحلقة»؛ ويستطيع المحترف قذفه لعشرات الأمتار ليدور حول نفسه ويعود مجددًا إلى قبضة صاحبه؛
غير أن سلاح مادلين كان في طول قامتها الضئيلة، نصلًا بتارًا يحمل مقبضًا مخصصًا يتيح استخدامه في أغراض أخرى تتجاوز مجرد القذف.
وبلا أدنى رحمة، صوبت السلاح نحو هاينكل الملقى على الأرض بعد أن سحقته بقبضتيها؛ وإن هو ضُرب بهذا السلاح، فلن يتبقى منه أدنى أثر.
فلوب: [ألا تتوقفين عن هذا يا آنسة مادلين؟ أنا أتفهم غضبكِ تمامًا؛ وأدرك كم يعتصركِ الحنق لمقتل رفاقكِ؛ لكن إن تعرض المرء للهجوم، فلا خيار أمامه سوى المقاومة.]
وعاضًا على شفته مستجمعًا شجاعته، نطق فلوب بتلك الكلمات نحو ظهر مادلين؛ ومع نصل الأجنحة المحلقة في قبضتها، التفتت مادلين وردت عليه قائلة: «لا تخلط الأمور»:
مادلين: [التنانين هي أعظم المخلوقات في هذا العالم قاطبة؛ وإن تجرأتم على الرد في وجه التنانين، فأنتم تستحقون الإبادة المحتومة؛ وفضلاً عن ذلك…]
فلوب: [فضلاً عن ماذا؟]
مادلين: [وهل يُعقل التسامح مع صنيع جبان مثله ماذا بحقك؟]
واضطربت عينا مادلين الذهبيتان بلهيب الغضب، وأدرك فلوب سر غيظها الدفين؛
فبالطبع كانت حانقة لمقتل التنين المحلق الذي رافقها، لكن الأدهى من ذلك هو أن من أقدم على هذا الصنيع —هاينكل— عجز عن خوض القتال وأفلت سيفه كالأبله؛
فقد استشاطت غضبًا لأن رفيقها قد صُرع بيد شخص تافه وعديم القيمة كهذا؛
لقد كان ذلك إهانة ليس لهاينكل وحده، بل لحياة التنين المحلق الذي قتله――
فلوب: [واااه!]
أوتاكاتا: [أُه!]
وبعد لحظة، ركلت مادلين حصاة على الأرض لتوقف فلوب قبل أن يتحرك؛ وأصابت الحصاة فلوب الذي هم بالتقدم، وأوتاكاتا التي كانت على وشك وضع سهمها التالي، لتصيب ساق الأول وذراع الثانية معرقلة حركتهما في لمح البصر.
وفي تلك الأثناء، رفعت مادلين نصل الأجنحة المحلقة لتسحق هاينكل الممدد تحت ناظريها؛
ولكن――
شولت: [كـ-كلا، أرجوكِ توقفي――!]
وبخلاف الاثنين اللذين أصابتهما الحصى، هرع شولت —الذي وقف بعيدًا بدافع الحذر— مندفعًا بينهما بيأس مطلق؛ وبسط الصبي يديه ووقف حائلًا بين مادلين وهاينكل!
وجسد شولت الصغير غطى هاينكل، درع هش أضعف من أن يصمد أمام العاصفة الزاحفة؛
غير أن مادلين لم تكن بتلك الرقة لتتراجع أمام تهور الصبي:
مادلين: [لم يكن مقدرًا لأحد منكم أن يحيا على أية حال.]
وتضيقت عينا مادلين، وهوى نصل الأجنحة المحلقة بقسوة ساحقة نحو رأس شولت!
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [――ريم! أأنتِ بخير وبأمان!؟]
وصاحت بتلك الكلمات امرأة رشيقة وهي تفتح الباب الضخم وتقتحم القصر مسرعة.
والتفتت ريم —التي كانت تركض عبر الردهة— نحو مصدر ذلك الصوت المألوف وردت قائلة: «أجل!»:
ريم: [كونا-سان! وهولي-سان!]
هولي: [يسرني أنكِ بخير وبأمان~! المدينة بأسرها غرقت في فوضى عارمة بالفعل~!]
وأمام عيني ريم المتسعتين، تسارعت خطوتان نحوها؛ إحداهما خفيفة والأخرى ثقيلة، تعودان لاثنتين من نساء شعب الشودراك المتمركزات في المدينة: كونا وهولي.
وعند سماع صوتيهما، ارتاحت عينا ريم قليلًا وتسلل الاطمئنان إلى قلبها:
ريم: [يسرني أنكما بخير وبأمان؛ أأصيبت إحداكما بأي أذى؟]
كونا: [نحن بخير في الوقت الراهن؛ غير أن…]
هولي: […الجميع منهكون ومحطمون بالفعل~.]
وهبطت نبرة صوتيهما في حزن، وألقتا بنظراتهما في أرجاء الردهة التي تجتازها ريم، معبرتين عما يجول في خاطرهما.
فمن حول الثلاث، كان الجرحى والمصابون يتوافدون في أسراب هائلة وسط الفوضى التي اشتعلت في المدينة؛ وتحول المكان إلى ما يشبه مستشفى ميداني، حيث هب المتطوعون للمساعدة في تضميد جراح الجميع.
فإن كان الجرح سطحيًا، خيط وضُمد بالضمادات؛ أما إن كان غائرًا ومهددًا للحياة――
ريم: [عليّ فعل شيء ما…]
وعضت ريم على شفتها بإحكام، وشدت قبضتيها؛
وكانت يدها اليمنى —المقابلة لعكازها— ملطخة بالفعل بدماء لا تعود إليها؛ ومهما حاولت مسحها، فقد جفت الدماء على كفها أكثر من اللازم.
فبعد وقت قصير من رؤية ريم وبريسيلا لسرب التنانين المحلقة من شرفة الحمام، تحولت تلك النقاط السوداء الزاحفة من بعيد إلى تهديد داهم، مطلقة غارة جوية على المدينة.
فبعض التنانين ألقى صخورًا هائلة من السماء، بينما انخرط البعض الآخر في قنص وحشي، مختطفًا الفارين من الأرض ليلقي بهم مجددًا من علياء شاهقة؛
وكان الأهالي الذين يفتقرون إلى القوة لمقارعة أي من هذين الهجومين مجرد طرائد سهلة للاصطياد.
وتحت وطأة ذلك الخطر المحدق، هرع الناس إلى هنا التماسًا للمأوى ولتلقي العلاج؛ وكان ذلك هو السر الكامن وراء مشهد البؤس المخيم على القصر في هذه اللحظة.
وقد يظن المرء أن بريسيلا ستستشيط غضبًا من مثل هذه التطورات، ومع ذلك――
بريسيلا: [في الأصل، استوليتُ على هذا القصر ليكون مقر المعالجة الثمينة محددًا في مكان واضح وآمن؛ وقد أُمر زيكر والآخرون بمرافقة الجرحى إلى هنا أيضًا.]
ريم: [أ-أهكذا كان الأمر حقًا…!؟]
بريسيلا: [ما خطبكِ، أكنتِ تظنين حقًا أنني استوليتُ على القصر لمجرد الاستمتاع بحمامه؟ السبب الحقيقي يكمن في حمامه وفي اتساعه ورحابته معًا.]
وتذكرت ريم أن حوارًا كهذا قد دار بينهما سابقًا؛
وعلى أية حال، فقد سمحت بريسيلا للمصابين بدخول القصر؛ وبدا أن زيكر وميزيلدا وسائر القادة في المدينة كانوا على علم مسبق بهذا الترتيب.
ريم: [ومع ذلك، لا أدري لمَ لم يُطلعني أحد على هذا، وأنا الركيزة الأساسية في الأمر كله، ولكن…!]
ولأنها شعرت باستحالة نيل جواب شافٍ، لم تتعمق ريم في التساؤل؛
وفوق كل شيء، لم يكن لدى ريم متسع من الوقت للقلق بشأن نزوات بريسيلا وتصرفاتها الغريبة؛ فالجرحى الذين يحتاجون إلى عونها كانوا يتوافدون تباعًا دون انقطاع.
ريم: [كونا-سان وهولي-سان، أنتما الاثنتان…]
هولي: [الزعيمة… آه! لم تعد كذلك الآن~! الزعيمة السابقة ميزيلدا هي من قالت هذا~!]
كونا: [كلما سقط مزيد من القتلى تراجعت الروح المعنوية؛ ونحن لا نريد أن يتناقص عدد القادرين على القتال، ولذا فنحن حارستا ريم؛ وبمعزل عن هذا…]
وقطعت كونا كلماتها عند هذا الحد، وضيقت عينيها اللوزيتين؛ وأمام حدة تلك النظرة تصلب جسد ريم، بينما أشارت كونا بذقنها نحو الجرحى في القصر:
كونا: [أين تلك الأميرة التي كانت تعتني بكِ؟ إياكِ والقول إنها تسترخي في غرفتها وسط كل هذه الفوضى العارمة؟]
هولي: [إن كان الأمر كذلك، فنومها ثقيل للغاية~؛ وأنا نومي ثقيل أيضًا، لكن حتى لو كنتُ في غفوة وبطني ممتلئة لاستيقظتُ وسط كل هذا الضجيج الصاخب~.]
وردًا على تساؤل الثنائي —الذي تباينت نبرة التوتر فيه بدقة— هزت ريم رأسها نفيًا؛
فلا شك أن بريسيلا كانت تتمتع بشخصية مغرورة تدور حول ذاتها، وكان من المفهوم قلقهما من تقلب نزواتها.
ريم: [على نحو غير متوقع، بريسيلا-سان شخص يمكن الاعتماد عليه للغاية.]
وفور تعليق ريم على بريسيلا الغائبة:
؟؟؟: [――كيرياااارااااه!!]
وانحدر صوت حاد كعاصفة هوجاء تعصف بين المباني، ليهوي مباشرة نحو الباحة الأمامية للقصر!
ومثيرًا سحابة هائلة من الغبار إثر جرفه للمرج الأخضر، كان هناك الجسد الضخم لتنين مجنح أخفق للتو في الهبوط من السماء؛ وكان باع جناحيه يبلغ قرابة أربعة أمتار، وهبط بطريقة مزرية كأنه يطير لأول مرة في حياته؛
وكان ذلك طبيعيًا؛
فمناورات الهبوط الأساسية التي تستند إلى الخبرة والغريزة استحال إظهارها، بالنظر إلى أن رأسه قد سُحق بالكامل!
وفي تلك اللحظة بالذات، وإلى جوار جثة التنين المحلق المحطمة، هبطت هيئة من السماء؛ امرأة حسناء ذات ثوب أحمر تتطاير أطرافه، وسيف قرمزي مرصع بالجواهر في يدها―― إنها بريسيلا.
بريسيلا: [لقد استخدمتِني كحارسة لكِ؛ وسيكلفكِ هذا الدين ثمنًا باهظًا يا ريم.]
ريم: [شكرًا جزيلًا لكِ؛ وسأغسل شعركِ تعبيرًا عن خالص امتناني وعرفاني.]
بريسيلا: [يا لجرأتكِ في محاولة الإفلات بمثل هذا العرض التافه؛ ومع ذلك سأسمح به، فقد نال رضاي.]
وقبلت بريسيلا رد ريم بتعقيب صارم من وراء المدخل المفتوح؛
فقد كانت تسخر قدراتها الجسدية الاستثنائية لتقطيع التنانين ودحرها كلما انقضت نحو القصر.
ولم تستطع كونا وهولي —أمام معاينتهما لهذا المشهد بأعينهما— كتمان ذهولهما الشديد؛
ولسبب ما، شعرت ريم بزهو وفخر طفيفين إثر ردة فعل هاتين الاثنتين؛ غير أن بريسيلا —وهي تتصدى للتنانين— لم تكن خالية البال تمامًا من القلق؛
والسبب الرئيس في ذلك يكمن في ذلك السيف القرمزي البديع المرصع بالجواهر في يدها――
ريم: [بريسيلا-سان، ما خطب سيف يانغ الخاص بكِ…؟]
بريسيلا: [كما ترين، لقد احتجبت الشمس؛ وفي الوقت الراهن، ليس هذا السيف سوى قطعة معدنية كليلة لا تستحق أن تُنعت بسيف؛ ورغم ذلك…]
وبعد أن كشفت عن خلل في «سيف يانغ»، استدارت بريسيلا نحو الخلف؛
وفي تلك اللحظة، انقض تنين محلق نحوها، وفمه الفاغر المليء بالأنياب الضارية موجه نحو ظهرها؛ وبلا أدنى رحمة، غرست بريسيلا سيف يانغ —رغم كلوة نصله— في فم التنين مباشرة!
وتحطمت الأنياب بينما اخترق طرف سيف يانغ مؤخرة حنجرة التنين بقوة وحشية، ليرديه قتيلًا في لمح البصر!
بريسيلا: [أمامي أنا، لا وزن للتنين المجنح، حتى وإن كان سلاحي مجرد نصل كليل عاجز عن القطع.]
ومع تلويحة من سيفها، قذفت جثة التنين نحو حافة الحديقة؛ وبعد أن تخلصت من التهديد بسهولة، التفتت لتلحظ كونا وهولي تقفان إلى جوار ريم:
بريسيلا: [من نساء الشودراك إذن؛ أظن أنكما جئتما لحماية ريم.]
ريم: [بريسيلا-سان، لقد جاءت الاثنتان لمساعدة الجرحى…]
بريسيلا: [إياكِ والانسياق وراء الأوهام الرومانسية وإغفال الواقع؛ فما نفع الجرحى في ساحة المعركة؟ ومن هو الأثمن وجودًا هنا؟ بخلافي أنا، أنتِ هي الأثمن.]
ريم: [――هـڪ!]
وانحبست الكلمات في حلق ريم أمام رد بريسيلا القاطع؛ وأومأت كونا برأسها مؤكدة تقييم بريسيلا الصارم: «هذا صحيح»:
كونا: [مهمتنا هي حماية ريم؛ ومهمة ريم هي…]
هولي: [تقليص الخسائر والضحايا قدر الإمكان~!]
ودعمت هولي كلمات كونا الهادئة بتعقيبها المرح؛
وتحت وطأة كلماتهما ونظرات بريسيلا الثاقبة، وبخت ريم نفسها؛ فبالأمس فقط كانت ترثي لحالها لعجزها عن شغل موقع مهم؛
ولم يعد بوسعها الاستكانة في مكانها، وفوق كل شيء، كانت ريم نفسها هي من تاقت لذلك:
ريم: [سأخوض معاركي بنفسي؛ كونا-سان، هولي-سان، شكرًا جزيلًا لكما.]
كونا: [أوه!]
هولي: [أنتِ القائدة هنا~!]
وأومأت كونا وهولي برأسيهما مشجعتين عزم ريم بابتسامتين دافئتين؛
وبعد أن نالت مشاعرها الخلاص بفضلهما، نظرت ريم نحو بريسيلا؛ فقد ظلت الأخيرة تدافع عن القصر حتى وصول حراس قادرين على حماية ريم――
ريم: [أنتِ ذاهبة، أليس كذلك؟]
بريسيلا: [يبدو لي أن ثمة مواقف جمة لن تقووا فيها على الصمود من دوني؛ وزيكر يعلم كيف يسد النقص في العتاد والرجال، لكنه لن يقوى على مجابهة القوة الرئيسة للعدو.]
ريم: [والقوة الرئيسة للعدو هي…]
بريسيلا: [――بالتأكيد، لن تكون سوى جنرال سامٍ.]
وابتلعت ريم ريقها بينما أجابت بريسيلا وهي تغمض إحدى عينيها؛
فوجود «الجنرالات التسعة الساميين» كان عاملًا حاسمًا يقلب موازين الحرب في الإمبراطورية؛ ومن أجل كسب أكبر عدد ممكن منهم إلى صفهم، انطلق سوبارو وآبل والآخرون نحو كايوسفليم؛
ومع ذلك، فإن غارة أحد هؤلاء الجنرالات على هذه المدينة لم تكن محض صدفة عابرة.
بريسيلا: [بالطبع، هذا من تدبير شخص ينتمي إلى الفصيل المعادي؛ ويبدو موقف آبل يزداد قتامة وضيقًا؛ فكيف شيد ملكه فوق ركائز واهية كهذه؟]
ريم: [لا يسعني التعليق على ذلك، لأنني لا أعرف الكثير عن نهج آبل في إدارة الأمور؛ وبمعزل عن ذلك، فأنا موقنة بأن الأمر كان شاقًا للغاية على من حوله…]
ورغم تحفظات ريم الكثيرة على سوبارو، لم تكن ترى سلوك آبل جديرًا بالثناء أيضًا؛ فآبل —الذي برز بغطرسته النابعة من دهائه وبعد نظره وقدرته على قراءة المواقف— كان خصمًا عسيرًا لريم التي تفتقر إلى الذكريات التي تسندها.
وتربعه على قمة هرم البلاد يعني أنه كان محاطًا بجموع غفيرة؛ ومن المستبعد جدًا أن يتقبل الجميع أفكاره وينصاعوا له بهذه السهولة؛
ولهذا اندلعت نيران التمرد ضده. ومع ذلك――
ريم: [ورغم ذلك كله، أن يُسمح بوقوع أمر مروع كهذا بسبب ذلك…!]
ورفعت ريم —التي شيدت ذاتها فوق ركائز هشة— بصرها نحو بريسيلا في رجاء؛
فأطلقت بريسيلا سخرية مصحوبة بابتسامة خفيفة، كأنها تخبرها بأنها تعلم ما يدور في خلدها تمامًا؛ ومع اتساع عيني ريم، أشاحت بريسيلا بوجهها وتبددت الابتسامة كأن لم تكن:
بريسيلا: [هذا السرب من التنانين المحلقة يستحيل تفسيره بمجرد ترويض عادي للتنانين؛ فلا بد أن هذا الجنرال من الدرجة الأولى قد بزغ نجمه أثناء غيابي عن البلاد؛ وإن صح ما قالته سيرينا، فثمة من تقلدت منصب «جنرال التنانين المحلقة».]
ريم: [التاسعة بالتأكيد… ولا بد أن ذلك الشخص يتواجد في مكان ما في المدينة…]
بريسيلا: [――«قاعة المدينة».]
ريم: [――――]
بريسيلا: [إن لم يكن العدو شديد الغباء، فهناك ستكون وجهته؛ فلديهم مسار مباشر يشق السماء نحوها، ولا مبرر يدفعهم لإغفال مقر القيادة.]
وتشوش تفكير ريم للحظة أمام بديهية تلك الملاحظة؛
وما إن استوعب عقلها تلك الكلمات، حتى دهمها الشعور بخطورة الموقف؛ غير أن هدوء بريسيلا وبرودها كادا يدفعان ريم إلى حافة الهلع:
ريم: [أ-أليست كارثة محققة أن يتعرض مقر القيادة للهجوم!؟ بريسيلا-سان!؟]
بريسيلا: [أيتها الحمقاء؛ فرغم بدانته وترهله، يظل زيكر جنرالًا في الإمبراطورية؛ ولن يهلك بتلك السهولة، ولا هو بالغ السخف ليبقي بجواره من يعجز عن خوض القتال.]
ريم: [هذا… آه. وبالحديث عمن يعجز عن القتال، شولت-سان!]
وتذكرت ريم الصبي الذي غادر القصر قبل شروعها وبريسيلا في الاستحمام، فتملكها القلق والذعر؛
فشولت —المجتهد لكن الأخرق— كان صبيًا لا يملك من القوة ما يفوق أولئك المحتاجين لعون ريم؛
وقد تُرِك ذلك الصغير وحيدًا في هذه المدينة الغارقة في أتون الفوضى؛
حبذا لو التقى بشخص بالغ يعتمد عليه، أما إن لم يحدث ذلك――
ريم: [بريسيلا-سان، أسرعي، أرجوكِ أسرعي!]
بريسيلا: [على أقل تقدير، من واجبكِ التضرع بصدق من أجل سلامتي أنا؛ وفي الحقيقة، لا داعي لكل هذا التسرع؛ فشولت لن يموت بتلك السهولة.]
ريم: [إيه…؟]
وبنبرة غير مكترثة، أطلقت بريسيلا شخير استنكار نحو ريم التي كانت تحثها بيديها بنفاد صبر؛
وعقدت ريم حاجبيها حيرة، عاجزة عن فهم المغزى الكامن وراء كلمات بريسيلا؛ وبطبيعة الحال، لم تفقه كونا ولا هولي شيئًا أيضًا، وارتسمت الحيرة على ملامحهما؛
فكيف لها أن تجزم بأن شولت —الذي لا يملك سوى براءته واجتهاده كسلاح— سيكون في أمان؟
وأمام نظرات الشك من ريم والأخريات، وضعت بريسيلا يدها على بوابة القصر، حامية إياهن من هجوم التنانين:
بريسيلا: [――لأنه حاز رضاي ومحبتي بفضل شجاعته وسحره الآسر، كما تعلمين.]
ومع هذا الجواب الحاسم، أُغلقت بوابة القصر.
△▼△▼△▼△
ودوى ارتطام كليل وقاسٍ، وشعر فلوب بروحه تُسحق تحت وطأة عجزه المطلق؛
فالألم الناجم عن الحصاة شل حركته في مكانه، في مأساة حرمته حتى من مد يده؛
وتمنى لو يغمض عينيه ليشيح بوجهه عن مصرعهما، لكنه أبى؛ ففعل ذلك يعني الهروب من مسؤوليته النابعة من ضعفه وقلة حيلته؛
وعلى أقل تقدير، كان لزامًا عليه أن يشهد بنفسه نتيجة ما اقترفه وما عجز عن تداركه؛
وبهذا العزم المتواضع، رفض فلوب إشاحة بصره؛
وحينها――
مادلين: [ما كنهك، ماذا بحقك؟]
وهوت مادلين بنصل الأجنحة المحلقة في قبضتها، عازمة على شطر طريدتها إلى نصفين بحافته القاطعة؛
ولا ريب أنها حاولت شطرهما معًا في ضربة واحدة: هاينكل المخزي وشولت الذي تصدى لحمايته؛ ولم تكن ضربتها لتتوقف في منتصف المسار؛
ومع ذلك――
شولت: [أُه، أُوووه…!]
وجز شولت على أسنانه بقوة مطلقًا أنة ألم وهو يغطي هاينكل الساقط؛
فلم يتمزق جسده ولم يُسحق؛ مع أن ضربة مادلين كان يُفترض أن تصيب مؤخرة رأسه مباشرة لتفتته إلى شظايا؛
وفي الواقع، عاين فلوب تلك الضربة بأم عينيه، وسمع ذلك الصوت الكليل؛
غير أن الصوت الكليل هو كل ما تردد في الأرجاء!
مادلين: [――؟]
وأمالت مادلين رأسها في حيرة، ونقلت عينيها المتسائلتين مرارًا وتكرارًا بين سلاحها ومؤخرة رأس شولت؛ وظل رأسها مائلًا وهي تهوي بنصل الأجنحة المحلقة فوق شولت من جديد؛
مرة، واثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، تباعًا ودون توقف――
شولت: [كلا، كلا، أرجوكِ توقفي! هذا مؤلم!]
مادلين: [هذا غريب؛ أنا، التنين، نويتُ القتل؛ فلماذا لا تموت؟]
فلوب: [لعل… لعل ترددكِ في قتل إنسان يجعل قبضة يدكِ تتراخى قبيل إصابة السلاح له… غواااه!]
مادلين: [إياك والسخرية من هذا التنين!]
وحانقة لعجزها عن فهم ما يجري، صبت مادلين جام غضبها على فلوب؛
فقذفت بركلة قاطعة حجرًا أكبر من ذلك الذي أوقفت به حركته سابقًا؛ وأصاب الحجر صدر فلوب مباشرة، ليطيح به أرضًا على مؤخرته؛
وصرخ عظم قصه من فرط قوة الارتطام، حارمًا فلوب من القدرة على التنفس بصورة طبيعية؛
ومع ذلك――
شولت: [آ-آخ، هذا مؤلم…]
وظلت الحقيقة قائمة: شولت —رغم تعرضه للضرب المتواصل بالنصل القاطع— تأوه من الألم، لكنه لم يمت! وأثار هذا الحدث الغريب ثورة غضب عارمة في صدر مادلين؛
وقبضت كفها على شعر شولت الوردي ورفعت جسده في الهواء، بينما جزت على أسنانها حنقًا؛
وحينها:
مادلين: [أنتَ، ما الذي تخفيه ماذا بحقك…؟]
شولت: [~~هـڪ!]
وصرخ شولت متألمًا وهو معلق في الهواء؛ غير أن ردة فعل مادلين —وهي تصوب عينيها الغاضبتين نحوه— فاقت صراخه بكثير؛
فاتسعت عينا مادلين الذهبيتان، وارتجفت شفتاها رعبًا وذهولًا؛ واستطاع فلوب —رغم دموع الألم التي ملأت عينيه— إدراك ما دفعها إلى تلك الصدمة؛
لقد طرأ تحول جذري على هيئة شولت؛
وكان ذلك التحول هو――
أوتاكاتا: [عينا شوو، تحترقان.]
ووصفته أوتاكاتا —التي عاينت المشهد ذاته— بدقة واقتضاب شديدين؛
وللوهلة الأولى، بدا كلام أوتاكاتا ضربًا من المستحيل، غير أنه لم يكن ثمة وصف أدق لما يحدث؛ فمن منظور فلوب، كان الأمر عين ما قالته تمامًا؛
لقد كان مشهدًا شاذًا للغاية: في كلتا عيني شولت الحمراوين، اتقد لهيب نار متراقصة!
شولت: [إيه، إيه، إيه…]
غير أن المعني بالأمر نفسه، شولت، كان غافلًا عن هذه الحقيقة؛ وراح يرمش بعينيه، وتجلت على ملامحه الحيرة لعجزه عن فهم ردود أفعال من حوله؛ واستقرت نظراته التائهة أخيرًا على صورة وجهه المنعكسة في نصل الأجنحة المحلقة الذي ضربه، ليدرك أخيرًا ما استقطب أنظار الجميع؛
وبدت ملامحه المنعكسة في ذلك النصل المقوس مشوهة، غير أنه رأى بوضوح تام النار المتقدة في عينيه!
شولت: [مـ-ما هذا؟ سـ-ساخن! آه! ليس ساخنًا!]
وبينما مرر كفيه في كل زوايا وجهه، صرخ شولت بتعجب لعجزه عن الإحساس بحرارة اللهب؛
وبدا أنه —رغم أن وجهه لم يشتعل ذاتيًا بالمعنى الحرفي— ظل سبب هذا اللهب لغزًا عصيًا على التفسير؛ غير أن فلوب ورفيقيه فقط هم من جهلوا مغزى تلك النيران؛
فبالنظر إلى وجه شولت، تصلبت وجنتا مادلين دهشة وذهولًا، حين ميزت ذلك السعير المستعر في عيني الصبي؛
وبناءً عليه، صرخت ملقية بشكوكها:
مادلين: [أيعقل… أن تكون لكَ علاقة ملعونة بتلك الثعلبة اللعينة!؟]
شولت: [ثعلبة…]
فلوب: [امرأة ثعلب؟]
أوتاكاتا: [――؟]
ومضطربة، رمشت مادلين بعينيها لأن هؤلاء الثلاثة لم يفقهوا شيئًا مما تتفوه به؛
ودون أن تملك رفاهية الانتباه إلى تلعثم نبرتها وانكسار وقارها، تملكها ذهول وارتباك عارمان وهي تحدق في شولت؛
وأفلتت كفها شولت، فهوى الصبي إلى الأمام صارخًا: «وااه!» ساقطًا على الأرض؛ وركلت مادلين الأرض بقوة أمام الصبي الذي عاد ليغطي هاينكل بجسده مجددًا:
مادلين: [――――]
وفي قفزة واحدة هائلة، انطلقت هيئة مادلين صاعدة نحو السماء فوق الشارع؛
وبدا لفلوب —جراء سرعتها المباغتة والخارقة— كأنها تلاشت من الوجود؛ غير أن الأرض التي وطئتها انخسفت بعنف، وتداعى المبنى الذي اتخذته موطئًا لتسريع حركتها منهارًا؛
وارتقَت مادلين عاليًا في كبد السماء على هذا النحو، ورفعت نصل الأجنحة المحلقة بكلتا يديها وبكامل قوتها:
مادلين: [أنتم تقفون في طريق هذا التنين مجددًا… فلتختفوا عن وجهي، أَيُّهَا الحُثَالَةُ اللُّعَنَاءُ――!!]
وتردد صدى ذلك الصراخ الموتور في عنان السماء، وهوى نصل الأجنحة المحلقة مقتحمًا نحو الأرض بسرعة جنونية؛
وكان المبدأ يماثل قذف التنانين للصخور، غير أن القوة الكامنة وراء هذا النصل فاقتها بمراتب لا حصر لها؛ فبخلاف الصخور التي تُقذف عشوائيًا، كان هذا النصل يستهدف شطر جسد شولت إلى نصفين؛
ولسبب غامض، كان جسد شولت قد اكتسب صلابة خارقة؛
غير أن الضربات المتتالية جعلت شولت يصرخ ألمًا؛ مما يعني أن جسده لم يصبح منيعًا تمامًا ضد صدمات لكماتها؛
وفوق ذلك، ومهما بلغت صلابة الجسد، فالطفل يظل يصرخ إن تجرع وطأة الألم――
فلوب: [إن لم أفعل شيئًا، فستغضب ميديوم مني كثيرًا.]
ومتحملًا ألم صدره المتصدع، اندفع فلوب نحو شولت؛
ولم يكن يدري حجم الحماية التي سيشكلها جسده أمام هذا الهجوم؛ غير أنه إن استطاع امتصاص جزء ولو يسير من الصدمة لإنقاذ شولت، فسيكون ذلك كافيًا؛
ومجردًا من أي وقت للتفكير، عرض فلوب جسده لخطر ذلك النصل المحلق الهابط كالقدر:
؟؟؟: [――أحسنتَ صنعًا.]
ودون أن يدري السبب، بلغه ذلك الصوت بوضوح تام رغم أنه لم يكن صوتًا صاخبًا؛ ودوى ارتطام عنيف، وولدت قوة الاصطدام المتبادل بين الضريتين نورًا لفح عيني فلوب!
فلوب: [――――]
وانبثق ذلك البريق إثر اصطدام نصل قرمزي مرصع بالجواهر بجانب نصل الأجنحة المحلقة الدوار المنقض من الأعلى مباشرة؛
وانفجر النور القرمزي في صمت، وأحس فلوب بوهم عاصفة تلف كامل جسده؛
ومع انقضاء ذلك، تردد صدى ضربات كليلة لالتحام لحم بلحم؛
فلوب: [――هـڪ!]
ورفع بصره نحو الأعلى، لتتطاير هيئة شخص عبر الهواء بزاوية مائلة مصحوبة بصرخة ألم، لترتطم بمبنى على الأرض؛ وأدرك فلوب متأخرًا أن جسد مادلين هو من أحدث ذلك الدمار في المبنى الحجري؛
وكانت صاحبة هذا الصنيع امرأة حسناء تتشح بالثوب الأحمر هبطت أمام فلوب المبهور ورفيقيه:
فلوب: [الأميرة-كون!]
شولت: [بريسيلا-ساما!]
أوتاكاتا: [بوو!]
بريسيلا: [ألم تتعلموا بعد؟ ما يجدر بكم الهتاف به في مثل هذا الموقف، هو الثناء والمديح.]
ومررت بريسيلا يدها بهدوء فوق أطراف فستانها وهي تنطق بتلك الكلمات؛
ففي وقت ترزح فيه المدينة تحت حصار التنانين وغارة جنرال سامٍ، كانت وقفتها الشامخة ونهجها الذي لا ينكسر مبعث طمأنينة لا تضاهى؛
فقد كالت لمادلين ضربة قاصمة للتو، وأنقذت فلوب والآخرين من خطر محقق.
بريسيلا: [ومع ذلك، لم أكن أظن قط أنكم ستُحاصرون في بقعة كهذه؛ وظننتُ أنكم ستتجهون تلقائيًا نحو «قاعة المدينة» دون إبطاء.]
فلوب: [أجل، كنا في حيرة من أمرنا؛ نتساءل إن كان علينا قصد القصر حيث توجد الأميرة-كون والزوجة-سان، أم قاعة المدينة حيث يقبع الرأس المستدير-كون…]
بريسيلا: [إياك وذلك؛ فتلك البقعة هي الهدف المباشر للجنرال من الدرجة الأولى التي هاجمت المدينة.]
وبإيماءة من ذقنها، قطعت بريسيلا كلام فلوب، مشيرة نحو المكان الذي ارتطمت فيه مادلين؛
وغرق عقل فلوب في التفكير للحظة، لكنه سرعان ما نحى ذلك جانبًا بوصفه أمرًا مؤجلًا، ثم نادى بريسيلا: «يا أميرة-كون…»:
فلوب: [شكرًا لإنقاذنا؛ سأبحث عن ملاذ برفقة الخادم-كون والآنسة أوتاكاتا، فدلّينا على الوجهة الآمنة؛ وعليّ اصطحاب ذي الشعر الأحمر معي أيضًا.]
بريسيلا: [هوه، إذن فبوسعك اتخاذ أحكام منطقية؟ في هذه الحالة، اقصدوا القصر؛ فهو أشد أمانًا من قاعة المدينة التي تمثل بؤرة هجومهم؛ و…]
وحولت بريسيلا بصرها ملقية نظرة خاطفة نحو هاينكل الملقى على الأرض خلفه؛ وضيقت عينيها القرمزيتين، ثم أطلقت تنهيدة خافتة:
بريسيلا: [لا تتردد في تركه خلفك؛ فإن كان عاجزًا عن تقديم أي نفع، فتلك هي نهايته.]
فلوب: [للأسف الشديد، لن أفعل ذلك؛ فذو الشعر الأحمر سيكون ورقة ثمينة متى ما استعاد وعيه، والأهم من ذلك، أن خادمكِ العزيز بذل جهدًا مضنيًا وعانى الكثير لحمايته.]
بريسيلا: [――――]
وعند سماع كلمات فلوب، استقرت نظرات بريسيلا فجأة على شولت؛
وترقرقت الدموع في عيني شولت متأثرًا بنجاته في اللحظة الأخيرة بفضل ظهور سيدته؛ وظلت عيناه تتقد بالنيران، في مشهد امتزجت فيه العبرات بوهج السعير؛
ومع ذلك، لم يعبر شولت عن جزعه حيال هذا التحول الغريب الذي أصابه، بل أطبق كفه على ساق هاينكل الساقط:
شولت: [سـ-سأحمل هاينكل-ساما بنفسي…! ولكن يا بريسيلا-ساما، ما الذي ستفعلينه…]
بريسيلا: [ثمة أمور لا تزال بحاجة إلى تسويتها؛ ولا ريب في أنك تدرك كنهها.]
شولت: [أ-أجل؛ مهمة عظيمة لا يقوى على إنجازها سوى بريسيلا-ساما وحدها…!]
وكيف أثر يقين ذلك الصبي الباسل وإيمانه المطلق في نفس بريسيلا؟
لم تتبدل قسمات وجهها، واكتفت بإيماءة صامتة متقبلة كلمات شولت؛ ودون إهدار ثانية واحدة، ألقت نظرة نحو الزقاق:
بريسيلا: [تجنبوا الشارع الرئيس، واسلكوا الأزقة المحاذية للمباني الشاهقة؛ وشولت، يفترض بكَ تذكر الطريق جيدًا.]
شولت: [أجل! لقد اعتدتُ السير في ذلك الدرب يوميًا بكل جد واجتهاد!]
بريسيلا: [أنالك ثنائي وتقديري إذن.]
وبعد تلك الإشادة المقتضبة بمساعيه، أدارت بريسيلا ظهرها لشولت؛
وكان موقفها قاطعًا: انتهى وقت الحديث؛ وأدرك حدس فلوب أيضًا أن البقاء في هذا المكان لم يعد فكرة سديدة إطلاقًا؛
فإن مكثوا بجوار بريسيلا فسيكونون بمنأى عن غارات التنانين المحلقة؛
فلوب: [أيها الخادم-كون، أرشدنا إلى الطريق؛ وسأتدبر أمر حمل ذي الشعر الأحمر؛ وأما أنتِ يا آنسة أوتاكاتا، فكوني عيننا الساهرة على الشوارع؛ وأنا واثق من خبرتكِ في الصيد، وسأعتمد عليكِ!]
شولت: [فـ-فهمتُ ذلك؛ سأبذل غاية جهدي لإرشادكم في الطريق!]
أوتاكاتا: […أوو فهمت ذلك أيضًا.]
وأومأت أوتاكاتا —التي بدت مترددة للحظة في الفرار— برأسها متقبلة دورها؛
وبهذا، اكتمل تقسيم المهام؛ وكل ما تبقى هو――
فلوب: [يا أميرة-كون! شكرًا لكِ مجددًا من صميم قلوبنا!]
بريسيلا: [لا حاجة لكلمات الامتنان؛ فما أبتغيه ليس سوى عبارات الثناء والإشادة بذاتي فحسب.]
وهي تولي ظهرها لهما، أجابت بريسيلا على شكر فلوب؛ وضحك الأخير أمام شيمتها الصريحة، وشرع في حمل جسد هاينكل الساقط؛
وكان قوام هاينكل الفارع وعضلاته المفتولة ثقيلة الوزن للغاية؛ ومن حسن طالعه أنه اعتاد حمل ميديوم والفرار في أوقات الطوارئ؛ فوضعه فوق كتفيه كحمل ثقيل، واستطاع التحرك به بطريقة ما؛
شولت: [ويحرم علينا نسيان هذا أيضًا.]
والتقط شولت سيف هاينكل الساقط، وقبض بإحكام على غمده بيده الرقيقة؛
وحينها، تبادل فلوب وشولت وأوتاكاتا النظرات وأومأوا برؤوسهم، ثم انطلقوا راكضين نحو الزقاق قاصدين القصر؛
وقبل أن يتواروا عن الأنظار تمامًا――
شولت: [بريسيلا-ساما، هذه النيران… كانت بلا شك بفضلكِ… شكرًا جزيلًا لكِ من أعماق قلبي!]
وعيناه المستعرتان بالنار متسعتان، أطلق شولت شكره الأخير نحو بريسيلا.
△▼△▼△▼△
――وهكذا، بعد أن غادر شولت والآخرون مسرعين في صخب وعجل:
بريسيلا: [شولت، وذلك الرجل الذي سمى نفسه فلوب أو ما شابه… لو وُجد ذلك الرجل الآخر في مأزق كهذا دون عونهما، لغرق في شؤم عارم.]
وفي قلب الشارع الخالي من المارة، تمتمت بريسيلا بتلك العبارات بهدوء؛
ولم تكن تلك الكلمات موجهة لشولت المتقد العينين بالنيران، ولا لفلوب الذي سد عجزه بدهائه ولَباقته، ولا لأوتاكاتا ذات الهيبة التي تفوق حجمها الصغير، بل كانت موجهة للشخص الأخير الباقي هناك؛
فقد نجا من موقف كان حتمًا سيهلك فيه؛ ولم يكن ذلك سوى حظ شيطاني غريب؛
ورغم ذلك――
بريسيلا: [من المشكوك فيه أن يُنعت من لا يهلك في أوانه بالحظ السعيد.]
ولم تكن شفقة، بل انطوت كلماتها على ما يشبه الرحمة والأسى؛
وتبددت تلك الكلمات في ريح ساحة المعركة المشبعة برائحة الدماء، وتلاشت دون أن تطرق مسامع أحد؛
وفي تلك اللحظة بالذات――
بريسيلا: [――――]
ومع صوت مسموع، تحطمت الحلية التي كانت تزين شعر بريسيلا البرتقالي؛
ولم يكن ذلك مجرد انكسار لجزء هش من حلية الشعر المرصعة بالجواهر، بل تشققت الحلية بأكملها وتفتتت إلى هباء وغبار في رمشة عين!
وفورًا، تحرر شعر بريسيلا الطويل المجموع، وانسدل متهاديًا فوق ظهرها في تموجات بديعة؛
وحينها――
مادلين: [――ألن تموتي أنتِ اللعينة أيضًا؟]
وبخطوات بطيئة، انبثق ظل في الشارع، مصحوبًا بصوت الحطام المتناثر تحت أقدامه؛
وهناك، كانت تقف كينونة تلطخ كامل جسدها بالغبار، غير أن قوامها ظل يفيض بالحيوية والنشاط―― كينونة يبرز قرنان أسودان فوق رأسها، فضاقت عينا بريسيلا عند رؤيتها:
بريسيلا: [من «سلالة التنانين» إذن؛ ومن أي مرقد عتيق نُبشت قطعة أثرية كهذه؟]
مادلين: [أتستخفين بهذا التنين أيتها اللعينة؟ ألا تظنين حقًا أنكِ ستفلتين بفعلتكِ دون عقاب؟]
وكشرت الفتاة―― مادلين، عن أنيابها أمام كلمات بريسيلا، وضيقت حدقتي عينيها الشبيهتين بأعين التنانين؛
واستشعرت بريسيلا الطاقة التنينية المنبعثة من قوامها الضئيل كأنها عاصفة ريح، ومسحت برفق على خصلات شعرها المنسدل:
بريسيلا: [يبدو أن بقائي على قيد الحياة يثير غيظكِ وحنقكِ، أليس كذلك؟]
مادلين: [كان يجدر بي تسطيح هذين النهدين المنتفخين؛ فالأوغاد الذين لا يموتون حتى لو سُحقت قلوبهم هم أشد ما يثير اشمئزازي، أيًا كانوا.]
بريسيلا: [――حتى لو سُحقت قلوبهم، هكذا إذن؟]
وتنهدت بريسيلا أمام أسلوب مادلين في التعبير، ونكست بصرها نحو الصدر الذي أشارت إليه الفتاة؛ نحو صدرها هي؛
فنهدا بريسيلا العامران برزا بصورة أوضح من المعتاد بفعل تصميم فستانها الضيق، غير أن ضربة مادلين كانت قد بلغت ذلك الصدر بالفعل؛
ولم يكن ذلك مرئيًا لشولت أو سائر الرفاق، لكن الاشتباك في كبد الهواء كان نزالًا أليمًا؛
فمثلما أطاحت ضربة بريسيلا بمادلين، سدد هجوم مادلين المضاد لكمة ساحقة إلى صدر بريسيلا؛
وإن بدت بريسيلا تنظر إلى الأمور وكأنها لا تكترث بما حدث، فذلك لأن――
بريسيلا: [يبدو أن ممتلكاتي ونفائسي تأبى أن تراني أفارق هذا العالم.]
مادلين: [――«تقنية زواج الأرواح».]
وحين انطلقت تلك الكلمات غير المتوقعة من فم مادلين، رفعت بريسيلا حاجبيها دهشة؛
وظلت مادلين تسدد نظراتها الحارقة نحو بريسيلا، مشيرة بسبابتها نحو أحد المباني في الشارع―― كلا، بل نحو ما هو أبعد من ذلك بكثير، نحو أقصى الجنوب الشرقي؛
مادلين: [أنتِ واللعينة تلك الثعلبة من الطينة ذاتها؛ فهل تعرفينها؟]
بريسيلا: [لا أعرفها؛ وإن كنتِ تملكين أي تصور عن وجود شيء يضاهي ما أملكه، فما هي إلا نسخة مقلدة رديئة مني؛ فأنا الأصل دومًا.] [1]
مادلين: [――؟]
بريسيلا: [ألم تستوعبي كلامي بعد؟]
وأُلقيت في وجه مادلين كلمات لم تطرق مسامعها من قبل، فخيمت الحيرة على ملامح وجهها؛ ولذا، قررت بريسيلا تبسيط الأمر لتبديد ذلك الالتباس؛
وبعبارة أخرى――
بريسيلا: [تمامًا كمن يدرك أن هذا الأمر يفوق طاقته، أنتِ تعلمين في قرارة نفسكِ أنكِ لستِ ندًا لي إطلاقًا.]
مادلين: [――هـڪ، أتستخفين بهذا التنين أيتها اللعينة!؟]
بريسيلا: [ترهات؛ وكأن لكِ الخيار في تحديد هويتكِ؛ ――فذاتي تتربع في القمة دومًا، وسائر الخلائق في الحضيض.]
وفي اللحظة التي أجابت فيها بريسيلا بتلك الابتسامة، بلغ غضب مادلين نقطة الغليان؛
واحتقن وجه سليلة التنانين حنقًا وعيناها الذهبيتان تلتمعان بالشرر، بينما أطلقت زئيرًا يهدد بالهلاك الماثل أمام ناظريها؛
وأمام مادلين الواقفة في مواجهتها، ألقت بريسيلا بنظرة خاطفة نحو السماء؛
وكأنها تتلمس سماء الأفق―― كلا، بل تتلمس مقبض ذلك السيف القرمزي النفيس، الذي يتخذ من عنان الهواء غمدًا له:
بريسيلا: [أانحجب ضوء الشمس؟ سيبدو الأمر أكثر تعقيدًا إذن.]
△▼△▼△▼△
――وانطلقت الصدمة وأعمال التدمير في زاوية من زوايا مدينة الحصن، لكنها لم تتوقف عند ذلك الحد قط.
؟؟؟: [――――]
فالمعركة الضارية التي اندلعت في الشطر الجنوبي من المدينة أطلقت سلسلة من الدمار طالت كتل المباني المتراصة؛ في مشهد عاين فداحة النكبة التي أحدثتها التنانين المحلقة مصحوبة بسحب الدخان الكثيفة؛
غير أن ما أهوى بالشطر الجنوبي لمدينة الحصن في قاع الخراب لم يكن الغارة التي شنتها التنانين المحلقة؛
وبالطبع، كان صيد التنانين المحلقة —وهي تلقي الصخور الهائلة من علياء السماء مدمرة الأرض في الأسفل— بمثابة كارثة بحد ذاتها؛
وحين يخرج الأهالي الباحثون عن مأوى ذعرًا من انهمار الصخور، كانت مخالب التنانين المحلقة وأنيابها تمزقهم وتلتهمهم إربًا، مما أدى إلى تراكم جثث الموتى في الشوارع؛
وقاوم البعض؛ وسدد البعض رميات سهامهم نحو التنانين، مجبرين إياها على الهبوط؛
غير أن السواد الأعظم من الناس —تحت وطأة الهجوم الجائر للتنانين— لم يملكوا سوى التماس النجاة والخلاص؛
وهكذا كان حجم الفداحة والدمار الذي أحدثته التنانين المحلقة؛
إلا أن تلك المعركة الضارية كانت من الشراسة بحيث تحاشت حتى تلك التنانين الاقتراب من ساحتها!
مادلين: [غاااااااااااااااهههههههههههههه――!!]
وهوت تلك الهيئة الصغيرة التي تزأر وتثب في الهواء ممسكة بنصل الأجنحة المحلقة بكلتا يديها؛
وشق ذلك النصل المقوس مقاومة الرياح والهواء ببراعة فائقة، وما إن يُقذف، حتى يدور حول نفسه ليعود مجددًا إلى موضعه الأصلي؛ وبالنسبة للمحترفين، فهو أداة قذف تحصد رؤوس الطرائد البعيدة؛ غير أنه قُذف هنا بطاقة جبارة جعلته يدور طائفًا ليحصد كل ما يعترض طريقه كمنجل الموت!
فوزنه، وحدته، وقوته التدميرية فاقت كل مقارنة بنصل الأجنحة المحلقة المعتاد؛
فإن كان السلاح التقليدي في حجم سيف يُحمل بيد واحدة، فهذا النصل كان في ضخامة سيفين عملاقين دُمجا معًا، وأثقل من عشرة سيوف صُهرت وصيغت في قالب واحد؛
وفي غابر الأزمان، وُجدت في هذا العالم عشرة سيوف —من الطراز المسحور والمقدس— تملك قوى استثنائية؛
وهذا السلاح المصنوع من معدن قيل إنه يضاهي تلك السيوف، أطلق كامل طاقته الشيطانية الفتاكة التي تفوق مظهره بأشواط؛
ومع كل قذفة، كانت رقعة تمتد لعشرات الأمتار تُجرف بالكامل؛ وكل ما في مسارها —سواء كان بنيانًا أم كائنًا حيًا— كان يُسحق بلا تمييز؛
وكانت القوة الجسدية الخارقة لسليلة التنانين وذهنيتها التي لا تبالي بما يلحق بالمحيط من دمار هما السر وراء هذه التكتيكات الساحقة؛ تكتيكات لم تكن لتتحقق لولا قدرتها على تدمير الشطر الجنوبي لمدينة الحصن بالكامل.
ولم يجد المقاومون في سائر أرجاء المدينة متسعًا للنظر نحو الأرض؛ ومن ثم، لم يفطنوا لما يجري هناك؛
وبالطبع، بلغ مسامعهم دوي الانهيارات والزلزال، غير أنهم كانوا غارقين في التحديق نحو السماء والتنسيق مع رفاقهم، لدرجة حرمتهم من الالتفات إلى حجم الخراب في الأسفل؛
وكان ذلك من حسن الطالع وسط البلاء؛
فلو عاينوا ذلك الدمار الكاسح، لنسوا التشبث بخيوط النجاة الواهية، ولخروا على ركبهم مستسلمين؛
وإلى حد بعيد، كان هياج سليلة التنانين كارثة منفصلة تمامًا عن تلك التي جلبتها أسراب التنانين؛
وأن تُضرب مدينة واحدة بكارثتين طبيعيتين في آن واحد لم يكن سوى كابوس مطبق؛
وفوق ذلك، كانت إحدى هاتين الكارثتين مسخرة بالكامل لإبادة شخص واحد لا غير!
بريسيلا: [――――]
وركلت بريسيلا الأرض كأنما ترقص، متفادية هجمات مادلين الهائجة دون انقطاع؛
ورغم أن البأس الجسدي لسليلة التنانين لم يكن بالأمر الذي يُستهان به، إلا أن أسلوب مادلين في القتال كان يفتقر إلى الصقل والبراعة؛ فلم تتعلم أيًا من الفنون القتالية؛ ولعل ذلك نابع من استعلائها على البشر وازدرائهم ككائنات أدنى؛
بريسيلا: [مع أنني لم أتعلم الفنون القتالية بنفسي قط.]
وإن كان ثمة ما تذكره بريسيلا جيدًا، فهو حركات أولئك الذين يحملون السيوف؛ وبخلاف ذلك، كانت تملك فهمًا مطلقًا لجسدها وكيفية تحريكه؛
وإن كان ثمة سر وراء براعتها في استخدام «سيف يانغ» كأعتى المبارزين، فهو ذلك الفهم بالذات؛
غير أنه في الوقت الذي تعجز فيه عن استلال «سيف يانغ»، كانت كل ضربة تسددها مادلين تشكل خطرًا حقيقيًا.
بريسيلا: [――――]
لقد انحجب ضوء الشمس، وتلبدت السماء بالغيوم؛
وهناك قواعد صارمة لاستخدام سيف يانغ؛ فالشمس لا تسطع دومًا؛ ولنصف يوم تتقاسم مهامها مع القمر، مستغلة ذلك الوقت لحشد قوتها؛
وإن كانت هناك شمس تشرق على الدوام، فلن تكون سوى بريسيلا نفسها؛
ومع ذلك――
بريسيلا: [كلما طال أمد هذا النزال، غار الجرح واتسع، أليس كذلك؟]
وكانت بريسيلا تتعامل بحذر مع هجمات مادلين؛ ولا ريب أن غياب الحسم المتمثل في سيف يانغ كان سببًا لعدم قدرتها على الحسم، غير أن حيوية سليلة التنانين الهائلة كانت مبعث قلق حقيقي أيضًا؛
فإن لم تُصرع بضربة قاصمة واحدة، فإن هجومها المضاد سيبلغ بريسيلا حتمًا؛
وبلوغ مأزق عبر تبادل الإصابات —كما حدث في أول التحام بينهما— لم يكن أمرًا يمكن تكراره مرارًا وتكرارًا؛
وإن استمر تأجيل حسم هذه المعركة، فلن يتوقف اتساع رقعة الدمار في مدينة الحصن؛
فمثلما سُحق الشطر الجنوبي بفعل مادلين، ستتراكم الخسائر في كل زاوية مع استمرار هجمات التنانين المحلقة؛
علاوة على ذلك――
؟؟؟: [――كيرياااارااااه!!!!]
وتلقفت مادلين نصل الأجنحة المحلقة العائد إليها، وثبتت قدميها فوق الأرض كبرهان على استعار روحها القتالية؛ وتلك الروح المتصاعدة التي تسري في عنان الجو ألهمت التنانين في سماء المدينة؛
وبالنسبة للبشر، كان ذلك تعزيزًا للروح المعنوية؛ غير أنه أثار الغرائز الوحشية لدى أشرس مخلوقات البرية، في تأثير لا يستحق سوى وصف «الجنون المطبق»؛
فإن ازدادت التنانين شراسة وضراوة، فسيستحيل كبح جماحها تمامًا؛
وأرادت بريسيلا حسم الأمر قبل بلوغ تلك النقطة؛ ولأجل تلك الغاية――
بريسيلا: [أحتاج إلى نقلة أخرى.]
فلدفع الموقف للأمام، تطلب الأمر نقلة استراتيجية كبرى.
بريسيلا: [――――]
وانحنت بريسيلا متفادية هجوم مادلين، وقفزت قفزة واسعة للأمام لتستقر وسط أطلال المدينة المنهارة؛
تلك المدينة التي تفاخر أهلها بمناعة حصونها، وكانت ملاذًا للسكينة والاطمئنان، باتت الآن مجرد أطلال باهتة؛ وحتى بعد دحر هذه الكارثة، فلن تكون إعادة إعمارها بالمهمة اليسيرة؛
غير أن تلك الشؤون كلها لن تطرح إلا بعد إبادة هذه الكارثة العظمى الماثلة أمامها.
مادلين: [الضربة التالية… ستصيبكِ حتمًا…!]
وبينما واصلت تسديد تلك الهجمات الرعناء —التي راوغتها بريسيلا ببراعة— أطلقت مادلين زئيرًا كالحيوان المفترس؛
غير أنها كانت تصحح تكتيكاتها تدريجيًا مع كل هجوم يخفق؛ وحبذا لو كانت عدوًا يفتقر إلى الرغبة في التعلم؛ لكن الأمر لم يكن كذلك، إذ كانت تنضج وتتطور في خضم القتال؛
وأطلقت مادلين زفيرًا أبيض كثيفًا أمام بريسيلا، ساعية لقطع الطريق أمام أي تطور قادم؛
فدماء التنين كانت تتدفق في جسدها، وأدى ارتفاع حرارة جسدها إلى تصاعد البخار من قوام الفتاة الضئيل؛
ومع ذلك الزفير الأبيض، بدا قوامها وكأنه يلتف بسحابة من الدخان الأبيض――
بريسيلا: [――كلا.]
«كم هذا غريب»، هكذا فكرت بريسيلا وهي تغمض إحدى عينيها متفرسة في مادلين؛
فمع استطالة أمد المعركة، لم يكن مستغربًا استيقاظ دماء التنين في عروقها؛ وكان جليًا أن مشاعر مادلين المتأججة هي ما يجعل التنانين تهيج بهذا الشكل؛
غير أنه وسط المناخ الدافئ لإمبراطورية فولاكيا، كان زفيرها الأبيض يبدو متجمدًا بصورة غير مألوفة؛
وفوق ذلك كله――
بريسيلا: [يستحيل أن يتساقط الثلج هنا.]
وألقت بريسيلا بنظرة خاطفة نحو ما حولها، لتلمح رقائق بيضاء تتهادى ببطء عند حافة بصرها؛
وتزايدت تلك الرقائق البيضاء شيئًا فشيئًا؛ تساقطت الثلوج فوق «مدينة الحصن»، بينما كانت معظم الملاجئ التي تحمي أهلها تتداعى؛
ولم تكن كلمة «نادر» لتكفي لوصف هذا الحدث؛ بل كان أشبه بنوع من الكوارث الطبيعية الخارقة؛
ففي فولاكيا، ثمة جموع غفيرة من البشر لم يعاينوا تساقط الثلج طوال حياتهم قط!
وأن تُضرب مدينة واحدة بكارثتين طبيعيتين كان كابوسًا مطبقًا كما سلف الذكر؛
فماذا لو تزامنت معهما كارثة طبيعية ثالثة وجديدة كليًا؟
أيكون ذلك كابوسًا أم――
؟؟؟: [――هذا يكفي.]
وتردد صدى صوت من الأرض، وسط قطرات الصقيع الباردة التي تهوي رويدًا رويدًا من السماء؛
صوت عذب ورنان، يضاهي رنين جرس فضي وضاء؛
――تلك الكارثة الطبيعية الثالثة، إن تزامنت مع ما سبقها، فهل ستكون كابوسًا محققًا؟
――أم لعلها تكون تلك النقلة الاستراتيجية الكبرى؟
؟؟؟: [أنا على عجل من أمري قليلًا، لكن لا يمكنني غض الطرف عما يحدث هنا. ――فأنا غاااضبة بحق.]
وفي تلك البقعة التي تجرعت ويلات كارثة عظمى، تردد صدى خطوات فتاة ذات شعر فضي بديع؛
بحثًا عن فارسها المفقود، حلت «ساحرة» متوشحة بالثلوج فوق «مدينة الحصن»!

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
* [1] تعبير “النسخة المقلدة”: استخدمت بريسيلا لفظة عامية حداثية مقتبسة من عالمنا الواقعي تدل على الاقتباس والتقليد الرديء، وهي ألفاظ استقتها بريسيلا من أحاديث خادمها «آل» واعتادت توظيفها استعلاءً، والمقصود أن تقنية زواج الأرواح لدى يورنا في نظر بريسيلا ليست سوى تقليد لبركتها الخاصة.