الفصل 420 - تاريتا شودراك
الفصل التاسع والخمسون
«تاريتا شودراك»
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
???: [مهلًا يا تاريتا. لقد اختِرتُ لأكون «متأملة نجوم»، ولديّ وصية يتحتم عليّ إنجازها.]
كانت من باحت بهذا السر لتاريتا واحدة أخرى من نساء «شعب الشودراك»؛ ماريولي.
فكل أبناء الشودراك يولدون ويترعرعون في «أدغال بودلهايم»، وهناك تحديدًا تبلغ حيواتهم نهايتها.
ومن ثم، كان جميع رفاق القرية بمثابة عائلة واحدة، ولم تكن ماريولي استثناءً من ذلك.
غير أن ماريولي كانت بالنسبة لتاريتا رفيقة مميزة ومقربة للغاية؛ والسبب يعود إلى أنهما وُلدتا في اليوم ذاته؛ أختين روحيتين أطلقتا صرخة الميلاد في المكان نفسه.
――فمن معتقدات الشودراك الراسخة، أن أرواح الأطفال المولودين في اليوم عينه مترابطة معًا.
وكان هذا الرابط يُعد أشد وثوقًا من رابطة المرء بأمه وأخواته؛ إذ كان يُنظر إلى كل منهما على أنها النصف المكمل للأخرى.
كان تقليدًا قديمًا لدى الشودراك بأن الأخوات الروحيات يجتمعن برباط وثيق وعميق؛ ومثلهما كانت كونا وهولي أختين روحيتين وُلدتا في اليوم عينه.
وحين يتأمل المرء الصداقة الوطيدة بين هاتين الاثنتين، يمكنه أن يدرك بوضوح وجود رابطة تتجاوز حدود قرابة الدم.
كانت تلك الفتاة الحسناء من الشودراك، المسماة ماريولي، ذات الشعر الأسود المصبوغة أطرافه بلون وردي، هي أخت تاريتا الروحية.
كانت رقيقة وهادئة، وتنسجم طباعها تمامًا مع تاريتا القلقة والخجولة.
وكثيرًا ما كانت تاريتا تستشير أختها الروحية بشأن شقيقتها الكبرى الحقيقية؛ فتطلب منها الإصغاء إلى مخاوفها وافتقارها إلى الثقة في قدرتها على مساندة أختها التي ستتولى زعامة القبيلة في نهاية المطاف.
وأي صراعات داخلية أو مشاعر قلق محرجة كانت تنتابها، كانت تبوح بها لماريولي بعفوية تامة.
ولذا، حين أخبرتها ماريولي بأن لديها سرًا تريد كشفه، غمرت السعادة تاريتا لأنها طُلبت للمشورة، وشعرت بضرورة رد هذا الجميل وتلك الثقة.
وهكذا، تحدثت ماريولي.
――لقد اختِرت لتكون متأملة نجوم، وكُلفت بوصية يتوجب عليها تنفيذها.
ماريولي: [إن تنفيذ الوصية هو الدور الأهم لمتأمل النجوم. إنه شرف عظيم يا تاريتا.]
تاريتا: [لكنني لا أفهم… ما الذي تخبركِ به السماء يا ماريولي؟]
ماريولي: [ليست السماء يا تاريتا، بل النجوم هي من تخبرنا. النجوم تعهد إلينا بدور لنؤديه. دور بالغ، بالغ الأهمية… في الواقع، لم أكن أنوي إخبار أحد، ولكن…]
تاريتا: [――――]
ماريولي: [أنتِ… أختي الروحية.]
وبالنظر إلى ابتسامة ماريولي وثقتها المطلقة، عجزت تاريتا عن النطق بأي كلمة.
لقد كان مجرد سر ائتمنت ماريولي أختها الروحية تاريتا عليه بدافع الثقة؛ ولم يخطر ببال تاريتا قط أن تبوح به لأي شخص سواها.
فضلاً عن ذلك، فإن أمرًا كهذا، بدا وكأنه استحواذ أو هاجس، سرعان ما سيُنسى كأنه مجرد أوهام عابرة.
لقد آمنت حقًا بأنه مجرد وهم عابر لا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد؛ وبهذا الاعتقاد، أشاحت تاريتا بنظرها عما أصاب ماريولي.
لكن التغيرات أخذت تتجلى ببطء، لتتحول بثبات إلى شذوذ واضطراب لا يمكن تجاهله.
ثم جاء ذلك اليوم.
حين عادت تاريتا وميزيلدا من رحلة الصيد، كانت ماريولي —التي كانت ترعى أطفال القرية— تشدو بأغنية غريبة لم تألفها الآذان. ――وكان ذلك أمرًا مريبًا للغاية.
ففي قرية شعب الشودراك، ينقسم الأفراد إلى دورين رئيسيين:
أحدهما دور الصيادين؛ أولئك الذين يغادرون القرية ويمتهنون قنص الطرائد؛ وكانت ميزيلدا وتاريتا والعديد من نساء الشودراك ينتمين إلى هذا الفريق.
أما الدور الآخر، فكان دور الحاميات اللاتي يبقين داخل القرية لتربية الأطفال وحراسة المستوطنة.
وكانت ماريولي تنتمي إلى فئة الحاميات.
فمهاراتها في القنص لم تتطور أبدًا؛ بل كانت رمايتها شديدة السوء لدرجة أنها إن سحبت وتر القوس لأخطأت الهدف في مئة رمية من أصل مئة. غير أنها كانت طاهية ممتازة وخياطة بارعة، وتجلت أبرز مواهبها في شدو الأغاني وسرد حكايات الماضي للأطفال الصغار.
ومن ثم، لم يكن غريبًا أن تغني ماريولي؛
فقد كانت ذات صوت عذب استثنائي، وفي الولائم والاحتفالات، كان الجميع يرجونها لتشدو لهم.
وعلى النقيض تمامًا، كانت تاريتا عديمة النفع في معظم واجبات الحاميات، ولم تكن تجيد الغناء مطلقًا. وبالفعل، كانت الاثنتان نصفين لشخص واحد، ولولا ذلك لما استطاعتا إنجاز ما يوازي عمل فرد كامل.
ومع ذلك――
ميزيلدا: [――لا أتذكر أنني سمعتُ أغنية ماريولي هذه من قبل.]
تاريتا: [أ-أختي…]
ميزيلدا: [لكنها أغنية جميلة، وتبعث على السكينة.]
وتوقفت ميزيلدا للإصغاء إلى الأغنية، دون أن تعير ذلك التنافر بالًا.
وكذلك فعلت البقية، كونا وهولي؛ فجميعهن لاحظن أن ماريولي تشدو بأغنية لا يعرفنها، لكنهن لم يفكرن مرتين في مغزاها.
وحدها تاريتا تملكها الخوف والقلق حيال مصدر تلك الأغنية.
فماريولي هي من حدثتها عن النجوم التي أبلغتها بالدور الموكل إليها، كأمر تلك الوصية.
وبالتأكيد، لن تدعي أن حتى تلك الأغنية قد علمتها إياها النجوم――
ماريولي: [كلا يا تاريتا، هذا سوء فهم. لم أتعلمها من النجوم، بل غنيتُ أغنية كنتُ أعرفها بالفعل.]
تاريتا: [أنتِ… تعرفين الأغنية؟]
ماريولي: [أجل، أعرف الأغنية… ليس شخصيًا بالطبع، بل يعرفها متأمل نجوم آخر…]
تاريتا: [――هـڪ، لستُ أفهم ما يعنيه هذا إطلاقًا!]
لم تكن تلك هي الإجابة التي خشيتها تاريتا فحسب؛
بل تجاوزت كلمات ماريولي حدود أسوأ مخاوفها.
فذكرها لـ«متأمل النجوم» كان دليلًا قاطعًا على أنها لم تنسَ تلك الرواية العجيبة التي نطقت بها سابقًا؛ كان برهانًا على أن ذلك الوهم لا يزال باقيًا في رأسها. ――كلا، بل كان دليلًا على أن حالتها تزداد سوءًا.
غير أنه، ولعجز تاريتا عن استيعاب أي شيء مما تقوله ماريولي عن متأملي النجوم، ارتسمت على وجه ماريولي ملامح حزن ووحدة.
ولأن تاريتا بدت وكأنها خذلت ثقتها، تعذبت لعجزها عن فهم أمر يستحيل عليها إدراكه.
――وبعد ذلك، تواصلت تلك الألفة الغريبة بين ماريولي وعالم متأملي النجوم.
وباتت تقضي أيامها في إظهار معارف مجهولة، وشدو أغانٍ غريبة، وسرد حكايات لم يسمع بها أحد، والسعي لإنجاز وصية غامضة.
أصبحت ماريولي شخصًا آخر لا تعرفه تاريتا.
لطالما اعتادت تاريتا أن تناقش كل صغيرة وكبيرة مع ماريولي؛
فلم يمر وقت في حياتها إلا وطلبت فيه مشورة ماريولي قبل اتخاذ أي قرار. وكان الأمر عينه ينطبق على ماريولي، حتى عند اختيار اسم ابنتها.
ومع ذلك، باتت أنظار ماريولي معلقة دومًا بالسماء.
وكأنها تؤثر شيئًا آخر على حساب شعب الشودراك، شيئًا يعلو على تاريتا وعلى ابنتها؛ فرويدًا رويدًا، غدت حياتها أسيرة للنجوم، ومقيدة بتلك الوصية.
شخص ما، شخص ليس نجمًا، يلقي بتلك المعارف في روعها.
وتشككت تاريتا في الأمر، وحاولت استطلاع ما يدور حول رفيقتها بطرق غير مباشرة؛ غير أن ماريولي، بحكم دورها كحامية، لم تكن تغادر حدود القرية أبدًا. ولم تكن هناك أي فرصة لتتلقى معارف من العالم الخارجي.
بدا الأمر حقًا وكأن النجوم تهمس في أذنيها مباشرة.
تاريتا: [أأنتِ من يضلل ماريولي؟]
ورفعت بصرها نحو سماء الليل، موجهة سؤالها نحو النجوم التي تراءت من خلال فجوات قمم الأشجار.
لكن تلك النجوم التي تحدثت إلى ماريولي، لم تخاطب تاريتا التي ارتبطت بها برباط الروح.
معارف مجهولة، وأغانٍ لم يسمع بها بشر، ووصية لا بد من إنجازها――
تاريتا: [――أعيدي إليّ أختي الروحية.]
وجذبت وتر قوسها بكل قوتها، وسددت نحو ألمع نجم في سماء الليل.
وما إن أطلقت الوتر، حتى انطلق سهم حاد يشق عنان السماء بهدير مسموع―― وبطبيعة الحال، هوى السهم ساقطًا في الفراغ دون أن يصيب شيئًا.
فالنجوم رفضت حتى الاعتراف بعزيمة تاريتا المتمردة.
فالنجوم لا تنطق؛ ولا تصدر وصايا.
إذن، ما الذي بدل حال ماريولي بالضبط؟ عجز عقلها عن الفهم.
ولم تكن تدري حتى لمن تشكو هذا الألم العاصف في صدرها.
فكل الهموم والآلام التي عجزت عن البوح بها كانت ماريولي هي ملاذها الوحيد للإصغاء إليها؛ فإلى من تلجأ الآن لتشكو معاناتها وهمومها التي تسببت فيها ماريولي نفسها؟
كانت موقنة بأن شقيقتها الكبرى لن تستوعب الأمر؛ فشقيقتها قوية ورصينة،
ومن غير المعقول أن تتوقف طويلًا عند أمر كهذا أو ترتبك أمامه. وفوق ذلك، كان الرعب من مصارحة شقيقتها الكبرى أعظم بكثير من مجرد خوفها من عدم الفهم؛
فحال ماريولي الراهن يناقض تعاليم شعب الشودراك ونهج حياتهم تمامًا.
فهل سترضى ميزيلدا، التي أصبحت زعيمة القبيلة الآن، بهذا الأمر؟ أم يُحتمل أن تنفي ماريولي خارج القرية بسبب أفكارها الخطيرة؟
فقد طُرد البعض من القبيلة في الماضي، وعجزوا عن العودة إلى الأدغال إلى الأبد.
ولم تكن تاريتا تريد أن تفقد ماريولي؛
حتى وإن كانت ماريولي قد تبدلت الآن عن تلك الفتاة التي ارتبطت بها روح تاريتا.
ولذلك، كتمت تاريتا لوعتها في أعماق صدرها لوقت طويل.
وحينها――
ماريولي: [――ماذا عليّ أن أفعل يا تاريتا؟ أنا متأملة نجوم، ومع ذلك…]
――وحينها بدأ ذلك الحادث المشؤوم، عين الكوابيس التي تراها تاريتا في كل ليلة، يطل برأسه على أرض الواقع.
△▼△▼△▼△
واستشعارًا للتحول في مجريات القتال، شرع كل من في ساحة المعركة في التحرك وفق طريقته الخاصة.
ولما كان الموقف قد بلغ نقطة اللاعودة، لم يتخلف أحد عن الركب، وبدت ملامحهم متيقظة بفعل توتر أعصابهم المشدودة إلى أقصى حد.
واصلت «الكارثة العظمى» هيجانها العنيف، وراحت الظلال الهائجة تلتهم وتبتلع كل ما حولها، مقطعة أوصال المكان ومضاعفة رقعة الهلاك.
ومع ذلك، لم يتراجع أي من أولئك الذين وطنوا قلوبهم على مقاومة الكارثة؛ وكان ذلك هو المكسب الشاق الذي حصده من تجاوزوا العقبة الأولى.
فخوض التحدي ضد الكارثة العظمى كان مشروطًا بأمر أساسي:
يجب أن يكونوا محاربين. ――وهذا يعني امتلاك القوة الكافية للقتال، وفي الوقت ذاته، امتلاك قلب قادر على مجابهة هذا الرعب.
وإن نقصت القوة أو تخاذل القلب، فلن يستطيع المرء الصمود في ساحة المعركة كمحارب.
وعلى العكس، ما دام المرء قد أثبت امتلاكه لهذين الأمرين معًا، فلن تقف أمامه أي عقبة تحول دون تحدي الكارثة العظمى.
لويس: [أوا!]
وأطلقت لويس صرخة خافتة، وواصلت تفادي سيل هجمات الظلال وهي تجز على أسنانها.
لم يكن لديها أي تعلق بـ«كايوسفليم»، ولا صلة تربطها بها، ولا شأن لها بما إن كانت المدينة ستُدمر أم لا؛ فلو تلاشت المدينة من الوجود لما أكترثت بذلك قيد أنملة.
ورغم أنها بدت صغيرة وضئيلة البنية، إلا أنها بذلت أقصى طاقتها للنجاة من الكارثة العظمى، لدوافع أخرى تمامًا.
وإن كان ذلك يمنح لويس القوة ورباطة الجأش، فلم يكن لأحد الحق في كبح جماحها.
ولم يكن هذا مقتصرًا على لويس وحدها؛
فميديوم، التي تلوح بساطور البرابرة الضخم بجسدها الصغير، وآل، الذي يثبت سيف الداو ملاصقًا لعنقه، وكافما، الذي يستنفر قوى الحشرات الكامنة في جسده، وسكان مدينة الشياطين، الذين تتقد النيران في إحدى أعينهم؛ جميع هؤلاء حملوا عزيمة صلبة على عدم التراجع في وجه الكارثة تضاهي عزيمة لويس تمامًا.
ولكل منهم أسبابه ودوافعه الخاصة لمقارعة الكارثة العظمى التي تمزق مدينة الشياطين.
وبالنسبة لمن اجتازوا هذا الحاجز الأول، كان سلوك الكارثة العظمى يتسم بالبساطة، ورغم خطورته البالغة، لم يكن التعامل معه معقدًا للغاية.
――فالكارثة العظمى لم تكن كائنًا حيًا؛ وكان ذلك هو العامل الأهم على الإطلاق.
فلم تعد الكارثة مجرد بلاء بالمعنى المألوف، بل أصبحت بمثابة تجسيد مطلق لظاهرة الدمار بحد ذاتها.
ظلال تبتلع كل ما تلامسه؛ وهيئة هلامية عديمة الملامح، تغلي وتتلوى، تحرم المرء من التيقن مما إذا كانت هجماته قد أصابتها بنجاح. ――ومع ذلك، كان هذا هو كل ما في الأمر.
آل: [إنه يفتقر حتى إلى العقل ليرد على هجماتنا أو يغير طريقة تصرفه!]
وركض آل فوق الركام متخذًا من الحطام موطئًا لقدميه، محملقًا بحدة في الكارثة العظمى وهو يطلق توجيهاته لمن حوله.
ورغم استحالة محو الرعب المتسلل من أعماق جسده، إلا أن تظاهره بالشجاعة واستيعابه الدقيق للموقف منحا عقله فسحة للتنفس؛ فسحة تتيح لآل فرصة التفكير والتخطيط.
فسلوك الكارثة العظمى، ببساطة، كان قابلًا للتوقع:
فهي تنفض أو تبتلع أي شيء يقترب منها، وتتلوى وتبتلع محيطها لتحدث مزيدًا من الدمار إن تُرِكت دون إعاقة.
غير أن قوى الدفاع، وآل بينهم، لم يكونوا ليسمحوا للكارثة العظمى بمزيد من التوسع.
فمن خلال تسديد الضربات المباشرة، أو تشتيت انتباه سيل الظلال المتدفقة عبر تحويل أنفسهم إلى طعوم حية، كانوا يجبرونها على التوقف المؤقت عن التوسع، مهدرين وقتها مرارًا وتكرارًا.
ولو كانت الكارثة العظمى كائنًا حيًا، لتعلمت كيف تتفاعل وتغير مجرى المعركة لصالحها؛
أو ربما أدى الغضب والانفعال إلى تغيير نمط حركتها، وهو ما كان سيحدث انقلابًا في مسار القتال بكل تأكيد. لكن لأن ذلك لم يحدث، تمكنت هذه القوة القتالية من كبح جماحها، وإن كان ذلك بالكاد.
ومع ذلك――
يورنا: [――استعدوا جميعًا للتراجع!]
وبضربة واحدة من قدمها تحطمت الأرض، وشقت موجة الصدمة الهادرة جسد الكارثة العظمى العملاق إلى نصفين.
وبالطبع، سرعان ما تلوت الكارثة العظمى مستعيدة هيئتها الأصلية في ثوانٍ معدودة؛ غير أن قدرة الكبح المطلقة التي تمتعت بها سيدة مدينة الشياطين هي ما مكنها من إلحاق ضرر واضح وملموس بها.
وكانت صاحبة ذلك الصنيع، يورنا ميشيغوري —وقبقابها الخشبي السميك يُحدث وقعًا مدويًا— قد اعترضت الظلال التي اندفعت كأمواج بحر هائج، كأنما لتجرف الأرض وكل ما عليها.
ميديوم: [يورنا-تشان!]
يورنا: [تراجعوا! ورغم أن الأمر يثير غيظي، إلا أننا سنفعل ما قاله ذلك الرجل.]
ميديوم: [تقصدين آبل-تشين؟]
وفي خضم تلك العاصفة الهوجاء، أومأ ذقن يورنا الرشيق بالموافقة ردًا على سؤال ميديوم. وتطلعت عيناها اللوزيتان نحو الرجل ذي قناع الأوني الواقف فوق تلة مرتفعة تشرف على ساحة المعركة.
وحتى إن كان يفتقر إلى القدرة على خوض القتال بنفسه، إلا أنه لم يفر هاربًا، بل ظل واقفًا هناك بدافع من كبريائه الإمبراطوري.
وعلى أي حال، فقد نُقلت الخطة التي صاغها عقله التكتيكي بدقة إلى يورنا، واعتمدتها كخطة تحركها القادمة.
وحينها――
يورنا: [――سأدع هذه المدينة تُبتلع بالكامل، ثم سأفجرها من الداخل. وبخلاف هذا، لا سبيل آخر لاجتثاث هذه الكارثة التي تعيث في الأرض فسادًا.]
كافما: [أتقدرين على فعل ذلك؟]
يورنا: [إن لم تكن قلعة واحدة كافية، فالأمر يقتصر على التضحية بمدينة كاملة. وإن لم تكفِ، فليُنصبني إمبراطورة قرينة لاستخدام البلاد بأسرها.]
كافما: [بصفتي أحد أتباعه، يتحتم عليّ نهيكِ بحزم عن مثل هذا الكلام الطائش!]
وبعد سماعه لخطة يورنا، صرخ كافما في وجهها محمر الوجه بسبب تعليقها المتهكم الذي لا داعي له. ومع ذلك، سرعان ما تبدلت ملامح محارب عشيرة قفص الحشرات المخلص وأومأ برأسه موافقًا: «علمتُ ذلك».
ولعله أدرك أن قرار يورنا بالتخلي عن مدينتها كان خيارًا ينطوي على ألم يضاهي تمزيق جسدها إربًا.
وحين بلغ مسامعها رد كافما المقتضب، خفضت يورنا عينيها قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وساحرة:
يورنا: [لا داعي لقلقك. فبوجودي ووجود من يحبونني، يمكن إعادة تشييد مدينة كهذه. ――كلينا يملك هذا العزاء والسلوان.]
ولم يعترض أحد على كلام يورنا بعد أن وضعت يدها على صدرها معلنة ذلك بحزم.
ففي الحقيقة، لم يكن واضحًا مدى القوة التي ستطلقها الورقة الرابحة في جعبة يورنا، لكنه أدرك تمامًا أنه لا يوجد أي خيار آخر يمكنه قلب الموازين ضد الكارثة العظمى في هذه اللحظة.
ومن هنا――
ميديوم: [――علينا جميعًا أن نشق طريق تراجعنا معًا! بأسرع ما يمكننا!]
وكانت تلك الكلمات الحازمة التي أطلقتها ميديوم بمثابة الإشارة لانطلاق المناورة الأخيرة في معركة مدينة الشياطين.
△▼△▼△▼△
――وبدأت الكوابيس التي تؤرق ليلها في ليلة شاتية باردة، تحت ضوء قمر شاحب يبعث على الصقيع.
فبعد أن أعلنت ماريولي أنها أصبحت متأملة نجوم، بلغت مرحلة باتت تكشف فيها عن معارف مجهولة.
ولم يكترث بنو قومها لمصدر تلك المعارف، لكن مخاوف تاريتا كانت تتفاقم يومًا بعد يوم؛ ومع ذلك، عجزت عن البوح بتلك المعاناة لأي شخص.
فماريولي لم تخبر أحدًا قط غير تاريتا بأنها أصبحت متأملة نجوم؛ ليس بدافع الأنانية أو المصلحة الشخصية، بل بسبب تلك الرابطة الصافية التي جمعت بين الاثنتين.
فثمّة عهود وأسرار لا تُتبادل إلا بين الأخوات الروحيات فقط.
وكونا وهولي، اللتان تتمتعان بانتماء جارف للشودراك، كانتا تملكان بلا شك أسرارهما الخاصة التي لم تبوحا بها لبقية الرفاق.
وفي حالة ماريولي، كان دورها كمتأملة نجوم هو ذلك السر الذي أودعته أمانة في عنق تاريتا. وفوق ذلك، كان من المستحيل على أخت روحية أن تُفشي سرًا اؤتمنت عليه بمثل هذا الصدق والإخلاص للآخرين.
وهكذا، واصلت حرقة الألم نهش قلب تاريتا دون أن تقوى على مشاركتها مع أحد.
غير أن تلك الأيام بلغت نهاية مباغتة، وبطريقة لم تخطر لها على بال؛
وكان ذلك حين――
ماريولي: [――ماذا عليّ أن أفعل يا تاريتا؟ أنا متأملة نجوم، ومع ذلك…]
ونزلت كلمات ماريولي كالصاعقة على تاريتا، فتجمدت في مكانها عاجزة عن الحراك.
فما تدفق من فم ماريولي لم يكن مجرد شكواها الواهية، بل كان دمًا قانيًا غمر مقدمة صدرها.
فجسدها لم يكن معافى في الأصل؛
وسبب عملها كحامية بدلًا من الخروج للصيد لم يكن فقط لقلة خبرتها في القنص، بل لهشاشة بنيتها الجسدية وضعفها.
وحين كانت طفلة، كانت تلازم الفراش مرارًا بسبب المرض. لكن مع تقدمها في السن وتباعد تلك النوبات، لا بد أن الجميع قد اطمأنوا وظنوا أن حالتها قد استقرت بلا شك.
ورغم ذلك، كان داء السقم ينخر في صميم جسدها ببطء، حتى بلغ نقطة اللاعودة.
وظلت ماريولي تتقيأ الدم المرة تلو الأخرى، ووجهها شاحب كالموت؛ وبات واضحًا لأي ناظر أن جسدها يذوي يومًا بعد يوم، وأن شعلة حياتها أخذت تخبو وتتلاشى.
وهكذا――
ميزيلدا: [الباقي يعتمد على إرادة ماريولي يا تاريتا.]
تاريتا: [أختي… الكبرى…]
ميزيلدا: [امكثي بعض الوقت مع ماريولي. حتى الرمق الأخير. هذا واجب الأخت الروحية.]
وبعد أن أسقتها جرعة من الأعشاب، تركت ميزيلدا تلك الكلمات التي ألقت بثقلها على عاتق تاريتا.
واجب الأخت الروحية؛ بدا ذلك تمامًا كوصية ملزمة.
وصية نطقت بها شقيقتها الكبرى، بدت كأمر قاطع لا رجعة فيه يحتم عليها تنفيذه.
أما بقية نساء الشودراك اللاتي عرفن ماريولي طويلًا، مثل كونا وهولي، فقد تبادلت كل منهن بضع كلمات معها، ثم غادرن تاركاتٍ بضع عبارات مواساة لتاريتا.
أدرك الجميع أنها الفرصة الأخيرة للحديث مع ماريولي؛
وكان من يشهد نهاية ماريولي بأم عينيه هي تاريتا وحدها؛ أختها الروحية التي وُلدت معها في اليوم عينه، لكنها ستفارقها في يوم مختلف.
أوتاكاتا: [أو-ما…]
وأمسكت ابنة ماريولي الصغيرة، التي كانت عاجزة عن استيعاب ما يدور حولها، بيد والدتها وأخذت تدلك وجنتها برفق على يدها.
وبدافع من إلحاح من حولهما، أنهت الأم وطفلتها وداعهما الأخير دون أدنى فهم لما يحدث؛ وداع بين طفلة بريئة لا يخالجها شك في أنها سترى أمها غدًا، وبين أم ترقد على فراش الموت.
ماريولي: [نومًا هنيئًا.]
وألقت ماريولي تحية الوداع على طفلتها التي لوحت بيدها، وكذلك على رفاقها الذين خاطبوها تباعًا؛ وبدت في مواجهتها للموت ذات هيبة خاصة.
فلا شك أن ماريولي، التي آمنت بها تاريتا وأحبتها، كانت تملك صلابة حقيقية في أعماقها.
ومع ذلك――
ماريولي: [ماذا عليّ أن أفعل يا تاريتا؟ ما زلتُ لم أنفذ وصيتي بعد، ومع ذلك…]
تاريتا: [ماريولي…]
ماريولي: [ما زلتُ لم أنجزها… لماذا… أنا…]
وما إن خلت الغرفة بهما حتى انفرط رباط تماسكها بصوت مسموع.
واكتسى وجه ماريولي شحوبًا أشد؛ فلم يكن ما يؤرقها هو الموت الماثل أمام ناظريها، ولا مستقبل طفلتها، بل كان أمرًا عصيًا على الفهم كهَمَسات النجوم.
وامتلأت عينا ماريولي بالدموع وهي تغرق في اليأس، متسائلة عن السبب.
لكن تاريتا كانت أول من هوى في قاع اليأس، حتى قبل أن ترى دموعها وملامح وجهها.
تاريتا: [أ-ما زلتِ تتفوهين بهذا الهراء…!؟]
ماريولي: [تاريتا…]
تاريتا: [وصايا أو أيًا كان، لا وجود لشيء كهذا إطلاقًا! أنتِ ماريولي من الشودراك! لا شيء أبعد من ذلك، فماذا تبتغين أكثر من هذا!]
أن تحيا كشودراكية، وتموت كشودراكية؛
كان ذلك هو الأمر الأهم، والغاية الأسمى التي تعلو كل شيء.
إذن، فما الذي يجب فعله لكي تموت ماريولي، ابنة الشودراك، كما يليق بقومها؟ كان ذلك――
ماريولي: [――معنى لوجودي في هذه الحياة.]
تاريتا: [معـ… نى؟]
ماريولي: [هذا ما أريده.]
واخترقت كلمات ماريولي —التي رأت في الوصية قيمة حتى في مثل هذه اللحظة— فؤاد تاريتا كالطعنة.
تولد كشودراكية، وتحيا كشودراكية، وتموت كشودراكية؛
وحين سُئلت عما قد ترجوه فوق ذلك، أجابت بأنها ترغب في معرفة معنى ولادتها.
――كانت تملك ابنة، وتملك تاريتا، وتملك الشودراك، ومع ذلك قالت إنها تبتغي معنى لوجودها!
وفي تلك اللحظة بالذات، أنكرت ماريولي الدماء المتدفقة في عروقها، مجردة إياها من أي مغزى.
لقد خانت دماءها، وأعلنت أنها تجد القيمة في همسات النجوم التي لم تكن سوى أوهام وافتراءات.
وكانت تلك خيانة يصعب على تاريتا الصفح عنها.
ولهذا السبب بالذات――
تاريتا: [――كفى إذن.]
ماريولي: [――――]
تاريتا: [أنا… أختكِ الروحية… فكيف تجرئين على الحديث عن معنى ولادتكِ أمامي؟]
وكأنها تعلن عجزها عن احتمال سماع مزيد من هذا الكلام، أظهرت تاريتا مرادها بنصل شفرتها البارد.
فقد استلت خنجرها، ووجهت طرفه الحاد بهدوء نحو حنجرة ماريولي الشاحبة؛ آملة أن يعيدها النصل البارد إلى رشدها، ويدفعها للتراجع عن كلماتها أمام حدته القاطعة.
وبطبيعة الحال، كان يُحتمل ألا تجدي هذه التهديدات نفعًا مع ماريولي وهي على شفا حفرة من الموت؛
غير أن تاريتا لم تجد أي سبيل آخر؛ ولذا لم يتبقَ أمامها سوى هذا الملاذ.
ومع ذلك، كان ذلك هو أفدح خطأ ارتكبته تاريتا في حياتها قاطبة.
ماريولي: [صحيح يا تاريتا. ――كنتُ أملككِ أنتِ.]
تاريتا: [إيه…؟]
ووجهت ماريولي —ووجهها كبياض الورق— بصرها بالكامل نحو تاريتا.
وبدا لون عينيها مختلفًا عن كل ما عهدته تاريتا فيها، مما جعل جسد الأخيرة يتصلب رعبًا.
وكانت تلك اللحظة عينها هي اللحظة القاتلة. ――بحق ماريولي.
تاريتا: [ماريولي…!؟]
فقد انطبقت يد ماريولي النحيلة بقوة فوق يد تاريتا، دافعة النصل المصوب نحوها إلى صدرها مباشرة!
وحاولت تاريتا المقاومة على الفور، لكن ارتباكها المباغت والقوة غير المألوفة التي أبدتها ماريولي حالا دون ذلك.
لقد كان نصلًا مخصصًا لشق جلود الوحوش السميكة؛
وبفعل حدته القاطعة، اخترق الخنجر جسد ماريولي بسهولة كأنه يشق الماء، وتفجرت الدماء. وتصاعد صوت مريع صحبه إحساس مقبض؛ وعلمت تاريتا حينها أن طرف خنجرها قد مزق صدر ماريولي بجرح مميت.
تاريتا: [علينا أن…! علينا تضميد جرحكِ في الحال…!]
ماريولي: [كلا يا تاريتا! فلديكِ دور لتؤديه…]
تاريتا: [أرجوكِ كفي عن هذه الترهات! ليس هذا وقته أبدًا…]
ماريولي: [أنصتي إليّ!]
تاريتا: [――هـڪ!]
وأطلقت صرخة بدا وكأنها تتقيأ معها الدم―― كلا، بل كانت تتقيأ الدم حرفيًا.
فقد تمزق صدرها بالخنجر، وأخذت شعلة حياتها تخبو في كل ثانية؛ ومع ذلك، أبت ذراع ماريولي أن تفلت تاريتا. وبينما سال زبد الدم من زاوية فمها، حفرت عيناها في وجه تاريتا.
وتشبثت بآخر رمق من حياتها المشرفة على الضياع، وتحدثت وهي تغرس أظافرها عنوة في جسد تاريتا:
ماريولي: [بعد… انقضاء ألف ليلة… سـ… ستلتقين… برحال…]
تاريتا: [――――]
ماريولي: [هذا الرحال… حليف للكارثة العظمى التي ستجلب الخراب لهذه الأرض… ولذا، يتحتم عليكِ… قتله…]
تاريتا: [ماريولي…]
ماريولي: [يجب… قتله…]
تاريتا: [ماريولي…؟ ماريولي!]
وسلب ذلك الصوت الممزوج باللوعة والسعال المدمى القوة من ذراعي تاريتا.
وقبل أن تدرك، خبت تلك القوة المذهلة التي أبدتها ماريولي فجأة. وحينها كان يجدر بها أن تنهض وتصرخ طلبًا للنجدة. ――كلا، فقد فات الأوان على ذلك؛ فات الأوان على كل شيء.
فقد أحكم شبح الموت قبضته على روح ماريولي، وأوشك على انتزاعها؛
وكان تأخير ذلك ولو لثانية واحدة مجرد أمنية مستحيلة.
ماريولي: [رحال… بشعر داكن… وعينين داكنتين… اقتليه.]
تاريتا: [――――]
ماريولي: [أوقفي الكارثة العظمى يا تاريتا… ذلك واجبي… ولم أعد قادرة على إنجازه… لذا، أرجوكِ… يا تاريتا… يا أختي… الروحية…]
تاريتا: [أ-ما زلتِ تقولين ذلـ…]
وبينما كانت تنزف، استنزفت ماريولي آخر قطرة من قوتها في هذا الرجاء؛ ولأجل ذلك، ولأول مرة في حياتها، كرهتها تاريتا.
فطوال ذلك الوقت، كانت تاريتا تسعى باستماتة لإعادتها إلى رشدها بدافع رابطة الروح التي تجمعهما؛ ومع ذلك، تجاهلت ماريولي كل هذا لتنبش ذلك الأمر في أنفاسها الأخيرة.
كان أمرًا مروعًا؛ وطعنت تلك الكلمات تاريتا في صميم فؤادها.
وعند سماع صوت تاريتا الباكي، ومضت عينا ماريولي قليلًا.
وهكذا، تسللت القوة هاربة من جسد ماريولي، وانحنى رأسها ببطء نحو الأسفل:
ماريولي: […أو… تا…]
تاريتا: [ماريولي؟]
ماريولي: [――――]
تاريتا: [ماريولي!!]
وفي النهاية، خرجت منها زفرة واهية مبحوحة، وكانت تلك أنفاسها الأخيرة.
ورقد جسد ماريولي هامدة بلا نبض، والخنجر لا يزال مغروسًا في صدرها. وتجمدت تاريتا مذهولة لبضع ثوانٍ، ثم هرعت خارج الكوخ في محاولة لمناداة شقيقتها الكبرى والآخرين.
ومع ذلك――
أوتاكاتا: [――آه.]
وفتحت تاريتا باب الكوخ محاولة الركض للخارج، غير أن قدميها سمرتا في مكانهما؛
فقد جلست هناك هيئة صغيرة ما كان ينبغي لها أن تكون في هذا المكان.
فلعلها قلقت على أمها الملازمة للفراش، أو لعل هاجسًا سيئًا قد راودها كما يحدث للأطفال؛
وأيًا كان السبب، فإن تلك الطفلة الصغيرة —التي امتلكت مقومات تؤهلها لتصبح صيادة بارعة— قد أظهرت مهاراتها في ليلة كان محرمًا عليها ذلك فيها، متسللة خلسة من وراء أعين الكبار.
كانت الطفلة الصغيرة، أوتاكاتا، تحدق في تاريتا الملطخة بدماء والدتها، والدموع تنهمر من عينيها كالسيل.
△▼△▼△▼△
وواصل ظل «الكارثة العظمى» هيجانه العنيف، وصدع زلزال مدمر «مدينة الشياطين» من صميمها.
وبلغ قرار يورنا جميع سكان مدينة الشياطين؛ بأن يتخلى كل فرد منهم عن الأرض التي اتخذوها موطنًا وملاذًا.
لقد كان قرارًا مريرًا وقاسيًا؛ فبالنسبة لهم، كان هذا هو المعقل الأخير الذي احتضن المشردين الذين لا ملجأ لهم، ومنحهم حرية العيش دون حاجة للهرب والتخفي.
وكيف للمرء ألا يندب ضياع كل هذا؟
ومع ذلك――
يورنا: [ما دامت الأرواح باقية، فسأنقذها. ولكي نشهد بأعيننا ولادة مدينة شياطين جديدة، علينا التحرك فورًا دون أي إبطاء.]
ولأن سيدة مدينة الشياطين، الحصن الأخير للمستضعفين، هي من أعلنت ذلك، آمن الناس بقدرتهم على النهوض مجددًا وإعادة بناء ديارهم؛ فانطلقوا راكضين مولين ظهورهم لأرضهم، الديار التي ألفوا العيش فيها.
لقد ابتلع الدمار مدينة الشياطين وسحق معالمها؛ والمسؤولية عن ذلك تقع على عاتق الكارثة العظمى التي أخذت تتسع رقعتها باطراد.
فالظلال التي تسخرها زادت كثافة وسوادًا، والكتلة الحالكة المتلوية تضخمت بصورة جنونية أمام أعينهم.
وكان هذا التعاظم في حجمها وتكاثر أذرع ظلالها بلا رادع نذيرًا بمدى الخطر المحدق الذي باتت تشكله الكارثة العظمى.
ومع اتساع رقعة موجة الهلاك، واقتلاع الأرض ومعالم المدينة من جذورها، تملك الذهول يورنا أمام الجهود الجبارة التي يبذلها شخص بعينه لحصر الخسائر البشرية في أدنى حدودها―― إنه آل.
آل: [يا آنسة ميديوم الصغيرة! تراجعي! هذا يكفي! لن تنجي إن بقيتِ هناك بهيئتكِ الحالية يا آنسة! حان وقت الانسحاب!]
ميديوم: [أوه~! كم هذا يغيظ! ولكن شكرًا لك!]
ووثوقًا بتقدير آل الذي صرخ بتلك الكلمات، فرت ميديوم الحاملة لساطور البرابرة في الحال.
وانهمر وابل من الظلال لملاحقة ظهر الفتاة الصغيرة، لكن جدارًا من الكروم الشوكية انبثق فجأة من الجانب ليعترض مسارها، متيحًا للفتاة —التي لعب جسدها الضئيل دور الطُعم الخطر— فرصة النجاة والفرار.
آل: [شكرًا على الإنقاذ يا أخي صاحب قرني الاستشعار! ولكن حان وقت أن…]
كافما: [حان وقت ماذا؟ أتنوي أن تأمرني بالانسحاب؟ إن كان الأمر كذلك، فلن أصغي أنا، كافما إيرولوكس، لمثل هذا الهراء!]
آل: [لا يا رجل، أعلم أنك من النوع الذي يقول ذلك، لكنني أعني ما أقوله حقًا.]
كافما: [ما الذي تحاول قوله ماذا بحقك!؟]
آل: [انسَ الأمر.]
وهز آل كتفيه ملوحًا برأسه استسلامًا أمام صرخات كافما الغاضبة.
فلولا مساندة كافما، لكانت المعركة ضد الكارثة العظمى أشد خطرًا وأكثر حرجًا بكثير؛ ورغم امتنان آل لمساعدته، إلا أن طباعه الحادة والنزقة كانت مزعجة.
وعلى أي حال――
آل: [――يا حسناء الثعالب!]
يورنا: [لستُ راضية عن طريقتك في مناداتي، لكنني فهمتُ مرادك.]
وأومأت يورنا برأسها موافقة على النداء الذي وجهه آل إليها.
فمن قلب المدينة وصولًا إلى بساتينها الخارجية، بلغت عملية الانسحاب من نطاق الكارثة العظمى ذروتها؛ فقد شاع قرار يورنا بالتخلي عن مدينة الشياطين، واكتمل إجلاء السواد الأعظم من السكان.
وكما اتفقوا، سيجعلون ذلك الكيان الذي ابتلع مدينة الشياطين يتجرع وبال أمره. ――حبذا لو كان في الأمر خطأ ما، ولم تكن هناك حاجة للمضي في هذا الخيار القاسي.
يورنا: [أهو نوع من التعلق والندم…]
فحدوث معجزة ملائمة —كأن تبلغ الكارثة العظمى أقصى طاقتها فجأة فتنهار وتتلاشى، أو تنكشف نقطة ضعف مباغتة تسمح بتسديد ضربة قاضية إليها— كان أمرًا مستحيل الحدوث.
لقد أدركوا ذلك بلا أدنى ريب: ――فالكارثة العظمى داهية لا تنضب قوتها أبدًا.
وإن لم تُوقف، فلن تتوقف عند تدمير مدينة الشياطين وحدها، بل ستجرف وراءها ما هو أعظم وأفدح بكثير.
ولدرء ذلك، توجب عليهم التضحية بمدينة الشياطين الغالية.
يورنا: [――――]
وأغمضت عينيها للحظة عابرة مترددة، والندم يمر بخاطرها كشريط سريع.
فحتى في تاريخ تلك القدرة المسماة «تقنية زواج الأرواح»، كانت قدرة يورنا فريدة واستثنائية من نوعها.
ففي الجوهر، لا تصنع كتلة الأرواح التي يستطيع الفرد حملها أي فارق يُذكر مهما تباينت مقاديرها؛ غير أن يورنا، وبفعل ظروف معينة، حازت روحًا تفوق في حجمها أرواح الآخرين بآلاف المرات.
ولم تكن تلك قوة تبتغيها؛ ولو تحدثت بصدق، لودت لو تتخلى عنها تمامًا.
لقد أفادتها في بلوغ المنصب الذي تتبوأه حاليًا، لكنها لم تتوقع قط أن تضطر لاستخدامها في مثل هذا الموقف. ――كلا، بل الأدق القول إنها تجنبت التفكير في ذلك عمدًا.
ولهذا استغرقت كل هذا الوقت لحسم قرارها حين دقت ساعة الحقيقة.
وذلك――
يورنا: [――ذلك الرجل.]
وبعد أن كشف دخيلتها، نظرت يورنا من فوق كتفها نحو هيئة الرجل ذي قناع الأوني الواقف يراقب المشهد من بعيد.
كان يقف في البساتين الخارجية لمدينة الشياطين، في بقعة لم تعد بمنأى عن الدمار؛ ورغم ذلك، لم تهتز وقفته عاقدًا ذراعيه قيد أنملة. ولعله عد التضحيات اللازمة لصد الكارثة العظمى أمرًا محسومًا لا مفر منه؛
ومع ذلك، فإن بقاءه هناك ساكنًا ليشهد الخاتمة بأم عينيه، كان ربما أسلوب ذلك الرجل في إظهار احترامه ليورنا، حاثًا إياها على اتخاذ القرار الحاسم.
آل: [――هـڪ، تلك الغبية!]
وبعد لحظة، وبينما وطنت عزمها على بذل أقصى ما تملك ضد الكارثة العظمى، ارتطم صوت سباب مسامع يورنا.
والتفتت نحو مصدر الصوت، لتتبين أنه صادر عن آل؛ وبتتبع النظرات التي أطلقها من وراء قناعه نحو الكارثة العظمى، أدركت يورنا سبب سخطه.
كان هناك جسد صغير يقفز برشاقة حول الكارثة العظمى، يركل الركام ويشتت انتباهها―― إنه جسد لويس.
وشعرها الذهبي يتطاير، وثيابها البيضاء تلطخت بالأتربة، وكتفاها يعلوان ويهبطان بعنف، وجسدها يقطر عرقًا؛ واصلت الفتاة هجومها المستميت على الكارثة العظمى.
ولم يكن للويس سوى غاية واحدة: العثور على الفتى ذي الشعر الأسود الذي ابتلعته الكارثة العظمى في مهد ظهورها――
يورنا: [تلك الصغيرة.]
ولعجزها عن إيجاد وسيلة لإنقاذه، تعذبت يورنا قبل أن تصل إلى هذا القرار؛
فقد كان ألمًا يضاهي التخلي عن مدينة الشياطين، بل ربما فاقه قسوة، مسببًا جرحًا يشبه تمزيق جسدها.
فإذا آتت هذه الخطة أكلها، فما الذي سيحل بما ابتلعته الكارثة العظمى؟ ربما لو استُعيد ذلك الكيان، لكان الفتى ذو الشعر الأسود من ضمن الناجين.
لكن يورنا كانت تدرك أن احتمال حدوث ذلك أضعف من خيط العنكبوت.
ولهذا السبب بالذات، علمت أن نضال لويس المستميت سينتهي إلى السراب والعدم.
كافما: [علينا استعادة تلك الفتاة فورًا!]
آل: [أتمزح معي؟! دع تلك الطفلة وشأنها! في الأصل، هي…]
كافما: [ما خطب تلك الفتاة!؟]
آل: [إنها مجرد… هـڪ.]
وصرخ كافما وهو يرى لويس تقفز بين النيران، محملقًا بحدة في آل؛ وتحت وطأة نظرات كافما الصارمة، تعثرت الكلمات في حلق آل، وبدا وكأنه يحمل أفكارًا خفية تجاه لويس.
أرادت يورنا إنقاذ لويس. ――وما دامت رغبة لويس مستحيلة التحقق، فقد أرادت على الأقل إنقاذ حياتها.
ولعلها ستكون أكثر سعادة لو ماتت معه؛
فربما كان ذلك هو كل ما تصبو إليه لويس من الفتى الذي غرق في لجة السواد.
آل: [تبًا، تبًا تبًا تبًا، يا للعنة! لماذا عليّ أن أحرق أعصابي بسببها؟! سألومك على هذا حتمًا يا أخي!]
وهتف آل بتلك الكلمات الصاخبة، ثم انطلق راكضًا بزخم يناقض نبرة تذمره تمامًا.
وكانت وجهته هي لويس، التي تقفز بلا انقطاع من جانب إلى آخر بمواجهة الكارثة العظمى؛ ورغم أن لويس كانت رشيقة بما يكفي لمنع ذلك الوحش الحالك من التصويب نحوها، إلا أن――
آل: [حركاتكِ مكشوفة لي بالكامل!]
لويس: [إيه!؟]
وتفادى آل وابل الركام المتساقط عليه بفعل ضربات الظلال، والتف حول لويس كأنه يعلم مسبقًا مسار حركتها، ثم اختطف جسد الفتاة واحتضنها تحت ذراعه.
وبوضعهما هذا، وهما يتجاذبان، أفلت الاثنان بأعجوبة من عاصفة ظلال صُوبت نحوهما؛ لقد نجح آل في حمايتهما معًا بمهارة استثنائية، ملامسًا حافة الهلاك قبل أن يفلت من نطاق الضربة في اللحظة الأخيرة.
لويس: [أوو! أوا! آاو!]
آل: [――نامي الآن!]
لويس: [أوهـڪ.]
وطوال الوقت، ظلت لويس تتخبط بين ذراعي آل، محاولة باستماتة مد يديها نحو الكارثة العظمى؛ غير أن آل هوى بمقبض سيف الداو بضربة قاطعة على مؤخرة عنقها، فهوى رأس لويس مسترخيًا وفاقدًا للوعي.
وحمل آل جسد لويس الصغير، وانطلق في عدو سريع موليًا ظهره للكارثة العظمى.
آل: [أيها الهوائي!]
كافما: [اسمي كافما إيرولوكس!]
وردًا على ندائه العاجل، شقت كروم كافما ممر نجاة لـ آل الهارب؛ وراحت الكارثة العظمى تطارد آل بضراوة محاولة محاصرته، بينما اندفع هو نحو المسار المحاط بالأشواك الشائكة.
وبينما كانت الكروم تصنع ممرًا لآل، كانت في الوقت ذاته تشكل عوائق لعرقلة تقدم الكارثة العظمى.
وركض آل حاملًا لويس عبر ساحة المعركة وسط غطاء دفاعي وهجومي مذهل، وحينها――
آبل: [――افعليها الآن يا يورنا ميشيغوري!!]
وفي اللحظة الحاسمة، انطلقت صرخة من الخلف تحث على اتخاذ القرار الحاسم، فبسطت يورنا يديها نحو الأمام.
كانت الحركة بحد ذاتها مجرد إيماءة ظاهرية، تمامًا كحال ابتلاع القلعة؛ إيماءة تعلن بها يورنا عن حجم التضحية التي توطن نفسها على تقديمها لبلوغ مبتغاها.
يورنا: [أنا… لا أحبك.]
ومع تلك الكلمات القليلة، انفجرت روح يورنا في وجه الكارثة العظمى التي ابتلعت معظم «مدينة الشياطين: كايوسفليم»؛ بقوة عاتية بدت وكأن المدينة بأسرها تهوي وتسحق المكان――
وأحدث دوي الانفجار موجة عصف هائلة، وعصفت ريح جبارة نسفت مدينة الشياطين عن بكرة أبيها.
وتحت وطأة الصدمة، تكسر كل ما يشكل مدينة الشياطين، وسُحق وتلاشى؛ وفي خضم ذلك، ابتلع الدمار «الكارثة العظمى» الواقعة في بؤرة الانفجار، لتُمحى هي الأخرى بلا شك.
وبهذا، وعبر ضربة ساحقة أُطلقت ثمنًا للتضحية بالمدينة نفسها، أُبيدت الكارثة العظمى――
آبل: [――ألم يكن ذلك كافيًا؟]
وفي خضم العاصفة التي لا تهدأ وسحب الدخان المتصاعدة، تردد صدى صوت رجل هادئ.
وحين أدركت يورنا أن هذا صوت رجل لا يشيح بوجهه أبدًا حتى في المواقف التي يُجبر فيها الجميع على تنكيس رؤوسهم، حبست أنفاسها وجسدها يخور من فرط الإعياء.
فقد وجهت ضربة حشدت فيها أقصى طاقتها، ومع ذلك، ظل وجود الظلام المتلوي قائمًا خلف أعمدة الدخان!
لقد أصابت الضربة هدفها، لكنها لم تكن كافية لمحقها تمامًا؛ وجعلتها هذه النتيجة تجز على أضراسها غيظًا وألمًا.
يورنا: [――هـڪ.]
وقبل أن توطن عزمها على التحرك لمحو خيبة أملها، أفلتت صيحة ذهول من شفتي يورنا.
وكان السبب بسيطًا: ――فقد بادر شيء ما بالتحرك أسرع منها.
غير أن ذلك الشيء لم يكن بقايا جمر الكارثة العظمى الذي لم ينطفئ بعد؛
بل كان――
يورنا: [――تانزا؟]
كان ذلك الهيئة الصغيرة لفتاة من ذوات قرون الأيل تقفز منطلقة من قبو النزل المنسوف!
△▼△▼△▼△
أوتاكاتا: [أوو رأت ذلك. ماما طعنت نفسها، بيدَي تاا.]
كانت شهادة أوتاكاتا، ابنة ماريولي، تلك الطفلة الصغيرة التي شهدت الواقعة برمتها، هي القول الفصل والحاسم.
فقد كان جسد ماريولي مطعونًا بخنجر تاريتا، والأخيرة لم تحاول حتى مسح الدماء التي خضبت جسدها بالكامل؛ ولأي ناظر، كان هذا المشهد المروع سيبدو وكأن تاريتا قد اغتالت ماريولي.
غير أن ابنة ماريولي بالذات هي من نفت هذه الرؤية، ماحية عن تاريتا وصمة العار.
――فقتل المرء لأحد أبناء دمه ينجس روحه، ويحرمه من العودة إلى التربة ذاتها التي ترقد فيها أرواح الأسلاف.
وكان ذلك هو أشنع ما يمقته الشودراك على الإطلاق: «عار الشودراك».
وجاءت شهادة أوتاكاتا لتسقط هذه الشبهة؛ وفضلاً عن ذلك――
ميزيلدا: [طريقة طعنها؛ لو أن تاريتا هي من طعنتها، لسددت نحو موضع يزهق الروح دون معاناة. هذا ليس من صنيع أختي.]
فطريقة اختراق النصل للجسد، والأهم من ذلك، موضع الجرح القاتل؛
فبنظرة واحدة، استطاعت ميزيلدا الجزم بأن ماريولي قد طعنت نفسها بنفسها.
ولاحظ الأمر عينه ذوو الفطنة الثاقبة من الشودراك؛ أما من لم يفطنوا لذلك، فقد اقتنعوا بحكم ميزيلدا القاطع.
ولم يخطر ببال أحد أن الزعيمة ميزيلدا تحاول التستر على شقيقتها الصغرى تاريتا؛
بل العكس هو الصحيح؛ ――فميزيلدا وحدها لم تحاول قط الدفاع عن تاريتا؛ ليس لقلة عطفها الأخوي، بل لأن ميزيلدا كانت تجسيدًا حيًا لنهج الشودراك الصارم.
فدماء الشودراك الحارة في عروقها كانت هي المعيار لحكم ميزيلدا.
وتقرر أن تاريتا بريئة من الذنب، وأن ماريولي قد انتزعت الخنجر منها وأزهقت روحها به؛
ربما سعيًا للفرار من عذاب المرض، أو لتجعل موتها بيدها لا بيد داء السقم اللعين؛ ومن منظور الشودراك، كان الخيار الأخير يُعد ميتة أفضل وأشرف.
ولكن――
تاريتا: [أنا… من تركتُ ماريولي تموت…]
كانت تاريتا وحدها هي من عجزت عن رؤية الأمر بهذه البساطة.
فتاريتا هي من استلت خنجرها لإلجام فم ماريولي؛ لتمنعها من النطق بكلمات تأبى سماعها، ولتحول دون تركها لمزيد من اللعنات خلفها.
ولولا طيش تاريتا وتسرعها حينها، لما ماتت ماريولي بتلك الطريقة البشعة.
وفوق كل هذا――
تاريتا: [――تلك الوصية.]
فعلى شفا الموت، أجبرت ماريولي تاريتا على الإصغاء للوصية التي أُلقيت في روعها؛
فحتى تلك اللحظة، لم تشرح ماريولي لتاريتا أدنى تفصيل عن محتوى الوصية، واكتفت بإخبارها بأنها كُلفت بها. وفقط على فراش موتها، أسمعتها إياها لأول مرة:
تاريتا: [――الكارثة العظمى.]
فالوصية تهدف لتفادي الهلاك، وذلك الهلاك هو «الكارثة العظمى»، هكذا فسرت ماريولي الأمر؛
واتخاذ التدابير لمنعها كان هو وصية ماريولي.
تاريتا: [――رحال، بشعر داكن، وعينين داكنتين.]
وهل سيظهر حقًا شخص كهذا الرحال بعد انقضاء ألف ليلة من ذلك الحين؟
وكيف لموت رحال واحد أن يدرأ دمارًا هائلًا يبلغ حد أن يُنعت بـ«الكارثة العظمى»؟
لكن ماريولي آمنت بتلك الوصية حتى الرمق الأخير، وتشبثت بواجب متأمل النجوم؛
وحين عجزت عن تنفيذها بالكامل، شعرت وكأن حياتها برمتها قد خلت من أي معنى.
تاريتا: [خلت من المعنى…]
وكان ذلك سخفًا لا يقبله عقل، أمر تجزم به تاريتا بلا أدنى شك؛
فكم من مرة كانت كلمات ماريولي ولطفها طوق نجاة وخلاصًا لها؟
فبفضل وجودها، نجت تاريتا من السحق تحت وطأة عقدة النقص التي حملتها تجاه شقيقتها الكبرى التي تستحق حمل اسم الشودراك بكل جدارة؛ ولولا دعم ماريولي لما كانت تاريتا موجودة اليوم.
وكان هذا وحده إنجازًا عظيمًا لماريولي، ولم تكن تاريتا لتسمح لأحد بالادعاء بأنه كان بلا معنى!
وفوق هذا كله، كان لدى ماريولي طفلتها أوتاكاتا، التي أنجبتها بعد حمل شاق ومضنٍ.
تاريتا: [لن أدع أحدًا يزعم أن كل ذلك كان بلا معنى…!]
وجزت على أسنانها بقوة، ورفعت بصرها نحو سماء الليل.
ولم تتبدل سماء الليل المرصعة بالنجوم؛ ولم تمنح تاريتا أيًا من تعاليمها.
وبالطبع لم تفعل؛ فالنجوم لا تنطق، وعقل ماريولي كان أسيرًا للوهم لا أكثر.
وحتى إن كان الأمر كذلك، حتى وإن التمست ماريولي الخلاص في ذلك الوهم، وحتى إن قطعت ذلك النذر؛
تاريتا: [ليت هذه النجوم وكل ما يمت إليها تتفتت إربًا…!]
وبالتزامن مع توجيه حقدها نحو سماء الليل، تضرعت تاريتا بهذا الدعاء الدنيوي المرير:
فكما همست ماريولي، سيأتي رحال إلى الأدغال؛
وروح ماريولي، التي كبلها اليأس والحسرة، ستظل تائهة تعجز عن اللحاق بأرواح الأسلاف؛
ودون قطع دابر ذلك اليأس والندم، لن تنعم أختها الروحية بالسكينة والخلاص.
وما حدث في تلك اللحظات الأخيرة كان سرًا لا تدركه أوتاكاتا الصغيرة بعد؛
سرًا لا يجوز حتى لأقرباء الدم الخوض فيه، بل يخص الأخوات الروحيات وحدهن.
تاريتا: [بلى، إن سهمي――]
سيردي ذلك الرحال قتيلًا، قاطعًا كل تعلق لماريولي بهذا العالم.
ولأجل تلك الغاية، ترقبت وانتظرت بلا كلل قدوم ذلك الرحال، وأخيرًا――
――وفي يوم مشهود، سحبت تاريتا وتر قوسها حين وقع بصرها على الرحال المنتظر.
سوبارو: [――ريم!!]
وأخطأت الرمية التي أُطلقت من القوس المشدودة هدفها، وقفز ذلك الرحال ذو الشعر الداكن والعينين الداكنتين ليحمي الفتاة الراقدة إلى جواره بجسده.
وبعد أن صوبت سهمها نحو قلبه مباشرة، خفق قلب تاريتا بعنف، وجزت على أضراسها.
فبعد انقضاء ألف ليلة، ظهر رحال ذو شعر أسود في الأدغال!
وتحت وطأة صدمة جمدت أركان قلبها كالصقيع، وضعت تاريتا سهمًا جديدًا في قوسها، وتحولت إلى صيادة حقيقية؛
وبهيام بارد وهدوء تام، ثبتت نصل السهم مسددة نحو هدفها.
لكن روحها كانت تصرخ في أعماقها بابتهاج ملتهب؛ تصرخ، وتصرخ،
وتصرخ دون انقطاع.
△▼△▼△▼△
――وفي اللحظة التي وثبت فيها الفتاة ذات قرون الأيل، تلاشى كل صوت من أرجاء العالم.
فموجة الصدمة الهائلة التي سبقت ذلك —والكارثة العظمى في بؤرتها— جعلت العالم يتزلزل حرفيًا؛ ونسفت قوة الانفجار المدينة بأسرها بطاقة تكفي لسحق الكارثة العظمى تمامًا.
وغمرت الرياح العاتية الناتجة عن الصدمة أجسادهم بالكامل، لدرجة جعلتهم يوقنون بأن أي كائن يقع في بؤرة صدمة تفوق هذه بآلاف المرات سيتفتت إلى أشلاء.
ومع ذلك، وتحديًا حتى لذلك اليقين، نجت «الكارثة العظمى» من هذا الدمار!
ورغم أنه لا يمكن القول إنها بحال جيدة، إلا أن تاريتا —التي تحولت إلى مجرد متفرجة ترتعد وهي جاثية على ركبة واحدة— استشعرت بقاء الكارثة العظمى ونجاتها من الإبادة من وراء سحب الدخان.
ولويس، وميديوم، وآل، وسكان المدينة؛ كانوا جميعًا يراقبون هذا الصمود المستميت.
ولعجزها عن حسم أمرها، وعجزها عن مواجهة الوصية التي ظلت تتحكم فيها، ومع استرجاعها لوجه ماريولي المخضب بلون الدماء، وقفت تاريتا مشلولة الحركة في مواجهة الكارثة العظمى.
فالجميع أدوا أدوارهم، تاركين تاريتا العاجزة خلفهم؛
تمامًا كما وجهت يورنا ميشيغوري، سيدة المدينة، ضربتها الساحقة على حساب التضحية بمدينتها الحبيبة؛
وتمامًا كما قفزت الفتاة ذات قرون الأيل من مكمنها حين رأت أن الضربة لم تكن كافية.
تانزا: [――――]
وانطلقت الفتاة ذات الكيمونو في عدو سريع وعينها اليمنى تتقد بالنيران؛ الفتاة المبعوثة التي ظهرت في النزل سابقًا.
وكانت وجهة الفتاة، التي عرفت عن نفسها باسم تانزا، هي الكارثة العظمى الرابضة خلف سحب الدخان المتطايرة؛ وعجزت تاريتا عن فهم ما تنوي فعله بحق هذا العالم.
ومع ذلك――
يورنا: [――إياكِ!]
وبينما كانت تاريتا تنهر ساقيها المرتجفتين، أدركت غاية تانزا وعزمها حين سمعت صرخة يورنا المذعورة الموجهة نحو ظهر الفتاة الراكضة.
فتانزا تخاطر بحياتها، لتتحدى الكارثة العظمى عبر تقنية ما؛
ويورنا، التي خمنت ما تنوي فعله وبدافع من حبها الجارف للفتاة، حاولت إيقافها بكل ما تملك.
لكن إيقاف تلك الفتاة الصغيرة يعني تضييع فرصة ذهبية لسحق الكارثة العظمى التي شُلت حركتها بفضل ضربة التضحية بمدينة الشياطين.
أو ربما، إن عقدت يورنا —إحدى الجنرالات التسعة الساميين— العزم، لاستطاعت تسديد ضربة قاضية أخرى ضد الكارثة العظمى ودحرها بطريقة مختلفة.
――ولكن، أكان ذلك ممكنًا حقًا؟
تاريتا: [――هـڪ.]
ولامت تاريتا نفسها على هذا التمني الواهي، وأطلقت شهقة خافتة.
وألقت بنظرها نحو ما حولها، متلهفة على وسيلة لتبديل الموقف، متلمسة فرصة لاتخاذ خطوة حاسمة؛ بل وتمنت لو أن شخصًا آخر غيرها يبادر بالتحرك.
غير أن ركام الأنقاض المتطايرة، والبشر الذين تناثروا بفعل العصف، لم تعد لديهم أي ذرة قوة للتعامل مع هذا المأزق. ――وحدها تاريتا هي من بقيت قادرة على ذلك.
فتاريتا وحدها، التي ترددت في المشاركة في الهجوم المحموم وانتظرت انقشاع العاصفة، هي من تملك خيارات التحرك في هذه اللحظة.
وحينها――
آبل: [――يا تاريتا.]
والتفتت تاريتا نحو ذلك النداء الخافت، لتلمح هيئة رجل يقف فوق تلة مرتفعة.
إنه آبل؛ والدم يسيل من تحت قناع الأوني، وعيناه الداكنتان تحدقان بثبات نحو تاريتا. ودون أن ينبس ببنت شفة، رفع سبابته وأشار بها بصمت نحو السماء.
ولم يكن يطلب منها النظر إلى السماء المجردة؛
بل كان يشير إلى السماء، أو بالأحرى، إلى النجوم. ――أي إلى الوصية.
وحين وُضعت أمام خيار الحسم، أُجبرت تاريتا على اتخاذ قرارها.
تاريتا: [――――]
وانبعثت في مخيلتها اللحظات الأخيرة لماريولي الملطخة بالدماء، وتلك الوصية التي تأمرها بقتل الرحال ذي الشعر الداكن والعينين الداكنتين.
فلو نفذت ذلك، لنجوا جميعًا من الكارثة العظمى، ولتحررت روح ماريولي من قيودها وأغلالها.
وبناءً على ذلك――
تاريتا: [――――]
وبهيام تام ودون أدنى تردد، استلت تاريتا سهمًا من جفيرها، ووضعته على قوسها، ثم صوبت.
لقد كانت حركة صيد كررتها آلاف وملايين المرات؛ حركة حولت تاريتا من فتاة مذعورة وحائرة وعاجزة، إلى صيادة بارعة وحاسمة.
وإن كان عليها اختيار وسيلة لإنقاذ العالم بهذا العلو والمهابة، فهكذا ستختار تنفيذها.
فطوال الوقت، كان جواب تاريتا على نداء السماء وهمسات النجوم محسومًا ومقررًا منذ أمد بعيد.
وبعبارة أخرى――
تاريتا: [――أنا لا أعرف حتى كنه هذا الشيء المسمى بالوصية.]
وانطلق وتر القوس، وشق السهم عنان الهواء بهدير عاصف وهو يمزق الرياح.
ولم يخطئ السهم هدفه قط؛
إذ اخترق ساق تلك المرأة الفاتنة الطويلة التي كانت على وشك الوثوب والركض!
وبصرخة دهشة مباغتة، هوت المرأة نحو الأمام وتعثرت ساقطة على الأرض.
والهلع والذهول يرتسمان على وجهها الأبيض الشاحب، مدت المرأة يدها بلوعة رافعة صوتها بالنداء؛
وحتى في عالم تلاشى منه كل صوت، أدركت تاريتا يقينًا أن ذلك الصوت كان يصرخ باسم الفتاة المندفعة نحو الكارثة العظمى.
ومع ذلك، فقد حسمت أمرها واختارت طريقها؛
――عاصيةً الوصية التي استودعتها إياها أختها الروحية، ومفسحة المجال أمام الفتاة الصغيرة لتنال مبتغاها الأسمى، ماضيةً لبذل حياتها في سبيل من تحب!
تانزا: [――يورنا-ساما.]
وركلت الأرض بقدميها، وقبل أن تقتحم الجانب الآخر من سحابة الدخان، تحركت شفتا الفتاة هامسة بذلك الاسم بمحبة وتفانٍ مطلقين.
وهكذا، ابتلعت الكارثة العظمى الرابضة وراء الدخان جسدها الضئيل بالكامل――
――ودوى انفجار هائل ثانٍ، عصف ساحق لا يقل ضخامة عن انفجار مدينة الشياطين نفسها، لينسف هذه المرة «الكارثة العظمى» ويذريها في مهب الرياح!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] معتقد الأخوات الروحيات: تقليد مقدس لدى الشودراك يعتبر الفتيات المولودات في اليوم عينه نصفين لجسد وروح واحدة، وتكون رابطتهما أقوى وأقدس من روابط قرابة الدم.
[2] عار الشودراك: الطابو الأكبر لدى قبيلة الشودراك، ويتمثل في إراقة دم أبناء العشيرة عمدًا، وهو الذنب الذي يحرم الروح من العودة إلى تراب الأسلاف.