الفصل 416 - صخب مدينة الشياطين
الفصل الخامس والخمسون
«صخب مدينة الشياطين»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――في قلب «مدينة الشياطين» كايوسفليم، انهارت «قلعة اللازورد القرمزي»، وفاضت الظلال من كل حدب وصوب.
كانت تلك هي الحقيقة الكامنة وراء الهدير المرعد الذي زلزل أرجاء المدينة، والمشهد الكابوسي الذي عاينه الحاضرون بأعينهم.
وامتزجت الألوان الحمراء والزرقاء راقصةً في تناغم داخل حجر واحد من اللازورد القرمزي؛ وتلك القلعة البديعة، التي شُيدت برصّ هذه الأحجار الكريمة ذات الجمال الساحر، تهاوت بيسر تام كأنها قلعة مشيدة من الرمال.
وبالنسبة لمن يعرفون «مدينة الشياطين» ولسكانها، كان ذلك صدمة تضاهي سقوط السماء على الأرض.
فما لم يكن متصورًا حدوثه قد وقع بالفعل، إلى حد طمس الحد الفاصل بين الحلم والواقع―― ولم يكن الأمر استثناءً لمن هم أقل دراية بـ«مدينة الشياطين».
؟؟؟: [――――]
وامتدت الارتجافات لتطال غرفة في نزل المسافرين أُعدت لاستقبال القادمين من خارج «مدينة الشياطين».
فمنهم من حدق بأعين جاحظة وقد تجمد في موضعه؛ ومنهم من تصلب جسده بالكامل في تأهب واستنفار أقصى؛ ومنهم من أطلق صرخة وسقط جالسًا على الأرض؛ ومنهم من تلاصقوا محتمين ببعضهم اتقاءً لتلك الرجفة.
غير أنه برغم تباين ردود الأفعال، فإن حقيقة ما داهمهم جميعًا كان «التهديد» عينه.
وفيما كبلهم ذلك التهديد واستبد بهم ذعر غريزي للحظة خاطفة، إذا بالوضع المستعصي على التدارك يتلاشى أمامه――
؟؟؟ و ؟؟؟: [――الزموا الهدوء جميعًا!]
وفي تلك اللحظة، شق الفاصل الزمني الذي خيم عليه الجمود من هول التهديد صوتٌ حاد، جهوري، و«متقاطع».
صوتان ترجع صداهما داخل الغرفة―― صوتان متطابقان تمامًا، قرعا طبول آذانهم، فبعثا اليقظة حتى في العقول التي شلتها الصدمة عن التفكير.
وكان صاحبا ذلك الصوت الحاد هما الشخصان ذوا الشعر الأسود، اللذان رفع الجمع رؤوسهم نحوهما في لمح البصر.
رجلان، أحدهما بوجه مكشوف والآخر وراء قناع «الأوني»، مد كل منهما ذراعه صوب مشهد الانهيار المروع الماثل للعيان من وراء النافذة.
آبل: [لا تتجمدوا في أماكنكم! فإن تباطأنا في التعامل مع ذلك الكيان، فسنفقد حياتنا جميعًا.]
فينسنت: [ذلك الشيء الذي ابتلع القلعة وما زال يلتهم السماء برمتها كائنٌ فائق الشراهة؛ وإن لم نحرك ساكنًا الآن، فسيتضاعف عدد الضحايا في طرفة عين!]
الجميع: [――――]
آبل وفينسنت: [――كافما إيرولوكس!]
وكأن خواطرهما قد اتحدت، التقت نظرات الرجلين على شخص واحد.
الرجل داكن البشرة الذي صُوِّبت نحوه تلك النظرات الراسخة―― كافما إيرولوكس، أُلقي به في خضم ارتباك شديد، عاجزًا عن معرفة الوجهة التي يصوب نحوها نظراته الحائرة.
بيد أن تلك الحيرة لم تدم طويلًا؛ لأن――
آبل وفينسنت: [أوقف ذلك الظل! واعلم أن ثمن تقاعسك هو أرواح رعايا الإمبراطورية!]
كافما: [――حاضر!]
وفي اللحظة التي تَبين له فيها التحرك المطلوب والغرض الجلي لما يتعين فعله، انقشع التردد من عيني كافما تمامًا.
ووضع كافما قبضته على صدره، وانحنى باحترام، قائلًا:
كافما: [سأغادر جانبكم الآن؛ فلتكن حماية «سيف اليانغ» معكم!]
فينسنت: [بلاءك في القتال سيكون هو حمايتي؛ فابذل وسعك حتى الرمق الأخير.]
كافما: [حتى أقصى حد――!]
وأطلق كافما رده الحازم، وتوجه مباشرة صوب النافذة.
ومستغلًا ذلك الاندفاع في وثبة عاتية، شق كافما النافذة بذراعه الممدودة واندفع إلى الخارج ناثرًا شظايا الزجاج؛ وإثر ذلك مباشرة، برز ظهر كافما، وانفردت ستة أجنحة شفافة من وراء عباءته التي ألقى بها جانبًا.
وبأجنحة تخفق توحي بأنها أجنحة حشرة طائرة، حلق كافما في سماء «مدينة الشياطين» كأنه يشق كبد السماء.
وكان مساره مستقيمًا باتجاه «قلعة اللازورد القرمزي» التي أوشكت الظلال المتدفقة على محوها من الوجود.
آبل: [كم رجلًا جلبتَ معك؟]
وملقيًا نظرة إلى الخلف صوب تحليق كافما، طرح الرجل ذو قناع «الأوني»―― آبل، سؤاله المباشر؛ وكان السؤال موجهًا نحو فينسنت، الرجل الوسيم ذي الشعر الأسود، الذي نال لتوه انحناءة كافما.
وضيّق الرجل الذي يتربع الآن على عرش «إمبراطورية فولاكيا» عينيه قليلًا إزاء سؤال آبل.
فينسنت: [حاشيتي كما ترى؛ كافما إيرولوكس والعجوز أولبارت دونكلكين الغائب عن الأنظار. أما الآخر، فلن يُرجى منه نفعٌ يُذكر.]
آبل: [لا بيادق للمناورة بها إذن؛ ويبدو أن السفر بخفة دون حاشية قد ارتدّ بنتيجة عكسية.]
فينسنت: [إن تحميلك لي المسؤولية يتجاوز حدود السخف والمنطق.]
وبمجرد أن كشف فينسنت أوراقه دون مواربة، أطلق آبل تعليقًا قاسيًا يخلو من أي مراعاة؛ فرد فينسنت بضيق وتذمر، وهو ما لم يلقهِ آبل بالًا.
وتأمل آبل لبضع ثوانٍ واضعًا يده على ذقنه وأصابعه تتحسس أسفل قناع «الأوني»، ثم ألقى نظرة سريعة على البقية في الغرفة―― أولئك الذين عجزوا عن مواراة ذعرهم أمام هذا التهديد الداهم.
واستجابت الفتاتان، وكلتاهما تبدوان صغيرتي السن، لتلك النظرة بالرغم من صمتهما.
إحداهما كانت ميديوم أوكونيل بشعرها الأشقر وعينيها الزرقاوين؛ والأخرى تانزا، فتاة من «قوم الأيائل» ترتدي كيمونو وترتعد عيناها المستديرتان؛ ولم يكن بوسع أي منهما أن تشكل عامل الحسم في مثل هذا المأزق.
أما الشخص الوحيد الذي كان من الممكن أن يمثل دورًا محوريًا بطريقة ما، فهو――
؟؟؟: [آهـ، آاااهـ… لِمَ، لِمَ، لِمَ في مثل هذا التوقيت تحديدًا…]
ميديوم: [آل-تشين…]
ولم يلتفت ذلك الصوت المذعور إطلاقًا إلى نظرات آبل الصامتة.
وممسكًا برأسه بيده اليمنى، مرتعدًا أمام المشهد خارج النافذة، لكنه مكبلٌ بعجزه عن إشاحة ناظريه عنه؛ كان ذلك صبيًا داكن الشعر، يواري وجهه بخرقة قماش بالية لُفت على عجل وبفوضوية.
ومن بين كل من رافقوا آبل، كان هذا الصبي، بمعنى ما، هو من لم يبح بأعماق قدراته الحقيقية بعد؛ غير أنه أمام ملامحه المرتعبة تلك، والتي بدت أبعد ما تكون عن التمثيل أو الادعاء، تردد آبل في إدراجه ضمن الخطة.
ولم يكن ذلك شفقةً أو مراعاة لمشاعر الفتى؛ ――بل كان تقييمًا بحتًا لعدم جدواه.
فينسنت: [إن كان الأمر كذلك، فخياراتنا المتاحة شحيحة للغاية.]
واخترقت كلمات فينسنت الواقف إلى جواره صمت آبل وهو غارق في تفكيره العميق.
وجنبًا إلى جنب، وقف الرجلان يرنوان من وراء النافذة―― أو بالأحرى، رجلان يستحقان بحق أن يُنعتا بلقب «الإمبراطورين».
وزفر آبل زفرة هادئة، نابذًا ما طفا على السطح للحظة من مشاعر عابرة واعتبرها تافهة لا قيمة لها.
كان فينسنت على حق؛ فالخيارات الممكنة كانت نادرة وشحيحة.
وردًا على فينسنت، الذي خلص بلا شك إلى النتيجة ذاتها، نطق آبل بكلمات مقتضبة――
آبل: [――سنلتقي بيورنا ميشيغوري؛ فنحن بحاجة ماسة لقوتها.]
△▼△▼△▼△
ولعقت تاريتا شفتيها الجافتين بطرف لسانها بعدما استشعرت تحولًا في مجريات الموقف.
تغيرٌ في الهواء، ورائحة الملاحقين، وتلك القشعريرة التي سرت في جلدها نتاج شهوة القتل والعداء الصريح المصوب نحوها؛ كل تلك المثيرات باتت تؤثر في حواسها على نحو مغاير لما كانت عليه قبل قليل، مما جعلها تتريث لبرهة لتقييم تلك المشاعر واتخاذ قرارها.
وتساءلت في قرارة نفسها بغير تروٍّ إن كان هذا التحول ينذر بالخير أم بالشر.
غير أنه――
تاريتا: [――لا يهم أي الأمرين هو.]
فما دامت النتيجة واحدة، فلن تشغل تاريتا بالها بالقلق.
فقد كانت تدرك في قرارة نفسها أنها لا تملك ذكاءً متقدًا؛ فلو كانت ميزيلدا، شقيقتها الكبرى، في موضعها لاستطاعت غالبًا الاهتداء للجواب الصائب استنادًا إلى حدسها الفطري وحده، حتى وإن تساوت قدراتهما العقلية.
لكن تاريتا لم تكن تحظى بالحاسة الحادة ذاتها التي تميزت بها أختها، كما كانت تفتقر على الأرجح إلى سرعة البديهة؛ لم تكن تملك شيئًا من ذلك قط.
وإهدار أوقات طائلة في القلق لن يثمر في النهاية سوى تردد لا ينتهي حول أي الخيارات هو الصواب.
لذا، حسمت أمرها بألا تتزعزع؛ وبمجرد أن تتضح العواقب وتنجلي النتائج، فسيكون بوسعها التخبط ومكابدة المعاناة في تقليب حسناتها وسيئاتها قدر ما تشاء.
وعليه، لم تبدل تاريتا أسلوبها، بصرف النظر عما طرأ على أجواء ملاحقيها من تبدل.
؟؟؟: [غـاهـ، غـوهـ…]
تاريتا: [لن تفلح في الإفلات؛ مهما بلغت قوتك.]
وأحكمت سترة تاريتا الخناق على عنق الرجل المتخبط ذي العينين المحتقنتين بالدماء، وسدت مجرى تنفسه تمامًا.
وجاهد الرجل من قوم الضأن، وعينه اليمنى تتقد باللهب، للإفلات من وثاقه باستماتة، غير أن تاريتا —التي خلعت سترتها لتوظف كُمّها في إحكام الخناق حول عنقه— قطعت وترًا في ذراع خصمها، شالّةً قدرته على الحركة.
وبمنتهى الصراحة، كانت تاريتا تكابد عناءً شديدًا جراء صلابة ملاحقيها غير الطبيعية، الذين ظلوا ينهضون مرارًا حتى بعد أن أصابت مواضعهم الحيوية بالطعنات.
تاريتا: [حتى وإن كنتُ أجهل السبيل الأمثل للتعامل مع هذا، فقد دبرتُ أمري بطريقة أو بأخرى.]
؟؟؟: [――――]
وفي نهاية المطاف، خفتت أنفاس الرجل اللاهثة حتى تلاشت، وخارت قواه ليرتخي جسده تمامًا؛ وعند تلك اللحظة بالذات، نزعت تاريتا سترتها عن عنق الرجل وسحبت جسده المنهار نحو جانب الطريق.
وتنهدت تاريتا وهي تزفر أنفاسها، وخلفها اصطفت أجساد ملاحقيها —الذين أخضعتهم بالخنق— في صف واحد ممتد بمحاذاة جدران الشارع.
فبعد أن أيقنت أن اللكمات والطعن بالسكاكين لا تجدي نفعًا، وأن أساليب الخنق وحدها هي المجدية، انتهى بها المطاف إلى صدهم بتلك التقنية وحدها.
ورغم أن الملاحقين حظوا بقوة خارقة وقدرة تحمل استثنائية، إلا أنهم بدوا مبتدئين يفتقرون إلى براعة توظيف تلك القوة بكفاءة؛
وبفضل ذلك، رجحت مهارات تاريتا القتالية الكفة لتواصل تحييد مطارديها بنجاح.
――فلو كان بوسعها قتلهم فحسب، لانتهت هذه المعمعة بوتيرة أسرع بكثير.
؟؟؟: [――لا تقتلي أحدًا.] [1]
ومع وميض تلك العبارة في ذهنها، أُجبرت تاريتا على خوض صراع مضنٍ.
فقد أصدر آبل إليها تلك التعليمات قبيل انطلاقها لتلعب دور الطُعم، مفسحةً المجال للجميع للإفلات من النزل.
وبالنظر إلى الظروف العصيبة التي وُضعت فيها، لعلّه كان يجدر بها الاعتراض آنذاك ونعت تلك الأوامر بالطيش؛ غير أن رجلًا ذا بصيرة نافذة كـ آبل، أيعقل أن يصدر توجيهات يعجز المرء عن إنفاذها؟
أم تراه ألقى إليها بتلك الوصية لإيمانه الراسخ بقدرة تاريتا على الامتثال لها؟
فإن كان الأمر كذلك، فإن هذا يعني أن آبل قد استشف حقيقة مهارة تاريتا.
تاريتا: [――――]
إلى أي مدى كان آبل قادرًا على سبر أغوار الأمور وبواطنها؟
وبطبيعة الحال، لم يكن المرء بحاجة سوى للنظر إلى تلك التقنيات الغامضة التي أصابت سوبارو وميديوم وآل، ليدرك أن آبل ليس إنسانًا يقوى على استباق كل طارئ والتصرف ببصيرة كاملة؛
فلو كان أمرٌ كهذا ممكنًا، لما غدا عملًا بشريًا، بل صنيع كيان متسامٍ فوق طاقة البشر.
إنه أفقٌ لا ينبغي للمرء أن يقتحمه، ومجالٌ يستحيل على قدرات الفانين خرقه.
ولا يملك المرء إلا التساؤل عما إذا كان ثمة بشريٌّ قادر على ملامسة ما يقع خارج حدود الإدراك، وكان ذلك بحد ذاته أمرًا يستوجب التأمل.
وبصفتها فردًا من شعب «الشودراك»، كانت تاريتا تتمتع بالبراعة الكافية لصرع أية فريسة؛
ولا بد أن آبل قد أدرك إتقان تاريتا لفنون الخنق —وهي حيلة لا يُفترض أن تجدي نفعًا مع الوحوش والضواري— والعلة وراء ذلك هي――
؟؟؟: [――يا للعجب، يا لهـ~ من مشهد لافت بحق.]
تاريتا: [――هـڪ.]
وفيما كانت تقلب تلك الخواطر في ذهنها، انسلّ صوتٌ عبر فجوة في وعي تاريتا، مجبرًا إياها على التوقف في موضعها.
وانتُزعت تاريتا فجأة لتعود إلى أرض الواقع، فاستدارت وخنجرها مشهورٌ في قبضتها؛ متأهبةً لتسديد ضربة قاضية إلى المغتال الذي اقترب من ورائها خلسة دون أية بادرة تنبيه――
؟؟؟: [واو، واو، واو! على رسلكِ، مهلًا! أمهليني برهة، أرجوكِ! فهذا تصرفٌ متعجلٌ قليلًا~!]
تاريتا: [――أنت؟]
؟؟؟: [――أوه، أأنتِ بخير الآن؟ أهدأت ثائرتكِ؟ أيسعني إنزال ذراعيّ إذن؟]
وفي اللحظة التي أوشكت فيها على شل أطراف خصمها، كبحت تاريتا سكينها في لمح البصر.
فأمامها، واضعًا يديه فوق رأسه محاولًا درء الخطر عن نفسه في ارتباك أخرق، وقف رجل أشيب الشعر، ذو قسمات ناعمة رقيقة، يرتدي رداءً أزرق مزودًا بقلنسوة.
رجلٌ وسيم الملامح على أية حال؛ لم تكن تلك الشعلة المألوفة في أعين ملاحقيها تتقد في عينيه، وفوق كل شيء، جعله ذلك التصرف المفتقر لأدنى درجات الخبرة يبدو كشخص مسالم لا يرجى منه أي أذى.
بيد أن الحقيقة الثابتة التي لا مراء فيها، هي أنه استطاع مراوغة يقظة تاريتا الفائقة والوقوف خلف ظهرها دون أن تستشعر به.
تاريتا: [――――]
الرجل الناعم: [يا للعجب~، يبدو أنني أثير الكثير من الريبة؛ مع أني مجرد عابر سبيل عادي تصادف مروره من هنا…]
تاريتا: […لا أظن أن شخصًا عاديًا يقوى على معاينة مشهد كهذا ويحافظ على هدوئه.]
وقدّم ذلك الرجل الناعم ذو الملامح الرقيقة، الزاعم بأنه «غير مؤذٍ»، سببًا إضافيًا جعل من المستحيل عليها التخلي عن حذرها حياله.
ففيما يخص أجساد ملاحقيها الممددة بمحاذاة الجدار―― ما لم يدنُ منهم ليتحقق إن كانوا أحياء أم أمواتًا، فلن يكون غريبًا أن يظنهم موتى صرعى؛ ومع ذلك بقي رابط الجأش دون أن تطرف له عين.
وما لم يكن فؤاده قد تبلد تمامًا، لم تجد تفسيرًا سوى اعتياده على مثل هذه المشاهد الدامية.
وأمام نظرات تاريتا الحذرة المتوجسة، ابتسم الرجل الناعم في خجل مصطنع.
وللحظة خاطفة، كادت ابتسامة ذلك الرجل ذي التقاطيع الفاتنة أن تشتت انتباهها، غير أن توجسها من الخطر غلب إعجابها بحسن مظهره؛ فحين يتعلق الأمر بالرجال الوسماء ذوي الملامح الناعمة الرقيقة، كان وجود «فلوب» كافيًا ويزيد.
――وليس هذا بالوقت المناسب لشرود الذهن فيه.
الرجل الناعم: [أوووهـ~، لقد كُشف أمري إذن. لا يمكنني الجزم بحق بأنه مشهد مألوف في دياري؛ لذا أسلفتُ القول بأنه منظرٌ لافت للغاية. ――حسنًا إذن، تاريتا-سان.]
تاريتا: [――هـڪ.]
الرجل الناعم: [أوه، لا تبقري بطني، لا تبقري بطني! لستُ بالعدو قط، حتى وإن بدوتُ مريبًا!]
وحذرها الذي كاد يلين لبرهة وجيزة قبل ثوانٍ، استعاد استنفاره الأقصى في لمح البصر؛
فالرجل ذو الملامح الناعمة الماثل أمامها نطق باسم تاريتا بنبرة هادئة وباردة، كأنه يخاطب معارفه القدامى؛ وبطبيعة الحال، لم يكن الرجل الماثل أمام عيني تاريتا من معارفها بأي حال من الأحوال.
إذ لا يُفترض أن يوجد في هذا المكان شخصٌ يألف تاريتا ويناديها باسمها المجرد؛ وتلك معلومة لم يكن من شأنه أن يظفر بها قط.
والوحيدون الذين كان بمقدورهم تزويده بها هم آبل والآخرون الذين انفصلوا عنها، غير أن――
تاريتا: [أنت… هل قابلتَ عائلتي؟]
الرجل الناعم: [――؟ أقدمتِ بصحبة عائلتكِ؟ همممم~، لطالما تناهى إلى سمعي أن «شعب الشودراك» قلما يغادرون الغابة؛ فهل طرأ تبدلٌ على نهج الزعيمة؟]
تاريتا: [كيف علمتَ أنني…!]
الرجل الناعم: [ما خـ~ـطبكِ؟ كلما زاد حديثكِ، تعزز هذا الانطباع لدي؛ هذا كل ما في الأمر.]
ومع ابتسامة ساخرة، بدا وكأن أسلوب الرجل الناعم تجاه تاريتا قد ازداد ألفة، غير أن تاريتا —على النقيض من ذلك— ازدادت توجسًا منه، وتفاقم ضيقها واستياؤها جراء ما يكتنفه من غموض مريب.
ولم تكن هناك أية بادرة عداء معلن، أو أي شيء من هذا القبيل؛
بيد أن ذلك الغموض المتصاعد غرس في نفس تاريتا، شيئًا فشيئًا، شعورًا خطرًا بضرورة القضاء عليه وتصفيته في هذا التوقيت بالذات.
وكان لدى تاريتا حدسٌ بكيفية نمو بذور الشك المغروسة، وأي براعم ستتفتق عنها، وأي زهور ستتفتح منها.
والعلة وراء ذلك كانت――
الرجل الناعم: [――«عار الشودراك».]
تاريتا: [――آهـ.]
وفجأة، شلّ الذهول وعي تاريتا وانمحت أفكارها إثر سماع تلك الكلمات التي جرت على شفتي الرجل الناعم.
تاريتا: [――――]
لِمَ تفوّه هذا الرجل بتلك الكلمات تحديدًا؟ ――كلا، كيف علم بأمرها من الأساس؟
لأن الرجل الذي رماها بتلك العبارة سابقًا قد قضى نحبه بالفعل――
الرجل الناعم: [إنها «وصية»، أليس كذلك؟ بالنسبة لكِ يا تاريتا-سان، بعد أن غدوتِ «عار الشودراك».]
تاريتا: [و… وصية…؟]
الرجل الناعم: [أمرٌ يمكن نعته باصطفاف النجوم، أو هدايتها وإرشادها. شيءٌ من قبيل أن لكل إنسان مقاديرهـ~ الخاصة المحتومة؟ وأنا حرفتي تكمن في «تأملها».]
وتسمرت تاريتا في ذهول تام، فهز الرجل الناعم رأسه قائلًا: «أوووهـ~».
ثم وضع كفه فوق صدره، وصوّب عينيه مباشرة لينفذ بنظراته في أعماق تاريتا:
الرجل الناعم: [أحسبُ أنه يسعكِ تسميتها بـ«وصية» بالنسبة لنا.]
تاريتا: [――――]
وحبست تاريتا أنفاسها، وتحشرجت حنجرتها بصوت مسموع لدى إدراكه استعماله لذلك الضمير بصيغة الجمع.
ورافق دويّ ذلك الصوت خيالٌ بأن العالم بأسره يرتجف؛ ――كلا، فازدراد تاريتا لريقها لم يكن هو ما زلزل أركان العالم.
غير أن العالم، في واقع الأمر، كان يميد ويرتجف بحق.
وذلك لأن――
الرجل الناعم: [يا للمصـ~ـيبة.]
وأطلق الرجل الناعم زفرة مسترخية عكست انطباع شخص لا يبالي بشيء على الإطلاق.
غير أن ما وقع كان خطبًا جللًا يستحيل على بروده ذاك أن يعبر عن فداحته بالكامل.
――ففي الأفق البعيد، تهاوت «قلعة اللازورد القرمزي» البديعة القابعة في قلب «مدينة الشياطين»، بعيدًا عن تاريتا والرجل الناعم، بعنف كاسح، ليحجب السواد البهيم بريق أضوائها الحمراء والزرقاء.
ولم يكن ذلك مجازًا تعبيريًا؛ بل كان ظلامًا أسود حقيقيًا غمر «قلعة اللازورد القرمزي» بالكامل.
شيءٌ بديع، وهاج، كان يُطمس بكائن دنس، ملعون.
الرجل الناعم: [يا للعجب~، كيف عساي أن أصف هذا… لعله تفصيلٌ يسير فاتني «تأمله».]
تاريتا: [أيها الـ――]
وراح الرجل الناعم يرنو نحو القلعة المتداعية وطوفان الظلام، متخذًا من كفيه حاجبًا لعينيه كالمظلة.
وراودتها الشكوك في أن هذا الرجل المتبلد قد يكون الفاعل وراء هذا الحدث غير المألوف؛ غير أنه كمن قرأ ريبة تاريتا، هز كتفيه قائلًا:
الرجل الناعم: [أجد حرجًا في البوح بهذا فور حديثي عن «الوصية»، لكن لا ناقة لي ولا جمل في كل ما يجري هناك؛ وفي الأصل، أليست تلك معضلة تخص «مملكة لوغونيكا»؟ إنها خارج نطاق مسؤوليتي تمامًا.]
تاريتا: [خارج مسؤوليتك، ومملكة لوغونيكا…؟]
الرجل الناعم: [لعل ذلك الصغير لا يعي أصلًا أنه «متأمل نجوم»؟ فإن صح ذلك، فقد خاض جلالته رهانًا في غاية الجرأة… أم تراه لم يملك خيارًا آخر في ظل الأوراق المتاحة بيده؟]
تاريتا: [لستُ أفهم شيئًا…! إن كنتَ تعلم أمرًا فانطق به!]
وعزمًا منها على ترهيبه لانتزاع الجواب، اندفعت تاريتا وأطبقت على عنق الرجل الناعم بقوة. وأسندت قوام الرجل النحيل إلى الجدار، واضعةً النصل الذي في قبضتها فوق رقبته البيضاء.
فلو حرّكت تاريتا معصمها أدنى حركة، لانفجر سيلٌ من الدماء متدفقًا من عنقه في الحال.
وكان يجدر ببرودة النصل أن تمنح الرجل الناعم استشرافًا جليًا لما ينتظر مستقبله.
الرجل الناعم: [لعل موتي أو حياتي لا يغيران في مجريات ما يحدث قيد أنملة…]
تاريتا: [――هـڪ.]
الرجل الناعم: [لا أحسبُ أن من الحكمة لجماعتكِ إهدار الكثير من الوقت هنا؛ فلستُ «أتأمـ~ـل» النجوم الآن، وإنما هو مجرد حدس يراودني.]
ومع ذلك، واصل الرجل الناعم التحديق في عيني تاريتا ببرود واسترخاء، غير عابئ بملمس النصل فوق عنقه.
وفي تلك اللحظة، استبد بها أشد شعور بالنفور والارتياب عهدته تجاه هذا الرجل قط؛ ودون منطق واضح تترجمه الكلمات، ومضت في صدرها رغبة جارفة في حزّ رأسه فورًا.
غير أنه قبيل أن تستسلم لتلك النزوة العنيفة――
الرجل الناعم: [――قتلي لن يصلح الأمور؛ كان الأمر كذلك في المرة السابقة تمامًا، أليس كذلك؟]
――وكانت تلك الكلمات القلائل كافية لثني تاريتا عن حسم الأمر بالسكين المستقر في يدها.
الرجل الناعم: [يا ساتر!]
تاريتا: [أرجوك، اغرب عن وجهي! في هذه اللحظة…!]
وهي تصر على أسنانها غيظًا، ألقت تاريتا بالرجل الناعم —وهي ما تزال قابضة على قفاه— نحو عرض الشارع.
وتدحرج الرجل بطريقة ما مستغلًا ساقيه الطويلتين لتخفيف وطأة السقطة، ثم مسح بيده على رقبته التي نالت معاملة فظة، ناظرًا إلى محيا تاريتا بنظرة متسائلة: «أأنتِ واثقة من أن هذا صائب؟».
الرجل الناعم: [قد ينتهي بكِ المطاف إلى جزّ عنقكِ بيدكِ حرفيًا… فربما لن تتاح لكِ فرصة مصادفتي هكذا مجددًا.]
تاريتا: [إذن هذا هو عين الصواب؛ فالنظر في وجهك يشعرني وكأن…]
الرجل الناعم: [――――]
تاريتا: [وكأنك قادمٌ لترغمني على مجابهة كابوس راودني مرارًا وتكرارًا…!]
وبشعور أشبه بصبّ لعنة، لوحت تاريتا بيدها في الهواء زاجرةً إياه للمضي بعيدًا.
وأطلقت تلك الإيماءة تنهيدة من صدر الرجل وهو يرنو نحو القلعة المتداعية في الأفق:
الرجل الناعم: [يبدو أنه بخلافي، ثمة مهمة يتعين عليكِ إنجازها؛ وتلـ~ـك قد تكون الورقة الرابحة لكبح جماح ذلك الظل.]
تاريتا: [أنا…؟ أأملك قوة كهذه…]
الرجل الناعم: [――لقد نُزّلت «الوصية» بالفعل؛ وأنتِ تدركين ذلك يقينًا، أليس كذلك يا «عار الشودراك».]
تاريتا: [――――]
الرجل الناعم: [لكِ كامل الحرية في إنفاذها أو تركها؛ غير أني —بصفتي شخصًا لم تُلقَ إليه وصية— لا أحسدكِ البتة على قدرتكِ على اقتفاء هذا الدرب.]
وعقب قوله هذا، أسدل الرجل الناعم القلنسوة فوق رأسه، وأدار ظهره لتاريتا، وانطلق يعدو.
كان سريعًا، لكن ليس بالسرعة الفائقة؛ ومع أنه كان بمقدور تاريتا اللحاق به لو أرادت، إلا أنها لم تجد في نفسها أدنى رغبة في مطاردته.
بل كان من الصدق القول أيضًا إنها، في قرارة نفسها، لم تعد ترغب في أي احتكاك معه بعد الآن.
غير أن السبب الأكبر على الإطلاق تمثل في تلك الكلمات التي تركها خلفه قبيل رحيله――
تاريتا: [――لقد نُزّلت «وصية».]
وتمنت لو أنها تجهل كنه ما كان يتحدث عنه؛ غير أنها كانت تفقه مغزاه تمامًا.
وتلك الخاطرة ظلت تنهش صدر تاريتا بلا هوادة طيلة الأيام القليلة الماضية؛
فلم تكن راغبة في الاستغراق في القلق قبل الإقدام على الفعل،
ولم تكن تطيق التردد في خضم عذاب لا طائل من ورائه.
؟؟؟: [تاريتا-تشان!]
تاريتا: [――هـڪ، ميديوم؟]
وبينما كانت تاريتا تطبق بيديها على كتفيها، مطرقةً ببصرها نحو الأرض، ناداها صوتٌ مألوف.
واستدارت تاريتا في لمح البصر، لترى فتاة صغيرة تعدو نحوها ملوحةً بيدها باتجاهها―― إنها ميديوم التي تقلصت قامتها، تقترب منها مهرولة.
ميديوم: [كم أنا سعيـ~ـدة! لقد عثرنا على تاريتا-سان سالمة معافاة في الحال!]
تاريتا: [وأنا سعيدة لسلامتكِ أيضًا… هل آبل وسوبارو والآخرون بخير؟ وفوق ذلك، ما الذي يجري بحق هذا العالم…]
ومع اندفاع ميديوم نحوها، أمطرتها تاريتا بوابلٍ من التساؤلات؛
إذ لم تتوقع أبدًا أن تراها بمفردها تبحث عنها؛ وبطبيعة الحال، كان من الغريب أن تظل هي وأولبارت يلعبان لعبة الغميضة في ظل انهيار «قلعة اللازورد القرمزي»، غير أنه لم تكن ثمة فرصة للمناقشة.
وإزاء سؤال تاريتا، شهقت ميديوم لاهثة قليلًا:
ميديوم: [آبل-تشين وآل-تشين بخير! لكن سوبارو-تشين ولويس-تشان مفقودان! وعلاوة على ذلك، لا بد لنا من تدبير أمر ذلك الظل الذي تفجر من تلك القلعة؛ لذا تعالي معنا أنتِ أيضًا يا تاريتا-تشان!]
تاريتا: [سوبارو ولويس؟ وإلى أين عساي أن…]
ميديوم: [من هذه اللحظة، سنتولى إيقاف ذلك الظل مع يورنا-تشان! ونحن بحاجة إلى قوة تاريتا-تشان أيضًا؛ هذا ما قاله آبل-تشين بالضبط!]
تاريتا: [――――]
واتسعت عينا تاريتا، ولم تملك إلا أن تأخذها الدهشة من هول ما تناهى إلى مسامعها.
فعند أطراف مجال بصرها، رأت ظلًا أسود يوشك أن يصب دمارًا هائلًا يفوق كل تصور، لدرجة جعلت تاريتا —رغم ارتباكها إثر حديثها مع ذلك الرجل الناعم— ترضخ لإدراك الواقع الماثل أمامها.
فلم يكن إيقاف ذلك الكيان ولا الوقوف في وجهه أمرًا يستوعبه عقل تاريتا؛
وفوق كل هذا، بلغها أن آبل يطلب عونها الآن――
ميديوم: [تاريتا-تشان، لستِ مصابة بأذى، أليس كذلك!؟ أما زلتِ قادرة على القدوم؟ سأبذل كل ما في وسعي، فهل تبذلين وسعكِ معي!؟]
وسرعان ما تبدد ارتباك تاريتا بفضل كلمات ميديوم الصادقة الجازمة؛
فحتى مع تقلص قامتها وصغر حجمها، فإن طباعها النقية الصريحة لم ينل منها صِغَر ولم يمسسها عِوَج؛ واهتداءً بنبرتها تلك، أومأت تاريتا برأسها بهدوء، وقالت:
تاريتا: [أنـا… فهمتُ الأمر؛ ――سنتوجه إلى هناك في الحال.]
ميديوم: [أجل! شكرًا لكِ!]
وأحست تاريتا بوخزة عميقة في ثنايا صدرها أمام ارتياح ميديوم وإيماءتها العريضة.
لقد ظل ذلك العذاب يمزق نفس تاريتا لأمد مديد لا حد له؛ وبعد أن تناسته لانغماسها في القتال، أثبت ذلك الكرب حضوره ترقبًا للمعركة الكبرى، مع اقتراب موعد الحسم.
تاريتا: [――«الوصية».]
وتمتمت تاريتا بتلك الكلمات التي ألقى بها الرجل الناعم المتواري، غير أنها قالتها في سرها فقط؛
وبدا وكأن ذلك الألم يتواثب داخل صدرها، كأنه يستعذب النداء عليه باسمه.
△▼△▼△▼△
――وعاد الزمان القهقرى إلى تلك اللحظة التي دُمرت فيها «قلعة اللازورد القرمزي» في طوفان عظيم من الظلام.
يورنا: [أيها الصـ――]
لويس: [واو!!]
وفي اللحظة الحاسمة، جذبت يورنا إلى صدرها تلك الفتاة المسماة لويس، التي حاولت الوثوب إلى الأمام دون أدنى تردد.
وهكذا، وانصياعًا لنداء كل عصب في جسدها أمام ذلك التهديد الغريزي، ودون أن تعي أن قرميد سقف برج القلعة سيتطاير متفجرًا، قامت بوثبة جبارة نحو الوراء.
وتحت وطأة دهس كعبي حذائها ذي النعل السميك، سرت قوة الصدمة التي نالت القرميد إلى ما حوله، ناشرةً أثر التحطم والتلف.
غير أن تحطم قرميد السقف على هذا النحو كان أمرًا في غاية الهوان إزاء ما تلاه من أحداث خاطفة.
يورنا: [――――]
وبدويّ تحطمٍ مروع، اجتاحت الظلال الفائضة والظلمة والسواد الحالك أرجاء الحصن الداخلي، ليتلاشى القرميد المتطاير في العدم.
――كلا، لم يكن الحصن الداخلي وحده ما ابتلعه السواد؛
فقد عاينت عينا يورنا برج «قلعة اللازورد القرمزي»، فضلًا عن طبقاتها العلوية والوسطى، وهي تلتهمها برمتها سيولٌ من الظلام أشبه بانجراف الطين الجارف، لتتلاشى من الوجود دون أن تخلف أدنى أثر.
لقد كانت ظلمةً حالكةً بحق، ظلمةٌ يحرم على المرء أن يبتلعه جوفها.
ظلمةٌ حقيقية يستحيل أن ينفذ إليها ضياء، لا نجاة لشيء وقع في قبضتها، وتطمس كل بصيص أمل بطلائه بطبقات متلاحقة من اليأس المطلق.
وكان بوسع المرء استشعار ذلك غريزيًا؛ ――ذاك كيانٌ ما كان ينبغي له أن يوجد في هذا العالم قط.
لويس: [أوو!]
وفيما كانت تُحكم السيطرة على الفتاة التي تقاوم بين ذراعيها، التفتت عينا يورنا صوب الحصن الداخلي الذي اصطبغ بالسواد.
ولم يَعُد هناك أي أثر للفتى ذي الشعر الأسود القابع في مركزه، ولا لأولبارت الذي كانت يده تلامس الفتى في اللحظة ذاتها التي فاض فيها ذلك الظل الأسود.
ففي تلك اللحظة الخاطفة، رأت بعينيها ذراع أولبارت التي سحبها إلى الوراء وهي تتلاشى من الوجود.
لقد كان ذلك الكيان طاغيًا لدرجة عجز معها حتى أولبارت —بكل ما أوتيه من تشبث مستميت بالحياة وحس غريزي حاد بالخطر— عن تفادي التضحية بذراعه.
وعقب ذلك مباشرة، آثرت النجاة بالقفز ولويس بين ذراعيها؛ وبسبب ذلك، بات مصير أولبارت وإن كان حيًا أم ميتًا في طي المجهول.
فمن جهة، كانت تعتقد أن ذلك العجوز الوحشي يستحيل أن يهلك، لكن من جهة أخرى، همس صوت بارد في عقلها يتساءل إن كان يحق لها الاستسلام للتفاؤل أمام مرأى ذلك الكيان الأسود القاتم.
وفضلًا عن مسألة حياة أولبارت أو موته، كان ثمة أمرٌ آخر أحدث اضطرابًا في حبل أفكار يورنا――
يورنا: [يا صغيري…]
تمثل ذلك في الصبي الذي بدا وكأنه يستقر في قلب ذلك الظل الأسود الحالك الذي ابتلع ذراع أولبارت، ومدى سلامته.
ففي تقدير يورنا، لم يكن الصبي يملك قدرات خارقة للعادة بوجه خاص؛ غير أن إدراكه لمجريات الموقف كان فذًا، ولم يخطئ قط في اختيار التوقيت الأنسب لاستعمال أوراقه الرابحة.
وإن كان ثمة ما يستحق الذكر، فتلك كانت العوامل الجوهرية التي انتزعت له النصر في مواجهة أولبارت؛ ومع ذلك، كان الفضل يُعزى لحسمه وجرأته، لا لتفوق قدراته القتالية.
وعليه، كان لزامًا القول بأنه لم يكن ثمة أدنى احتمال لنجاة الصبي أو فراره في تلك اللحظة.
وإن كان ذلك الافتراض لا يصح إلا في حال كان الصبي مجرد ضحية.
يورنا: [إن كان هذا صنيع ذلك الصغير…]
فهل يعني هذا لعل الصبي يستكنّ متربصًا في موضع ما وسط تلك الظلمة الهائلة؟
وأيقنت يورنا ساعتها أنها تأبى تصديق أن هذا الفعل كان صادرًا عن عمد من الصبي؛ وبإدراكها لهذا، برز قرارٌ حتمي لا بد من اتخاذه.
كان ذلك هو الواجب المفروض عليها بصفتها «حاكمة مدينة الشياطين»، والمقام الذي يقع على عاتقها صونه، وموضع الحب الذي يتعين عليها اصطفاؤه――
يورنا: [――هـڪ.]
وما إن راودها ذلك الخاطر، حتى اعترى الظلام تبدلٌ مباغت ماثلًا أمام عيني يورنا.
فالظل الذي التهم نصف «قلعة اللازورد القرمزي» وأوشك على إغراق طبقات القلعة السفلية وأسوارها في السواد، تلوى ذلك الجزء منه المطبق على البرج، وبسط «أيديًا» نحو يورنا ولويس المعلقين في الهواء.
يورنا: [――――]
وكانت تلك الأطراف الممتدة «أيديًا» بالمعنى الحرفي للكلمة، أيديًا لا تضاهيها أية أيدي أخرى.
أيدٍ سوداء امتدت نحو يورنا ولويس التي تطبق عليها بذراعيها؛ والمروع في الأمر أنها لم تكن يدًا ولا اثنتين، بل امتدت عشر أو عشرون يدًا، بل أكثر من ذلك بكثير دفعة واحدة.
والعلة وراء خلو تلك الظلال المستطيلة من هدوء الظلال الوادعة التي تتمدد في وضح النهار، هي أن تلك الأذرع —التي يُفترض خلوها من أي تعبير— كانت تفيض بمشاعر جياشة عاتية.
وكان ذلك السيل العارم من الظلال والأذرع السوداء يبث في روعها إحساسًا بشعورٍ واحد لا غير؛ «الجوع».
ولم يكن مجرد «جوع» بالمعنى المألوف للحاجة إلى الطعام؛
بل كان «جوعًا» عصيًا على الإدراك، رغبةً مسعورة في التهام أي شيء وكل شيء يمكن بلوغه.
يورنا: [يا صغيرتي، سنقوم ببعض المناورات العنيفة في الهواء؛ فاحذري أن تعضي لسانكِ!]
لويس: [أُهـ، آو―― هـڪ.]
وتفاديًا لذلك الظل المتعاظم، قامت يورنا بمناورات استثنائية في كبد السماء.
فقد كانت تجهل كنه تلك الظلال، وبعد أن عاينت ما ألحقته بأولبارت من ضرر، استقر في وعيها أن ملامستها تعني الهلاك المحتوم؛ لذا لم يكن أمامها بدٌّ من تجنبها تمامًا.
وهكذا، فتحت يورنا عينيها، وجذبت قطع القرميد التي تطايرت إثر قفزتها السابقة لتتخذ منها موطئًا لقدميها، صانعةً مسارًا للفرار عبر سماء «مدينة الشياطين».
ومع صوت خفقان في الأجواء، حلقت قامة يورنا عاليًا في الهواء، مستندةً إلى قطع القرميد المتطايرة كمواطئ لقدميها.
وحاولت قذف قطعة قرميد نحو ذراع الظل لكبح جماحه، غير أن القطعة عجزت عن اختراق الظل، فابتلعها ذلك الجزء المصوب نحوه وتلاشت في العدم.
وانصياعًا لقناعتها بوجوب تفادي الملامسة، تابعت يورنا ارتقاءها مستعينة بمواطئ القرميد نحو ارتفاع أعلى.
وكان الأفضل لو عجزت أذرع الظل الممتدة عن مواكبة صعود يورنا المستمر؛ فلعله إن أمكن تحديد مدى وصول الظل، لأمكن التصدي له من هناك.
ومع ذلك――
يورنا: [إنه لأمرٌ يثير حنقي البالغ أن أظل في موقف الدفاع دومًا.]
فلم تكن المسألة مجرد مطاردة تتعرض لها؛
ورغم أن الموقف ينطوي على إهانة بالطبع، إلا أنه كان غنيًا عن البيان أن «قلعة اللازورد القرمزي» هي التي ستتجرع الضرر الأكبر.
فحجر اللازورد القرمزي كان حجرًا كريمًا بديعًا، وفوق ذلك، نادرًا للغاية.
ومجرد التفكير في تشييد قلعة كاملة منه كان يمثل قمة العبث والمستحيل؛ ولم تكن ثروة يورنا أو سطوتها هي ما بنى تلك القلعة قط.
ففي المقام الأول، لم تكن يورنا هي صاحبة فكرة بناء «قلعة اللازورد القرمزي»؛
بل كان سكان «مدينة الشياطين» هم من شيدوا تلك القلعة المتلألئة بدوامات الأحمر والأزرق، «قلعة اللازورد القرمزي».
إذ ارتأى السكان ألا يليق بحاكمة «مدينة الشياطين»، يورنا، أن تقيم في قصر متواضع؛ لذا جمع كل منهم أحجارًا كريمة وشيدوا ذلك الصرح البديع.
لقد كان حجرًا نفيسًا نادرًا، عسير التشكيل، ولم يكن لأحد أن يتخيل حجم المشقة التي كابدها البناة لتشييد القلعة؛ وينطبق الأمر ذاته على يورنا؛ إذ لم يخطر ببالها قط أن الأمر سينطوي على عناء كهذا.
وغنيٌّ عن البيان أن يورنا قد شهدت مراحل بناء القلعة برمتها من البداية حتى النهاية.
ولهذا السبب تحديدًا――
يورنا: [لقد تجرأتَ وابتلعتَ حبي، أيها الوغد الأرعن――!!]
ومدت يورنا أناملها الطويلة الرشيقة صوب الظل الذي التهم القلعة.
ولم ينبعث منها شيء، ولم تكن تلك حركة ضرورية بذاتها؛ بل أرادت فقط مجابهة ذلك الظل، وتذكيره بأن هذا تجسيدٌ صريح لغضبها.
――وبعد برهة وجيزة، انطلقت ضربة ضارية من باطن ذلك الظل الهائل المطبق على «قلعة اللازورد القرمزي».
يورنا: [――――]
ولم يكن لـ يورنا سبيلٌ لتعلم إن كان للظل قوام مادي، ناهيك عن امتلاكه لإرادة ونية؛
غير أن يورنا كانت على يقين تام بأن تلك كانت ضربة قاضية ومؤثرة.
فقد ابتلع الظل «قلعة اللازورد القرمزي»―― بكل تفاصيلها، وصولًا إلى كل حجر صُفت به جدرانها، والتي كانت ثمرة حب السكان لـ يورنا.
فلِمَ يجدر بها أن تنظر إليها كقلعة فحسب؟
ولِمَ لا تغدق عليها حبها؟
لقد أدت موجة الانفجار الصادمة المنبعثة من تفجر القلعة داخل السواد الحالك إلى كبح زخم هجومه بشكل هائل.
ودليل ذلك أن كل ذراع سوداء كانت تقتفي أثر يورنا قد تلاشت، وهكذا، وإذ لم يعد ثمة ما يمكنه اللحاق بها، لاذت بالفرار محلقة في الهواء.
بل حتى لويس، التي كانت تتلوى بين ذراعيها، اتسعت عيناها ذهولًا أمام ذلك الانفجار العارم لحب يورنا.
غير أن يورنا لم تجد في نفسها مسرة إزاء رد فعل الفتاة، وهو ما كان يمكن تفسيره بالإعجاب والانبهار.
يورنا: [في نهاية المطاف، تظل القلعة مجرد قلعة، وقد يقال إن بالإمكان إعادة بنائها؛ ولكن…]
لويس: [أوو؟]
يورنا: [مهما حاولتُ تشييد قلعة جديدة، تظل تلك القلعة التي أحببتها يومًا بعد يوم هي القلعة الوحيدة التي سكنت فؤادي… فهل يجدر بي أن أنقم على حبي المتداعي، لمجرد أن مشاعري لم تكن كافية؟]
وحين رنت بناظريها نحو الأسفل صوب «قلعة اللازورد القرمزي» —التي ابتلع الظل أكثر من نصفها حتى انطمست معالمها الأصلية تمامًا— اعتصر الألم فؤاد يورنا.
غير أنه لم يكن لدى يورنا متسعٌ للاستسلام لمشاعر الحزن والأسى؛
فرغم تشتت الأذرع الظلية التي كانت تلاحقهما، فإن منبع الظلام الهائل لم يتبدد بعد؛
ناهيك عن أن――
يورنا: [بشرتي الفاتحة تنبئني بأن الخطر لم يبرح مكانه.]
لقد كان دويّ انفجار «قلعة اللازورد القرمزي» هائلًا لدرجة تكفي لدكّ القلعة بأسرها وتسويتها بالأرض؛ ومع ذلك، ورغم انحسار زخم الهجوم إثر الانفجار، إلا أن تلك الوطأة الخانقة المنبعثة من الظلام الدامس لم تتزعزع قيد أنملة.
وطالما أن ذلك الظل لا يزال نابضًا وحيًا، فإن التهديد يظل قائمًا بطبيعة الحال.
وبعبارة أخرى، كان لزامًا عليها ابتكار أو إيجاد سبيل لتبديد ذلك الكيان الأسود الحالك بأي ثمن، مع بقاء شرط استحالة لمسه قائمًا لا يتغير.
؟؟؟: [――يورنا-سامااا!]
وفيما كانت أعصاب يورنا في أوج توثبها واستنفارها، قرع طبلة أذنيها صوتٌ آتٍ من بعيد، من أسفل الأرض.
وبإلقاء نظرة سريعة، رأت يورنا أن أصحاب ذلك النداء هم سكان «مدينة الشياطين» الذين حاولوا الاحتشاد عند القلعة المنهارة؛ إذ علقوا وسط الدمار أثناء سعيهم لنجدة جنود القلعة الزاحفين من بين الركام.
ومن منظور ذلك الظل الأسود، لا بد أنهم بدوا كفريسة شهية يسهل اقتناصها.
يورنا: [اهربوا جميعًا――!]
وانصياعًا لنذير الخطر المحدق، صرخت يورنا في السكان في الأسفل تحثهم على الفرار والإخلاء؛
غير أنها كانت تحلق على ارتفاع شاهق للغاية في السماء، مما حال دون انقضاضها لنجدتهم في الوقت المناسب؛ فالشقة كانت بعيدة، وتجاوزوا متناول يدها، وكان من المستحيل أن يستشعر الجميع وطأة الخطر بالحس المرهف ذاته الذي تملكه يورنا.
――ونتيجة لذلك، لم تجد يورنا بدًا من الوقوف عاجزة ترقب فيضان الظلال الزاحفة نحو السكان الذين هبوا إلى القلعة بدافع الخوف والقلق عليها، هي «حاكمة مدينة الشياطين».
غير أن――
؟؟؟: [――إياكم وأن تظنوا أنني سأدع الأمر يسيرًا عليكم!!]
وتجمد السكان في أماكنهم رعبًا بينما امتدت ذراع ظل سوداء نحو كل واحد منهم؛ وقبيل أن يبتلعهم العدم الأبدي، انتُشلت أجسادهم جانبًا بحركة خاطفة.
لقد كانت كرومٌ شوكية خضراء داكنة امتدت إليهم من بعيد لتفعل ذلك.
وتلك الكروم —التي سبق لـ يورنا معاينتها من قبل— استطالت بطاقة ضارية وسرعة فاقت سرعة الظلال؛ إذ تشبثت بأجساد السكان بأشواكها لتنتزعهم بعيدًا وتتيح لهم النجاة.
وحتى في «مدينة الشياطين» التي تجمعت فيها كائنات ذات سمات جسدية بالغة الغرابة، لم يخطر ببال يورنا سوى شخص واحد بمقدوره الإتيان بمثل هذا الصنيع.
؟؟؟: [كافما إيرولوكس، امتثالًا لأمر جلالة الإمبراطور، أنا رهن إشارتكِ――!]
رجلٌ تنبت من ذراعيه الممدودتين كرومٌ شائكة، وتخفق وراء ظهره ستة أجنحة شفافة―― إنه كافما إيرولوكس؛ وقد تجسد فجأة في قلب المعمعة، لتتسع عينا يورنا دهشةً.
ولم تكن دهشتها مقتصرة على هيئته المتبدلة الغريبة، بل فاجأها أيضًا إقدامه على حماية رعاياها؛
ففي الماضي، وتحت ذريعة إخماد تمرد يورنا، أرسل الإمبراطور فينسنت جحافل عسكرية لبسط السيطرة التامة على «كايوسفليم».
وكان كافما في طليعة تلك القوات، وأحد أولئك الذين أعملوا السيف وعاثوا فسادًا في أرجاء «كايوسفليم».
لذا، فإن تحركه للذود عن رعايا يورنا كان أمرًا――
كافما: [أيًا كان من تدينون له بالولاء، فأنتم جميعًا رعايا الإمبراطورية على حد سواء.]
يورنا: [――――]
كافما: [أيتها الجنرال من الرتبة الأولى يورنا! أعلم أن رؤيتنا متباينة، لكن لا يسعنا السكوت على هذا الدمار! سأتعاون معكِ!]
وردًا على نظرات يورنا المترقبة، انطلق كافما الخافق بأجنحته يجوب عنان السماء بضراوة.
وكان ينساب بحرية في الأجواء لافتًا أنظار الظلال المطبقة على «قلعة اللازورد القرمزي» نحوه، عاقدًا العزم على استغلال قدرته الفائقة على المناورة والمراوغة لكسب أكبر قدر من الوقت.
غير أن التساؤل الجوهري كان: ما الذي ينبغي فعله بهذا الوقت الذي كسبه؟
لويس: [أُهـ! آاوو!]
يورنا: [يا صغيرتي؟]
لويس: [أُهـ!]
وقلبت يورنا في ذهنها خيارات التحرك التالية فورًا، بينما عادت لويس —المستقرة بين ذراعيها— للتخبط والاضطراب مجددًا؛ غير أن هياجها هذه المرة لم يكن بتلك العشوائية والاندفاع اللذين بدا عليهما سابقًا.
واستدارت الطفلة بين ذراعي يورنا، مشيرةً بيدها نحو موضع محدد على الأرض وهي تئن في إلحاح.
ورنت يورنا بنظرها إلى حيث أشارت لويس، واستشفّت مرادها وما تحاول قوله.
ثم――
يورنا: [أيها الجنرال من الرتبة الثانية كافما، سأكِلُ إليك أمر هذا المكان لبرهة.]
كافما: [إن كان هذا ما تبتغينه، فعُلم!]
يورنا: [و…]
كافما: [ما الخطب؟!]
ورفع كافما صوته قليلًا وسط انشغاله؛ فقد كان يبتغي تفادي الظلال المتناسلة بالمناورة والدوران، والتركيز كليًا على مجابهة ذلك العدو العاتي.
ورأت يورنا أنه سيكون من الإجحاف ألا تبلغه بهذا، رغم أنها لم تكن ترغب في إشغاله عن قتاله:
يورنا: [أشكرك على حمايتك لأطفالي قبل قليل.]
كافما: [――. بصفتي جنرالًا، أديتُ واجبي لا أكثر!]
وارتبك كافما قليلًا إزاء شكر يورنا، غير أنه رد بتلك الكلمات الحازمة.
وعدّلت يورنا تقييمها لذلك الرجل الذي قفل عائدًا لأداء واجبه كاسبًا لها الوقت الحاسم؛
ورغم أن انطباعها عنه كشخص صلب الرأس قليل المرونة لم يتبدل، إلا أنه إن مضى في إنفاذ نواياه تلك، فهو بلا ريب رجلٌ شهم ونبيل؛ ولو سمحت الظروف والأحوال، لكان من طينة الرجال الذين يسعها أن تغدق عليهم حبها.
ومع ذلك، فإن مكانة صاحب المركز الأول في فؤاد يورنا لن تتزحزح أبدًا――
يورنا: [سنهبط إلى الأسفل؛ فتشبثي بي جيدًا.]
واتخذت يورنا من إطباق لويس لذراعيها حولها بقوة ردًا بالموافقة، فانطلقت نحو مقصدها مستعينة بحطام الأبنية، والأرض المنقلبة، وحتى كتل الركام المتناثرة —والتي كانت تطفو معلقة في الفضاء— كمواطئ لخطواتها.
وفي طريقها، وجهت تعليماتها للسكان —الذين بدت عليهم الرغبة في استيضاح ما يجري— بالابتعاد قدر الإمكان عن «قلعة اللازورد القرمزي»―― أو بالأحرى، عن الأطلال الخاوية حيث كانت ترتفع القلعة، في حين اتجهت هي صوب أسطح مبنى بعيد عن موضع القلعة.
وهناك، كان في انتظار وصول يورنا بكل هدوء وتؤدة――
يورنا: [ظننتُ حقًا أن جلالة الإمبراطور هو من سيحضر بنفسه.]
؟؟؟: [همم.]
واقفًا بهيبة وشموخ عاقدًا ذراعيه، كان رجلٌ داكن الشعر، يواري وجهه وراء قناع «الأوني».
وما إن هبطت يورنا أمام عيني الرجل، حتى أفلتت لويس من بين ذراعيها وركضت نحوه، وكأنها كانت تترقب لقاءه بفارغ الصبر.
ثم تشبثت لويس بذراع الرجل مشيرةً نحو القلعة، وخصلات شعرها الأشقر الطويل تتطاير في اضطراب:
لويس: [واو!]
آبل: [أفهم ما ترمين إليه دون حاجة لأن تملئي الدنيا صياحًا؛ ففي النهاية، كان بيننا خلافٌ حاد بشأن طريقة التعامل معكِ. وإنها لجرأة منقطعة النظير منكِ أن تُظهري وجهكِ أمامي.]
لويس: [أوو! أُهـ!]
آبل: [ألديكِ نية للانصياع لأوامري؟ إن كان الأمر كذلك، فضمكِ إلى صفوفنا وارد.]
ورد الرجل على احتجاج لويس ببرود واسترخاء وهي تشد ذراعه؛ وبدا الاستياء جليًا على ملامح لويس إثر جوابه، غير أنها تخلت عن ذراعه في النهاية كمن أدرك ألا خيار آخر أمامها.
ومع ذلك، فإن علة عدم اندفاعها بمفردها نحو الخطر ربما تعود إلى أنها تدبرت عواقب الأمر بعقلية طفلة صغيرة؛
――فقد كان لزامًا عليها استعادة ذلك الصبي الذي ابتلعه الظل الأسود بأي ثمن كان.
آبل: [يورنا ميشيغوري، أنتِ تدركين مجريات الموقف؛ فهذه «الكارثة العظمى» لا يمكن تركها دون حسم.]
يورنا: [أوافقك الرأي؛ فبصفتي حاكمة «مدينة الشياطين»، لم يكن أمامي بدٌّ سوى إخلاء موضع ذلك الظلام الدامس الذي يُحيل كل شيء إلى العدم بمجرد لمسه؛ ناهيك عن أنه التهم قلعتي. ――أكنتَ على علمٍ بأن خطبًا كهذا سيقع؟]
آبل: [استشعرتُ أن ثمة أمرًا مريبًا يُدبّر، غير أن حقيقته بتلك الصورة المحددة كانت خارج نطاق تقديراتي.]
يورنا: [――――]
وضيقت يورنا عينيها محاولةً سبر أغوار الرجل الماثل أمامها وقياس مدى صدقه؛
بيد أن فؤاد الرجل كان محجوبًا وراء قناع «الأوني»، فاستحال عليها النفاذ إليه مهما بلغت رغبتها؛ بل حتى لو لم يكن القناع موجودًا، لكان الاطلاع على ما يختلج في صدره مستحيلًا بالقدر ذاته.
وجودٌ متفرد لم يسمح لأحدٍ قط بالاطلاع على أفكاره أو سبر مكنونات قلبه ونواياه؛ هكذا كان ديدن الإمبراطور السابع والسبعين لـ«إمبراطورية فولاكيا المقدسة».
وكان ذلك――
يورنا: [――يا صاحب الجلالة.]
آبل: [إياكِ ومناداتي بذلك اللقب باستهتار؛ إلا إن كنتِ ترغبين في أن أمزق آمالكِ التي تضمنتها الرسالة إربًا.]
يورنا: [اعذر سوء أدبي… ولكن كيف بحق هذا العالم علمتَ بما كنتُ أصبو إليه؟]
آبل: [لم يكن ثمة يقين؛ ليس قبل أن تعيدي مبعوثيّ سالمين معافين.]
ولدى سماع جوابه، خامرت يورنا مشاعر متباينة بين الإعجاب والاستياء إزاء نمط تفكير الرجل الماثل أمامها.
فقد كان عازمًا على التحقق من صحة استنتاجاته عبر توظيف لقائها بمبعوثيه في اليوم السابق، مراقبًا إن كان مبعوثاه سيعودان من عندها بسلام أم لا.
ومن هذا المنطلق، تجرعت يورنا مرارة إدراك أنها كانت ترقص على راحة يده.
غير أن ما فاق ذلك أثرًا――
يورنا: [يجدر بأولئك المبعوثين الصغار توبيخ جلالتكَ ولو لمرة واحدة على الأقل.]
آبل: [ذاك أمرٌ يُرجأ إلى ما بعد تسوية كافة المسائل. يا يورنا ميشيغوري، انصاعي لتوجيهاتي.]
يورنا: [――. إن كان هذا هو الأنسب لك، فما من خيار أمامي سوى الإذعان.]
ومع ذلك، فإن نبرة الرجل المتسلطة أثارت في نفسها لحظة من التردد والممانعة.
فقد كان لدى يورنا ما يقع على عاتقها حمايته: «مدينة الشياطين» كايوسفليم وقاطنوها؛ وكل ما استلزمه الأمر لصون حماها، هو وجود شخص يملك المقدرة على إدارة هذا الخطب بحنكة وسداد.
وليس المقصود هنا المقدرة على خوض غمار النزال، بل المقدرة على قيادة الأزمة وتدبيرها.
وكانت يورنا تعتز كذلك باقتدارها هذا، غير أنه من الخطأ بمكان أن تتخذ منه ندًا للمقارنة؛
فمن ذا الذي يملك مجاراة رجلٍ يُحكم قبضته ويسوس أرجاء الإمبراطورية العظمى، تلك البلاد مترامية الأطراف ذات المساحة الأوسع في العالم؟
يورنا: [إذن، ما الذي تنوي الإقدام عليه؟]
وطرحت يورنا تساؤلها، متأهبةً لاتخاذ شتى التدابير للذود عن «مدينة الشياطين».
وكانت لويس —التي وقفت إلى جوارها دون أن تشعر— ترنو بنظراتها مؤيدةً مقاصد يورنا.
ولدى التقاء نظرات الاثنتين، يورنا ولويس، بذلك الرجل―― بل بحاكم الإمبراطورية الأوحد، أومأ برأسه موافقًا.
وحينئذٍ――
آبل: [――تخلّوا عن المدينة، واشرعوا في الانسحاب. فما من خيار أمام «مدينة الشياطين» سوى الرضوخ لذلك الظل ليبتلعها.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] لم يسبق أن وردت هذه العبارة اليابانية بالتحديد: “あまり殺すな” (والتي تعني حرفيًا: «لا تُفرطي في القتل» أو «لا تقتلي كثيرًا») بهذا النسق الحرفي المباشر على لسان آبل في الفصول السابقة؛ ولعل هذا مجرد هفوة غير مقصودة من المؤلف «تابّي»، أو نقطة حبكة مقصودة بذاتها.