الفصل 412 - سيدة مدينة الشياطين
الفصل الحادي وخمسون
«سيدة مدينة الشياطين»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
داعب نسيمٌ وادع مغمور بالضياء خصلات شعر سوبارو برقة.
وبينما كان يستشعر تلك الدغدغة الخفيفة، أحس سوبارو بملمس يد الفتاة الصغيرة المتشابكة مع يده، وبأنفاس المرأة الحسناء الفارعة الطول الواقفة خلف ظهره.
كان الموضع الذي يقفون فيه هو قمة «قلعة اللازورد القرمزي»، يعلو الغرفة الفسيحة في الطابق الأخير؛ حيث وطئت قدماه قرميد سطح القلعة، «المكان الأقرب إلى عنان السماء»، الذي أتاح له الآن رؤية أرجاء «كايوسفليم».
لقد قادهم سوبارو إلى أقرب موضع لـ «هاوية ذات منظر خلاب».
سوبارو: [يا أولبارت-سان، أرى أنك رجل لئيم بحق.]
وكانت يده الأخرى —غير المتشابكة مع يد لويس إلى جواره— تشير بسبابتها نحو رجل عجوز ضئيل البنية يجلس عند حافة سطح القلعة.
وهو يتربع في جلسته ويدور بجذعه على مؤخرته، وضع ذلك العجوز الخبيث―― أولبارت، فمه على القرعة التي في يده، يكرع ما بداخلها من الشراب.
و――
أولبارت: [محال يا فتى، ألست جائعًا يا ترى؟]
سوبارو: […جـ… جائع؟]
أولبارت: [أجل، كما سمعت، ألا تتضور جوعًا؟ فأنت استيقظت لتوك ولم تجد وقتًا لتأكل شيئًا، أليس كذلك؟ وجوعك هذا له أثر بالغ في عمل عقلك وحركة جسدك، كما تعلم.]
وفيما نطق بذلك وهو يضع قرعته جانبًا، أخرج أولبارت لفافة أخرى من جيبه؛ وأمام نظرات سوبارو المرتابة بعض الشيء، أطلق أولبارت قهقهة خافتة: «كاكاكا»، وفض غلاف اللفافة.
وكان مستقرًا داخل اللفافة شيء أسود مستدير يضاهي حجم كرة الغولف.
سوبارو: [هذا…]
أولبارت: [تُدعى “كرة المؤونة”، وهي زادنا المتنقل نحن معشر الشينوبي؛ واحدة منها تكفيك ليوم كامل، وتحافظ على نشاط عقلك وصحة بدنك؛ غير أن طعمها مريع للغاية.] [1]
وتناول أولبارت كرة المؤونة بأطراف أصابعه من غلافها، وراح يلوّح بها متباهيًا.
وبدا من مظهرها أنها طعام طوارئ صُنع دون أدنى اعتبار للمذاق؛ ولعلها غنية بالفوائد، غير أن سوبارو لم يجد في نفسه أدنى رغبة في تذوقها.
ودحرجها أولبارت في راحة كفه، وقال:
أولبارت: [لقد نشأتُ كشينوبي منذ نعومة أظفاري، لذا فأنا آلفُ هذا الزاد منذ أن كنت صبيًا صغيرًا؛ وكلما تناولته أثناء تأدية مهامي، حدّثت نفسي قائلًا: “يا ليتني أتقاعد مثل شيوخ قريتي الأجلاء، لأستريح من تناول هذا الشيء إلى الأبد”.]
سوبارو: […إذن، لِمَ لا تفعل ذلك وحسب؟ يا أولبارت-سان، لقد ذكرت أنك زعيم قرية الشينوبي، ألست شخصية رفيعة الشأن؟]
أولبارت: [أوه، صدقت في ذلك؛ ما أعنيه هو أنني الآن أرفع شأنًا وأشد بأسًا من أولئك العجائز الذين كانوا يكدحونني حتى الهلاك على أهوائهم… ومع ذلك، أجدني ما زلت ألوك هذا الشيء بطريقة ما.]
ومع قوله ذلك، ألقى أولبارت كرة المؤونة التي كان يدحرجها في كفه إلى جوفه؛ وراح يمضغ زاده ويبتلعه، ذلك الزاد الذي وصفه العجوز الخبيث برداءة طعمه.
وبعدها، فتح فاه ليريهما أنه ابتلعها كاملة، ثم أردف:
أولبارت: [في نهاية المطاف، يتعذر على المرء الفكاك من عاداته، هذا ما أردت قوله؛ فهذه الخلطة المبعثرة التي أعددتها دون اكتراث بطعم أو مظهر هي خير طعام لي؛ ألا يدفعك سماع هذا للبكاء تأثرًا؟ كلا؟ كاكاكاكاكا!]
وافتر ثغر أولبارت عن ابتسامة عريضة برزت منها أسنانه، مما استدعى إلى ذهن سوبارو ذكرى تقشعر لها الأبدان.
ولم يدرِ سوبارو ما الرسالة التي يرمي العجوز لإيصالها عبر هذا الحديث، وظن أن الأمر لا يمت بصلة لهيئته الطفولية الحالية؛ غير أنه شعر بأنه لا ينبغي تجاهل كلامه كليًا.
وخالجته ريبة بأن ذلك ربما يكون أسلوب أولبارت الخاص في كيل المديح أو الثناء عليه.
يورنا: [――أيها العجوز أولبارت، هذه قلعتي، ألا تزال تذكر ذلك؟]
وبعد أن هدأ أتون الحديث، نطقت يورنا ميشيغوري، إمبراطورة «مدينة الشياطين»، التي صعدت إلى سطح القلعة بصحبة سوبارو ولويس، أخيرًا.
وهو يحدق في عيني يورنا الزرقاوين، أمسك أولبارت عن الضحك وقال: «أجل»:
أولبارت: [بالتأكيد، أعلم ذلك علم اليقين؛ فأن تتطلع إليك سيدة القلعة بنظرات الازدراء وأنت تتربع فوق قلعتها لهو شعور بديع؛ فصنيع ما تهوى هو سر إطالة العمر.]
يورنا: [يا لها من هواية بالغة الترف بالنسبة لرجل في مقامك؛ ما كنت لأحسب أنك تقدم على صنيع كهذا.]
أولبارت: [هوه، وكيف ذلك يا ترى؟]
يورنا: [أمرٌ بديهي، أليس كذلك؟ ――فمن الحماقة البالغة أن تدرك سر إطالة العمر، ثم تسعى بيدك لتقصير أجلك.]
واستطاع سوبارو أن يستشعر وهج الحرارة المنبعث من يورنا، التي ابتسمت ابتسامة ساحرة ووضعت كُم ثوبها برقة فوق فمها؛ فقد كتمت يورنا غيظها خلف تلك الحركة الرقيقة، وكان ذلك الغيظ موجهًا صوب أولبارت بطبيعة الحال.
ولا ريب أن أولبارت قد فطن لغضب يورنا، غير أن ذلك العجوز الخبيث ظل قابعًا في جلسته، يلقي بكرة المؤونة التالية في فمه من اللفافة المفتوحة في حجره.
أولبارت: [إذن، ما سر هذا الوفاق بينكم أنتم الثلاثة مجددًا؟ فامرأة ثعلبية وطفلان صغيران لا يجمعهم أي رابط للصداقة بأي حال.]
يورنا: [يؤسفني القول إنه على النقيض من «العجوز الخبيث، أولبارت» الماثل هنا، لا رغبة لديّ في مضايقة الأطفال ولا مأرب لي في تعذيبهم؛ وحين يتصل الأمر بالصغار، فمن البديهي أن أخصهم بكل لطف ومودة؛ وعلاوة على ذلك――]
وقطعت يورنا كلامها عند هذا الحد، وأدارت غليون «الكيسيرو» الذهبي بمهارة حول إصبعها؛ ثم صوّبت طرف الكيسيرو —ذلك الموضع الذي يتهادى منه الدخان— نحو أولبارت، وتابعت:
يورنا: [إن بلغ مسامعي أن العجوز أولبارت قد ضلل هذين الطفلين وخدع مرافقتي… فبصفتي سيدة هذه المدينة، سأقوم بما يمليه عليّ واجبي.]
أولبارت: [هوهو، هو.]
وهو يمسد ذقنه بتمهل، تحولت عينا أولبارت الشامتتان المستمتعتان نحو سوبارو ولويس؛ وأومأ سوبارو برأسه موافقًا، مستشعرًا مغزى تلك النظرات.
سوبارو: [أعتذر منك، لكن كان عليّ الوشاية بك؛ وتلك ليست مخالفة صريحة وفق قواعد أولبارت-سان على أية حال، فأنت بدأت وجعلت أولئك يهاجموننا أيضًا.]
أولبارت: [كاكاكاكاكا! لسانك لا يعجز عن الرد أبدًا يا فتى؛ غير أن هذا هو عين الصواب؛ فأنا من سلطهم عليكم، وسيكون من المثير للشفقة أن أتذمر إن ارتد صنيعي إليّ؛ ولكن…]
سوبارو: [ولكن؟]
أولبارت: [أحسنت صنعًا باهتدائك إلى هذه الحيلة رغم أن عقلك الصغير يجد مشقة في مواكبة الموقف؛ ألست تنحدر من سلالة العائلة الإمبراطورية الفولاكية يا ترى؟ فأنت تضاهيهم مكرًا ودهاءً.]
سوبارو: [لا تقل أمورًا مخيفة كهذه…]
فلو نظر المرء إلى لون شعر سوبارو والإمبراطور الحالي، آبل، لوجد بينهما قاسمًا مشتركًا، غير أن أوجه التباين بينهما في سائر النواحي شاسعة للغاية؛ وملامح الوجهين وطول الساقين خير برهان على ذلك؛ وعلاوة على ذلك، فإن نعت طباعه بالخبث والسوء كأفراد العائلة الإمبراطورية الفولاكية هو محض افتراء وتجنٍّ لا أصل له.
فعلى سبيل المثال――
سوبارو: [أنا أقول دائمًا “شكرًا” حين يصنع أحدهم إليّ معروفًا.]
يورنا: [وبابتسامة عريضة وصوت جهوري أيضًا؛ هكذا ينبغي للأطفال أن يكونوا؛ وسأوصي تانزا بأن تحذو حذوك؛ على أية حال――]
وانفرجت شفتا يورنا وهي تدلي برأيها في شقاوة سوبارو، ثم خفضت نبرة صوتها رويدًا؛ وضيقت عينيها، لتتلاشى تلك الأجواء الودية وتطوى صفحتها فجأة؛
وذلك لأن――
يورنا: [لا يسعني تقريع خادمتي المخلصة في غيابها ودون أن تكون حاضرة لتجيبني؛ والآن، أين أخفيتها أيها العجوز أولبارت؟]
وكان سؤال يورنا هذا هو المقصد والدافع الأساسي الذي جعلها تصعد رفقتهما إلى هنا.
أولبارت: [――――]
وإثر استشعاره للضغط المهيب الذي تفرضه يورنا وتداعياته الموجهة نحو أولبارت، عض سوبارو على شفته بقوة وهو يتحسس خفقات قلبه المتسارعة في صدره.
――فقد صادفت يورنا سوبارو في الطابق السفلي داخل أسوار القلعة؛ وبعد أن تلمس سوبارو خصال يورنا وطيب معشرها —وهو ما جهله بالأمس— أقدم على خوض مقامرة كبرى أخرى؛ حيث باح ليورنا بكل ما وسعه الإفصاح عنه حول مأزقهم ولعبة «الغميضة» الدائرة هنا في أرجاء «كايوسفليم».
وبطبيعة الحال، لم يفصح سوبارو عن هوية آبل الحقيقية، كما لم يخبر أحدًا بأنه والآخرين قد «أُعيدوا إلى هيئة الأطفال» على يد أولبارت؛ إذ كان جوهر ما أخبرها به هو أن سوبارو ورفاقه يخوضون لعبة «غميضة» مع أولبارت، وأن تانزا تمد يد العون للأخير.
وبغية استعطافها بأقصى درجات الصدق وتبديد شكوكها بينما كانت تصغي إليه بحلم وأناة، حسم سوبارو أمره لمواجهة الموقف بكل ما أوتي من عزم، وائتمن يورنا على تفاصيل ما يجري.
وعقب سماع يورنا لرجاء سوبارو المخلص، تأملت الأمر في نفسها لبرهة――
يورنا: [――لست بالمرأة التي تشكك في صدق طفل مستميت لتميز صدقه من كذبه.]
وبعد أن قطعت بتلك الإجابة، رافقت سوبارو ولويس صاعدةً بهما إلى قمة «قلعة اللازورد القرمزي».
سوبارو: [بصراحة، لم أكن أحسبها شخصًا يسلس معه الحديث إلى هذا الحد، ولكن…]
لويس: [أواو.]
سوبارو: [أجل، أعلم ذلك.]
وإثر سماع همهمة سوبارو، هزت لويس اليد التي تمسك بها وزمّت شفتيها.
وفي المقابل، حدّث سوبارو نفسه بأن هذا التوفيق كان وليد مصادفات متتالية اجتمعت له؛ فلو تخلّف أيٌّ من تلك العوامل، لما تهيأ لهما هذا الموقف على الإطلاق:
أن انفصل عن آبل ودسائسه المريبة.
وأن بلغ «قلعة اللازورد القرمزي» بفضل “استشارة” أوبيلك.
وأن عثرت عليه يورنا بشحمها ولحمها عوضًا عن الحراس.
وأن كان برفقة لويس وحدها، لا آل ولا ميديوم.
وأخيرًا، أن سوبارو —الأكثر تأثرًا بسحر «التحول إلى طفل»— قد أقدم على تلك المقامرة.
فالدافع الأساسي الذي جعل يورنا تنصت لحديث سوبارو هو أنها لم تلمس فيه ذرة كذب، وأخذته على محمل الرجاء الصادق من طفل مستميت؛
فكما أن هناك بالغين يستخفون بحديث الصغار ويسخرون منه عابرين؛
فثمة صنف آخر من الكبار يأخذون كلامهم على محمل الجد لمجرد صدوره عن أطفال، ويسعون جاهدين للاستجابة لتطلعاتهم.
ولم يخطر ببال سوبارو قط أن تكون إحدى أعضاء «الجنرالات التسعة الساميين» في إمبراطورية فولاكيا المتعطشة للدماء من هذا الصنف الأخير.
سوبارو: [من ذا الذي زعم أن يورنا-سان مجنونة يا ترى…؟]
ولعله يُقال إنها وُصمت بذلك لأنها لا تدين بشعار فولاكيا الأزلي: «البقاء للأقوى»؛
وعلى أقل تقدير، لم يكن أمام سوبارو مناص من الاعتقاد بذلك، بعد كل ما غمرته به من عطف ورعاية.
يورنا: [أيها العجوز أولبارت، لديّ مطلبان أرجوهما منك.]
ومع قولها ذلك، رفعت يورنا إصبعين برقة.
ولم يقوَ سوبارو على نبس كلمة ليقحم نفسه بين هذين الكائنين المتساميين اللذين تجاهلا وجوده تمامًا؛ وكل ما وسعه فعله هو أن يبقى متحفزًا لملمس يد لويس كي يتحرك فور وقوع أي طارئ؛
فالسبيل الوحيد للفرار من منطقة السطح هو الانتقال الآني إلى الطوابق السفلية.
أولبارت: [مطلباكِ هذان… فلنسمعهما أولًا على أية حال.]
يورنا: [أولًا، عليك أن تعيد تانزا إليّ.]
أولبارت: [أوه، مهلًا، هذا شطط لا يعقل؛ فأنا على يقين من أن لتلك الفتاة مآرب خاصة بها؛ ولولا ذلك، لما دبرت أمرًا دون إطلاعكِ عليه يا سموّكِ.]
يورنا: [――اصمت.]
وقد أقر أولبارت في ثنايا كلامه بأنه يعلم موضع تانزا، غير أن نبرته الساخرة بُترت بكلمة واحدة قاطعة من يورنا.
وكانت السطوة الهادئة لتلك الكلمة كافية لتبديل جو المكان بأسره؛
بل إن سوبارو نفسه —رغم أن الكلمة لم تكن موجهة إليه— كتم أنفاسه هيبةً.
وهكذا، وبعد أن ألجمت ثرثرة أولبارت، رفعت يورنا غليون «الكيسيرو» الذي كانت تعبث به بين أناملها نحو شفتيها، وملأت رئتيها بتمهل بسحابة من الدخان الأرجواني:
يورنا: [يؤسفني القول إنه لا نية لديّ لسماع شكاوى تانزا أو خلجات صدرها من أي شخص سوى لسانها هي؛ ولا أظنني أطيق سماعها إن جاءت منقولة على لسان «العجوز الخبيث».]
أولبارت: [كاكاكا، يبدو أنه لا أحد يطيقني هنا.]
يورنا: [أنا موقنة بأنك تدرك في قرارة نفسك سبب ذلك جيدًا، أليس كذلك؟]
وابتسمت يورنا ابتسامة حادة وأمالت رأسها، فتمايلت زينة شعرها برنين مسموع؛ وبدت دبابيس «الكانزاشي» المغروزة في شعرها المصفف بفخامة، مع سحر جمالها الأخّاذ، وكأنها أسلحة فتاكة في عيني سوبارو.
――ذوو الشأن الرفيع يرغبون في أن يهابهم الناس.
كانت يورنا هي من لقنت سوبارو تلك الحكمة؛ ولعل الأمر لا يقتصر على بث الرهبة في القلوب فحسب، بل يمتد ليشعرهم بجمالها الطاغي أيضًا.
يورنا: [وأمرٌ آخر؛ تلك اللعبة التي تخوضها مع هذين الطفلين، عليك أن تكف عنها فورًا.]
أولبارت: [لعبة، ها؟ إنها لعبة حقًا، لكنها لعبة جادة لا هزل فيها.]
يورنا: [كما أسلفتُ بالأمس في حضرة جلالة الإمبراطور: ――أريد أن يُترك هؤلاء المبعوثون وشأنهم، وبصرف النظر عما قد يفعله أو يقوله جلالته، فهم تحت حمايتي ورعايتي.]
――لن تدع كائنًا من كان يمس رفاق سوبارو بسوء.
وعلى نحو غير متوقع، نُقل قرار يورنا على لسان تانزا نفسها؛ وبما أن يورنا كانت عازمة على الالتزام بذلك القرار بحذافيره، فقد استبد بها الغضب لانتهاك رغبتها تلك.
وخلاصة القول هي――
يورنا: [أتريد أن تنصب نفسك عدوًا لي داخل «مدينة الشياطين» هذه؟]
أولبارت: [أوه، أمر مخيف، مخيف بحق؛ يا لكِ من صبية مخيفة… حسنًا، بصورة ما، أنا لم أتعرض لأحد بسوء، فلنقل إن هذا هو عذري.]
يورنا: [ذلك تفسيرك وتأويلك أنت، أليس كذلك أيها العجوز أولبارت؟ ――في ملك من تحسب هذه المدينة على أية حال؟ وهل تظنني امرأة متسامحة إلى حد أن أضحك وأصفح عن صنيعك هذا؟]
وأحس سوبارو وكأن الهواء من حوله يغلي، واقشعر بدنه بالكامل.
وأدرك أن وتيرة غضب يورنا تصاعدت وهي تبلغ شطر كلماتها الأخير؛ وبطبيعة الحال، لم تكن يورنا بالتي تعوزها السيطرة على النفس لتبدي ذلك جليًا في نبرة صوتها أو تقاسيم وجهها.
غير أنه فهم ما يجري، فقد رأى سوبارو قبلاً أناسًا بلغ الغضب بهم منتهاه؛ فعندما يستبد الغضب الحقيقي بالمرء وتكون حياته على المحك، تشتعل مشاعره بلا هوادة؛ ويكون مجرد الوقوف إلى جواره كافيًا لتلمس ذلك؛ فقد كان هناك غضب جامح، عارم إلى أقصى حد.
لويس: [أوو…]
ومشاطرةً لسوبارو في مشاعره، أطلقت لويس همهمة خافتة كالحشرجة أمام تلك الأجواء المنذرة بالخطر التي راحت تطبق على المكان.
ففي طريقهما إلى هنا، ربما بادرت لويس بمهاجمة المطاردين بضراوة، غير أن الشخصين الماثلين أمامهما الآن هما يورنا وأولبارت―― اثنان يختلفان في موازين القوى اختلافًا جذريًا عن أولئك المطاردين.
لقد كانت تلك غريزة حيوانية فطرية، ولعلها أدركت بعفويتها أنها لن تظفر بالنصر إن اشتبكت في قتال؛ أو لعلها خشيت على سوبارو من التورط في أتون المعركة――
سوبارو: [――هڪ، يا أولبارت-سان!]
وللحظة خاطفة، أحس سوبارو بمشاعره تجاه لويس تلين، غير أنه طرد تلك الخواطر بحزم؛ ومدفوعًا بتلك الجرأة، نادى باسم أولبارت بينما كان الأخير ويورنا يواصلان وقفة التحفز والمواجهة.
وأبقى أولبارت، الذي ما يزال متربعًا فوق السطح، إحدى عينيه مثبتة على يورنا والأخرى شاخصة نحو سوبارو بمهارة فائقة.
سوبارو: [كـ… كيف تفعل ذلك بعينيك…؟]
أولبارت: [كاكاكاكاكا! إحكام السيطرة على الجسد هو ركيزة الشينوبي؛ فلن تبلغ مقام الشينوبي ما لم تستطع إتيان أفعال متباينة بيدك اليمنى ويدك اليسرى، وبقدمك اليمنى وقدمك اليسرى؛ فما خطبك في ذلك؟]
سوبارو: [إيه؟]
أولبارت: [لقد ناديتني قبل قليل؛ وأنا أقول لك، إني واقع في خضم أخطر مأزق مرّ بي في حياتي كلها؛ فلا ينبغي لك أن تشتت انتباهك بتلك التوافه.]
وبدا جليًا أنه رغم عدم تخليه عن استرخائه الظاهري، كان أولبارت مدركًا تمام الإدراك لخطورة هذا المنعطف الحرج؛ فإن كان الأمر كذلك حقًا، فقد كان سوبارو ممتنًا له على التفاتته وصرف جزء من انتباهه نحوه.
ووضع سوبارو يده على صدره، وتنفس بعمق بضع مرات، ثم قال:
سوبارو: [أوه، ما رأيك بأن نعتبر الأمر تسوية متكافئة ونتعادل؟]
أولبارت: […همم؟]
وعند سماع اقتراح سوبارو، فتح أولبارت عينه اليسرى على اتساعها؛ وإثر اجتذابه لانتباه مقلة واحدة، رفع سوبارو صوته بنفاد صبر: «كما قلت لك!»:
سوبارو: [نحن متعادلون، رأس برأس! يا أولبارت-سان، أنت حاولت خرق القواعد، وأنا وشيتُ بك أمام يورنا-سان؛ وكلا الصنيعين لئيم بالقدر ذاته، ولذا يجدر بنا…]
أولبارت: [أن نقرّ بهدوء بأن كلانا قد أخطأ ونطوي الصفحة عند هذا الحد، أهذا ما ترمي إليه؟]
سوبارو: [أجل تمامًا، أجل أجل! أرأيت، إنه حل منصف، أليس كذلك؟ سنعطي أولبارت-سان مبتغاه، وبذلك تُحل كافة معضلاتنا!]
فمبتغى أولبارت كان سرًا يخص الإمبراطور ويحوزه آبل في جعبته.
ولم يكن سوبارو يعلم تفاصيل ذلك السر بدقة، غير أن تسليمه للعجوز سييسر إقناعه بالانسحاب؛ ففي الأساس، كانت لعبة «الغميضة» أشبه باختبار دهاء وفطنة، للتحقق مما إذا كان بالإمكان الوثوق بتلك المعلومات.
سوبارو: [لقد اتفقنا على خوضها ثلاث مرات، ولم نعثر عليك سوى مرتين حتى الآن… غير أن عليك التساهل معنا بعض الشيء، فقد نجحنا في شق طريقنا إلى قمة القلعة على أية حال.]
أولبارت: [هممم… على أية حال، أأنت من اهتدى إلى أن هذا موضع اختبائي؟ وليس ذلك الآخر، الفتى ذو قناع الأوني؟]
سوبارو: [أ… أجل، هذا صحيح؛ فقد لمع في ذهني فجأة خاطر بشأن «الهاوية ذات المنظر الخلاب»… وإن كان ثمة موضع آخر كنت أفكر فيه أيضًا.]
ولعل آبل والآخرين في طريقهم إلى هناك في هذه الأثناء.
وحتى لو لم يكونوا في طريقهم إلى هنا في اللحظة الراهنة، فستصل جماعة آبل إلى الجواب عاجلًا أو آجلًا وسيقصدون «قلعة اللازورد القرمزي»؛ فقد لجأ سوبارو إلى حيلة استغل فيها قدرة لويس على الانتقال الآني و«استشارة» أوبيلك.
ومع ذلك، قد يغدو إقناع آبل والآخرين بكيفية التعامل مع لويس أيسر بكثير إن نجحوا في تحقيق هذا الإنجاز هنا؛ وإن استعصى ذلك، فيمكنهم محاولة استمالة يورنا إلى صفهم.
غير أن ردة فعل يورنا عند اكتشاف هوية لويس الحقيقية تظل أمرًا مجهولًا لا يمكن التنبؤ به.
سوبارو: [على أية حال! أتساءل يا أولبارت-سان، هل لديك استعداد للإصغاء إلى اقتراحي… كلا، بل إلى اقتراحنا المشترك؟]
وهز سوبارو رأسه طاردًا أي وساوس سلبية، ثم شخص ببصره نحو أولبارت.
والعلة في استخدام سوبارو لصيغة الجمع في «اقتراحنا» هي حاجته الماسة إلى مؤازرة يورنا في مبادرة الصلح هذه؛ فلو أعلنت يورنا أنها لن تغفر لأولبارت استدراجه لتانزا في مكيدته الخبيثة، لذهب اقتراح سوبارو —الذي اعتصر ذهنه لابتكاره— أدراج الرياح.
ومع ذلك――
يورنا: [――――]
وإحدى عينيها مغمضة وغليون «الكيسيرو» مستقر بين شفتيها، لم تبدِ يورنا أدنى اعتراض؛ وظن سوبارو أن سكوتها هذا إنما ينم عن احترامها لرأيه ورغبتها في منحه الفرصة.
وغمر سوبارو امتنانٌ عارم، جارفٌ إلى أبعد حد؛ حتى إنه تمنى لو يشكرها ملء فمه.
ورجا في قرارة نفسه ألا يبدد تلك الثقة وذلك اللطف اللذين غمرته بهما يورنا.
سوبارو: [يا أولبارت-سان.]
ونادى سوبارو باسم أولبارت مجددًا، معلقًا أمله على بلوغ تسوية ترضي الطرفين.
وتجاوبًا مع عيني سوبارو السوداوين اللتين يفيض منهما الرجاء، التقط أولبارت بأطراف أصابعه القرعة التي كان قد وضعها جانبًا؛ وقرب فمه من فوهتها، ليرتشف قطرات الشراب حتى آخر رمق فيها، ثم قال:
أولبارت: [أتدري يا فتى، لست أدري إن كان هذا الخاطر وليد حالك الحالية وحدها، أم أنه فكرة كان سيهتدي إليها عقلك حتى في ماضيك…]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [――فأنا أمقت فكرة التراجع عن لعبة أطلقتُ عنانها في منتصف الطريق؛ ――وهذا العجوز رجل قاسي الرأس عنيد، ألا تعلم ذلك؟]
وارتفعت قهقهة ذلك العجوز الخبيث، ومع قهقهته تلك، سحق القرعة بكفه، فتفتتت إلى شظايا تناثرت فوق الأرضية.
وتطاير الحطام برنين مسموع، مما حبس أنفاس سوبارو فزعًا.
وعلى الفور في أعقاب ذلك مباشرة――
يورنا: [إن شيخًا يأبى مصافحة يدٍ مدّها إليه طفلٌ صغير، سيندب حظه ويلعن عناده.]
وهوت ساقا يورنا الطويلتان وهي تندفع كالصاعقة إلى الأمام؛ ومع دويّ هادر، انشطر برج «قلعة اللازورد القرمزي» إلى نصفين.
△▼△▼△▼△
ارتفعت قدمها المنتعلة صندل «الغيتا» ذا النعل الخشبي السميك عاليًا في الهواء، ثم هوت هبوطًا مستقيمًا كالسهم وبسرعة خارقة. [2]
وبعد برهة خاطفة، التوى برج القلعة تحت وطأة ضربة كعبها المباشرة، فتصدع وتشظى، ثم ما لبث أن انفجر مصحوبًا بزمجرة تصم الآذان وكأن صاعقة قد نسفته نسفًا.
وبينما تطاير قرميد السطح المقتلع في عنان السماء وتصاعدت سحابة داكنة من الغبار والدخان، استدارت يورنا —التي سددت تلك الضربة المهولة— في بؤرة الانفجار، وأطراف كيمونوها تتهادى بشموخ ومهابة.
وبحركة متصلة خاطفة لم تستغرق رمشة عين، نفذت يورنا وثبة أعقبتها بركلة فأسية ساحقة، ولم تكن العاقبة الوخيمة لتلك القوة الكارثية سوى تدمير شطر من القلعة.
فبضربة واحدة من كعب يورنا، هوى برج القلعة الرئيسي متداعيًا بالمعنى الحرفي، مشوهًا المشهد البديع لـ «قلعة اللازورد القرمزي».
سوبارو: [وااااهـ――!؟]
وأمام مرأى تلك القوة التدميرية الخارقة، انكمش سوبارو جاثيًا وهو يطوق رأسه بذراعيه هلعًا.
فنجا بأعجوبة وبشِق الأنفس من ابتلاع القلعة المتفجرة له، غير أن الارتجاجات الهائلة كادت تطيح به وتلقيه هاويًا من حافة السطح.
بيد أن لويس تشبثت بذراعه بإحكام، حائلةً دون سقوطه.
لويس: [واو!]
سوبارو: [تبًا! لِمَ آل الأمر إلى هذا…!]
واجتذبته قبضتها الشديدة على ذراعه نحو الأعلى؛ وحين استوى جالسًا، صرخ سوبارو وعيناه تترقرران بالدموع.
فقد تسللت ذرات سحابة الغبار المتطايرة إلى عينيه، فكانت علة دمعتيهما؛ ولم يكن ذلك حتمًا بسبب رفض ذلك العجوز الجلف أولبارت لمبادرته!
وإن كان ذلك الرفض مريرًا وشاقًا بدوره بطبيعة الحال――
سوبارو: [يا يورنا-سان!!]
يورنا: [تراجعا إلى الخلف ولا تدعا هذا الهيجان يبتلعكما؛ يؤسفني القول إنني لا أجيد كبح جماح قوتي؛ ――ومع ذلك…]
ودون أن تلتفت إلى الوراء، أجابت يورنا عن نداء سوبارو الصادر من خلف ظهرها.
وقاطعةً كلامها عند ذلك الحد، انتشلت يورنا قدمها العالقة من قرميد السطح، ونفضت الغبار عن حاشية كيمونوها، ثم رفعت بصرها عاليًا نحو السماء――
يورنا: [كما هو متوقع منه، حركة رشيقة ومراوغة.]
ففوق رأس يورنا مباشرة، كان هناك ظل ضئيل يحلق في حركة لولبية خاطفة، مندمجًا مع سحب الدخان الكثيفة والشظايا المتطايرة―― وكان ذلك قوام أولبارت.
وتحت وطأة نظرات يورنا الثاقبة، أطلق أولبارت صيحة «هاه!» وهو يبتسم ابتسامة عريضة برزت منها أسنانه، ثم قال:
أولبارت: [حسبتُ أن الاتفاق يقضي بألا يتعرض أحدنا للآخر… إذن، بات كل شيء مباحًا الآن، أليس كذلك؟]
يورنا: [يعتريني العجب من ظنك بأنك قادر على هزيمتي في عقر داري بهذه المدينة؛ فإن كان الخَرَف قد نال منك، فإني أنصحك بالتنازل عن مقعدك بين «الجنرالات التسعة الساميين» لجيل الشباب.]
أولبارت: [كاكاكاكاكا! هيهات، لا سبيل إلى ذلك؛ فسأكون العضو الأطول عمرًا في تاريخ «الجنرالات التسعة الساميين».]
أحدهما معلقٌ في الهواء والآخر متمركزٌ فوق السطح، تقاطعت خطوط نظراتهما، متبادلين نية الهجوم الساحق، وتأهب كلاهما للاصطدام بالآخر.
وضعت يورنا غليون «الكيسيرو» عند شفتيها، بينما انقلب أولبارت بمرونة في الهواء―― وزفرت يورنا سحابة من الدخان الأرجواني، انقضّ أولبارت نحوها بعد أن ركل الهواء ليرتطم بها بسرعة السهم المنطلق.
أولبارت: [――هڪ!]
وبعينين تتقد سعيراً، ارتطمت ركلة أولبارت الجانبية رأسًا برأس بدخان يورنا الأرجواني الذي نشرته أمامه؛
والدخان المتصاعد من غليون الكيسيرو، والذي ينبغي أن يكون عديم الوزن وبلا قوام صلب، استقبل قدم أولبارت وبدد وطأة الصدمة بحركة انثناء لولبية؛
وأمام هذا المشهد، اتسعت ابتسامة أولبارت:
أولبارت: [أوووشياااا――!!]
ودارت ساقاه القصيرتان بسرعة خيالية، لتنهال عشر، بل عشرون ركلة متتالية بضراوة بالغة؛
واستوعب الدخان الأرجواني صدمة ضربة وضربتين، غير أن وطأة الركلات المتلاحقة شتتته ضربة تلو الأخرى؛ وفي نهاية المطاف، وما إن تبدد الدخان تمامًا، حتى عجز عن أداء دور الترس أو الدرع الواقي.
وبطبيعة الحال، كان مجرد تمكنها من استخدام الدخان كدرع في المقام الأول أمرًا يجافي المنطق تمامًا――
أولبارت: [أمرٌ مثير للاهتمام ما تمتلكينه هنا؛ شيءٌ لم يرد ذكره في سجل تقنياتي قط.]
يورنا: [عذرًا وخيبة لأملك؛ إنها تقنية سرية يستعصي محاكاتها على شينوبي عاجز عن حب أي شخص.]
وفي اللحظة التي اخترق فيها أولبارت حاجز الدخان، تجلى قوام يورنا إلى جواره فجأة؛
قافزةً في الهواء، لوحت يورنا بغليون «الكيسيرو» الفاخر في يدها، مستهدفةً مؤخرة رأس أولبارت المكشوفة؛
وكان الغليون أطول وأخف من أن يُعد سلاحًا رضّيًا صالحًا للضرب والتهشيم، غير أن أولبارت صده بضربة ذراع خاطفة وسريعة للغاية―― أو بالأحرى، بسكين «الكوناي» الذي كان يمسك به في ذراعه. [3]
ومع صرير حاد يصم الآذان، تحطم سكين الكوناي الذي كان أولبارت يخفيه في كمه متناثرًا.
ولا ريب أنه صُنع من معادن فائقة الجودة والمتانة، ومع ذلك انكسر سكين الكوناي بينما بقي غليون الكيسيرو الخاص بيورنا سليمًا لا تشوبه شائبة؛ فمن أي مادة عجيبة صُنع غليونها ماذا بحقك؟!
أولبارت: [كاكاكا، ينبغي معاملة الشيوخ الطاعنين في السن بكل رفق؛ إياكِ والتعرض لي بالأذى أيتها الصبية.]
يورنا: [لا أنكر أن ثمة شيوخًا يستحقون أن يُعاملوا برفق؛ غير أنه يستحيل أن تكون أنت أحدهم أيها العجوز أولبارت؛ وبما أن الحال كذلك…]
أولبارت: [حسنًا إذن، سأتولى معاملة نفسي برفق.]
وبينما كانا يتبادلان السخريات والتهكم، أمطر كل منهما الآخر بهجمات مميتة ومتبادلة؛
فكانت ذراعا يورنا الممشوقتان وساقاها الطويلتان تسددان ضرباتٍ، رغم رونقها البديع، كانت هائلة البأس لدرجة تكفي لدك أسوار القلاع دكًا؛
وبالمقارنة، لم تكن هجمات أولبارت بتلك البهرجة ذاتها، بل كانت تنحصر إجمالًا في رد هجمات يورنا وإقحام مناوشات خبيثة بين الحين والآخر.
ومع ذلك――
أولبارت: [لست بحاجة إلى قوة قادرة على هدم قلعة كي تزهق روح أحدهم؛ ففي نهاية المطاف، إبرة واحدة طويلة تُغرز في الجبين كفيلة بقتلك.]
يورنا: [إن كان الأمر كذلك، فلتجرب بنفسك.]
وفور صدور استفزاز يورنا الهادئ، ذاب تعبير أولبارت الماكر في عنان السماء؛ ――كلا، بل انطلق يتحرك بسرعة خارقة تعجز عين الإنسان العادي عن ملاحقتها؛
ولقد كان ثمة ملاكم شهير في الزمن الغابر قيل عنه إنه “يطفو كالفراشة ويلسع كالنحلة”، وكان ذلك تمامًا هو الأسلوب القتالي الذي تجسد به أولبارت، متخذًا من برج القلعة نصف المنهدم مسرحًا لصولاته. [4]
ولو تعين على المرء أن ينتقي وصفًا أكثر دقة له، لكان القول بأنه يجمع بين انقضاض المقاتلة الحربية النفاثة ودقة طلقة بندقية القنص هو الأقرب إلى الصواب.
يورنا: [أنت شخصية كثيرة الطيران والمراوغة في الأرجاء؛ ومشاكسٌ لا تليق بك سنوات عمرك.]
ولعل ذلك مرده إلى قوة ساقي أولبارت الخارقة، إذ كان القرميد الذي تطأه قدماه يتفجر متناثرًا، وفي اللحظة التالية مباشرة، كان قوام أولبارت يتبلور قادمًا من موضع آخر ليسدد ضربة خاطفة نحو يورنا.
واستغلت يورنا ردود أفعالها الخارقة ببراعة، فإما أن تتصدى للضربة بغليون «الكيسيرو» أو تتفاداها؛ وكلاهما من «الكائنات المتسامية»، إلى حد أن وطأة المعركة المستعرة أنست سوبارو حتى التقاط أنفاسه.
لويس: [آو…!]
وإلى جوار سوبارو، كانت لويس تتابع المشهد المهيب ذاته، فانكمشت على نفسها متقلصة في جلستها.
ففي مستهل القتال، وحين كان عاجزًا عن احتمال تفاقم الموقف، خامره القلق من أن تندفع لويس فجأة؛
غير أن النزال المحتدم بين يورنا وأولبارت لم يعد من ذلك المستوى الذي يمكن التدخل فيه؛
فأيًا كان الطرف المنتصر، فلن يخلف ذلك سوى دمار مهول وكارثي؛
وكانت تلك بدورها عاقبة أبعد ما تكون عن مبتغى سوبارو.
سوبارو: [ولكن ما عساني أن أفعل؟ لا أملك في يدي حيلة لإيقاف هذا الجنون…!]
ومع اشتعال قتال بمثل هذه البهرجة العنيفة، وأخذًا في الحسبان تعرض برج القلعة للتهشيم والتحطيم بتلك الضراوة، فلا ريب أن سكان أرجاء المدينة برمتها قد فطنوا إلى وقوع خطب جلل في القلعة.
فإن كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن يتدفق أهل المدينة الذين يكنون خالص المحبة ليورنا في حشود هائلة، أو أن يبادر رفاق أولبارت —الإمبراطور الزائف وحاشيته— بالتحرك.
وإن وقع ذلك، فستكون تلك شرارة اندلاع حرب طاحنة تجتاح المدينة بأسرها.
ولم يكن ذلك ما يبتغيه سوبارو بأي حال؛
فحتى لو قصدوا المدينة لاستمالة يورنا لخوض غمار الصراع الأعظم لاستعادة آبل عرشه، فما عسى أن تكون المأساة التي ستتمخض عن معركة تشتعل دون استعداد كافٍ؟
أولبارت: [شـيييـهـااااا!!]
ومطلقًا صيحة حادة مدوية، غرز ذلك العجوز الخبيث الدوار كلتا قدميه في قرميد السطح أمام يورنا مباشرة؛ وعقب ذلك فورًا، سرت صدمة ارتدادية عنيفة عبر السطح، ففجرت موضع أقدام يورنا وقذفت بقوامها عاليًا في كبد السماء، ليتبادل الاثنان موقعيهما الأصليين؛ فصار المعلق في الهواء مستقرًا على الأرض، وصارت الراسخة على الأرض معلقة في الهواء.
أولبارت: [――――]
ومع اندفاع يورنا نحو الأعالي، انهمرت «نجوم الشوريكين» التي قذفها أولبارت لتنقضّ عليها من كل حدب وصوب.
ولم تكن لدى سوبارو أدنى فكرة عن اللحظة التي أطلقها فيها؛ فلربما رماها إثر قذف يورنا في الهواء، أو لعله كان يدرك سلفًا مسار طيرانها إلى هناك؛ ولكن في كلا الحالتين، لم يكن ثمة مهرب منها.
وفي عنان السماء، كادت إحدى نجوم الشوريكين أن تحدث جرحًا غائرًا في بشرة يورنا البيضاء الناعمة―― كلا،
يورنا: [عليك أن تدرك ذلك جيدًا؛ فأنا حاكمة هذه الديار، وسيدة «مدينة الشياطين».]
وتزامنًا مع جواب يورنا، تجمدت شفرات نجوم الشوريكين الدوارة في مسارها من حولها بغتة.
ولم تكن يورنا —التي تقوى على التحرك بسرعة فائقة— هي من تصدى لها، بل إنها لم تكلف نفسها عناء الحركة حتى؛ فالذي أوقف نجوم الشوريكين كان قطعًا من قرميد السطح اندفعت صاعدةً نحو الأعلى كالسهام.
ولم يكن ذلك قط بمحض الصدفة أو الحظ الأعمى؛
إذ مهما بلغ حظ المرء، فإن اعتراض قطع القرميد لأكثر من عشرة نجوم شوريكين تنهال عليه من شتى الاتجاهات لهو أمر يستحيل أن يتحقق بالمصادفة المجردة.
وهزت يورنا ذراعيها برقة، بينما كان سوبارو وأولبارت يرمقان المشهد بأعينهما، شاخصين في ذهول تام.
ومع حركة ذراعيها تلك، سبحت قطع القرميد التي صدت الشوريكين في الفضاء، ثم استقرت طافية في الهواء لتشكل سلمًا لولبيًا يلتف حولها.
وبكل تؤدة وأناقة، وطئت نعال يورنا الخشبية السميكة قطع القرميد متخذة إياها درجات، متهادية في هبوطها نحو برج القلعة.
وكان ذلك المشهد استعراضًا للأوهام البصرية أو لعلها قدرة التحريك الذهني؛ وبالطبع، يمكن وصفه بالسحر بعبارة أخرى، غير أنه يختلف قليلًا عن السحر الذي يألفه سوبارو؛
فلم يكن التلاعب جاريًا بالنار، ولا بالجليد، ولا بالرياح، ولا بالأرض، بل بأجزاء البناء نفسه وعناصره.
أولبارت: [كاه، كم أنتِ غريمة مزعجة تعكرين الصفو، أتعلمين ذلك؟ إذن تلك هي الحيلة السحرية التي كان سيسيلوس وأراكي يتحدثان عنها؟ كيف فعلتِ ذلك بحقكِ؟]
يورنا: [لقد أخبرتكَ سلفًا؛ إنها تقنية سرية يستعصي تنفيذها على شينوبي يعجز عن حب أي أحد… فأنا امرأة تولي الأشياء عناية فائقة، على نقيض ما يوحي به مظهري.]
ومع ابتسامتها تلك، وضعت يورنا غليون «الكيسيرو» بين شفتيها، ثم صفقت بيديها اللتين باتتا حرتين صفقة خفيفة متتالية.
وكأنها كانت إشارة متفقًا عليها، طرأ تبدل مباغت على برج القلعة نصف المنهدم؛ ――كلا، لم يكن مجرد تبدل عابر، بل كانت تقنية سحرية تشوه معالم الواقع كما لو كان حلمًا.
سوبارو: [هـ… هذا…]
ومع التواء السطح واضطرابه تحت قدميه، تشبثت لويس بذراع سوبارو وهي تبتلع ريقها فزعًا؛ وبينما كان يسند جسدها، وقع أمرٌ خارق للمألوف على مرأى من سوبارو مباشرة، حيث راح برج القلعة نصف المنهدم يرمم نفسه أمام ناظريه.
وشيئًا فشيئًا، أصلح البناء نفسه بنفسه، تمامًا كمقطع مرئي يُعرض بسرعة مضاعفة لجرح يلتئم في ومضة.
وبالجمع بين استنتاج آبل السابق بأن يورنا تتقن «تقنية زواج الأرواح»، وبين كلماتها التي تفوهت بها قبل قليل، لمعت في عقل سوبارو فرضية تفسر ما جرى.
وبدا الأمر ضربًا من الخيال والجنون المطبق، غير أن يورنا ميشيغوري――
سوبارو: [أ… أيعقل أنها تطبق «تقنية زواج الأرواح» ذاتها على القلعة أيضًا…؟]
وبالفعل، عجز لسانه عن النطق وتملكه الذهول التام أمام هذا الاستعراض الخارق لقدرات حاكمة «مدينة الشياطين»، ذلك الكائن الذي ينتمي حرفيًا إلى مصافٍ تفوق هذا العالم.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] كرات المؤونة (Ration balls / 兵糧丸 – Hyorogan): طعام نينجا محفوظ ومضغوط عالي القيمة الغذائية وسهل الحمل، اشتهر استخدامه تاريخيًا بين مقاتلي الشينوبي من عصر «سينغوكو» (الحروب الأهلية) وحتى عصر «إيدو» في اليابان القديمة للبقاء على قيد الحياة أثناء المهام الطويلة.
[2] صندل الغيتا (Geta): خف أو صندل خشبي ياباني تقليدي، يرتكز على قاعدة خشبية مستندة إلى دعامتين أو ثلاث دعامات خشبية رأسية تشبه “الأسنان” لرفع القدم وثياب الكيمونو الفاخرة عن الأرض والوحل.
[3] سكاكين الكوناي (Kunai): أداة حديدية يابانية ذات نصل مدبب ومقبض بحلقة، كانت تُستخدم في الأصل لأعمال البستنة والزراعة والحفر، لكنها اقترنت تاريخيًا بالنينجا كسلاح فتاك متعدد الاستعمالات للطعن والرمي والتسلق وصنع الفخاخ.
[4] اقتباس أسلوب الملاكم محمد علي كلاي: إشارة إلى العبارة الأيقونية للملاكم العالمي الراحل محمد علي («يطفو كالفراشة ويلسع كالنحلة»)؛ وللاقتباس تكملة شهيرة تقول: “لا يمكن ليديك أن تضرب ما تعجز عيناك عن رؤيته”، وهو التجسيد الحرفي لأسلوب أولبارت القتالي هنا بعد أن “ذاب في عنان السماء” وبات يستحيل رصده أو إصابته لسرعته الخارقة.