الفصل 417 - الكارثة العظمى
الفصل السادس والخمسون
«الكارثة العظمى» [★]

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――تخلّوا عن المدينة، واشرعوا في الانسحاب.
وإزاء إعلان ذلك الرجل ذي قناع «الأوني»، تصلبت وجنتا يورنا واحتدت نظراتها.
فقد حسمت أمرها للتو باحترام رأي الرجل الماثل أمامها؛ إيمانًا منها بأن ذلك يمثل السبيل الأمثل للذود عن حمى ديارها، «كايوسفليم».
غير أنه على النقيض من عزم يورنا، صدع الرجل بقراره في التخلي عن المدينة:
يورنا: [يستحيل عليّ قبول رأيٍ كهذا.]
آبل: [هووهـ؛ ولِمَ ذاك؟]
يورنا: [أليس الأمر جليًا؟ هذه «مدينة الشياطين» كايوسفليم، الملاذ الأخير لكل من طاردتهم الإمبراطورية ولم يجدوا من يلجأون إليه ولا مستقرًا يأوون إليه… وأن ننبذ كل هذا جانبًا…]
آبل: [أمرٌ مرفوض، أليس كذلك؟ ――عاطفةٌ فارغة لا طائل منها.]
يورنا: [――هـڪ، فينسنت فولاكيا…!]
وهي تطحن أسنانها غيظًا إثر الكلمات القاسية الصادرة عن حاكم الإمبراطورية عاقد الذراعين، هتفت يورنا باسمه مقرونًا بنظرة حادة صارمة؛ فرد الرجل بملامسة قناع «الأوني» بيده.
وما إن عكست عيناه السوداوان —المرئيتان حتى من وراء قناع «الأوني»— طيف يورنا، حتى قال:
آبل: [أحمل اسم «آبل» الآن، ومن غير اللائق مناداتي بذلك الاسم؛ وإن كنتِ تبيتين النية لاستجداء عطف الإمبراطور، فتلك حماقة بالغة.]
يورنا: [――. على شعب الإمبراطورية أن يكون قويًا، أليس كذلك؟]
آبل: [أجل، بالضبط.]
فالإمبراطور―― أو بالأحرى، الرجل الذي أطلق على نفسه اسم «آبل»، أعلن أن هذا هو ديدن الإمبراطورية تحديدًا.
إذ يتحتم على الإمبراطور، المتربع على قمة «إمبراطورية فولاكيا»، أن يكون التجسيد الحي لعهد «الدم الحديدي» الذي يؤمن به شعب الإمبراطورية ويقدسه؛ وسواء كان ذلك حقًا أم لا، كان لزامًا على الإمبراطور أن يرسخه.
ومع تأكيد آبل الصارم، عاتبت يورنا نفسها على التماسها الخاطئ.
فهل كان آبل يعلم حقيقة ذلك الظل منذ البداية؟ حقيقة ذلك السواد الطاغي الذي ابتلع «قلعة اللازورد القرمزي» بأكملها؟
ألهذا السبب خلص إلى هذا القرار الفظ بالتخلي عن المدينة؟
يورنا: [أترى خطره داهمًا إلى حدٍّ يوجب علينا الفرار في الحال؟ وما كنه ذلك الشيء بحق هذا العالم؟] [1]
آبل: [――«الكارثة العظمى».]
يورنا: [كارثة… عظمى…؟]
وما تلا سيل أسئلة يورنا لم يكن سوى كلمات خافتة شحيحة؛
غير أنه على النقيض من هدوء نبرته، كان لثقل الكلمات التي نطق بها وقعٌ كافٍ لإثارة الذهول والارتباك في صدر يورنا. ――إذ كانت تنبئ بوقوع فاجعة عاتية.
يورنا: [ما الذي تعنيه تحديدًا بـ«الكارثة العظمى»؟]
آبل: [كيانٌ يهدد بقاء الإمبراطورية ذاته، ويجلب دمارًا يعجز حتى ضياء الشمس عن بلوغه… ذاك ما نطق به «متأمل النجوم» في وصفه؛ وحين سمعتُ ذلك للمرة الأولى، حسبته محض مبالغة.]
يورنا: [――――]
آبل: [لكن بالنظر إلى ذلك الكيان الماثل أمامكِ، ستدركين أنه لم يكن ثمة أدنى شائبة مبالغة في التعبير المستخدم.]
وأشار بذقنه نحوه، نحو ذلك الظلام المتجسد―― نحو «الكارثة العظمى» الجالبة للهلاك، كما نعتها آبل.
ولم تملك يورنا إلا أن تتجرع مرارة في باطنها حين تردد صدى لفظ «متأمل النجوم» جاريًا على لسانه؛ إذ كان وجود «متأمل النجوم» إحدى الممارسات الخبيثة في «إمبراطورية فولاكيا».
أو على الأقل، كان ذلك هو التوصيف الوحيد الذي ترتئيه يورنا في وصفهم؛
ففي الأصل، لم يكن نشوء أمنية يورنا الراسخة والمتقدة بمعزلٍ عن «متأمل النجوم» بأي حال من الأحوال.
وعلى أية حال――
يورنا: [إذن، هل ستسلّم بكلام «متأمل النجوم» وتولي الأدبار هاربًا؟ إن كان الأمر كذلك، فتلك بلا ريب دلالة على الجبن وخور العزيمة. وكنتُ أحسبك تجسيدًا لنهج الإمبراطورية الصارم… ونموذجًا فذًا للغاية عليه.]
آبل: [إن كنتِ تظنين أن بوسعكِ التأثير عليّ باستفزاز رخيص، فالأجدر بكِ تصحيح هذا الوهم على عجل. فبادئ ذي بدء، لستُ أنا من سلّم بكلمات «متأمل النجوم» بحذافيرها واقترف هذه الفعلة النكراء.]
يورنا: […أرى أن لديكَ أنت أيضًا بعض الهواجس إزاء نبوءة «متأمل النجوم».]
آبل: [أي امرئ يتمتع برجاحة العقل لن يستريح قلبه لها قط. غير أنه حتى لو اعتُبرت غير ضرورية وتُوجِلَت، فستتلوها نبوءات أُخَر؛ وتلك هي المعضلة المقلقة فيها. ――همم.]
لويس: [أُوو!]
وفيما كان يتحدث، قاطعت لويس الملتاثة كلمات آبل بهديرٍ محتد.
وبدا وكأنها تعاتب آبل ويورنا على انخراطهما في حديث لا يمت بصلة مباشرة لسبيل إخماد «الكارثة العظمى».
وكان ذلك أمرًا بديهيًا؛ فـ«الكارثة العظمى» قد――
لويس: [واو!]
آبل: [――. يا يورنا ميشيغوري، أريد الاستيثاق من أمر واحد.]
يورنا: […وما هو؟]
وضيّق آبل عينيه استجابةً لإلحاح لويس العارم، مشيرًا نحو «الكارثة العظمى» التي كانت تتلوى بضراوة في الأفق. وحين وجّه سؤاله إليها، ضيّقت يورنا عينيها اللوزيتين.
وكان بوسعها أن تتكهن تقريبًا بالكلمات التي ستعقب ذلك، وبطبيعة التساؤل الموشك على الطرح.
تَمثّل ذلك في――
آبل: [إن كنتِ أنتِ وهذه الفتاة معًا، فلا بد من وجود شخص آخر؛ صبيٌّ داكن الشعر. فأين توارى ذلك الصغير؟]
يورنا: [――. إن كنتَ تعني ذلك الصبي…]
وبإلقائها نظرة سريعة، نطقت عينا يورنا بالجواب عن تساؤله بما يفوق بلاغة الكلمات بمراحل.
إذ اتجهت نظرات يورنا نحو «الكارثة العظمى» التي كانت لويس تشير صوبها بهستيرية؛ فالصبي كان حاضرًا هناك حين تدفق لأول مرة ذلك الظلام الذي ابتلع «قلعة اللازورد القرمزي».
――بل في واقع الأمر، وبحسب ما عاينته يورنا، بدا وكأن «الكارثة العظمى» قد فاضت وتفجرت من داخل ذلك الصبي بالذات.
آبل: [كما توقعت.]
وردًا على جواب يورنا الصامت، وضع آبل القطعة الأخيرة في أحجية ذهنه.
وبدا ذلك بمثابة حكم قاطع؛ فنظرت يورنا إلى آبل وهي تهتف: «أيها الـ…»، غير أنه أمام ندائها، هز آبل رأسه ببطء يمنة ويسرة. [2]
آبل: [رغم أن مقاصدنا قد تبددت، إلا أنه لا حيلة أمام هذا الواقع. فلا جدوى من التشبث بالخطط إن لم تُسفر في نهاية المطاف عن أدنى نتيجة.]
يورنا: [وماذا يعني ذلك إذن؟]
آبل: [الخطة تظل كما هي؛ التخلي عن «مدينة الشياطين» والانسحاب فورًا. ――غير أن وقوع الخسائر بات أمرًا محتومًا، ولن نقوى على تفاديه بالكامل.]
يورنا: [――هـڪ، يستحيل أن أوافق على شـ…]
وفي اللحظة التي أوشكت فيها يورنا على إخباره برفضها القاطع لمثل هذا القرار، وقع ما لم يكن في الحسبان.
لويس: [آهـ، أُهـ!]
آبل: [غـوهـ…!]
وأطلق آبل صرخة ألم وجثا على ركبتيه في موضعه، قابضًا على بطنه بيديه.
وبسرعة خاطفة فاقت قدرة يورنا على سد المسافة بينهما، اندفعت لويس نحو الفجوة، وسددت ضربةً بكف يدها الصغيرة عبر ذراعها القصيرة إلى جوفه مباشرة.
ورمقت الفتاةُ صانعَ ذلك القرار القاسي، آبل، بنظرة مستعرة، وأطلقت زمجرة من حلقها مقرونة بزفير عنيف:
لويس: [واو… واو!]
وهي تصرخ بذلك، استدارت واختفت عن الأنظار في طرفة عين.
لقد كان ذلك هو «الانتقال الآني» اللحظي ذاته الذي أظهرته خلال النزال فوق برج القلعة ضد أولبارت. ولعجزها عن الانتقال لمسافات شاسعة دفعة واحدة، واصلت لويس انتقالها المتلاحق، قافلةً أدراجها مجددًا نحو وطيس المعركة الذي تُحكم «الكارثة العظمى» قبضتها عليه.
وفي الأفق البعيد، كان كافما يستميت في عرقلة «الكارثة العظمى» موظفًا الحشرات المستكنّة في جوف جسده.
وبالنسبة لـ يورنا، كان من العسير عليها تصديق أن تلك الفتاة الصغيرة تملك في جعبتها ما يقوى على توجيه ضربة حاسمة لتلك «الكارثة العظمى».
فلو امتلكت شيئًا كهذا، لسعتا لإنقاذ ذلك الفتى بمفردهما، دون حاجة للاعتماد على آبل؛ وعليه، فقد افتقرت إلى أية ورقة رابحة.
وإن وُجدت ورقة رابحة بحق، فستكون――
يورنا: [――ألا يمكن مجابهتها بلهيب «سيف اليانغ»؟]
آبل: [――――]
يورنا: [أجبني!]
وهو ما يزال قابضًا على بطنه من شدة الألم، ظل آبل جاثيًا على ركبتيه فوق سطح المبنى.
ورغم قناعتها بأن آبل قد نال الجزاء الذي يستحقه من ضربة لويس، إلا أن يورنا كانت موقنة كذلك بأنه الشخص الوحيد الذي يمسك بيده مفتاح الخروج من هذه الورطة الساحقة.
كان إمبراطور «إمبراطورية فولاكيا» يمتلك سيفًا سحريًا حقيقيًا، وهو سيف يُعد من بين السيوف المقدسة.
وبلهيب «سيف اليانغ»، كان بالإمكان حتى محو وجود تلك «الكارثة العظمى»――
آبل: [――لا نية لدي لسلّه.]
غير أن رد آبل على طلب يورنا لم يكن ما كانت ترجوه.
ولم تستطع يورنا أن تفهم كيف يصدر مثل هذا الرد عن شخص عاقل؛ حتى وإن كانت تدرك أن «الكارثة العظمى» أمر استثنائي جعله مستعدًا للتخلي عن «مدينة الشياطين» باعتباره خطرًا داهمًا لأقصى حد.
يورنا: [ومع ذلك لن تسل «سيف اليانغ»… كيف يمكنك أن تترك الأمر هكذا ببساطة؟]
آبل: [――――]
يورنا: [أجبني يا فينسنت فولاكيا! إن كنتَ… إن كنتَ إمبراطور هذه الإمبراطورية، فلا بد أن هناك دورًا عليك أداؤه! إن كنتَ الإمبراطور، إذن…!]
احمرت عيناها من شدة الغضب، وأمسكت يورنا بياقة آبل وهو جاثٍ على ركبتيه، وأجبرته على النظر في عينيها.
وخلال كل هذا، كانت «كايوسفليم»، المدينة التي تحكمها يورنا، في خطر شديد. فإلى أي مدى يستطيع كافما ولويس الصمود أمام «الكارثة العظمى»؟ وإلى أي مدى ساعد انفجار «قلعة اللازورد القرمزي» في إضعاف قوتها؟
لم تكن تفهم شيئًا من ذلك؛ وكل ما فهمته هو أنها لا يمكن أن تترك الأمور على حالها.
فبهذه الوتيرة، لن يتحقق عهد يورنا ولا رغبتها.
ولأجل ذلك، ومهما كان الثمن، كانت بحاجة ماسة لتعاون الرجل الواقف أمامها.
يورنا: [إن كنتَ إمبراطور إمبراطورية فولاكيا…]
آبل: […لن أستخدم سيف اليانغ.]
يورنا: [――هـڪ، أنت…]
كشفت يورنا عن أنيابها الحادة محاولةً تهديد آبل، الذي تمسك برأيه بعناد رافضًا تغييره.
ونادرًا ما كانت تصدر منها حركة فظة مثل إظهار أنيابها. ومع ذلك، لو أرادت، لكان بإمكان هذه الأنياب تمزيق عنق الرجل النحيف أمامها إلى أشلاء بكل سهولة.
لكن مثل هذه التهديدات كانت أمرًا عاديًا للرجل الذي يقف أمامها، آبل.
فإمبراطور «إمبراطورية فولاكيا» يعيش في منصب يجعله يواجه باستمرار نوايا القتل والعداء ممن حوله. ولهذا السبب بالتحديد استطاع هذا الرجل البقاء في مثل هذا المنصب――
يورنا: [إن كنتَ إمبراطور فولاكيا…]
آبل: [――متى ستفهمين يا يورنا ميشيغوري؟]
يورنا: [――هـڪ.]
آبل: [إمبراطور الجيل الحالي، فينسنت فولاكيا، يختلف عن الإمبراطور الذي تتخيلينه. ولستُ ملزمًا بالتصرف وفق رغباتك ومبادئك.]
وأمام موقفه المنفصل تمامًا عن موقفها، أطلقت يورنا تنهيدة خفيفة.
وأخيرًا، أبعدت يدها عن عنق الرجل الذي كانت تمسكه، وتراجعت خطوة واحدة بهدوء. وفي أثناء تراجعها، ضغطت على أسنانها ونظرت بثبات إلى آبل وهو يمسك عنقه.
لقد فهمت الأمر دون حاجة لأن يخبرها أحد.
فسواء ارتدى قناع «الأوني» أم لا، فإن الرجل الماثل أمام عينيها لا يشبه بأي شكل الرجل الذي كانت تتخيله، حتى وإن كانت دماء حبيبها تجري في عروقه.
يورنا: […لا يمكنني قبول كلامك.]
آبل: [إن لم تتخلي عن «مدينة الشياطين»، فستخسرين كل شيء آخر أيضًا.]
يورنا: [«مدينة الشياطين» هذه هي كل ما أملكه الآن!]
ردت يورنا وهي تبسط ذراعيها، ثم أخرجت غليون «الكيسيرو» من صدرها وأشعلت طرفه. وعلى الفور، سحبت الدخان من الكيسيرو بكل قوتها، ثم نفثته نحو السماء.
وشكّل الدخان الأرجواني المتطاير سحابة ضخمة اتجهت نحو أطراف ساحة المعركة حيث تتحرك «الكارثة العظمى»―― مرورًا فوق رؤوس سكان «مدينة الشياطين»، الذين ملأ الرعب قلوب الكثير منهم لرؤية ذلك الخطر.
وبعد ذلك، تفرقت سحابة الدخان الأرجواني ببطء وهبطت على كل واحد من السكان―― على كل واحد من أبنائها، ليستقر الدخان الأرجواني بين أيديهم.
يورنا: [――أحبّوني.]
كانت همسة يورنا خافتة جدًا لدرجة أن آبل وحده، الواقف في المكان نفسه، استطاع سماعها.
ومع ذلك، فهم كل من استقر الدخان الأرجواني بين أيديهم ما تريده يورنا. ولذا، ورغم أن صوتها لم يبلغ مسامعهم، وضعوا جميعًا ذلك الدخان الأرجواني في أفواههم وابتلعوه دفعة واحدة.
يورنا: [――ولتكونوا محبوبين مني.]
لم تكن كلمات يورنا التالية أو تمتماتها موجهة لمنفعة أحد أو أي شيء؛
بل كانت، إن صح التعبير، نوعًا من الدلال الذي تمنحه يورنا لنفسها؛ طقسًا ضروريًا وتعويذة تستنهض بها عزيمتها للمضي قدمًا.
أولئك الذين وصلهم دخان يورنا الأرجواني وابتلعوه، رفعوا أبصارهم ببطء وهدوء. ――وفي إحدى عيني كل فرد منهم، توقد لهيب مشتعل.
أولئك الذين تحبهم يورنا، وأولئك الذين يحبون يورنا؛ بدأت أرواحهم تشتعل، ناظرين نحو «الكارثة العظمى».
بلا ريب، كان هذا امتزاجًا للأرواح―― إذ طوقت قوة «تقنية زواج الأرواح» «مدينة الشياطين» بأكملها.
يورنا: [هذه المدينة، مدينة «كايوسفليم» لن تسقط. ――وأريد منكم جميعًا أن تعيدوا معي ذلك الضيف قليل الأدب من حيث أتى.]
واتخذت يورنا وضعية القتال، ولوّحت بغليون «الكيسيرو» أمامها.
وكان ما يُسمع في كل شبر من المدينة هو هدير الأرض وهي ترتجف. وبقوة ورهبة، تردد صدى خطوات أحذية لا حصر لها، وأنفاس لا تُعد، وعزائم قتال متقدة.
وتلبية لنداء الحب من حاكمة «مدينة الشياطين»، تقدم أولئك الأحبة المحتشدون نحو الأمام.
وعند رؤيتهم، ثنت يورنا ركبتيها قليلًا، ثم وثبت عاليًا في الهواء.
وكانت وجهة وثبتها، وما ينتظرها هناك، هو ظل الكارثة المفعم بسواد عظيم.
وبصفتها من يصد كل ما يهدد «مدينة الشياطين»――
يورنا: [――أنا، يورنا ميشيغوري «المتألقة»، سأكون خصمكِ.]
△▼△▼△▼△
ومع تردد صدى هدير الأرض، انطلقت صرخة حرب هادرة كأن المدينة بأسرها تصيح بصوت واحد.
وفي ظل سيطرة تلك الأصوات على المكان، أنزل آبل يده عن عنقه، وراح يراقب ساحة القتال.
آبل: [――――]
وباندفاعة شجاعة أثناء صرختها، تحكمت يورنا بسهولة بركام المدينة و«قلعة اللازورد القرمزي» على حد سواء، لتشن هجومًا ضاريًا على «الكارثة العظمى».
قد يُعد استخدام مبنى كامل لضرب كيان مجهول الطبيعة أسلوبًا غير مألوف على الإطلاق؛ ومع ذلك، وبسبب طبيعة ذلك الكيان، واصل الظلام الدامس تمدده رغماً عن ذلك―― وظل أثر ذلك الهجوم على «الكارثة العظمى» غير واضح.
فهل كان فعالًا إلى حد ما، أم كان عديم الجدوى تمامًا؟
آبل: [――بالتأكيد لن يكون عديم الجدوى تمامًا.]
لم يكن الأمر إعجابًا بهجوم يورنا الجريء، بل كان موقنًا أن العدو ليس منيعًا بالكامل ضد ضربة كهذه، بدليل تباطؤ وتيرة حركته.
فقد ابتلعت «الكارثة العظمى» «قلعة اللازورد القرمزي» فور ظهورها؛ ورغم تعلق يورنا بتلك القلعة التي كانت موطنها لوقت طويل، إلا أنها حولتها إلى قوة مدمرة في هجومها، مما أبطأ بالفعل من زخم «الكارثة العظمى».
ولولا ذلك، لواصلت «الكارثة العظمى» نموها بسرعتها الأولى، وابتلعت «مدينة الشياطين» كلها، ولَمَدّت هاويتها المظلمة لتغطي الإمبراطورية بأسرها.
――غير أن انهيار الإمبراطورية قد تأجل فقط؛ فإن تُرك الوضع على حاله، فسيكون الانهيار محتومًا لا مفر منه.
آبل: [هذا هو أكثر ما يثير الاشمئزاز في الأمر.]
وجزّ آبل على أضراسه وهو يستحضر تفاصيل الرجل الذي تنبأ بوقوع «الكارثة العظمى».
كائن ظهر في الوقت المناسب وتنبأ بالخطر القادم، لكنه رفض الإفصاح عن المزيد. أم كان يجدر به وصف ذلك الكائن بأنه مجرد بيدق لدى «المراقبين»؟
وعلى أي حال، لم يكن استياؤه من ذلك الشخص ليفيده بشيء هنا. ولو اضطر للتفكير فيه، فربما كان من الأجدى التفكير فيه كشخص يمر بموقف مماثل.
آبل: [――ناتسوكي سوبارو، أنت…]
وبينما كان يركز بصره على «الكارثة العظمى» التي ظلت تتلوى، تمتم آبل بالاسم الذي ظل يتجنب ذكره.
وفي تلك اللحظة…
؟؟؟: [آبل-تشين! لقد عدنا!]
آبل: [――――]
ووسط كل ذلك الضجيج الذي كاد يبتلعه هدير الأرض واهتزازها، وصل صوتٌ عالي النبرة بوضوح إلى أذني آبل.
وعندما التفت برأسه إلى الخلف، كانت صاحبة الصوت تهبط من السماء؛ إذ حطت خلف آبل بخفة فتاة تلوح بيدها، وتحملها امرأة سمراء البشرة.
آبل: [لقد عدتما، ميديوم، تاريتا.]
ميديوم: [بأعجوبة! أليس هذا الوضع مختلفًا عما تحدثتَ عنه سابقًا يا آبل-تشين؟ أين يورنا-تشان؟]
آبل: [――. هناك.]
وبعد أن أفلتت ميديوم من ذراعي تاريتا وهبطت على السطح، وجهت سؤالها إلى آبل، فأشار بذقنه إلى الأمام. وهناك، كانت يورنا تقفز بخفة في الهواء وتهاجم «الكارثة العظمى» بضربات متكررة، مستخدمة حطام المباني بحرية تامة.
وكانت يورنا تتلقى العون في مواجهة «الكارثة العظمى» من شخص آخر، وهو كافما، الذي كان يملك وسيلة لشن هجمات بعيدة المدى.
غير أنه بما أن كروم كافما الشوكية كانت في الأصل «حشرات» رباها داخل جسده، لم يكن من الصواب تركها لتلتهمها «الكارثة العظمى» التي لا تنضب طاقتها.
علاوة على ذلك، احتشد سكان «كايوسفليم»؛ حيث راح كل منهم يفكك المباني المحيطة به، ثم يتعاون عدة أشخاص لقذف كتل الركام كقذائف المدافع نحو «الكارثة العظمى».
وفي الماضي، حين رفعت يورنا راية التمرد ضد العاصمة الإمبراطورية، استُخدمت المدينة نفسها كسلاح؛ وكان ذلك أسلوبًا جماعيًا مرعبًا أذاق جنود الإمبراطورية الأمرين لبسط سيطرتهم على المدينة.
لكن لم يكن واضحًا إن كان ذلك الأسلوب —الذي أثبت فعاليته ضد حشود الأعداء— سينفع أمام «كارثة عظمى» تفوق قوتها كل إدراك.
فبادئ ذي بدء، كان بإمكانه أن يرى من بعيد――
تاريتا: [«الكارثة العظمى»… هل يتسع حجمها…؟]
ميديوم: [ذلك الشيء… لا يمكننا تركه وشأنه، أليس كذلك؟! يا آبل-تشين، ماذا نفعل؟]
ومع رؤيتهما لـ«الكارثة العظمى» وهي تتمدد ببطء وثبات، طلبت ميديوم وتاريتا من آبل حسم قراره.
في الأصل، كان الهدف هو الانسحاب والتخلي عن «مدينة الشياطين» بمساعدة يورنا، لكن ذلك الهدف لم يتحقق بسبب تمسك يورنا الشديد بـ«مدينة الشياطين».
وفي هذه الحالة، سيتغير مجرى الأمور بناءً على ما يفعله فينسنت. ――كلا،
آبل: [――أو، قبل ذلك، هل بمقدوركِ أنتِ تغيير هذا الوضع يا تاريتا؟]
تاريتا: [إيه…؟]
وعندما ذكر آبل اسمها في سؤاله، فتحت تاريتا عينيها الضيقتين دهشةً، وعجزت عن الرد.
لكن تلك الدهشة لم تكن لجهلها بما يتحدث عنه، بل لأنها لم تتوقع أن يوجه إليها هذا الكلام في هذا التوقيت بالتحديد.
بعبارة أخرى، كانت تفهم تمامًا ما ألمح إليه آبل للتو.
ميديوم: [طـ-طريقة كلامك غريبة بعض الشيء، أليس كذلك؟ ماذا تقصد؟]
آبل: [لا شأن لكِ بالأمر. تاريتا، ما الاسم الذي أطلقتِه على ذلك الكيان؟]
تاريتا: [عـ-عن ماذا تتحدث…]
آبل: [――«الكارثة العظمى»، هذا ما سميتِه به. من أين عرفتِ هذا الاسم؟]
وأمام كلمات آبل الصارمة، حبست تاريتا أنفاسها رعبًا.
وترك هذا الحوار بينهما ميديوم مذهولة ومحدقة بعينين متسعتين، لتتمتم: «كارسة عُزمى…؟»، إذ كانت كلمة غير مألوفة لها على الإطلاق. [3]
لكن رد فعل ميديوم كان طبيعيًا تمامًا؛
فرؤية كيان مجهول كهذا وإطلاق اسم «الكارثة العظمى» عليه من النظرة الأولى أمر لا يستقيم أبدًا؛ فأولئك الذين يعلمون بوجوده مسبقًا هم وحدهم من يمكنهم تسميته بـ«الكارثة العظمى».
بعبارة أخرى――
آبل: [هل علمتكِ النجوم سبيل النجاة من الفناء؟]
تاريتا: [――هـڪ! ا-انتظر لحظة، أنا…!]
آبل: [――――]
تاريتا: [أنا…]
وتقدمت تاريتا خطوة واحدة واضعة يدها على صدرها، لكن الكلمات عجزت عن الخروج من فمها بعد ذلك.
وشحب وجهها وبدأت عيناها تتحركان في ذعر واضطراب؛ وكان مظهر تاريتا غريبًا للغاية على غير عادتها، فأسرعت ميديوم لتقف بجانبها وتسند جسدها وهي تهتف: «تاريتا-تشان!».
لكن تاريتا لم تكن في حال يسمح لها حتى بالاستجابة لتعاطف ميديوم.
ربما ظنت أنها قادرة على إخفائه طوال الوقت، وظنت أنه ربما، بمقدورها التزام الصمت إلى الأبد.
آبل: [حمقاء.]
فلم يكن هناك شيء يُسمى سرًا مصونًا أو حقيقة لا تنكشف.
وعلى أقل تقدير، فإن لم يُبذل أي جهد للتستر على ذلك السر أو تلك الحقيقة، فإن يوم انكشافهما آتٍ لا محالة؛ وكل ما يمكن للمرء فعله هو تأجيل ما لا مفر منه.
أو ربما أمكن تأجيله حتى الموت؛ فمن وجهة نظرها، كان بإمكانها إبقاؤه سرًا طالما ظلت على قيد الحياة في هذا العالم.
آبل: [تاريتا، إن كنتِ تعلمين بشأن «الكارثة العظمى»، فهل ندمتِ؟]
ميديوم: [ندم؟ ندم على ماذا… يا آبل-تشين! عن ماذا تتحدث؟! ما بال تاريتا-تشان…]
آبل: [أليس الأمر واضحًا؟ ――أنا أتحدث عن إخفاقكِ في قتلي بسهمكِ حين كنتِ في تلك الغابة.]
تاريتا: [――――]
ومن شدة الصدمة، شحب وجه تاريتا تمامًا وغاب عنه كل بريق، واهتزت عيناها في ضعف واضطراب.
ونظر آبل في عينيها مباشرة، وصمت لبرهة وهو يطلق تنهيدة، ثم تابع:
آبل: [أم أنكِ ستستجيبين لتلك «الوصية» العليا من الآن فصاعدًا، يا صيادة الأدغال؟ لا، بل هل يجدر بي أن أخاطبكِ بهذه الصفة؟]
تاريتا: [――――]
آبل: [يا من ورثتِ الوصية لمنع «الكارثة العظمى»، ويا من ستصبحين «متأملة النجوم» الجديدة.]
△▼△▼△▼△
كان هدير الأرض العنيف وصدى العواء المتردد كأنهما يعلنان نهاية هذا العالم.
؟؟؟: [أُهـ، أُوو، أُووو… هـڪ!]
ولو حاول الإمساك برأسه وسد أذنيه، لما استطاع فعل ذلك.
تلك كانت لعنة امتلاكه لذراع واحدة فقط؛ إذ عجز عن استخدام كلتا يديه لتغطية أذنيه ليفصل وعيه تمامًا عن نهاية العالم هذه.
فألصق أذنه اليمنى بكتفه المرفوع، ودس أصابع يده الوحيدة في أذنه اليسرى محاولًا سدها دون جدوى. كان الأمر مستحيلًا.
كانت الأرض ترتجف، والجو مشحونًا بالرعب، والعالم يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وكان كل ذلك تجسيدًا للرعب الذي ينهش عقل آل ويسلب جسده كل طاقته.
آل: [لماذا… لماذا هنا بالذات… هـڪ!]
وتلاشى صوته وهو يلعن مرارًا وتكرارًا كل ما وقع من أحداث بائسة حتى هذه اللحظة.
وبالطبع، لم يكن لتلك اللعنات أي جدوى؛ فلم تكن سوى تصرف شخص مهزوم لا يجيد تقبل الخسارة، ولا يفعل شيئًا سوى مواساة نفسه بعد انتهاء اللعبة بالقول: «لو أنني فعلت كذا أو كذا لكان أفضل».
لقد كان مستعدًا لحدوث هذا… أو هكذا ظن.
――كلا، لم يكن مستعدًا على الإطلاق. بل كان يغمض عينيه متجاهلًا الأمر، متظاهرًا بالتفاؤل بأنه لن يحدث، حتى عندما كانت الفكرة تخطر بباله.
فاحتمال وقوع هذا الخطر طالما أنه يتحرك إلى جانب ناتسوكي سوبارو كان كبيرًا للغاية؛ لم يكن احتمالًا بسيطًا، بل كان كافيًا وزيادة.
بل في الواقع، ما كان لهذا الوضع أن يحدث إطلاقًا لو أنه رافق أي شخص آخر غير ناتسوكي سوبارو.
ومع ذلك، لم يكن باليد حيلة؛ فلم يكن بإمكانه تركه بمفرده، واستحال عليه التخلي عنه. وفي ذلك الحين، ما كان ينبغي لـ ناتسوكي سوبارو أن يستسلم.
ونتيجة لذلك، ولأن الأمر كان ضروريًا، كان هو نفسه――
؟؟؟: [――عجبًا، كنتُ أتساءل من هذا الذي يبكي، فإذا به أنت.]
آل: [――هـڪ!؟]
؟؟؟: [كاكاكاكا! انظر كيف فزعتَ للتو! لقد قفزت مثل يرقة، مضحك حقًا، مضحك للغاية!]
وعند سماعه صوتًا مفاجئًا في وسط الغرفة، انتفض جسده في ذعر والتفت برأسه.
ورؤيةً لمظهره البائس المثير للسخرية، صفق الطرف الآخر بيديه―― كلا، بل ضرب بقدميه على الأرض وهو يطلق ضحكات صاخبة.
ولكن للأسف، لم يعد التصفيق باليدين أمرًا يستطيع ذلك الشخص فعله مرة أخرى.
لأنه――
؟؟؟: [يا للمصيبة، يدي اليمنى التي رافقتني لأكثر من تسعين عامًا سبقتني ورحلت دوني! لقد تورطت، فكيف سأصنع كرات المؤونة بعد اليوم؟ كاكاكاكا!]
وبعد أن قال ذلك، راح ذلك العجوز المرعب وهو يضحك بمرح―― أولبارت دونكلين، يلوح بذراعه، مستعرضًا يده اليمنى التي تلاشت بالكامل من أسفل المعصم.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[★] («الكارثة العظمى»): تختلف الصياغة المستخدمة هنا عن تلك التي تشير إلى «النكبة العظمى» (The Great Calamity) التي وقعت قبل 400 عام على يد ساحرة الحسد؛ فتلك الفاجعة القديمة كُتبت في الأصل الياباني بلفظ (大災厄)، بينما كُتب عنوان هذا الفصل —وكافة الاستخدامات اللاحقة للتعبير نفسه— بلفظ (大災 – The Great Disaster). ومن هنا جاء التمايز في الترجمة باعتماد مصطلح «الكارثة العظمى» تفريقًا بينهما. وكان هذا المصطلح قد استُخدم بالفعل في سطرٍ عابر ضمن الفصل 55.
[1] أسلوب مخاطبة يورنا لـ آبل:
اعتادت يورنا استخدام الضمير (主さん – نوسي-سان) لمخاطبة آبل، غير أنها من هذه اللحظة فصاعدًا أسقطت لاحقة الاحترام (-سان) وبدأت تخاطبه بـ (主 – نوسي). ويحمل هذا التغيير دلالة على أنها باتت تنظر إليه بمنظور مختلف تمامًا، كإقرار منها بصفته إمبراطورًا للبلاد وخيبة أمل في حقيقته في آنٍ واحد.
[2] نداء يورنا المبتور:
الأسلوب المعتاد لكلمة (“أنت…”) في مثل هذه المواقف يحمل عادةً نبرة غضب واستنكار، لكن المقصود هنا هو نداء يورنا لاسم آبل مباشرة بدلًا من مجرد ضمير، ولم يُذكر الاسم صراحة في النص الإنجليزي للحفاظ على نبرة التباعد والخصوصية في طبيعة العلاقة بين يورنا وآبل في تلك اللحظة.
[3] تلعثم ميديوم الطفولي في نطق المصطلح:
التحريف المقصود في النص الإنجليزي (Grate Disastur) يعكس نطق ميديوم الطفولي الخاطئ؛ فمصطلح «الكارثة العظمى» يُكتب عادةً بالكانجي (大災)، في حين نطقته ميديوم هنا بأحرف الكاتاكانا (タイサイ – تاي ساي) لبيان أنها تجهل هذا المصطلح الرسمي الثقيل وتتلعثم في نطقه بحكم براءتها وطفولتها (وعُربت بـ: «كارسة عُزمى…؟»).