الفصل 418 - لا أستطيع العيش بحكمة أكبر
الفصل السابع والخمسون
«لا أستطيع العيش بحكمة أكبر»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――كان داخل مساحة كئيبة ومظلمة.
يتأرجح. يهيم. يُقذف يمنة ويسرة. يُنتهك.
كان الأمر وكأن أطرافه الأربعة، وكل ما يعلو عنقه، قد انفصلت عن جذعه؛ لتستقر كل قطعة في مكان مختلف، تطفو، وتنجرف، وتتأرجح، ويُعبث بها.
كانت ذاكرته مشوشة للغاية بشأن ما حدث وما يجري الآن.
كان الظلام الدامس يحيط به من كل جانب، ليتركه متسائلًا عن سبب إلقائه في مساحة خاوية تمامًا كهذه.
――.
――――.
――――――――.
――――――――――.
لم يتبادر إلى ذهنه شيء.
فلا يوجد سبب محتمل لاحتجازه في مكان كهذا، ورأسه وأطرافه منفصلة وتطفو بلا هدف.
وإن كان الأمر كذلك، فلا يوجد أي مبرر لوجوده في مكان كهذا من الأساس.
؟؟؟: [――أحبك.]
كلما خطرت بباله فكرة كهذه، وصل إلى مسامعه صوت خافت يمنعه من التفكير.
كان من الصعب سماع الصوت، سواء لكونه خافتًا أو ببساطة لأنه بعيد. لكنه كان صوتًا مفعمًا بالمشاعر، جعله يرغب غريزيًا في الإصغاء إليه بتمعن، وإمالة رأسه نحو مصدره ليتمكن من سماعه.
؟؟؟: [――أحبك. أحبك. أحبك.]
وفي كل مرة يسمع فيها ذلك الصوت، كانت أفكاره التي راودته حتى تلك اللحظة تُمحى وتعود إلى الصفر.
ولم يكن واضحًا أي الخيارين هو الصواب، أو ما إذا كان ينبغي وصف الأمر بالمزعج أم بالحتمي.
ومع ذلك، ومع تكرار الأمر مرارًا وتكرارًا، برزت مسألة جديدة: هل يمكن فعل شيء ما حيال المسافة التي تفصله عن هذا الصوت المسموع؟
؟؟؟: [――أحبك. أحبك. أحبك. أحبك. أحبك.]
وكأنها تقطع حبل تلك الفكرة أيضًا، تزايدت كلمات ذلك الصوت الخافت المترجي.
لكن ذلك أتى بنتيجة عكسية؛ إذ إن الرغبة في سماع ذلك الصوت، والتواجد بجوار صاحبته، كانت هي الدافع وراء ولادة تلك الفكرة لديه، لكي يحاول الوصول إليها بدءًا من الصفر.
ومن ثم――
؟؟؟: [شخص ما…]
وبانفصال أطرافه ورأسه عن جذعه، كان عاجزًا عن الحركة أو فعل أي شيء بنفسه.
ولذا، كان يفضل الاعتماد على مساعدة من حوله؛ أولئك الذين يبدو أنهم قادرون على فعل شيء حيال هذا الموقف.
فهل يوجد شخص ما، أي شخص، يمكنه مساعدته؟
شخص قادر على مد يد العون له، حتى في مثل هذا الموقف البائس.
هل كان هناك شخص عامله بلطف؟
لو أن ذلك الشخص أتى إلى جانبه، فلا ريب أن الحل سيأتي معه.
――وبناءً على ذلك، ومن أجل الوصول إلى الصوت الذي يتردد صداه من مكان بعيد جدًا، قرر أن يمد يده.
△▼△▼△▼△
آل: [――هـڪ.]
أولبارت: [أوه؟ لقد كانت ضربة حماسية للغاية للتو.]
في تلك اللحظة، تردد صدى هدير هائل وقوي في الأجواء، وانتقلت الاهتزازات عبر الأرض لتصل إلى الرجلين داخل النزل المتنقل.
وخارج النافذة، كان هناك ظل أسود ضخم يعيث فسادًا، ويلتهم «مدينة الشياطين» ببطء من مركزها نحو الخارج؛ يبتلعها، ويهضمها، ويحولها إلى شيء لا ينتمي لهذا العالم.
لقد كان ذلك، بكل يقين، أسوأ كابوس يخشاه أي كائن في هذا العالم.
وبمجرد نظرة واحدة تذكر الجميع بذلك، فقد كان تجسيدًا للنهاية.
وكان آل هو أكثر من أدرك —بكل ذرة في جسده، أو بالأحرى بروحه— ذلك الرعب الذي تجلبه نهاية الحياة.
وكان آبل وميديوم، من بين آخرين، يتحركون حاليًا لنزع فتيل هذا الموقف.
وبدلًا من الانضمام إليهم، كان يقبع هنا في هذا المأزق، ممسكًا برأسه المرتجف بين يديه. فكيف بحق هذا العالم استطاع أن يقول إنه سيتبعهم ويساعدهم؟
آل: [أنا… أنا…]
هل تبعهم فقط ليدرك تمامًا مدى عجزه؟
وإن كان الأمر كذلك، فلأي سبب كان من الأساس يفعل――؟
أولبارت: [يا للعجب، ها أنا ذا أعود مسرعًا بكل طاقتي، ولا أجد هنا سوى فتى يرتعد خوفًا على الأرض؟ حسنًا، لكانت مشكلة حقيقية لو كان «صاحب السعادة» هنا أيضًا.]
آل: [――――]
أولبارت: [لكن كافما يقاتل ذلك الشيء، أليس كذلك؟ هل يعني هذا أن «صاحب السعادة» أمره بذلك، ولا نية لديه للهرب؟ هل لديك علم بالأمر؟]
وبعد أن قال ذلك، تقدم أولبارت نحوه وطرح سؤاله.
طقطق العجوز القصير عظام عنقه وانحنى ليتفحص وجه آل الذي كان يجلس القرفصاء؛ إذ كان عقل آل المخدر من الخوف بالكاد يستوعب معنى ذلك السؤال.
فقد توصل فينسنت —الإمبراطور المزيف الغائب— إلى نوع من الاتفاق مع آبل، و――
آل: [إ-إنه مع فتاة صغيرة تُدعى تانزا…]
أولبارت: [تانزا، تقصد تلك الفتاة الأيل؟ لا أدري فيمَ يفكر في هذا الوقت… فـ«صاحب السعادة» قليل الكلام كما تعلم. كان ليسرّني لو ترك ورقة بما ينوي فعله.]
آل: [أ-أنت…]
أولبارت: [أجل؟]
قطب أولبارت حاجبيه وهو يقف عند سماعه كلام آل. ولأنه لم يرد ترك ذلك العجوز المرعب يبتعد عنه، حاول آل جمع كلماته بلسانه وحلقه المرتجفين.
لقد عاد أولبارت إلى هنا، لكن ماذا سيفعل بعد ذلك؟
آل: [ستقاتل ذلك الشيء، أليس كذلك؟]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لا تكن غبيًا.]
آل: [إيه…]
ذُهل آل من رد أولبارت الذي جاء وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد.
ثم، وبينما كان آل يحدق فيه متجمدًا في مكانه، أشار أولبارت بيده نحو النافذة.
أولبارت: [كلا، فهمت الأمر من النظرة الأولى؛ ذلك الشيء خطير للغاية. كما أن يدي اليمنى قد سُلبت مني، لذا لا أريد الإقدام على أمر بكل هذا الخطر.]
آل: [――――]
أولبارت: [سبب عودتي إلى هنا هو إخراج «صاحب السعادة» إن كان جالسًا دون اكتراث. وإن لم يكن هنا، فعلينا البحث عنه وإخراجه من هناك… هل تصادف أنك تعرف أين ذهب «صاحب السعادة» مع تلك الفتاة الأيل…؟]
وعندما سأله أولبارت اللامبالي كعادته، اكتفى آل بهز رأسه نافيًا.
لم تكن تلك كذبة، بل حقيقة؛ فمعظم الحديث الذي دار بين آبل والآخرين في نزل المسافرين —بعد أن ابتلع ذلك الظل الأسود «قلعة اللازورد القرمزي» وفاض منها— لم يبقَ عالقًا في ذاكرته.
وبصعوبة بالغة، تذكر فقط أن كافما طار مبتعدًا كما أُمر، وأن فينسنت غادر برفقة تانزا. وتذكر أيضًا أن آبل ترك آل العاجز خلفه، بينما بقيت ميديوم قلقة على آل حتى النهاية. كان هذا كل شيء.
أولبارت: [نحن في ورطة حقيقية إذن. يبدو أن أهل هذه البلدة تحمسوا بأمر من الفتاة الثعلب، وأصبح العثور على «صاحب السعادة» أصعب فأصعب… لا أريد البقاء طويلًا وسط هذه الورطة المقيتة.]
آل: [――هـڪ، مـ-ماذا تعني بذلك؟ مستحيل، هل ستهرب؟]
ومع وصول تفكيره إلى نتيجة لا تصدق، تهدرج صوت آل.
وأمام نظرات آل المذهولة، هز أولبارت كتفيه وقال بهدوء: «وما عساي أن أفعل غير ذلك؟».
أولبارت: [لا أشعر أن بمقدوري فعل شيء حيال ذلك الكيان. فما يهمني هو حياتي وحلمي، ولا أرى أي سبب للبقاء.]
آل: [ا-الإمبراطور! عليك حماية الإمبراطور يا عجوز…]
أولبارت: [حقيقة أن «صاحب السعادة» يفكر ويتصرف بمفرده تعني أنه يفعل ما يراه الأفضل لنفسه. وإن كان يظن أنه سيحصل على مساعدتي هنا، فهو لا يفهمني حقًا. ولهذا السبب، فإن تلقيبه بـ«الإمبراطور الحكيم» أمر مؤسف للغاية.]
آل: [أوه…]
أولبارت: [إليك نصيحة: الأفضل لك أن تهرب أنت أيضًا؛ فلن تجني شيئًا بالمخاطرة بحياتك هنا. والمعنى أن الفوز حليف من يعيش بحكمة أكبر.]
كانت فلسفة أولبارت —التي مزجت بين ميثاق فولاكيا الحديدي والدموي وتاريخه الطويل كشينوبي— دموية وراسخة كالصخر.
وكان هذا أمرًا يستحيل تغييره مهما قال شخص غريب مثل آل. ――كلا، فالأرجح أنه لا أحد يستطيع تغيير تفكير أولبارت إلا أولبارت نفسه.
فلا ينبغي لأحد أن يسمح لغيره بتحديد مسار حياته أو تشويهه.
ولهذا السبب تحديدًا، تربع هذا الرجل، أولبارت دونكلين، كأقوى شينوبي؛ محارب وصل إلى الكمال دون أن يتمسك بأي شيء ثمين، أو يمنح قلبه لأي إنسان.
فلم يكن يكترث بلقب «الجنرال»، ولا بمنصب زعيم الشينوبي، ولا حتى بواجب حماية الإمبراطور.
لم تكن مسألة حرية، بل خروجًا تامًا عن كل القوانين؛ فذلك هو جوهره الحقيقي: «الخارج عن القانون» الأكبر في هذا العالم.
وكانت تلك قناعة راسخة لا تتزحزح، ولا يمكن لأحد أن يثنيه عنها.
ولذا، فإن مجادلته في مبادئه هنا لن تجدي نفعًا على الإطلاق.
آل: [――――]
وضغط آل على أضراسه بقوة شديدة، ثم أنزل ذراعه التي كان يسد بها أذنه.
وكان صدى الزئير المدوي وهدير الأرض وصراخ سكان «مدينة الشياطين» وهم يواجهون ذلك الظل الأسود يتردد وكأنه تجسيد لجحيم على الأرض، يزلزل كيان آل بعنف.
كان قلبه على وشك التحطم، وعقله على حافة الجنون، وروحه تكاد تتلاشى.
لكنني لم أنكسر بعد… لستُ أنا طالما أنهم لم يستسلموا.
آل: […يا عجوز، دعني أسألك أمرًا واحدًا.]
أولبارت: [――؟ ما هو؟]
آل: [ذلك… ذلك الحشد الأسود من الظلال، له علاقة بـأخي، أليس كذلك؟]
وجزّ آل على أسنانه حتى كاد يتذوق طعم دمه، وجمع كلماته وهو يخفي ارتعاش صوته للحظة.
وكان عزم آل المستميت مخفيًا خلف قناعه القماشي، إلا أن أولبارت ربما أدرك ذلك من نظرة عينيه المحجوبتين ومن نبرة صوته؛ فوضع يده اليسرى على لحيته وقال:
أولبارت: [أجل، بالضبط. بدا لي أن تلك الظلال تدفقت من داخل ذلك الفتى.]
آل: [――――]
أولبارت: [وبعد أن سمعت هذا، هل قررت ما ستفعله؟]
أغمض آل عينيه، وهو يستوعب ما أخبره به أولبارت للتو.
لقد كان أمرًا يعلمه بالفعل؛ فـ ناتسوكي سوبارو يقبع تحت ذلك الظل الأسود. ――كلا، بل ناتسوكي سوبارو هو مركز كل ما يجري.
وإن كان الأمر كذلك، فعليه أن يرفع رأسه بعزيمة تكسر أسنانه صلابة.
فإن كان ناتسوكي سوبارو هناك، فعلى ألديباران أن يتبعه.
آل: [لقد طلبتَ مني أن أعيش بحكمة أكبر يا عجوز.]
أولبارت: [أجل، بالضبط. هذا ما أؤمن به.]
آل: [لكنني لا أوافقك الرأي؛ فطريقتك في العيش ليست حكيمة، بل مجرد دهاء ومكر. ――وأنا لا أريد أن أكون شخصًا بالغًا وماكرًا.]
ودوّى صوت ضربة قوية ومفاجئة.
لم يأتِ الصوت من الخارج، بل من جوار آل مباشرة؛ إذ ضرب بقبضته على الأرض بكل قوته، ليدفعه الألم وقوة الضربة للنهوض. وأسند جسده المنتصب إلى الجدار، متمكنًا بصعوبة من الوقوف على قدميه.
ركبتان ترتجفان، وقلب يرتعد خوفًا، وروح مثقلة بالجراح رغم أنه لم يخض قتالًا بعد… ومع كل ذلك――
آل: [ليس هذا وقت التكاسل والجلوس… فلن أستطيع مواجهة والديّ إن فعلت ذلك، أليس كذلك…!]
ووقف آل وهو يسند يده على الجدار، وكشّر عن أسنانه خلف قناعه.
وعند سماع تصميمه العنيد وسط تلك الصرخات المرعبة، رفع أولبارت حاجبه الطويل والكثيف. ورمق النافذة بنظرة حادة مغمضًا إحدى عينيه بينما يصرخ آل خلفه:
أولبارت: [حماسك جميل وكل شيء، لكن هل تعتقد حقًا أن لدينا فرصة للفوز ضد ذلك الشيء؟]
آل: [مستحيل تمامًا! لا أحد يستطيع الانتصار عليه! حتى لو حاولتُ عشرة آلاف مرة فلن أفوز! الانتصار على ذلك الكيان… وحده ناتسوكي سوبارو يقدر عليه!]
ومع تلويحة واسعة بذراعه، استدار آل وضرب بقوة على حافة النافذة.
وحدق في وجه ذلك العجوز الوحش مباشرة وتقدم خطوة نحو الأمام، وعيناه تشتعلان كالجمر:
آل: [يا عجوز!]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لقد اشتعلت حماستك فجأة. دعني أوضح لك فقط: إن كنت تريد مني مد يد العون، فأنا أرفض…]
آل: [لا أريد مساعدتك! بل أعدني إلى حجمي الطبيعي، أيها العجوز اللعين.]
أولبارت: [――――]
آل: [إن كنت تحتاج وقتًا للهرب، فسوف أشغله لك. لذا أعد إليّ «سلطتي»!]
ومد آل ذراعه اليمنى القصيرة إلى الأمام مباشرة، وصرخ بذلك في وجه أولبارت.
وحبس أولبارت أنفاسه لسماع صرخة آل؛ صرخة امتزج فيها زئير وحشي، ونواح حزين، وعزيمة نارية لا تلين.
ثم، هز العجوز الوحش رأسه ببطء يمنة ويسرة وقال:
أولبارت: [حسنًا، طالما أنك ستتعب نفسك وتلعب دور الفدائي، فلن أجادلك. أصلًا الفتى فاز في اللعبة، ويجب عليّ أن أفي بوعدي.]
آل: [أخي… فاز؟]
أولبارت: [بالضبط؛ فقد تمكن ذلك الصبي بالفعل من الإمساك بي في لعبة المطاردة. وكان ذلك إنجازًا كبيرًا في نظري.]
وبينما قال أولبارت ذلك، تقدم آل ليواجهه وجهًا لوجه، فحيّاه أولبارت بتلويحة من ذراعه اليسرى.
وبعد سماعه لكلام أولبارت، شعر آل بلمسة من الارتياح والإعجاب علت فوق نبضات قلبه التي كانت تدق مثل قنبلة موقوتة.
ففي وقت كان فيه مجرد هبوب الريح يجعل آل يتجمد من الرعب، نفذ سوبارو مهمته، وواجه أولبارت وجهًا لوجه، ونجح أخيرًا في انتزاع الفوز منه.
وبلا شك، بعد أن تجرع مرارة هزائم متتالية يستحيل أن تكون قد حدثت لمرة واحدة فقط――
أولبارت: [ومع ذلك، أريد أن أسألك أمرًا واحدًا بدافع الفضول.]
وفجأة، قاطع ذلك الصوت الأجش دقات قلب آل، فنظر إلى العجوز في صمت.
وكاشفًا عن أسنانه، ابتسم أولبارت في وجه النظرة الباردة في عيني آل، ووضع يده اليسرى الممدودة برفق على صدره.
ثم تابع――
أولبارت: [كيف تنوي مواجهة عدو لا يمكنك الفوز عليه حتى لو حاولت عشرة آلاف مرة؟]
آل: [اخرس أيها العجوز اللعين. ――سأموت مرارًا، حتى لو تطلب الأمر مليون مرة.]
△▼△▼△▼△
آبل: [يا من ورثتِ الوصية لمنع «الكارثة العظمى»، ويا من ستصبحين «متأملة النجوم» الجديدة.]
وفي اللحظة التي أشار فيها إلى ذلك، تزلزل عالم تاريتا بعنف شديد.
كان هيجان «الكارثة العظمى» يزلزل «مدينة الشياطين»، وكانت أصوات الهدير الشبيهة بالزلازل تُسمع بلا توقف؛ لكن شعورها بانهيار الأرض تحت قدميها لم يكن بسبب ذلك.
بل كان ما كشفه الرجل ذو قناع الأوني الواقف أمامها―― ما أشار إليه آبل وطعن قلبها في الصميم.
ميديوم: [متأملة… النجوم…؟]
وبينما كانت تقف إلى جانب تاريتا وتسند جسدها المترنح برفق، تمتمت ميديوم بذلك المصطلح غير المألوف لتتأكد مما سمعته.
لقد كان مصطلحًا تجهله، ولم تكن بحاجة لمعرفته أصلًا.
ففي الواقع، لو استمرت تاريتا بالعيش بسلام في قريتها داخل الغابة كفرد عادي من «شعب الشودراك»، لما اضطرت حتى لسماع هذا الاسم.
ولكن――
تاريتا: [أنا…]
ميديوم: [آبل-تشين! لستُ أفهم شيئًا مما يجري! عن ماذا تتحدث بالضبط؟!]
ونيابة عن تاريتا، صرخت ميديوم في وجه آبل بصوت مرتجف.
ورغم صغر جسدها بعد أن تقلص حجمها، إلا أنها ظلت ثابتة، وتقدمت بصدرها الصغير كأنها تحمي تاريتا، وهي تحدق مباشرة في آبل.
ميديوم: [ما قصة «متأمل النجوم» هذا الذي تتحدث عنه؟ ولماذا تصبح تاريتا-تشان هكذا؟]
آبل: [――. «متأمل النجوم» هو من يتولى مهمة استشراف المستقبل بناءً على مسار النجوم وهدايتها. بل إن وصف الأمر بأنه «قدر محتوم» سيكون أدق من اعتباره مجرد دور.]
ميديوم: […هل تتعمد استخدام كلمات معقدة كهذه؟]
آبل: [ليس هذا مقصدي.]
وعند سماع كلام ميديوم ورؤية ملامح الحيرة والانزعاج على وجهها، أطلق آبل تنهيدة خفيفة.
وبعد ذلك، تجاهل ميديوم ونادى تاريتا باسمها مرة أخرى: «يا تاريتا». فارتجف كتفا تاريتا لا إراديًا، بينما نظر آبل إليها مباشرة وقال:
آبل: [إن سبب طردي من العاصمة الإمبراطورية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ«متأملي النجوم». وأنتِ على علم بهذا الأمر يا تاريتا، أليس كذلك؟]
تاريتا: [تـ-تقصد بذلك الأمر…]
آبل: [بالتأكيد؛ أعني نبوءة دمار الإمبراطورية. لقد كنتِ تعلمين ذلك. ――ولهذا السبب أردتِ قتلي في أدغال بودلهايم.]
تاريتا: [――هـڪ.]
وتصلبت وجنتا تاريتا وخفضت رأسها أمام كلام آبل الحاسم والمباشر، بينما كان يقف عاقدًا ذراعيه.
وكادت صدمة وصفها بـ«متأملة النجوم» تطغى على حقيقة أن آبل قد أشار إلى أمر لا يمكن تجاهله أبدًا.
فقد قالها بكل يقين: ――تاريتا هي صيادة الأدغال.
فهل كانت تندم لأنها أضاعت فرصة إسقاطه بسهمها؟
وحين تحول ذلك إلى كلمات منطوقة――
تاريتا: [منذ متى…]
آبل: [――――]
تاريتا: [منذ متى وأنت تعلم أنني كنت أستهدفك…؟]
ميديوم: [تاريتا-تشان!؟]
طأطأت تاريتا رأسها وطرحت هذا السؤال عاجزة عن النظر في عيني آبل.
وعند سماع كلمات تاريتا، صدرت عن ميديوم صيحة صدمة عارمة؛ وكان ذلك طبيعيًا، إذ اتضح من سؤال تاريتا أنها لم تعد تملك أي مجال لإنكار ما يضغط به آبل عليها.
لقد كان اعترافًا صريحًا بالحقيقة: حاولت تاريتا قتل آبل بسهامها.
آبل: [علم «متأملي النجوم» المسبق… في الغالب تكون «الوصايا» مشتركة بين متأملي النجوم. وكان من المتوقع أن يلاحقني مطارديّ بعد هروبي من العاصمة الإمبراطورية وهم يعرفون تلك الوصية. وإضافة إلى ذلك…]
تاريتا: [إضافة إلى ذلك؟]
آبل: [كان من الممكن تخمين أنني سأعتمد على «شعب الشودراك» بناءً على معرفة آلية عمل العرش. وعلى الأرجح، هناك مغتال وسط الشودراك.]
تاريتا: [――――]
آبل: [غير أنني لم أحصل على دليل قاطع على وجود ذلك المغتال إلا عندما استهدفتِ ناتسوكي سوبارو ظنًا منكِ أنه أنا.]
وعند سماع استنتاج آبل المنطقي، قبضت تاريتا بقوة على طرف ثيابها.
كان ذلك حقيقيًا؛ فتاريتا، التي تعيش في أقصى أطراف الإمبراطورية، لم تكن تملك أي وسيلة لمعرفة ملامح إمبراطور فولاكيا. كل ما كانت تعرفه هو أن الشعر الأسود والعينين السوداوين من سمات مظهره الخارجي.
ولم يخطر ببالها قط أن يظهر في الغابة في ذلك اليوم والوقت نفسه أكثر من شخص يحمل مثل هذه السمات النادرة.
آبل: [كان رد فعلكِ لافتًا حين رأيتِ كلينا —أنا وذلك الفتى— محبوسين داخل قفص القرية… فبالنسبة لبيدق لدى «المراقبين»، تبدو طبيعتكِ صادقة أكثر من اللازم.]
تاريتا: [――آه.]
آبل: [لقد رافقتِني في السيطرة على «غوارال» وفي الرحلة بعدها إلى «مدينة الشياطين»، لكنكِ لم تبدي أي رغبة في تنفيذ الوصية. لماذا ذلك؟]
تاريتا: [――――]
آبل: [لماذا ترفضين إطاعة تلك الوصية؟ حسب ما سمعت، فإن قدر «متأمل النجوم» المحتوم ليس أمرًا يستطيع المرء مقاومته حتى وإن كان واعيًا به. ولا أظن أن لديكِ الإرادة لمقاومة ذلك القدر.]
فلو كانت تملك تلك الإرادة القوية والانضباط الذاتي، لما رافقتهم تاريتا في هذه الرحلة من الأساس.
كان حكم آبل قاسيًا، لكنه صائب؛ صائب لدرجة تدمي القلب.
فلم تكن تاريتا تملك القوة للتخلي عن وصيتها الخاصة.
ولو كان ذلك ممكنًا، لتخلت عن هذا العبء الثقيل قبل هذا بكثير.
فقد كانت تدرك بيقين تام أنها إن لم تطع تلك الوصية، فإن «الكارثة العظمى» ستدمر الإمبراطورية――
ميديوم: [――يا ويلي! لستُ أفهم أي شيء على الإطلاق!]
وبينما غرقت تاريتا في عذابها وواصل آبل محاصرتها بالأسئلة، انفجرت ميديوم العالقة بينهما دون أن تفهم ما يدور. وحدقت في آبل بعينيها الزرقاوين، وبسطت ذراعيها لتحمي تاريتا خلف ظهرها.
ميديوم: [لا أعرف شيئًا عن استهداف آبل-تشين، أو أن تاريتا-تشان هي من استهدفته! وقبل كل شيء، لو أن تاريتا-تشان عزمت على ذلك حقًا، لكان آبل-تشين قد مات الآن! أليس كذلك؟]
آبل: [أنتِ، تعلمي كيف تضبطين لسانكِ.]
ميديوم: [بلى! يا آبل-تشين، هل تستطيع أصلًا الهرب من تاريتا-تشان؟]
وارتسمت ملامح الضيق على فم آبل بعد كلمات ميديوم المليئة بالحماس.
لم يستطع إنكار كلامها، غير أن آبل كان قد طرح هذه الشكوك على تاريتا بالفعل.
بعبارة أخرى، وكما قالت ميديوم تمامًا: كان بإمكانها فعل ذلك لو أرادت، فلماذا لم تفعل إذن؟
كان ذلك――
تاريتا: […لأنني… لم أستطع إيجاد… أي معنى لذلك.]
آبل: [――. وأي سبب تحتاجينه أكثر من إنقاذ الإمبراطورية من الهلاك؟]
تاريتا: [أنا! لم أكن أعلم حتى أنك الإمبراطور، أو كيف طُردت من العاصمة الإمبراطورية…! وذلك لأنني… لأنني بصفتي متأملة للنجوم، فأنا――]
وبدأت المعاناة التي ظلت حبيسة أعماق صدرها لوقت طويل تفيض أخيرًا حين فتحت فمها.
وما فجر تلك المعاناة التي عجزت طويلًا عن صياغتها في كلمات لم يكن سوى ملاحقة آبل وإصراره.
لكن قبل أن تتمكن من التعبير عنها بوضوح――
ميديوم: [――لااا!]
صرخت ميديوم بعينين متسعتين، وسرعان ما ارتفعت أنظار تاريتا وآبل إلى الأعلى.
فوقهم مباشرة، غطى سواد دامس المبنى الذي يقف فوقه الثلاثة―― كلا، لم يكن مجرد ظلام يتمدد، بل كانت ذراعًا سوداء عملاقة.
امتدت تلك الذراع ذات الأصابع الخمسة منتصبة، ثم هوت بكل ثقلها نحو المبنى من الأعلى مباشرة.
وكأنها تحاول سحق الأشخاص الثلاثة الموجودين هناك―― كلا، بل كأنها تحاول انتزاعهم بقبضتها الهائلة.
تاريتا: [――هـڪ، ميديوم! آبل!]
وفي اللحظة التي رأت فيها اقترابها، تلاشت كل الأفكار المشوشة من عقل تاريتا.
واختفى أثر المواجهة الكلامية السابقة تمامًا؛ فتحركت تاريتا بدافع من غريزتها، واحتضنت ميديوم أمامها، وحملت آبل على كتفيها، ثم وثبت إلى الخلف مباشرة.
وحاولت بذلك الإفلات من نطاق الذراع السوداء العملاقة. ――لكن ذلك لم يكن كافيًا؛
إذ كادت أطراف الأصابع الهابطة أن تطالهم لتنتزعهم من هذا العالم دون أدنى قدرة على المقاومة.
؟؟؟: [لن أسمح بحدوث ذلك――!!]
غير أنه، وقبل أن تصل الذراع الجبارة إلى تاريتا ورفيقيها، اندفعت كتلة ضخمة بعنف شديد لتستقر فوق رؤوسهم، فاصلة بينهم وبين تلك الذراع العملاقة.
لقد كانت جدران القلعة التي قُطعت وأُمسك بها، محاطة بإحكام بكروم شوكية خضراء زمردية.
وبقوة طرد مركزي هائلة، تحولت إلى قبة تحمي الثلاثة وتاريتا بينهم، في محاولة لصد الذراع العملاقة الهابطة.
وبطبيعة الحال، لم تكن تلك الذراع لتتوقف بمثل هذا العائق؛
فبمجرد أن لمست الذراع السوداء الهائلة الجدار، تفكك كما تتفتت الحلوى، وتلاشى في ثانية كأنه ورقة شجر تلتهمها حشرة مجنحة.
ومع ذلك――
؟؟؟: [لن أسمح بمزيد من الفوضى في مدينتي―― هـڪ!]
اندفعت امرأة ترتدي الكيمونو تحت جدار القلعة المتلاشي، وانتصبت أذنا الوحش على رأسها، وركلت بساقيها الطويلتين نحو الأعلى، لتدفع الجدار بقوة في وجه الذراع العملاقة.
واخترقت موجة من الضغط الهائل المكان مسببة انهيار المبنى المستهدف؛ غير أن القوة الخارقة لركلة تلك المرأة جعلت الذراع العملاقة خلف الجدار تنحني، مما أوقف زحف السواد.
صحيح أن التوقف لم يدم سوى للحظة واحدة؛
إلا أن تلك اللحظة كانت كافية.
تاريتا: [――هـڪ، لقد نجونا!]
وتنفست تاريتا الصعداء بعد أن أفلتت بأعجوبة من نطاق الذراع العملاقة، بينما احتك كعباها بالأرض بقوة.
وهبطت ميديوم وآبل على الأرض بعد أن أفلتا من ذراعيها. ونظر الثلاثة إلى الأعلى ليروا المبنى الذي كانوا يقفون فوقه قبل لحظات وهو يُبتلع بالكامل داخل الظلال.
ميديوم: [يـ-يورنا-تشان…!]
آبل: [إنها بخير؛ مع أن الظلال تطاردنا الآن بضراوة أشد مما كانت عليه قبل لحظات.]
ورد آبل وهو يشير بذقنه، بينما راحت ميديوم تتلفت حولها بقلق.
وفي النقطة التي اتجهت إليها أنظارها، كانت المرأة ذات الكيمونو —التي أطلقت تلك الضربة الهائلة— تقفز هنا وهناك بينما تطاردها الظلال الهائجة؛ فهل كانت تلك هي يورنا ميشيغوري؟
لقد كانت تلك القوة الخارقة جديرة بحق بأن تمنحها مكانتها بين «الجنرالات التسعة الساميين».
وكان من المفهوم تمامًا رغبة آبل في ضم شخصية بمثل قوتها إلى صفه؛ فشخص يملك هذه القوة قادر بسهولة على قبول مصير يحدد مسار العالم.
وعلى عكس تاريتا، فلن يتردد أبدًا إن حانت اللحظة.
آبل: [لقد أنقذتِني مرة أخرى يا تاريتا.]
وكأنه يقرأ حيرة تاريتا وترددها، نظر آبل إليها وهي جاثية على ركبتيها.
لم تستطع تاريتا تهدئة أنفاسها، لأسباب تتعدى مجرد الجهد البدني الذي بذلته للتو. ومع ذلك، لم يكن آبل ليرحم تاريتا، لا جسديًا ولا نفسيًا.
آبل: [لولا أنكِ مددتِ يدكِ، لكنتُ فقدتُ حياتي دون أي عناء منكِ. ومع ذلك أنقذتِني؛ فهل ذلك لأنكِ عاجزة عن تنفيذ الوصية التي كُلفتِ بها دون أن تلطخي يديكِ بنفسك؟]
تاريتا: [هـ-هذا غير صحيح…!]
آبل: [إن كان الأمر كذلك، فكيف تفسرين هذا؟ فتصرفاتكِ تتناقض مع――]
ميديوم: [ولكن قبل كل هذا، يجب أن نشكرها على مساعدتنا، أليس كذلك!؟]
ومرة أخرى، هبت ميديوم لنجدة تاريتا التي عجزت عن الكلام بعد اتهامها بالتناقض في تصرفاتها.
وكانت ميديوم —بشعرها الذهبي الجميل المبعثر— توجه سبابتها نحو آبل أمام عينيه مباشرة. ورغم فارق القامة الواضح بينهما والذي ظهر في حركتها تلك، إلا أن ميديوم لم تتراجع ولم تتنازل عن موقفها.
ميديوم: [يا آبل-تشان، لولا أن تاريتا-تشان أنقذتنا لكنا قد متنا، أليس كذلك؟ علينا شكرها أولًا. شكرًا لكِ يا تاريتا-تشان~!]
تاريتا: [إ-إيه…؟]
ميديوم: [والآن، لنعد إلى صلب الموضوع! ما خطب هذا الأمر يا آبل-تشين؟ ماذا تريد من تاريتا-تشان أن تفعل؟]
والتفتت ميديوم وشكرتها، ثم استدارت بسرعة نحو آبل.
وكان سؤالها قد تأخر قليلًا بسبب الحوار بين آبل وتاريتا، وتنهد آبل لعجز ميديوم عن مواكبة وفهم ما يجري.
آبل: [لقد أوضحتُ ذلك لتاريتا بالفعل. ولستُ بحاجة إلى أن تفهمي أنتِ الأمر.]
ميديوم: [إن لم أفهم، فسأظل أزعجك حتى أفهم، اتفقنا؟ ما رأيك في هذا؟]
آبل: [――. من أجل إخماد «الكارثة العظمى»، يتحتم عليّ أن أفقد حياتي. هذا هو المستقبل الذي رآه «متأمل النجوم»، وتلك هي الوصية التي كُلفت بها تاريتا.]
ميديوم: [――؟ لستُ أفهم ما تعنيه إطلاقًا. لماذا يهدأ ذلك الظل الأسود الضخم بعد موت آبل-تشين؟ هذا غريب للغاية!]
وردًا على إلحاح ميديوم، عضت تاريتا على باطن خدها.
بالتأكيد، كانت تستوعب النبوءة القائلة بنجاة الإمبراطورية من الهلاك عند تنفيذ تلك الوصية، لكن تاريتا لم تكن تعرف كيف سيحدث ذلك تحديدًا. غير أن الإشارة إلى ذلك لم تجعل ميديوم سوى أن تدرك قسوة آبل وبروده――
آبل: [――أليس أمرًا غريبًا؟]
لكن تفكير تاريتا توقف فجأة أمام صدى كلمات آبل التي تلت ذلك.
وكشفت ميديوم عن أسنانها قائلة «غريب» باحتجاج شديد؛ فرد آبل وهو يغطي فمه بيده مكررًا الكلمة: «غريب».
آبل: [يا تاريتا.]
تاريتا: [آه، مـ-ماذا هناك؟]
آبل: [الوصية التي كُلفتِ بها، بأن تسلبي حياتي لتفادي هلاك الإمبراطورية. هل أنتِ متأكدة منها؟]
تاريتا: [――هـڪ.]
ومع توجيه السؤال إليها مجددًا، أومأت تاريتا برأسها في تردد.
فقد قيل لها إن تلك الوصية التي عجزت عن تنفيذها أمر لا بد منه.
لكن بعد أن تأكد من ذلك، قال آبل مرة أخرى: «إن كان الأمر كذلك»،
آبل: [ألا يُعد هذا هو ما تعرفينه بـ «الدمار»؟]
تاريتا: [إيه…؟]
آبل: [أنتِ تعلمين بنبوءة أن «الكارثة العظمى» ستجلب الهلاك للإمبراطورية. لكنكِ تعتقدين أن ذلك الشيء و«الكارثة العظمى» هما أمر واحد بعينه. هل أنتِ متأكدة من ذلك؟]
ومع ذلك السؤال، تسارعت أفكار تاريتا محاولةً فهم معناه.
فماذا يمكن تسمية ذلك الكيان الذي يبعث على الذعر والرعب —ذلك الظل الأسود الذي يمتد ببطء من قلب «مدينة الشياطين»— إن لم يكن هو «الكارثة العظمى»؟
ومرارًا وتكرارًا، تجلى أمامها ذلك المشهد الكابوسي؛ ففي كل ليلة، كان الكابوس يلح عليها ألا تنسى، جالبًا لتاريتا رؤى الهلاك القادم مرة تلو الأخرى. وكان ذلك الكيان تجسيدًا مؤكدًا لتلك الرؤى بلا شك، غير أن――
تاريتا: [أهو… «الكارثة العظمى» أم لا…]
آبل: [لم تحصلي على معرفة مؤكدة بشأنه، أليس كذلك؟ ربما إذن هناك «متأمل نجوم» آخر يملك تلك المعرفة.]
تاريتا: [متأمل آخر…]
وبعد تلك العبارة، بدأت عينا تاريتا تتحركان في ذعر واضطراب.
ورغم أن آبل ذكر أن «متأملي النجوم» متصلون ببعضهم، إلا أن تاريتا كانت استثناءً. ――كلا، لم تكن كلمة «استثناء» هي الوصف الدقيق؛ بل كانوا مختلفين في الأساس منذ البداية.
ولهذا السبب، لم يكن لدى تاريتا أي علم بوجود متأملي نجوم آخرين.
تاريتا: [آه…]
وإن كان يخطر ببالها متأمل نجوم آخر، فسيكون ذلك الشخص الذي قابلته قبل لحظات وجيزة.
تاريتا: [――――]
ذلك الرجل النحيل الذي لم تفارقه نبرته اللامبالية المسترخية، ذلك الشخص البغيض الذي لم يكلف نفسه حتى عناء ذكر اسمه، وكان واسع الاطلاع لدرجة أنه نعتها بـ «عار الشودراك».
لقد كان على علم بذنب تاريتا، ربما بسبب الرابط بين متأملي النجوم.
فماذا قال ذلك الشخص، «متأمل النجوم»، حين وقع بصره على «الكارثة العظمى»؟
إن كانت تتذكر بدقة، فقد قال ذلك الرجل――
تاريتا: [إنه… يقع خارج نطاق مسؤوليته…]
آبل: [――. أحقًا؟ أهذا ما قاله متأمل النجوم؟ فهمت.]
ميديوم: [آبل-تشين؟]
وعند سماعه لكلمات تاريتا الصادرة بذهول، أومأ آبل برأسه، ثم استدار مبتعدًا.
وقطبت ميديوم حاجبيها عند ذلك، والتفتت لتصل إلى أمامه وتحدق مباشرة في وجهه. وما إن فعلت، حتى اتسعت عينا ميديوم المستديرتان؛ لقد باغتتها الدهشة.
وكان سبب دهشتها جليًا في رد فعل آبل الفوري؛
فقد وضع آبل كفه على وجهه المغطى بـ «قناع الأوني»، وثبّت نظراته بحدة نحو قلب «مدينة الشياطين»؛ حيث كانت «الكارثة العظمى»―― أو بالأحرى، تلك الكتلة السوداء الحالكة التي تلتهم كل شيء―― تواصل هيجانها المدمر.
آبل: [――هلاك الإمبراطورية، أليس سببه تلك «الكارثة العظمى»؟]
ومع هذه التمتمة، تنحنح آبل قليلًا وأطلق زفيرًا قصيرًا.
وبالنسبة لتاريتا، التي عجزت عن رؤية تعابير وجهه من خلف القناع، بدا ذلك الصوت أشبه بضحكة ساخرة.
آبل: [إن كان الأمر كذلك، فلا مبرر لتعثرك في منتصف الطريق. ――وسأجعلك تختفي من هذه الرقعة، أيها الدخيل.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※