الفصل 415 - يوتوبيا كايوسفليم
الفصل الرابع والخمسون
«يوتوبيا كايوسفليم»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
سوبارو: [أُهـ، أُغـ، أُووهـ… هـڪ.]
أولبارت: [أجل، أجل، الصغير سائل الأنف يجهش بالبكاء؛ كم أنت مزعج ومثير للمتاعب بحق، أتعلم ذلك؟]
واستنشق سوبارو أنفه وهو عاجز عن كبح نوبة بكائه. وفيما الصبي متشبث بظهره، هز أولبارت كتفيه، ولم يجد ما يفعله سوى حك خده بإصبعه.
――لقد كانت تجربة مروعة، مروعة إلى أقصى حد.
تلك الثواني العشر من اليأس التي عصفت بسوبارو، والثانية الحادية عشرة التي تلتها بعد أن قهر ذلك اليأس―― كم «ميتة» يا ترى تجرعها حتى وصل إلى هنا؟
ووسط ركام اليأس وتحطم الفؤاد، كانت نجاة روحه المنهكة من التلاشي التام أشبه بالمعجزة.
لكنه بعد تلك التجربة الجهنمية، بلغ النهاية أخيرًا.
لويس: [واوو.]
وتشبثت لويس بذراع سوبارو الذي لم ينقطع بكاؤه، وأطلقت أنينًا خافتًا.
ليس لأنها خاضت تجربة سوبارو ذاتها في تكرار المحاولة والخطأ لمرات تفوق الحصر، بل لأنها قاست المصير عينه مرات عديدة وفقدت حياتها معه مرارًا.
فالقفز فوق ظهر أولبارت لانتزاع هذا الفوز الهش ما كان ليتسنى لولا وجودها بجانبه.
سوبارو: [أنا… حقًا، لا أفهمكِ على الإطلاق.]
لويس: [أوو.]
سوبارو: [لكن لولاكِ، لما كان هذا ممكنًا… شكرًا لكِ.]
كانت تلك هي المشاعر الحبيسة في صدر سوبارو، وإن بدت في فوضى عارمة.
كان يعلم أن لويس مذنبة بارتكاب فظائع شتى، ويعلم طبيعة الرابطة التي تجمعه بها؛ كان يعلم كل ذلك، ومع هذا فاض قلبه بمشاعر الامتنان نحوها.
ولم يكن امتنان سوبارو هو الوحيد الذي فاض.
لويس: [وا، آهـ…]
سوبارو: [لويس؟]
وانهار السد فجأة دون سابق إنذار.
فإثر سماعها كلمات الامتنان المتعثرة من سوبارو، ترقرقت الدموع ببطء في عيني لويس الكبيرتين المستديرتين، ثم انهمرت فوق خديها في طرفة عين.
وقطرة إثر قطرة، راحت الدموع تتساقط فوق وجنتي لويس باندفاع جارف لم تدرِ كيف توقفه.
سوبارو: [لويس، أنتِ تبكين… تبكين بحق…]
لويس: [أوو، أوو!]
وكانت لويس نفسها تدرك أنها تبكي، لكنها لم تحاول كبح دموعها أو مسح ما يسيل منها فوق وجهها؛ وظلت طوال ذلك متشبثة بذراع سوبارو بنظرة ملؤها الرجاء، في حين كان يُنتظر منها أن تفلت يدها لتمسح عبراتها.
سوبارو: [وجهكِ… امسحيه أيتها الغبية، يا غبييية…]
وأمام بكاء لويس بتلك الصورة، أوشك سوبارو —الذي حاول تهدئة ثورة مشاعره— على الانهيار مجددًا؛ فقد غدت الدموع المسكوبة وشهقات النحيب أكبر من أن تُحصى.
وبدا وكأن هذا الثنائي سيواصل البكاء إلى ما لا نهاية على هذا النحو دون قدرة على التوقف――
يورنا: [――أحسنتما صنعًا، لقد بذلتما قصارى جهدكما، أنتما الاثنان.]
سوبارو: [آه…]
يورنا: [لا ضير في بكائكما مهما طال؛ وأنا آذن لكما بذلك، بصفتي حاكمة مدينة الشياطين هذه.]
وامتدت ذراعان طويلتان من خلف سوبارو ولويس، لتطوقاهما بعناق حنون.
وجعل دفء تلك الكلمات ورقّتها عيني سوبارو تتسعان دهشة، وسُحر بملامح وجهها الجانبي البديع القريب منه؛ رموش طويلة، وشفتان قرمزيتان، وعينان زرقاوان متألقتان تبعثان الطمأنينة في النفس مهما ادلهمت الخطوب وتفاقم الألم؛ جمالٌ آسر يسلب لب كل من يقع بصره عليه.
وكان يعلم سلفًا أي نوع من الأشخاص تكون صاحبة هاتين العينين؛
ولذا، أيقن أن في كلماتها ودفئها لطفًا خالصًا لا تشوبه أي نية خبيثة؛
لأنه أدرك أنه حتى لو ألقى بكل حمله عليها، فستحتضنه وتغفر له.
سوبارو: [أُهـ، غـهـ… آهـ، أوهـ، آااااهـ!]
لويس: [واو… واوهـڪ، وا، أُهـ، واو…!]
يورنا: [لا بأس، لا بأس… فللأطفال حق البكاء، وحق التشبث بصدور الكبار؛ لا بأس بأن تجعلا من صدري مأوى، وابكيا قدر ما تشاءان حتى ترتاح نفوسكما.]
ورفع سوبارو رأسه، لتفيض الدموع فوق وجهه من جديد؛ واحتضنت لويس سوبارو على حاله تلك؛
وضمتهما يورنا برقة بين ذراعيها، وربتت على ظهريهما الصغيرين. وفي تلك الأثناء، وفي ختام المعركة التي احتدمت فوق برج «قلعة اللازورد القرمزي»――
أولبارت: [لا أدري أي ملامح يجدر بي إظهارها الآن، فكل هذا العويل يجري فوق ظهري.]
يورنا: [الزم الصمت.]
وبهذا، أخرست حاكمة «مدينة الشياطين» تلك المقاطعة الفظة الصادرة عن العجوز الخبيث.
△▼△▼△▼△
يورنا: [إذن، كيف تبرر أفعالك، أيها العجوز أولبارت؟]
أولبارت: [أبرر أفعالي؟ وهل سقتُ أي أعذار؟ أنتِ من هاجمني بدافع من مزاجكِ المتقلب، أليس كذلك أيتها الفتاة الثعلبية؟]
يورنا: [――――]
وبعد أن فرغ سوبارو من بكائه الحار، ظن أن الوقت قد حان لإجراء محادثة هادئة؛ غير أن برج القلعة غرق فجأة في أجواء مشحونة ومحفوفة بالمخاطر.
وغني عن البيان أن المتسبب كان أولبارت ببروده وتملصه المعتاد.
وهو جالسٌ فوق السطح، ينكش أذنه بطرف خنصره:
أولبارت: [لقد فعلتُ ما طُلب مني بوجه عام، أليس كذلك؟ حسنًا، حاولتُ الالتفاف عبر بعض الثغرات، لكن انظري، ذلك الصبي اعتبر الأمر منتهيًا، صحيح؟]
سوبارو: [أُغـ… لـ… لكن، هذا…]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، يجدر بك الاستماع إليّ يا صبي؛ ――فمهما قلتَ، فأنا الرابح الأكبر في النهاية. كاكاكاكاكا!]
وتلعثم سوبارو بينما فغر أولبارت فاه على اتساعه وأطلق قهقهة مدوية.
وفي الحقيقة، كان أولبارت محقًا؛ فلو جادل سوبارو في تلاعب أولبارت بالقواعد هنا، لتحول النزاع إلى قتال مفتوح بلا قيود يتجاهل كل القواعد، وحينها لن يتمكنوا على الأرجح من هزيمة الشينوبي أولبارت بأي وسيلة.
كان أولبارت يملك في جعبته سيلًا من التقنيات الخفية، ولا يتردد إطلاقًا في إقحام الآخرين فيها؛ ومنذ وطئت قدماه أرض الإمبراطورية، خاض سوبارو تجارب كافية ليدرك أن أمثال هؤلاء الخصوم هم الأشد مراسًا وشراسة على الإطلاق.
سوبارو: [أولبارت-سان، نبرتك تشبه أعتى الأوغاد الذين أعرفهم…]
أولبارت: [حقًا؟ في هذه الحال، يجدر بك قتلي حتمًا؛ فلستُ بالرجل الصالح، وسأكون مصدر وجع رأس حقيقي.]
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، أيها العجوز أولبارت، فلا بد أنك تشاطرني الرأي بأنه يتعين عليّ قطع أنفاسك في هذا الموضع.]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، كل هذا الكره تجاهي؟ حسنًا، هذا أمر طبيعي ومفهوم.]
وكان الهواء مشحونًا بالتوتر، غير أن هذا التوتر انبعث من العداء الصريح الذي أطلقته يورنا وحدها.
أما أولبارت، الطرف المستهدف، فلم يعد متخذًا أي وضعية قتالية؛ وبالطبع كان هذا مجرد استعراض مضلل، إذ بوسعه استعادة جاهزيته القتالية في رمشة عين.
ومع ذلك، كان غضب يورنا أمرًا طبيعيًا، تمامًا كما كان سوبارو يغلي غيظًا تجاه أولبارت؛ لكن ثمة سبب وجيه منعه من التمادي في ذلك الغضب:
ألا وهو أطرافه المتقلصة، وعقله الذي لم يعد يعمل بكامل رشده.
سوبارو: [أولبارت-سان، بخصوص التقنية المستخدمة ضدنا…]
أولبارت: [آه أجل، صحيح؛ بطبيعة الحال، لن تتمكنوا من إبطالها إن متُّ؛ كلا، قد تكون هناك طريقة أخرى، لكني لم أرَ أحدًا يفعلها قط.]
سوبارو: [كنتُ أعلم ذلك…!]
أولبارت: [حسنًا، إنها أشبه بوثيقة تأمين؛ فمن المفترض أنها تقنية سرية في قريتي، لذا نتولى أمر الجثث دون ترك أي أثر حتى لا ينكشف أمرها.]
وبمنتهى البرود، تفوه أولبارت بهذه الكلمات المريبة.
وفي الوقت ذاته، حمد سوبارو حظه لأنه سار فوق حبل مشدود شديد الخطورة؛
فحتى لو هزمت يورنا أولبارت وقضت عليه، فإن تقنية «التصغير» التي أصابت سوبارو ورفاقه كانت ستبقى دون علاج؛ وسيظل محبوسًا للأبد في هيئة «ناتشـوكي سوبـاو».
ومجرد التفكير في هذا الاحتمال جعل سوبارو يرتجف رعبًا.
يورنا: [أجهل التفاصيل الدقيقة، لكني سمعتُ أنك عاملتَ هذين الصغيرين بقسوة بالغة.]
ورمقت يورنا أولبارت بنظراتها وهي تضع غليون «الكيسيرو» في فمها وتملأ رئتيها بالدخان الأرجواني.
وحين طلب سوبارو عونها سابقًا، أخبرها بأكبر قدر ممكن من المعلومات بصدق، لكنه تجنب الخوض في أدق تفاصيل مأزقهم؛ وكان من ضمن ذلك حقيقة تقلص جسده بتأثير تقنية أولبارت.
وبمجرد أن يُبطل أولبارت تقنية «التصغير»، سيعود سوبارو إلى جسده الأصلي.
وحين يحدث ذلك، سيبذل وسعه للاعتذار وطلب الصفح من يورنا. ――وبطبيعة الحال، لم يظن أن ذلك سيكون كافيًا لمحو أثر ما حدث تمامًا.
غير أنه كان يود أن يؤمن بأن يورنا إنسانة يُجدي معها تحكيم المنطق بالكلمات الصادقة وحدها.
يورنا: [أيها العجوز أولبارت، لقد أقررتَ بهزيمتك في تلك اللعبة قبل قليل، أليس كذلك؟]
أولبارت: [أجل، أقرّ بها، أقرّ بها؛ لا ريب أنها خسارة نكراء. على الأقل، من حسن حظي أني لم ألقَ حتفي خاسرًا؛ غير أني لم أحسب قط أني سأُهزم.]
يورنا: [أكانت هزيمتك أمرًا غير متوقع؟]
أولبارت: [ظننتُ أن زعيم هذا الصبي هو من سيشكل لي تحديًا حقيقيًا لا محالة.]
ودون اكتراث لقلق سوبارو، واصلت يورنا وأولبارت حديثهما؛ فغمغمت يورنا مكررةً كلمة أولبارت: «الزعيم…»، ودست يدها برقة داخل كيمونوها:
يورنا: [مرسل الرسالة، أليس كذلك؟ لقد كنتُ أتطلع لمقابلته، ولكن…]
وفجأة، بترت يورنا كلماتها وضيقت عينيها نحو أولبارت.
وأمال أولبارت رأسه أمام حدة نظرتها وقال: «ما الخطب؟»:
أولبارت: [ما من أمر يُفزع المرء أكثر من تحديق امرأة فاتنة فيه؛ ففيمَ كل هذا التوتر؟]
يورنا: [يا للفظاعة! لقد أمرتُ تانزا بنقل رسالة إلى جميع المبعوثين لكي يحضروا إلى القلعة. ――حسنًا، فأين ذهبت تانزا إذن؟]
وبردت الأجواء سريعًا لدرجة جعلت سوبارو يشعر بالاختناق.
فغضب يورنا ينفجر دومًا كلما طال الأذى أحد سكان المدينة أو أحد الأطفال؛ وكان الأمر أشد وطأة في حالة تانزا التي استوفت الصفتين معًا: طفلة ومن سكان المدينة.
ومع ذلك، راود الشك سوبارو بأن تانزا قد تواطأت مع أولبارت لمنع مجموعته من لقاء يورنا؛ لذا كان عليه توخي أقصى درجات الحذر في التطرق لهذا الأمر.
غير أنه――
سوبارو: [كنتُ أظن أنا أيضًا أن تانزا برفقة أولبارت-سان، لكنها ليست معه… صحيح؟ هل يعقل أنها تختبئ تحت بعض القرميد أو شيء من هذا القبيل…]
يورنا: [أرجاء القلعة من الداخل أشبه بجسدي أنا؛ ويستحيل أن يفوتني دخول أي شخص إليها أو اختباؤه فيها.]
سوبارو: [صـ… صحيح؛ تقنية يورنا-سان مذهلة حقًا…]
وإثر سماع رد يورنا الواثق، جفل سوبارو أمام طبيعة قدرتها الاستثنائية؛
وعقب جفلته، أدرك سوبارو أنه ولويس قد تسللا إلى «قلعة اللازورد القرمزي» عبر الانتقال الآني، وأن يورنا عثرت عليهما فورًا بعد ذلك.
في ذلك الحين، زعمت يورنا أنها كانت تتجول في القلعة ووجدتهما بالمصادفة، لكنه خمن الآن أن ذلك لم يكن سوى ستار؛ فالحقيقة أنها استشعرت ظهور سوبارو ولويس المباغت داخل القلعة وتحركت للإمساك بالدخيلين.
ولعل السبب وراء عدم احتجازهما فورًا ومعاملة سوبارو ولويس كأصدقاء لتانزا، هو أنها لم تستقر في قرارة نفسها على كيفية التعامل مع طفلين صغيرين مثلهما.
ففي نهاية المطاف، ومنذ لقائهما الأول، كانت يورنا تأخذ على عاتقها حمايتهما.
سوبارو: [――――]
وكلما لمس سوبارو نبل شخصية يورنا، تعاظمت الشكوك في صدره حول صواب إقحامها في معمعة الحرب الكبرى في «إمبراطورية فولاكيا».
وانطبق الأمر ذاته على مشاعره تجاه قاطني «كايوسفليم»، ممن يُعرفون بـ«الأعراق ذات القرون» الذين اعترضوا طريق مجموعة سوبارو؛
فقد سعوا لحماية الملاذ الآمن الذي ظفروا به أخيرًا بعد طول عذاب وتهميش؛
فهل يحق لمجموعة سوبارو لومهم على رغبتهم في استعادة حياتهم الهانئة؟ لا سيما وأن حاكمتهم تكنّ لهم كل الحب والرعاية.
――فما الفارق إذن بين هذا، وبين العالم الذي ترجوه الفتاة التي يحبها سوبارو؟
سوبارو: [――――]
وفي صمت، تطلع سوبارو من قمة برج القلعة إلى مشهد مباني «مدينة الشياطين» المتشابكة؛
مدينة غارقة في الفوضى والتعقيد والاضطراب، خالية من أي نسق متجانس؛ وحين وطئت قدماه هذه المدينة لأول مرة، تملكه الذهول من هول فوضاها؛
لكن بعد لقائه بيورنا وأهل هذه المدينة، ولو لبرهة وجيزة، خطرت ببال سوبارو فكرة واحدة:
هنا، توجد الحرية بحق.
كانت الحرية تسود هنا؛ فلا حاجة لأحد أن يخضع لأحد، ولا قيود يفرضها إنسان على آخر. ومن ثم، كان بإمكان المرء التعبير عن نفسه كما يشاء، دون أن ينكر أحد هذه الفوضى المتدفقة.
مكانٌ حر، متكافئ، وعادل.
وبدا له أن صورة مثالية نوعًا ما للمستقبل قد تجسدت هنا.
فهل كان من الصواب حقًا انتزاع يورنا من مكان كهذا؟
يورنا: [أيها العجوز، أجبني؛ أين تلك الفتاة، تانزا؟]
ودون أن تلتفت إلى صراع سوبارو الداخلي، واصلت استجواب أولبارت.
لم تكن تانزا داخل القلعة؛ وكان يود تصديق أن أولبارت لا يملك تقنية تجعل الشخص صغيرًا بما يكفي ليضعه في جيبه.
أولبارت: [لا داعي لتلك النظرات المخيفة على وجهكِ، سأخبركِ بما أعرف. السبب الوحيد الذي دفعني للاتفاق مع تلك الفتاة الغزالة هو أن الظروف كانت مواتية تمامًا لاستغلالها في النزال.]
يورنا: [――أين هي؟]
وانهالت أسئلة يورنا المتكررة على أولبارت بحزم، معلنةً أنه لا حاجة لأي ثرثرة فارغة.
وردًا على ذلك، أمال أولبارت رأسه ونقل بصره نحو الأرجاء المحيطة بالقلعة―― صوب «مدينة الشياطين»، وكأنه يتأمل مشهدًا بديعًا:
أولبارت: [ليس من الصعب تخمين ذلك؛ فأنا غريب عن هذا المكان، أتعلمين؟ ولا يوجد سوى عدد قليل جدًا من الأماكن التي يمكنني إخفاء فتاة واحدة فيها.]
وكان ذلك هو جوابه.
△▼△▼△▼△
――وقبل قليل من رضوخ أولبارت لاستجواب يورنا،
داخل «مدينة الشياطين» كايوسفليم، في أحد نُزُلها.
لم يكن النزل كبيرًا، ولا مبالغًا في زخرفته. ――ومع ذلك، كانت جدران المبنى وداخله مشيدة بمتانة فائقة، ونادرًا ما ينفذ عبرها أي صوت.
وفي «كايوسفليم»، كان هذا هو المكان الوحيد الذي تختلف أجواؤه تمامًا عن بقية المدينة، إذ جُهز كتدبير استثنائي لإيواء كبار الشخصيات.
وكانت الغرفة التي شهدت المشهد رحبة، وجاءت هذه الرحابة بفضل تصميمها الداخلي الذي جمع ثلاث غرف أُزيلت الجدران الفاصلة بينها لضمها معًا. وحتى بين المسافرين الذين يرتادون هذا النزل، لم يحظَ بإمكانية الإقامة في غرفة فسيحة كهذه سوى فئة نادرة تتمتع بمكانة رفيعة.
ولم تكن هناك أثاثات فاخرة، ولا تحف فنية تبهج الأبصار، ولا خمور راقية لإرضاء الأذواق؛ إذ كان جلّ من يرتاد هذا النزل أشخاصًا عمليين يفضلون المنفعة وحدها.
وبمعنى ما، كانت مكانة هذا النزل فريدة داخل «كايوسفليم».
فـ«مدينة الشياطين» التي تُعرف شعبيًا بـ«أرض اللاقانون»، كانت جديرة بلقب رمز «الحرية»؛ ورغم طابعها الفوضوي، كان سكان «كايوسفليم» تحت إمرة يورنا، حاكمة «مدينة الشياطين»، متحدين بشكل لافت في إرادتهم.
ولأولئك الذين تجمعهم رؤية مشتركة، ولا يتسامحون مع الغزاة الأجانب، ولا يلقون بالًا لإظهار الرحمة لمن غرقوا في مشاكلهم الخاصة، لم تكن هناك أي حاجة لما يوفره هذا النزل من تجهيزات وتحصينات.
وبالفعل――
؟؟؟: [――«على شعب الإمبراطورية أن يكون قويًا»، هذا هو المبدأ الأساسي الذي قلبته مدينة الشياطين هذه رأسًا على عقب.]
؟؟؟: [آه…]
؟؟؟: [إلى حد ما، يُترك أمر الإدارة لقيادة المدينة. لكن لكل شيء حدودًا. ――فهل يتصرفون هكذا لجهلهم بحدودهم؟]
وبينما طرح رجل عاقد ذراعيه هذا التساؤل، تقلصت وجنتا الفتاة ضئيلة القامة ولزمت الصمت.
وكان الرجل الذي يستجوبها، بملابسه التي تمزج بين الأحمر والأسود ووجهه المحجوب بقناع «الأوني»، هو آبل. أما الفتاة من أشباه البشر ذات القرون التي تقف أمامه، مرتدية كيمونو جميلًا وقد أدخلت ذراعيها في كُمّيه، فكانت تانزا.
وفي هذه المدينة، كان يجري لقاء وجهًا لوجه بين طرفين يُفترض أن بينهما علاقة عداء صريحة.
――كلا؛ وللدقة أكثر، لم يكن آبل وتانزا الوحيدين في ذلك اللقاء.
؟؟؟: [أنتم جميعًا! هل دخلتم إلى هنا وأنتم تدركون طبيعة المكان الذي وطأتموه…!؟]
آبل: [――――]
؟؟؟: [أجيبوني! وتوقفًا على ردكم، لن يبقى من عظامكم عظمٌ واحد!]
وكان الذي يصرخ بتلك النبرة رجلًا داكن البشرة احمرّ وجهه من فرط الغيظ؛ إنه «جنرال الدرجة الثانية» في الجيش الإمبراطوري، كافما إيرولوكس. وكانت تلك الكلمات موجهة صوب آبل الذي اقتحم الغرفة، والفتى والفتاة اللذين رافقاه.
ولم يكن في يده الممدودة أي سلاح، بيد أنه لم يكن بحاجة إلى سلاح من الأساس؛ فترسانة أسلحته كانت تستكنّ حرفيًا داخل جسد كافما نفسه.
وقوله بأنه لن يُبقي من عظامهم عظمًا واحدًا لم يكن مجرد تهديد أجوف، بل حقيقة دامغة؛
――إذ كانت تلك هي القوة الحقيقية لـ كافما إيرولوكس، «جنرال الحشرات المقاتل».
؟؟؟: [مهلًا، آبل-تشان، هل أنت جاد؟]
وانبعث ذلك الصوت المشحون بحذر شديد وتوتر جلي من فتى مقنع يقف أمام كافما وقوته الباطشة؛ إنه «آل». وكان يحمل على ظهره سلاحًا يعجز عن استعماله بحجمه هذا، وهو «سيف الداو»؛ وما إن تحدث حتى رمقه آبل بنظرة إلى الخلف، و:
آبل: [أنت، كم مرة ستطرح هذا السؤال قبل أن تحسم أمرك؟]
آل: [أكرر هذا السؤال لأن مجيئك متبخترًا إلى هنا لم يحسم شيئًا بعد؛ أعني، هذا جنون مطبق! تبًا، لا أدري لِمَ تبعتكَ أنا الآخر…!]
آبل: [ينبغي أن يكون السبب جليًا؛ ――فأنت بحالك الراهنة جبانٌ لدرجة تعجز معها عن البقاء بمفردك.]
آل: [غـوهـ… هـڪ.]
وعجز آل عن مواصلة الحديث، ولم يقوَ على النطق بحرف بعد ذلك؛ في ردة فعل أثبتت على الفور أن آبل قد أصاب كبد الحقيقة. بل إن عجز آل حتى عن مجادلته كان دليلًا قاطعًا على أنه يدرك ذلك في قرارة نفسه.
فلسبب ما، لم يعد آل في وضعه الحالي قادرًا على الحفاظ على رباطة جأشه حتى لمجرد السير في الشارع.
؟؟؟: [آبل-تشين.]
ونادت رفيقة أخرى، ميديوم، على آبل لتحتج بالنيابة عن آل الذي أُلجم لسانه.
وكانت ميديوم، التي تسير بجوار آبل بجهد كبير، تحمي آل الذي غدا عديم الفائدة الآن؛ ومع ذلك، خيمت كآبة شديدة على قسمات وجهها.
وكل هذا وغيره وقع إثر انفصالهم عن سوبارو ولويس في منتصف الطريق.
ميديوم: [لا أظن أن هذه طريقة لائقة للحديث معه.]
آبل: [وهل تحسبين أننا في موقف كهذا سنبلغ تفاهمًا مشتركًا بالكلمات المعسولة والملتوية؟ يجدر بكِ وبذلك المهرج أن تستوعبا خطورة الموقف أكثر؛ فزلة واحدة، وكما توعّد، لن يبقى من عظامكم عظمٌ واحد.]
ميديوم: [وهذا أدعى لتغيير أسلوبك! لا يجوز أن تتحدث هكذا، هذا تصرف غير لائق!]
آبل: [――――]
ميديوم: [فلأنك تتحدث بهذه الطريقة يا آبل-تشين، انتهى الأمر بـ سوبارو-تشين ولويس-تشان إلى…]
وقاطعتْه بحدة في البداية، لكن كلماتها تلاشت بعدها.
وكان ذلك أمرًا لا مفر منه بحكم طبيعة ميديوم ذاتها؛ فرغم رغبتها في إلقاء لائمة كل ما استجد من متاعب على عاتق آبل، إلا أن طيبة قلبها البالغة منعتها من ذلك.
فقد كانت تدرك تمامًا أن موقفها ونظراتها كانا من العوامل التي دفعت سوبارو ولويس نحو حافة الهاوية؛ ولعل ذلك كان بدوره نتاج التربية التي نالتها من أخيها.
وعلى أية حال، كان كل من آل وميديوم عاجزين عن أداء أي دور فعّال.
آبل: [لذا، نحن لا ننوي الدخول في شجار أيضًا؛ أنزل ذراعك، كافما إيرولوكس.]
كافما: [هل أنت… فاقد لعقلك؟ لم تجب على سؤالي، وتصرّ فقط بعناد على المضي وراء هواك؛ أتحسب نفسك ملكًا بهذا المسلك؟]
آبل: [――. لستَ بعيدًا عن الصواب.]
كافما: [أيها الـ――!]
واحتقنت عينا كافما بالدم، وبلغ غضبه —وهو المعروف بولائه المطلق للإمبراطور— مداه.
وللمفارقة، لم يفصل كافما عن إدراك الحقيقة بشأن هوية آبل الحقيقية سوى نصف خطوة؛ فقد كانت تلك هي سطوة تأثير «الاضطراب الإدراكي» الذي يتمتع به قناع «الأوني» المأخوذ من قرية الشودراك.
وبعبارة مجملة، فباستثناء أولئك الذين يعتزم مرتدي القناع كشف هويته لهم، ومن يملكون يقينًا مسبقًا قاطعًا بحقيقة من يرتديه، يعجز أي امرئ عن اختراق تأثير القناع ورؤية ما وراءه.
وبمعنى آخر――
كافما: [كفى! لم أعد أطيق هذه المهزلة باصطحاب الصغار معكم! وبصرف النظر عما جرى بالأمس…]
؟؟؟: [――اهدأ، كافما إيرولوكس.]
ومع شحن ذراعيه بالقوة، تلوت نقوش الوشوم على ذراعي كافما؛ غير أن ذلك الاندفاع لُجم في مهده بصوت انبعث من خلفه.
واتسعت عينا كافما وهو يستدير؛ وهناك، في عمق الغرفة، جلس رجل وسيم بشعر أسود كالعقيق، مسترخيًا في مقعد وثير.
بشعر أسود وعينين سوداوين، بدا وجهه المهيب ذو الملامح الحادة الاستثنائية كأنه ينفذ عبر كل شيء يعترضه، ثابتًا لا يتزعزع أمام أولئك الضيوف غير المدعوين.
وحقًا، أُعجب آبل بمدى الإتقان الفائق الذي صُنع به ذلك «القناع».
ودون أن يلتفت لإعجاب آبل، رمق الرجل الوسيم في الخلف كل واحد من الثلاثة، بما فيهم آبل، وقال:
؟؟؟: [لا عداء في نفوسهم؛ على الأقل في ظل هذه الظروف.]
كافما: [ولكن، يا صاحب الجلالة! إن وقاحة هذا المرء في حجب وجهه أمام جلالتكم، ناهيك عن انعدام أي ذرة توقير في مسلكه، لهي وقاحة وغد أثيم! فضلًا عن قدومه مصطحبًا أطفالًا معه…]
؟؟؟: [وما شأن ذلك؟]
كافما: [كلا، فالمجيء بصحبة أطفال أمر لا يقبله أي عقل…!]
وعجز كافما عن إخفاء حيرته البالغة، وهو يفرك صدغيه مجاهدًا لكبح ضيقه وغيظه.
ففي الأصل، كان للرجل المدعو كافما طبع سيئ يتمثل في أخذ كل الأمور بجدية مفرطة. وأخذ الأمور بجدية شيء، لكن إشاعة التوتر والقلق في الغرفة شيء آخر تمامًا.
ومتذرعًا بفرط جديته، كان قد رفض منصبًا بين «الجنرالات التسعة الساميين» لشعوره بأنه غير جدير به. ――وعليه، وبصرف النظر عن طباعه، فقد كان يمتلك مهارة وقوة تضاهي قوة «الجنرالات التسعة الساميين».
فحتى لو لم يقع أحد منهم ضحية لمكر أولبارت ودهائه، وحتى لو كانت تاريتا ترافقهم في هذا الموضع، لكانت مواجهة كافما في معركة حقيقية ضربًا من المحال.
بيد أن الكفة في هذه النقطة بالذات مالت لصالح آبل وفريقه؛ وذلك لأن――
آبل: [أعتذر عن تعكير صفو مخدعك، لكن شأني مع الفتاة القابعة هناك؛ وفي الوقت الراهن، لا نية لدي لإشغال نفسي بك.]
الفتاة: [نـا… هـڪ]
؟؟؟: [هووه. يبدو أن هذا المرء يتشدق بكلام كبير أمامي. سأحفر هذا الوجه وهذا الصوت في ذاكرتي جيدًا، لا سيما إن كنتَ على صلة حقًا بالمبعوث الذي التقينا به عند برج القلعة بالأمس.]
آبل: [همم.]
وبنبرة ساخرة، لمس آبل ذقن قناع «الأوني» بينما يبادله خصمه النظرات؛ ――ذلك الذي نعته سوبارو بالإمبراطور المزيف، والذي يعرفه آبل باسم تشيشا غولد، متقمصًا الآن هيئة فينسنت بالكامل.
وبجوار آبل مباشرة، علت وجهي آل وميديوم علامات عبوس وارتباك معقدة؛ فالإثنان، بكونهما مستثنيين من تأثير «الاضطراب الإدراكي»، كانا يشهدان حوارًا يتبادله اثنان يحملان هيئة فينسنت ولديهما النبرة والصوت ذاتهما بالضبط.
لقد كان تنكر «العنكبوت الأبيض»، تشيشا، متقنًا دون أدنى شائبة.
فبنبرة صوته وسمت تصرفاته، لم يكن في وسع أحد في هذا العالم أن ينتحل شخصية فينسنت فولاكيا ببراعة تضاهي مهارة تشيشا غولد.
بل قد تراود المرء أفكار متناقضة تجعله يبدو أشبه بفينسنت الحقيقي أكثر من آبل نفسه.
ومع ذلك――
آبل: [بلغني نبأ ردك على مرؤوسيّ؛ وبالنسبة لإمبراطور فولاكيا الصارم، فقد أظهرت تسامحًا بالغًا في الصفح عن وقاحة امرأة متهورة.]
فينسنت: [رغم ذلك، لست غريب أطوار لأضيع وقتي مع من يجهلون قدر أنفسهم؛ لكن إن قدّرت قيمتهم النسبية حق قدرها، عوملوا بمقتضاها. وعلى أية حال――]
ورد فينسنت على تهكم آبل، وحين توقف الأول عن الكلام لبرهة، تلاقت نظراتهما في الهواء، ثم تحركت شفاههما في اللحظة ذاتها معًا:
آبل وفينسنت: [――«على شعب الإمبراطورية أن يكون قويًا».]
أجل؛ كانت تلك هي فلسفة «إمبراطورية فولاكيا المقدسة»، ونهج حياتهم الرمزي الراسخ.
وتلك الإجابة، الصادرة عمن يليق بهم مقام أباطرة فولاكيا في التعامل بحزم مع كل من أظهر نية لمعارضتهم، لم تكن سوى إجابة مهيبة بحق.
فحتى لو وُجه السؤال عينه إلى آبل، لرد بالإجابة ذاتها بالضبط.
مهما كان ما يُكنّه في طوايا فؤاده.
فينسنت: [كافما، تلك الفتاة القابعة هناك؟]
كافما: [نعم؛ طلب مني السيد أولبارت إبقاءها في النزل… وقد خرج المذكور إلى المدينة بعد ذلك، ولم يعد حتى الآن.]
فينسنت: [فهمتُ الأمر.]
وأجاب كافما وملامح الحرج بادية على محياه، فأومأ فينسنت برأسه تأكيدًا على كلامه، ثم نقل بصره نحو تانزا.
وأطلقت تلك الفتاة الصغيرة المنزوية في ركن الغرفة صوت «آهـ» خافتًا وهي تحاول التزام واجبها والتواري عن الأنظار على الأقل، غير أن كتفيها ارتجفتا أمام مرأى من ينظر إليها من رأس هرم الإمبراطورية.
ولم يكن بوسع المرء وصف ردة فعل تانزا بالوجل ولا بالذعر؛ وتفهم فينسنت ذلك باعتباره أمرًا طبيعيًا ومحتومًا:
فينسنت: [تدخل أولبارت، والاتفاق المبرم بالأمس مع يورنا ميشيغوري؛ فضلًا عن ظهور من له صلة بمبعوثي الأمس باحثًا عنكِ أنتِ بالتحديد… باتت الصورة العامة واضحة في ذهني.]
تانزا: [أ… أنـا…]
فينسنت: [لا حاجة للأعذار؛ وبطبيعة الحال، سيطلعني أولبارت على ما حدث بالنيابة عنكِ، فلستُ سيدكِ؛ وفوق هذا، لستُ عدوكِ أيضًا.]
تانزا: [آه…]
فينسنت: [ما دمتِ قد بدأتِ معركة، فلا بأس بأن تخوضيها بمنتهى الجدية حتى الرمق الأخير؛ وعليه، فإن كان مقدرًا لكِ أن تحترقي أم لا، فهذا خياركِ أنتِ وحدكِ.]
وببرود تام، أعلن فينسنت لتانزا أنه لن يمد لها يد الحماية بعد الآن.
غير أن الاعتقاد بأن هذا الإعلان سيبعث في نفس تانزا اليأس الذي نبذته سابقًا كان خطأً فادحًا.
تانزا: [――――]
فقد استقر في عيني تانزا المستديرتين البريق ذاته، وربما شعلة العزيمة عينها، والقبس ذاته الذي توقد حين قررت خوض ذلك النزال وهذا التحدي.
وكان استنتاج أن حياة تانزا —بصفتها فردًا من «الأعراق ذات القرون»— لم تعرف يومًا سلامًا ولا بهجة، أمرًا يسيرًا وبديهيًا في نظر آبل؛ ناهيك عن أن قضية «قوم الأيائل» في «كايوسفليم» كانت الشرارة الأساسية لتمرد قادته يورنا ميشيغوري في السابق.
بل لن يكون مستغربًا أبدًا إن كانت تانزا نفسها من ذوي ضحايا تلك الأحداث.
تانزا: [فينسنت-ساما، أعتذر عما سببته من إزعاج؛ ومع ذلك، فإن هذه الواقعة لم تحدث بأمر من يورنا-ساما، بل أنا من دبرتُ الأمر برمته.]
فينسنت: [كما أسلفتُ للتو، لا حاجة للأعذار؛ أما الحقائق فسأستجليها من يورنا ميشيغوري بنفسي. يمكنكِ التزام الصمت الآن.]
تانزا: [حاضر؛ شكرًا جزيلًا لك.]
وعدّلت تانزا وقفتها، ثم انحنت انحناءة عميقة أمام فينسنت؛ وما إن رفعت رأسها حتى وجهت بصرها نحو آبل والآخرين.
وخلافًا لنظرتها نحو فينسنت، كانت هذه النظرة مشحونة بعداء صريح.
آل: [――هـڪ.]
وجعلت هالة تلك الفتاة حنجرة آل تتحشرج، رغم محاولاته لتمالك نفسه.
فقد كان في غاية الجبن، غير أن تلك الهالة كانت بالفعل مفعمة بروح قتالية فرضت عليه وطأة شديدة؛ ولا يسع المرء إلا التساؤل عن الظروف التي دفعتها لتحميل نفسها كل هذا العناء.
وكل هذا――
تانزا: [――أرجوكم، لا تقحموا يورنا-ساما في هذه الحرب؛ إنها امرأة رقيقة القلب، وستقاتل حتمًا في سبيل الضعفاء مهما نال منها الأذى وأرهقها القتال. وأمرٌ كهذا لا يمكنني السكوت عنه أبدًا… فيورنا-ساما هي كل ما أملك في هذه الحياة.]
ميديوم: [آه…]
تانزا: [أرجوكم، أرجوكم استجيبوا لرجائي هذا… أرجوكم…!]
ومع الارتعاشة الطفيفة في نبرتها، جعل رجاء تانزا عيني ميديوم تتسعان تأثرًا.
وبدا أن دوافع تانزا فاجأت آل وميديوم تمامًا؛ فجلّ ما كان يصبو إليه السكان الذين هاجموهم في الطريق هو الحفاظ على استقرار «الأعراق ذات القرون».
فلو خسروا حماية يورنا ميشيغوري، لفقدوا ملاذهم الآمن في «مدينة الشياطين» كايوسفليم، وعادوا إلى قسوة التيه والترحال المضني في البراري؛ وكان ذلك مكمن خوفهم.
ولعله كان شعورًا تشاطره قطاع عريض من سكان «مدينة الشياطين».
لكن في المقابل، كان آبل يدرك تمام الإدراك أن قلوب جلّ سكان «مدينة الشياطين» تميل إلى صف تانزا وتؤيد موقفها.
وما جعله على يقينٍ تام من ذلك هو أن «تقنية زواج الأرواح» قد شملت سكان المدينة بأسرهم.
فقد كانت تلك تقنية سرية يستحيل أن تنعقد بمشاعر نابعة من طرف واحد فحسب؛
فلو مقتها السكان، لأدت تلك الآلية التي تجمع هذا العدد الهائل من الناس برابطة واحدة إلى دفعهم نحو الجنون؛ وبما أن ذلك لم يحدث، فقد كان هذا برهانًا قاطعًا بصحة الاستنتاج الذي حمله آبل في ذهنه منذ البداية.
آبل: [يورنا ميشيغوري هي صاحبة القرار وحدها؛ وانحناء رأسكِ أمامي لن يغير من الأمر شيئًا.]
كافما: [――هـڪ، أنتَ…]
ولسبب ما، احتدم غضب كافما إثر رد آبل الواقف عاقدًا ذراعيه؛
ولم تكن تربطه بتانزا صلة قرابة مباشرة على الأرجح، غير أن الرجل كان يكنّ عطفًا ومودة للفتاة لحداثة سنها؛ ومن هذا الجانب، يمكن القول إنه ينتمي إجمالًا إلى طينة يورنا ذاتها.
أما بخصوص الجوهر الحقيقي لـ«مدينة الشياطين»، فإن ما بدَا جليًا لتانزا كان غائبًا عن بصيرة كافما؛ ولذا أبقت رأسها مطأطأة وواصلت حديثها:
تانزا: [كلا، ليس الأمر كذلك؛ فالقرار ليس بيد يورنا-ساما، بل بيدك أنت.]
آبل: [――――]
تانزا: [قلب يورنا-ساما رحب وعميق، وهي إنسانة رقيقة… ونحن الخدم لا نملك سوى التطلع إلى ذلك الحلم البعيد جدًا عاجزين عن مد يد العون؛ أما السبل الكفيلة بتحقيق ذلك الحلم، فلا ريب أنك أنت من يملكها.]
آبل: […الرسالة الموجهة إلى يورنا ميشيغوري، أتعلمين ما جاء فيها؟]
تانزا: [كلا.]
وهزت تانزا رأسها نافيةً شكوك آبل؛ غير أنها سرعان ما كفت عن هز رأسها، وأطرقته نحو الأرض بملامح يكسوها انكسار شديد:
تانزا: [ومع ذلك، أنا أفهم؛ ――آهـ، أن أرى يورنا-ساما بملامح فتاة عاشقة لأول مرة في حياتي.]
آبل: [ملامح فتاة عاشقة، هكذا إذن.]
تانزا: [يورنا-ساما تبادل كل حب يُهدى إليها؛ لكن أن تُظهر مظهر الفتاة الغارقة في الحب لشخص ما… فلن يكون الدافع سوى تلبيتها لما ورد في تلك الرسالة.]
آبل: [ويورنا ميشيغوري لن ترفض طلبًا كهذا، ولهذا قمتِ بالتدخل؛ هذا هو الدافع إذن.]
تانزا: [――نعم؛ كل هذا كان من تدبيري وحدي.]
ورأسها منحنٍ بأسى، اعترفت تانزا بمؤامرتها؛
ولم تكن كل تلك الحقيقة؛ فبلا أدنى شك، كان لأولبارت يد في خطة تانزا، وحوّرها إلى صورة أكثر خبثًا وضراوة؛
ومع ذلك، كانت تانزا عازمة على تحمل وزر ما بدأته بنفسها وما قادتها إرادتها لفعله، فضلًا عن الجزء الذي تورط فيه أولبارت أيضًا.
لقد كان كل ذلك في غاية الـ――
آبل: [――جمال.]
وهكذا، تشكلت تلك الكلمة دون صوت داخل فم قائلها فقط، دون أن تلتقطها أذن أحد؛
وبطبيعة الحال، لم يسمعها أحد قط؛ لا تانزا التي طأطأت رأسها، ولا آل وميديوم القابعان في حذر، ولا كافما الذي يجاهد لكبح غضبه، ولا فينسنت المسند ذقنه إلى يده.
آبل: [أحطتُ علمًا بدوركِ في هذه الخطة؛ ولكن، ما جدوى هذا كله؟]
تانزا: [――. كيف، ولماذا…]
آبل: [حتى بعد أن أفضيتِ بما يختلج في صدركِ، كان بوسعكِ المضي في خطتكِ إن شئتِ؛ وحتى لو قُطع عنقكِ، لواصل سكان «مدينة الشياطين» استهداف جماعتي. ――بل لو قُطع رأسكِ من الأساس، لاستحال نيل عون يورنا ميشيغوري.]
تانزا: [――――]
آبل: [أم أن قطع رأسكِ بيدكِ كان أحد التدابير التي وضعتها في الحسبان؟]
وأطرقت تانزا ببصرها نحو الأسفل، وسرى توتر طفيف في عروق عنقها؛ وعقب ملاحظته لذلك، تيقن آبل أن تانزا وضعت خيار إنهاء حياتها خيارًا مطروحًا على الطاولة بالفعل.
وحسب المرء القول بأن الخطة كانت محكمة التدبير؛ ――وإن كانت ثمة عقبات تستوجب التأمل قبل الشروع في تنفيذها.
آل: [إذن كنتِ مستعدة لبذل روحكِ في سبيل ذلك… يا لكِ من فتاة لا يُستهان بكِ بحق.]
ميديوم: [مستحيل! لن أسمح لكِ بذلك أبدًا! وأنت لن تدعها تفعل ذلك، أليس كذلك يا آبل-تشين؟]
وأمام انكشاف مدى صلابة عزم تانزا، أُلجم لسان آل عجزًا عن الكلام، بينما راحت ميديوم تستطلع نية آبل.
وتحسبًا لأن يتفوه آبل بما يخالف مشاعرها، فإن الموقف الذي قد تتبناه ميديوم كان أمرًا يؤخذ في الحسبان، غير أنه خاطر لا جدوى حقيقية من ورائه.
آبل: [كان ينبغي أن يكون كلامي واضحًا؛ إن كان موتها أحد التدابير التي وضعتها في حسبانها، فإن إزهاق روحها سيحقق تلك الغاية. ولسوء الحظ، لا رغبة لدي في الانجرار خلف مثل هذه المخططات.]
ميديوم: [آبل-تشين…!]
آبل: [يجدر بالبشر أن يموتوا بأسلوب أكثر كفاءة.]
ميديوم: [آبل-تشين…]
فالبيدق الذي يتحرك وفق مآربه الخاصة ليس سوى مصدر إزعاج، سواء كان في صف المرء أو في صف العدو.
وبأخذ ذلك في الحسبان، كان الكيان المدعو تانزا سمًا خارجًا عن السيطرة؛ غير أنه ما لم يوطن المرء نفسه على تجرع ذلك السم، فلن يقوى على استخدام سموم أشد فتكًا.
وبعد أن حسم أمره، صوّب آبل بصره نحو تانزا الجالسة فوق الأرض، وقال:
آبل: [لا نية لدي لسلب حياتكِ؛ لكني آمركِ بإلغاء الأوامر التي أصدرتِها لبني جنسكِ.]
تانزا: […إذن، ماذا عن طلبي السابق؟]
آبل: [ألا أُقحم يورنا ميشيغوري في أتون هذه الحرب، أليس كذلك؟ ――ذلك أمرٌ مستحيل.]
تانزا: [――هـڪ!]
أطلق آبل حكمه القاطع بجلاء، لتنعقد ألسنة تانزا عجزًا عن الرد.
فمن منظورها، كان ذلك إيذانًا بمستقبل تتمنى ألا تراه حتى لو افتدته بروحها؛ بيد أن ذلك لم يكن سوى وهمٍ عشعش في ذهن تانزا، ورغبة خاطئة لا أمل فيها.
لأن――
آبل: [حتى لو لم أظهر هنا، لابتلعت دوامة الحرب يورنا ميشيغوري حتمًا؛ فهذا هو الموقف الذي اختارته لنفسها، مما يجعل الأمر محتومًا لا مفر منه.]
تانزا: [ما الذي تراه في هذا العالم…]
آبل: [لستُ ممن يُطلعون الآخرين على ما يلوح في ناظريه؛ ومع ذلك، فلديّ تدابيري لكل احتمال، مهما بدا ذلك للعيان من حولي.]
وفيما كان يجيب تانزا المرتجفة وهو يركز عينيه في عينيها، أشاح آبل ببصره عنها فجأة.
وبدلًا من ذلك، تحولت عيناه الداكنتان نحو فينسنت الصامت القابع في سكونه بعمق الغرفة. والآن، جالسًا على عرش الإمبراطور، كان الإمبراطور المزيف، فينسنت فولاكيا.
ومهما كان الدافع الذي جعله يطيح به من عرشه――
آبل: [نهجي في الحياة راسخٌ لا يتزعزع، ولا سبيل لتبديله؛ فقد احترق طريقي نحو التراجع، ولم يعد أمامي سوى مسار واحد. ――ويجدر بك أن تحفر هذا في ذاكرتك جيدًا.]
فينسنت: [――سأضع ذلك في حسباني.]
ورد فينسنت بنبرة هادئة على كلمات آبل.
وكان ذلك كافيًا ليشعل الأجواء في الغرفة، موحيًا بارتفاع حرارة المكان؛ وفي الواقع، تسمر الجميع —باستثناء آبل وفينسنت— في أماكنهم، بينما تصبب العرق من جباههم.
آبل: [أيتها الفتاة، تانزا، ارفعي وجهكِ.]
وعقب تلك المواجهة بين الإمبراطور السابق والحالي، نادى آبل الفتاة التي تتحسر على قلة حيلتها؛ وببطء، رفعت الفتاة رأسها والدموع تترقرق في عينيها، بينما زفر آبل تنهيدة خافتة:
آبل: [منذ البداية، لم أطلب عون سيدتكِ بنية إهلاكها هباءً؛ فتوظيف قوتها يتطلب دراسة حصيفة، والأوراق الثمينة يجب استغلالها على النحو الأمثل. ――إذ ينبغي للبشر أن يموتوا بأسلوب فعال.]
تانزا: […وهل بوسعي الوثوق بك في هذا الشأن؟]
آبل: [حتى لو لم تصدقيني، فلن يغير ذلك مما يتعين عليّ فعله في شيء.]
وحاولت تانزا التشبث ببصيص أمل وليد، غير أن ذلك الرد الصارم بدده في الحال.
ومن خلفه، وضع آل ظهر كفه على جبهته، وتنهدت ميديوم بضيق؛ ومع ذلك، وبعد تردد وجيز، أومأت تانزا برأسها موافقة:
تانزا: [حسنًا، فهمتُ الأمر… أرجوك، فيما يخص يورنا-ساما…]
آبل: [لتحقيق هذا المطلب، ثمة خطوات تقع على عاتقكِ؛ فبوضعي الراهن، يتعذر عليّ التجول في أرجاء هذه المدينة بحرية.]
آل: [أجل، هذا صحيح تمامًا؛ فهذا هو عين ما جئنا لأجله منذ البداية.]
وعند سماع الشرط الذي أملاه آبل، بدت نبرة آل أكثر نشاطًا وهو يتحدث؛
ففي الوقت الحالي، تملكه الرعب من كل شيء تقريبًا، ولعله رأى في ذلك مسألة حياة أو موت بحق؛ إذ كان من الضروري صرف أولئك الذين يطاردون آبل ورفاقه تلبيةً لنداء تانزا.
تانزا: [ولكن، كيف علمتَ بوجودي هنا؟]
آبل: [بنيتُ قراري آخذًا في الحسبان أن الأمر من تدبير أولبارت؛ وثمة احتمال آخر فكرتُ فيه، وهو اختباؤه داخل «قلعة اللازورد القرمزي»، لكن بالنظر إلى انتشار المطاردين، كانت للمسافة الأولوية في الحسابات.]
تانزا: [――آهـ.]
آبل: [وقبل كل شيء، يتعين عليكِ التراجع فورًا؛ فهناك أرواح كثيرة مهددة بالخطر في هذه اللحظة.]
فقد كانت تاريتا تُطارد من قِبل مئة شخص، وانتهى بهم المطاف إلى الانفصال التام عن سوبارو ولويس جراء ذلك.
ولم تكن حياة أيّ منهم مضمونة ما دامت تلك الحشود تلاحقهم بلا هوادة؛ وبالطبع، لم يكن آبل، وبصحبته آل العاجز وميديوم بنصف طاقتها، بمنأى عن هذا الخطر.
ولمواصلة النزال ضد أولبارت، كان الإيقاع بتانزا أولوية قصوى.
تانزا: […أحسبُ أنها خسارتي.]
آبل: [هذا أمرٌ بديهي؛ لكن لا داعي للشعور بالخزي.]
تانزا: [إيه…؟]
واكتفى آبل بهذا القدر من الرد على تمتمة تانزا الوحيدة، ثم أدار ظهره لها.
ودون أن تظفر بجواب يوضح ما يعنيه، رفعت تانزا رأسها ورمشت بعينيها دهشة؛ ليرتفع صوتٌ من خلفها مناديًا: «أيتها الفتاة»:
تانزا: [فينسنت-ساما…]
فينسنت: [كما قال ذلك المرء، لا داعي للشعور بالخزي.]
تانزا: [لـ… لكن، أنا…]
فينسنت: [خسرتِ؛ غير أن هذا يعني أنكِ رميتِ قفاز التحدي. ――تمامًا كما تمنيت.]
تانزا: [――――]
ونطق فينسنت بتلك الكلمات وهو يرنو من بعيد، مسندًا ذقنه إلى كفه، مما جعل عيني تانزا تتسعان؛ غير أنها سرعان ما نكست رأسها، لتترقرق الدموع ببطء في مآقيها.
وبينما أطرقت نحو الأسفل تذرف العبرات، تساقطت تلك القطرات بهدوء ورقة:
تانزا: [يورنا-ساما، أعتذر إليكِ… لقد كنتُ طائشة وقاصرة…]
وهكذا، وبصوت مخنوق بالبكاء، اعتذرت لسيدتها الحبيبة.
△▼△▼△▼△
وهكذا، وتاركين تانزا الباكية خلفهم――
آل: [بهذا، هل يحق لنا أن نفترض أن المهاجمين سيتراجعون في الوقت الراهن؟]
آبل: [أجل؛ وبطبيعة الحال، من الوارد أن يكون بكاء تانزا جزءًا من مكيدة تُحاك ضدنا…]
ميديوم: [مستحيل! هذا غير ممكن إطلاقًا!]
وانتفضت ميديوم محتجة على شكوك آبل، وقد نفخت وجنتيها وتصلبت في وقفة صارمة.
وأمام تلك النظرة المتوعدة، أغمض آبل إحدى عينيه ومرر إصبعه فوق جبهة قناع «الأوني»:
آبل: [يبدو إذن أنه لم يطرأ أي تحسن على حالتكما، أليس كذلك؟]
آل: [غـوهـ…]
آبل: [إن أصبحتَ عديم النفع، فلن يكون أمامي خيار سوى التخلص منك بلا هوادة؛ ورغم أنك مهرج بريسيلا، فلا تتوهم أن ذلك يعفيك من الهلاك؛ ضع هذا في حسبانك جيدًا.]
آل: [فـ… فهمتُ ذلك… فلستُ راغبًا في البقاء على هذه الحال إلى الأبد على أية حال.]
وتلقى آل تلك النظرة الحادة والحكم القاطع القاسي، فرد وهو يصر على أسنانه.
ولم تكن في نبرة رده أي قوة، فالرعب لم يفارق قلبه؛ لكن بصرف النظر عن حالة آل الجسدية والنفسية، بات بمقدوره الآن التحرك والسير على الأقل.
ميديوم: [إذن، لم يبقَ سوى استئناف البحث عن ذلك العجوز… أوه، أم تراها فكرة أفضل أن نبحث عن تاريتا-تشان؟ أم…]
آبل: [إن كانت الغاية هي لمّ الشمل، فالحركة من جانبنا تصرفٌ غير حكيم؛ فعينا تاريتا الحادتان ستهتديان إلينا أسرع بكثير مما قد نعثر نحن عليها. أما بخصوص أولئك الحمقى…]
ميديوم: [هـ… همم…]
آبل: [――. على أية حال، سنلتزم بخطتنا للبحث عن أولبارت؛ وإذا فعلنا ذلك، فسنجدهم في طريقنا أثناء تعقبه؛ هذا شريطة أن نفلح في العثور على «هاوية تطل على مشهد خلاب».]
وعقد آبل ذراعيه متمتمًا بتلك الكلمات، مما جعل عيني ميديوم تتسعان دهشةً وهي تطلق صوت «إيه؟».
ميديوم: [أيعقل أنك تعرف أين يختبئ ذلك العجوز يا آبل-تشين؟]
آبل: [لديّ تخمين بشأن المخبأ الثاني على أقل تقدير؛ «قلعة اللازورد القرمزي».]
آل: [مـ… ماذا تقول؟ أتقصد، في تلك القلعة بالذات؟]
آبل: [ردة فعل تانزا؛ فحين أثرتُ أمر القلعة، سارعت بإشاحة بصرها بعيدًا؛ ومع أن تانزا نفسها كانت تختبئ في نزل للمسافرين، إلا أنها لا بد كانت تعلم بمخبأ أولبارت أيضًا؛ وإن لم يكن مؤكدًا إن كانت تملك أدنى فكرة عن المخبأ الثالث.]
وكان مسار التنسيق بين أولبارت وتانزا يقضي بأن يعرض أولبارت لعبةً على جماعة آبل عقب تسليم تانزا للرسالة. ثم، بعد أن كشفوا المخبأ الأول خلفهم مباشرة، كانت الخطوة المنطقية التالية أن يخرج أولبارت ليرافق تانزا إلى نزل المسافرين.
وبطبيعة الحال، وتحسبًا لاحتمال وقوع تانزا في الأسر، كان من الوارد أن يكون أولبارت قد زوّد تانزا بمعلومات مضللة.
آبل: [وحيلة التواري داخل «قلعة اللازورد القرمزي» أمرٌ يروق لأولبارت تمامًا.]
ميديوم: […همم، فهمتُ ذلك؛ إذن، يجدر بنا التوجه إلى القلعة في أسرع وقت.]
آل: [أجل؛ علينا لقاء ذلك العجوز فورًا لاستعادة أجسادنا… فإذا عادت أجسادنا إلى طبيعتها، فسنكون بخير؛ وينطبق الأمر ذاته على صاحبي وتلك الصغيرة إن حدث ذلك.]
وقابضًا على كفيه بإحكام، تمتم آل بتلك الكلمات وكأنه يرجو تحققها من أعماق قلبه، وكأنه يصب اللعنات على أولبارت.
فقد كان آل، بعد أن تدهورت قواه الذهنية إثر تقلص جسده، يكنّ عداءً بالغًا لطبيعة العلاقة التي تجمع الثنائي المختفي، سوبارو ولويس.
أما من جانبه، فكان يتمنى عودة سوبارو إلى هيئته السابقة في أقرب وقت، ليتخذ قرارًا سليمًا ورشيدًا بشأن لويس. غير أن الشكوك ساورت آبل في أن ناتسوكي سوبارو سيتخذ قرارًا طبيعيًا حتى بعد عودته لجسده الأصلي―― وقبل ذلك كله:
آبل: [مهما كان ما يجول في خاطرك، فليس في نيتي السماح بإبطال تقنية أولبارت بهذه البساطة.]
آل: [هاه؟]
ميديوم: [إيه؟]
آبل: [ولدقة القول، لن أتدخل في شأنك أنت ولا ميديوم؛ ومع ذلك، لا أنوي السماح بإبطال التقنية المطبقة على ناتسوكي سوبارو لفترة وجيزة؛ فالأنسب إبقاؤه على تلك الهيئة في الوقت الراهن.]
ولدى سماع خطة آبل، تملك الذهول الاثنين، وبقيت أعينهما وأفواههما فاغرة من هول المفاجأة.
ثم، وبعد برهة من الصمت:
آل: [كـ… كفاك عبثًا وسخافة! ما هذا الهراء ماذا بحقك؟ لم تنبس ببنت شفة عن أمر كهذا من قبل!؟]
واستشاط آل غضبًا، وارتجف صوته حنقًا وهو يمسك بياقة آبل―― أو بالأحرى، ونظرًا لعجزه عن بلوغها لقصر قامته، فقد قبض على ثياب آبل عند موضع بطنه، صابًا جام غضبه عليه.
بيد أن آبل، الذي لم تهتز ملامحه أمام ذلك التهديد العاجز، أجاب قائلًا: «الأمر كما أسلفتُ تمامًا»:
آبل: [في الوقت الحالي، سأدعه يبقى كما هو، في هيئته الطفولية تلك، لبعض الوقت.]
آل: [أيها النذل…]
ميديوم: [وهل لهذا صلة بالسبب الذي جعلك تقسو على سوبارو-تشين؟]
ومشددًا قبضته، اقترب آل منه خطوة، بينما أطبقت ميديوم على كتفي آبل من الخلف؛ وفيما طرحت تساؤلها ذاك، حدقت في وجه آبل بإصرار.
وإزاء سؤالها، أطلق آبل زفيرًا هادئًا:
آبل: [لا أذكر أنني قسوتُ عليه، أو سلكتُ أي مسلك وضيع من هذا القبيل.]
ميديوم: [سمِّ الأمر ما شئت! لكنك يا آبل-تشين كنت تحاول إرعاب سوبارو-تشين في طريقنا إلى هنا، لترغمه على البوح بشيء ما! ألهذا السبب فعلتَ ذلك؟]
آبل: [――――]
ميديوم: [هذا تصرفٌ في غاية اللؤم! فإن كان ثمة ما ترغب في معرفته، فما عليك سوى أن تسأل بوضوح، وسيخبرونك بالجواب عادةً! أَلا تفعل ذلك إلا لغرض كهذا…]
آبل: [――للأسف الشديد، يستحيل أن يحدث ذلك قط.]
وحين تناهى إلى مسامعها ذلك الهدوء والوقار في نبرته، تعثرت ميديوم في كلماتها، ولم يخرج منها سوى صوت «إيه؟».
ورمق آبل ملامح ميديوم المتفاجئة بطرف عينه، ثم نفض بيسر وسهولة ذراع آل التي كانت تتشبث بثيابه، وقال:
آبل: [ما يجول في خاطري لا يمتّ بصلة لما تفترضينه من خبث يا ميديوم؛ بل هي مجرد ضرورة تقتضيها المصلحة.]
آل: [ضرورة!؟ وما هذا الهراء ماذا بحقك!؟ ولِمَ صاحبي تحديدًا…؟! وما بالي أنا والآنسة الصغيرة ميديوم؟!]
آبل: [أنتما لا تستوفيان الشروط المطلوبة؛ فأنت بذراع واحدة، ولون شعر ميديوم ولون عينيها هما السبب في استبعادها.]
آل: [مـ… ماذا!؟]
وعجز آل عن إدراك مغزى تلك الكلمات، فاستعر غضبه أكثر فأكثر. أما ميديوم، فبدت على محياها حيرة كشفت عن جهلها التام بحقيقة مآرب آبل، بينما ظلت الدهشة لأسباب أخرى مرتسمة فوق ملامحها.
وكان خلاصة مراد آبل――
آبل: [رغم أن الموقف لم يطرأ عليه تبديل، إلا أن قطع الرقعة بدأت تستقر في مواضعها الصحيحة؛ ومن الآن فصاعدًا――]
ومن وراء قناع «الأوني»، كان آبل يرمق المشهد من نافذة الغرفة في نزل المسافرين؛ نحو الخارج، حيث عكست عيناه صورة «قلعة اللازورد القرمزي».
وكانت تلك الحركة تنمّ عن تأمل شيء أعمق رمزية بكثير من القلعة ذاتها؛ وفي واقع الأمر، مد آبل يده إلى الأمام مباشرة وكأنه يحاول الإمساك بشيء بعيد المنال:
آبل: [――سترافقني يا ناتسوكي سوبارو؛ مدفوعًا برياح عاتية لا قِبل لأحد بمقاومتها، إلى خضم معمعة الحرب.]
△▼△▼△▼△
أولبارت: [لهذا السبب تحديدًا كانت تلك الفتاة من قوم الأيائل برفقة جلالته.]
سوبارو: [――――]
أجاب أولبارت بهدوء وهو يجلس متربعًا عاقدًا ذراعيه القصيرتين. ولدى سماع جوابه المباغت، أُلجم لسان سوبارو من فرط الدهشة.
غير أن ذهوله لم يكن نابعًا من كون الأمر مستحيلًا على خياله.
سوبارو: [ظننتُ أنها ستكون في نزلهم، إن لم تكن في القلعة…]
أولبارت: [أوه، خطر ذلك ببالك إذن؟ حسنًا، لا بد أن طويتك خبيثة يا فتى؛ أأنت واثق حقًا من خلو عروقك من دماء العائلة الإمبراطورية الفولاكية؟]
سوبارو: [كلامك هذا يثير قشعريرتي، فلا تقل ذلك أرجوك…]
ولعل ذلك كان أسلوب أولبارت الفكاهي، غير أن أيًا من دعاباته لم تكن مضحكة على الإطلاق؛ وكعادته، أطلق المذكور قهقهته: «كاكاكاكاكا!». وبدا في واقع الأمر بمزاج رائق للغاية، ولعله كان سر طول عمره؛ فعدم الاكتراث بالآخرين، وتجنب تراكم الهموم، وكثرة الضحك؛ كان هو التجسيد الحي لكل ذلك.
سوبارو: [ثمة مثل في مسقط رأسي يقول: «الأعشاب الضارة أسرع نماءً».]
أولبارت: [أوه، مثلٌ شعبي؟ وما مغزاه؟]
سوبارو: [بمعنى: كلما مقتك الناس، طال عمرك.]
أولبارت: [كاكاكاكاكا! حسنًا، لا حجة لدي لدحض ذلك. آي!]
لويس: [آو!]
وهوت قبضة لويس الغاضبة على أولبارت الذي استرسل في ضحك هستيري على مغزى المثل؛ ورغم أنها كانت مجرد خبطة بسيطة على كتفه، إلا أن الجهد المبذول لمجرد لمسه سابقًا قاد إلى هذا المشهد.
ولعل أولبارت، بصفته أحد أعتى قادة الإمبراطورية، كان سيتصدى لتلك اللطمة كما يحلو له لو انطوت على أي بادرة عداء أو نية للقتل.
وبهذا المعنى، كانت مناورة سوبارو في توظيف «الانتقال الآني» الخاص بلويس كلمسة إمساك في لعبة بدلًا من توجيه هجوم مباشر هي الخيار الصائب حتمًا؛ نعم، يحق له أن يفخر بنفسه.
يورنا: [على أية حال، بتُّ أعلم الآن أين توجد تانزا… وبلغني أن سكان المدينة أساؤوا معاملتك والآخرين، وإني لأعتذر عن ذلك.]
سوبارو: [إيه؟ كلا، أرجوكِ كفي عن ذلك يا يورنا-سان! لا شيء يستدعي اعتذاركِ أبدًا!]
لويس: [أوو!]
وجعل انحناء يورنا على ركبتيها اعتذارًا سوبارو يرتبك بشدة؛ بل حتى لويس قفزت لا إراديًا أمام مهابة انحناء رأس يورنا.
ففي الحقيقة، كانت يورنا قد عاملته بجدية تامة، ولم تتراجع قيد أنملة أمام أولبارت، وحاولت إنقاذ سوبارو مرارًا وتكرارًا، وغير ذلك الكثير――
سوبارو: [أُهـ…]
يورنا: [――؟ ما خطبك يا صغيري؟ وجهك محمرٌ للغاية.]
سوبارو: [كلا، حسنًا… تذكرتُ بعض الأمور فحسب…]
ومع هدوء الموقف وانحسار الألم والمعاناة اللذين كانا ينهمران كالكابوس، تذكر سوبارو المرات العديدة التي تبادل فيها مع يورنا القُبَل في خضم تلك اللحظات المتكررة من العذاب والوجع.
ولم تكن تلك الذكرى باقية في ذاكرة يورنا، ولم يكن سوبارو في وضع يسمح له باسترجاع شعور القبلة ذاته، ولذا لم يعِها إلا كحدث قد وقع وانقضى.
ومع ذلك، وبمنتهى الصدق، كان معجبًا بيورنا ويحبها كثيرًا لاستعدادها لتقبيله كي يحبها، فقط في سبيل إنقاذ طفل يحتضر.
ولأجل ذلك تحديدًا――
سوبارو: [لا أريدكِ أن تتورطي في هذا الأمر.]
وتصاعدت في صدر سوبارو مقاومة متزايدة الضراوة ضد فكرة إقحام يورنا في المعمعة، وجرها إلى حرب كفيلة بزعزعة استقرار الإمبراطورية بأسرها.
ولم يكن متأكدًا إن كان هذا الدافع نابعًا فقط من كونه غدا طفلًا صغيرًا، أم أنه سيفكر بمنطق مغاير فور عودته إلى جسده الأصلي.
لكن حتى لو فكر سوبارو بطريقة مختلفة عقب استعادة جسده الراشد، فلن يعتقد أبدًا أن ما شعر به وفكر فيه داخل هذا الجسد الصغير كان خطأً بأي حال.
لأنه إن كان الأمر كذلك――
لويس: [واو؟]
سوبارو: [لا أريد ترك القرار بشأنكِ لشخص آخر بالكامل، حتى وإن كان ذلك الشخص هو نفسي بعد أن أكبر.]
وكان التساؤل حول ما يجب فعله حيال لويس، الفتاة الصغيرة الممسكة بيده، معضلة عجز عقل سوبارو عن إيجاد جواب حاسم لها.
فإن انضموا إلى آبل والآخرين، فسيغدو ذلك موضوعًا محتومًا لا مفر من الخوض فيه؛ ومع ذلك، وفي أعقاب تلك الثواني العشر من اليأس، برز أمرٌ واحد لم يملك سوبارو إلا أن يستشعره بوضوح:
――لم يكن يرغب في قتل لويس، ولا في التغاضي عن موتها؛ كان ذلك جليًا لا غبار عليه.
يورنا: [سيتعين إرجاء ترميم القلعة؛ أولًا، سأذهب لرؤية تانزا.]
سوبارو: [آه… يورنا-سان، أمم، بخصوص تانزا…]
«ألا تقسي عليها»، غير أن التماس أمر كهذا من منظور سوبارو كان عسيرًا عليه؛
فحتى لو اعتقد أن لديها مآربها وأفكارها الخاصة، إلا أنه لم يستمع إليها قط. جلّ ما في الأمر أن――
يورنا: [غني عن القول إني لن أوبخها دون منحها فرصة لتوضيح موقفها؛ وعلاوة على ذلك، إن غلبت المشاعر تلك الفتاة، فسأكون أنا الملومة بالقدر ذاته.]
ولم يكن ثمة داعٍ لقلق سوبارو؛ فحاكمة «مدينة الشياطين» كانت تدرك تمامًا ما يتعين عليها فعله؛
ولأنها كانت على هذا النحو النبيل تحديدًا، أكنّ لها قطاع عريض من الناس —بمن فيهم تانزا— كل الحب والولاء.
وكان سوبارو يرجو ألا تنقلب معاملتها له إلى الجفاء فجأة فور عودته إلى هيئته الطبيعية، إن أمكن ذلك.
سوبارو: [قد أنخرط في البكاء إن حدث ذلك…]
فمجرد تخيل ذلك كان كفيلًا بتمزيق قلبه؛ وتمنى بصدق ألا تؤول الأمور إلى تلك الحال.
وعلى أية حال، إن أفلحت يورنا في إقناع تانزا، فسينسحب السكان الذين كانوا يطاردون سوبارو ورفاقه؛ لتنطلق خطوة سوبارو الثانية الحاسمة من هناك.
غير أن――
سوبارو: [――لا شيء أشد رعبًا من الموت.]
وحدث نفسه بأنه بعد اجتياز تجربة مروعة كهذه، باتت الأمور على ما يرام؛
وفوق ذلك، أراد سوبارو مغادرة القلعة بصحبة يورنا――
أولبارت: [مهلًا، على رسلك يا صبي؛ لِمَ لا أعيدك إلى هيئتك الأصلية؟ أم أنك تفضل نفسك على هذه الحال؟ لا أمانع ذلك على أية حال إن كان هذا مرادك.]
سوبارو: [أوه، معذرة، كلا، بالطبع لا! سأعود، سأعود، سأعود حتمًا؛ أعني، بدأت أعتاد على هذا الجسد، لكني سأعاني في العثور على ملابس تناسبني.]
أولبارت: [كاكاكاكاكا! يا لك من وقح جريء لتقلق بشأن أمر كهذا!]
ونادى أولبارت من خلفه، فداس سوبارو على قرميدة السقف واستدار نحوه.
وفي واقع الأمر، ورغم أن جسده لم يتقلص سوى لبضع ساعات، إلا أن عدد ميتاته فيه فاق إجمالي ميتاته السابقة مجتمعة، ليصبح أكثر جسد عاش ومات فيه.
ولم يرد القول بأن الأمر بسبب ذلك، غير أن جسده الصغير بدا له نذير شؤم؛ لذا إن كان بمقدوره العودة، فإنه يفضل استعادة حجمه الطبيعي عاجلًا وليس آجلًا.
وفي الوقت الراهن، كان الأمر الوحيد الذي يخشاه هو احتمال تبدل نظرته فجأة، لكن――
سوبارو: [لا تقلقي يا لويس؛ سأواجه أمركِ بكل وضوح.]
لويس: [واو… آو.]
ونكست لويس رأسها إثر كلمات سوبارو، لكنها سرعان ما أومأت برأسها إيماءة عميقة. ودفع سوبارو جبين لويس بإصبعه، موجهًا إياها نحو يورنا؛
واصطدم ظهر لويس بيورنا، فاحتضنتها الأخيرة برفق.
يورنا: [يا صغيري، ما الذي ينوي العجوز أولبارت فعله…]
سوبارو: [همم، أنا لا أثق به تمامًا، لكني أود أن أؤمن بأن لديه على الأقل ما يكفي من الإنسانية ليلتزم بمنطق النصر والهزيمة.]
أولبارت: [أوييي~، أسمعك بوضوح، أتعلم ذلك؟]
سوبارو: [أعلم ذلك، ولهذا أقوله بصوت عالٍ.]
وابتسم سوبارو بسخرية خفيفة ردًا على مشاكسة أولبارت؛ وإزاء جواب سوبارو، ضيقت يورنا عينيها وهي تضم لويس إليها بإحكام.
يورنا: [إن كنتَ تدرك ذلك، فلا مزيد لدي لأقوله؛ لم يخبرني أحد بما سيحدث تحديدًا، لكني وتلك الصغيرة سنراقبك.]
لويس: [أُهـ!]
سوبارو: [همم، حسنًا. أتعلمين، آمل أن تظلي على وفاق معي بعد هذا يا يورنا-سان.]
يورنا: [――؟ يا صغيري، كم أنت كثير القلق والهموم، أليس كذلك؟]
ومودعًا بابتسامة يورنا الحانية ومحيا لويس المستبشر، توجه سوبارو إلى جوار أولبارت. ونهض أولبارت وهو يربت على أسفل ظهره، قائلًا:
أولبارت: [عدتَ للهراء مجددًا؛ كفانا تضييعًا للوقت ولننتهِ من هذا الأمر.]
سوبارو: [أجل… أمم، هل سيؤلم؟]
أولبارت: [أشعرتَ بألم حين تقلص حجمك؟ إذن هذا هو الجواب!]
ومجيبًا بإيجاز على سؤال سوبارو المتردد، لمست يد أولبارت الممدودة موضع «الضفيرة الشمسية» لدى سوبارو برفق.
وكان آبل قد خمن أن تقنية «التصغير» التي يمارسها أولبارت تتدخل في «الأود»، ولعل مستقر ذلك «الأود» يكمن في موضع ما حول القلب.
وفي اللحظة ذاتها، انقدحت ذكرى في ذهن سوبارو؛ ففي اليوم السابق، تلقى بالفعل ضربة غير مؤلمة من أولبارت أثناء فراره من الحصن الداخلي الواقع أسفل موضع وقوفه الحالي تمامًا.
وهكذا وقع «تصغير» سوبارو، متخذًا من التدخل في «الأود» الخاص به شرارة للبدء.
ولم تنقضِ سوى ساعات قلائل منذ تقلص جسده، بيد أنه شعر وكأن تلك المحنة كانت أعتى صراع واجهه منذ وطئت قدماه أرض الإمبراطورية؛ مع أنه، وللحق، كان في خضم الصراع منذ لحظة وصوله الأولى.
وحتى باحتساب الفترة التي قضاها خارج الإمبراطورية، كانت ثواني اليأس العشر تلك من أفظع اللحظات قاطبة――
سوبارو: [أوه، على ذكر ذلك…]
وفجأة، تذكر سوبارو أمرًا كان يجاهد لكيلا يفكر فيه؛
فتلك الثواني العشر من اليأس، وتلك الدورة الجهنمية المتلاحقة من البعث والموت، كانت بعيدة كل البعد عن «الرجوع بالموت» التي عهدها سوبارو.
فما الذي جرّ هذا التبدل؟ وما الذي حل بـ«الرجوع بالموت»، تلك «السلطة» الكامنة في أعماق سوبارو؟
؟؟؟: [عثرتُ عليك.]
△▼△▼△▼△
――وكل ما جرى في تلك اللحظة الخاطفة كان عصيًا على استيعاب كل من شهد المشهد.
أولبارت: [أُغـ.]
ومع تلك النبرة، سحب أولبارت يده اليمنى الممدودة في لمح البصر.
لكن تحركه كان بطيئًا للغاية؛ إذ تلاشت يد أولبارت اليمنى المجعدة بدءًا من المعصم تمامًا.
ثم――
يورنا: [أيها الصـ――]
لويس: [واو!!]
واتسعت عينا يورنا من هول الصدمة، فجذبت لويس إلى صدرها وقفزت إلى الوراء مسافة شاسعة، محتضنة الفتاة التي كانت تجاهد للتفلت من بين يديها.
وعلى الفور، غمر سوادٌ حالك مجال رؤية يورنا ولويس، وابتلع في ضربة واحدة ساحقة برج القلعة والأجزاء العلوية والوسطى من «قلعة اللازورد القرمزي»، تلك التي اشتهرت ببهائها المهيب وتألقها الساطع.
ثم――
كافما: [يا صاحب الجلالة! ذلك الشيء هو…]
فينسنت: [――――]
ومن بعيد، وهو يرمق المشهد من وراء النافذة، شعر كافما —الواقف إلى جوار الإمبراطور الذي نذر نفسه لحمايته، والحامل لهالة قتالية ضارية— وكأن جميع الحشرات المستكنة في جسده ترتعد هلعًا.
وفي تلك الأثناء، انتصب فينسنت واقفًا، مصوبًا نظراته الحادة نحو القلعة التي اصطبغت بالسواد التام، تاركًا حبل أفكاره المتأنية ينساب بمنتهى الهدوء والسكينة.
ثم――
تانزا: [تلك… القلعة… يورنا-ساما…]
آل: [آهـ، آااهـ، آاااااااهـ――!]
ميديوم: [آل-تشين!؟]
وفي ذهول تام، حدق الأطفال في الكارثة بأعين شاخصة وقد تملكهم رعب مطلق.
فقد فزعت تانزا على سيدتها المحاصرة في القلعة؛ بينما صرخ آل أمام الدمار الذي نزل بالمدينة صرخة كانت أعلى من صوت أي إنسان في كايوسفليم―― لا، بل أعلى من أي صرخة في هذا العالم بأسره.
واندفعت ميديوم نحوه تسند كتفيه المرتجفتين، وشخصت ببصرها نحو آبل وكأنها تتشبث به وسط هذا المشهد العصي على التفسير.
ثم――
؟؟؟: [يا للعجب~، كيف عساي أن أصف هذا… لعل هذا جزءٌ يسير فاتني تأمله.]
تاريتا: [أيها الـ――]
ورافعًا يديه فوق حاجبيه كالمظلة، تمتم أوبيلك ببرود واسترخاء وهو يراقب من بعيد معالم المدينة المتداعية التي تبتلعها الظلال؛ في حين وقفت محاربة الشودراك سمراء البشرة، تاريتا، أمامه تستمع إلى تمتمته وهي تطحن أسنانها غيظًا.
وكأنها كانت في حيرة بالغة: أتوجه تركيزها إلى ذلك الظل الزاحف في الأفق، أم إلى هذا الرجل الماثل أمامها؟
ثم――
آبل: [――أهذه هي حقيقة ما كنتَ تحمله في باطنك؟]
وصوب آبل عينيه نحو المشهد ذاته الذي يحدق فيه الإمبراطور المزيف والأطفال الباكون، وتمتم بتلك الكلمات.
وقبض على كفيه بإحكام شديد، وعض شفته حتى نزف الدم منها محجوبًا وراء قناع «الأوني»؛ وبينما كان يرمق تلك الكتلة السوداء كالفحم، احتدت قسمات وجهه إلى حد بات يشبه الوجه المرعب لقناع «الأوني» ذاته.
ثم――
△▼△▼△▼△
――أحبكَ.
――أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ.
――أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ.
――أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ. أحبكَ.
حبٌّ أشبه بلعنة تأبى الزوال مهما كان، متجاوزًا كل بُعد يمكن تصوره، راح يطمس الوجود المدعو «ناتسوكي سوبارو».
عالمٌ جهنميٌّ يخلو من الحب؛ كان ذلك أمرًا يعلمه.
وأن ذاته لا تزال محبوبة؛ كان ذلك أمرًا يدركه ناتسوكي سوبارو جيدًا.
غير أنه، وفي الوقت ذاته، كان يجدر به أن يعلم أيضًا أن ليس كل أشكال «الحب» أمورًا ينبغي قبولها والتسليم بها.
ولأجل جهله ذلك تحديدًا، حان وقت القصاص؛
ولأجل جهله ذاك بالذات، الذي جعل الجميع يرتعدون منه ويفرون أمامه رعبًا.
――تحول إلى ظلٍّ أسود بهيم، يبتلع الوجود بأسره، يهلل ويبتهج وهو يصب الدمار.
يبتهج بلمّ الشمل، وبالالتقاء، وبالعناق، وبالارتباط، وبهذا القدر المحتوم، وبهذا الزحف نحو الأمام.
يبتهج بالاعتراف، وبالندم، وبالريبة، وبغموضه الخفي، وبالتمجيد، وبالتفاني المطلق.
عالمٌ جهنميٌّ يخلو من الحب؛ كان ذلك أمرًا يعلمه.
فإن كان قد وصل إلى عالمٍ يفيض بالحب، فأي جحيمٍ ذاك الذي ينتظره؟
عجز سوبارو عن الفهم؛ لم يفقه من الأمر شيئًا على الإطلاق.
وإن كان ثمة ما يسعه قوله وسط هذا الموقف العصي على فهم أي أحد، فليس سوى حقيقة واحدة:
يوتوبيا المنبوذين، «مدينة الشياطين» كايوسفليم.
――إن هلاك هذه اليوتوبيا، قد جلبته سببية ناتسوكي سوبارو دون سواه.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※