الفصل 411 - "حفرة" ذات منظر خلّاب
الفصل الخمسون
«”حفرة” ذات منظر خلّاب»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
بعد أن افترقا عن «أوبيلك» المريب، توقفا في بضعة أزقة ضيقة.
وراح سوبارو يستطلع محيطه متلفتًا حوله ليتأكد من خلو المكان من المارة؛ وبينما كان يحرص بطبيعة الحال على التأكد من أن أوبيلك ذاك لا يتعقبهما دون قصد――
سوبارو: [――الإجابة تكمن في داخلي.]
لويس: [آاوو.]
وأمالت لويس رأسها ببراءة بينما كان سوبارو يتأمل ما قاله أوبيلك لهما.
ورغم أن أوبيلك أخبرهما أنه يعمل «مستشارًا» —وهي مهنة لم يستوعب سوبارو تفاصيلها بدقة—، مما جعل انطباعه عنه كمحتال لا يتلاشى مطلقًا، إلا أنه شعر أن كلامه كان صائبًا في الصميم.
ولم يكن سوبارو يدري حقًا إن كان أوبيلك قادرًا على استشعار ما يريده هو نفسه أم لا، ولكن――
سوبارو: […«هاوية ذات منظر خلاب»، أظن أنني اهتديت للحل.]
كانت كلمات أوبيلك —بأن الإجابة تكمن في داخل سوبارو— قد منحته طرف الخيط؛ ولم تكن تعني أن أولبارت المفقود يختبئ سرًا داخل جسد سوبارو، بل كانت مجرد تشبيه مجازي، وتلميح أولبارت كان بدوره أحجية ولغزًا.
فلغز «خلف الجفون» كانت إجابته هي الغرفة التي انطلقوا منها؛
ولذا، كان لغز «الهاوية ذات المنظر الخلاب» لغزًا بالمعنى ذاته بطبيعة الحال، ولا بد أن حله يكمن هناك في زاوية ما.
والإجابة التي أشار إليها أوبيلك بأنها تكمن في داخل سوبارو――
سوبارو: [ذهب تفكيري في البداية إلى أنه مكان زرته من قبل، لكن الأمر ليس كذلك.]
لويس: [أواو؟]
سوبارو: [فالأماكن التي وطئتها في هذه المدينة ليست كثيرة؛ وإن استثنينا النزل، فلا يوجد سوى قلعة يورنا؛ لكنها لا تشبه الهاوية مطلقًا، ولا تمت لها بصلة.]
لويس: [أوو.]
سوبارو: [أمرٌ يشبه الهاوية… ما المغزى من ذلك يا ترى؟]
كان أولبارت قد أعطاهم تلميح «الهاوية ذات المنظر الخلاب»، غير أن تعبيري «منظر خلاب» و«هاوية» متناقضان تمامًا في الأصل؛
فالمنظر الخلاب يستلزم موقعًا مرتفعًا يشرف على الأفق، بينما الهاوية تعني هوة سحيقة؛ ومفهوم وجود حفرة تتمتع بإطلالة واسعة أمر غير منطقي على الإطلاق.
إذن فأحدهما مجرد تضليل؛ وبما أنه يستحيل أن يكون المنظر الخلاب كذبة، فالخداع الوحيد المحتمل لا بد أن يرتبط بمفهوم الهاوية.
سوبارو: [أمر يشبه الهاوية، لكنه ليس هاوية…]
لم يكن هناك مكان كهذا زاره سوبارو في «كايوسفليم».
وكان موقنًا أن الأمر ينطبق على آبل والآخرين الذين لم يغادروا النزل؛ ――كما لم يكن سوبارو متأكدًا من مدى معرفة أولبارت بـ «مدينة الشياطين» من الأساس.
لكنه استبعد أن يكون أولبارت قد تجول فيها كثيرًا بدوره، إذ كان واجبه يقتضي مرافقة الإمبراطور الزائف―― فينسنت، وحمايته.
لذا، وبما أنها مدينة لا يعرف عنها أولبارت الكثير، فلا بد أن المكان غير معقد على الإطلاق.
فتلك «الهاوية ذات المنظر الخلاب» كما وصفها، لم تكن مكانًا ينفرد به وجود «كايوسفليم» وحدها.
وذلك يعني――
سوبارو: [――يا لويس، سنصعد إلى مكان مرتفع.]
لويس: [واو؟]
وتفاجأت لويس من سوبارو الذي نطق بذلك بعد أن أغمض عينيه؛ ولم يظن أنها استوعبت قصده، غير أنه طالما تيقن من أن لويس الممسكة بيده ستتبعه بهدوء، فلن يطلب منها أكثر من ذلك.
فالوقت المتبقي قليل للغاية؛ ورغم قلقه من احتمال أن يكون استنتاجه خاطئًا، لم يكن أمامه بدّ من المحاولة.
فمخبأ أولبارت هو «هاوية ذات منظر خلاب»، وأقرب مكان يوصل إليها――
سوبارو: [――علينا بلوغ أقرب نقطة من عنان السماء.]
△▼△▼△▼△
كانت «استشارة» أوبيلك —التي قدمها في حديث من طرف واحد— هي ما هدى سوبارو إلى الإجابة.
فـ «الهاوية ذات المنظر الخلاب» تعني، بعبارة أخرى، «حفرة ذات منظر خلاب».
والهاوية ليست مجرد حفرة عادية، بل هي هوة سحيقة يمكن للمرء أن يتردى فيها إلى ما لا نهاية؛ وبتعبير أدق، هي حفرة شديدة العمق لا قرار لها.
وكما ألمح أوبيلك، فقد خاض سوبارو تلك التجربة بنفسه من قبل؛
وحدث ذلك قبل وقت قصير للغاية في هذا اليوم بالذات:
سوبارو: [في ذلك الشارع، حين قذف بي ذلك الفتى.]
وحين اندفع سوبارو خارجًا وقد طار صوابه تمامًا، أمسك «الفتى الخروف» بذراعه؛ وبعد أن قذفه في الهواء وهو يمطره بالاعتذارات، راودت سوبارو فكرة واحدة ملحة وتكررت في ذهنه مرارًا بينما كان يرتفع عاليًا نحو كبد السماء ويدور حول نفسه في حلقات:
――أنه كان «يهوي» نحو زرقة السماء.
وبطبيعة الحال، وبالنظر إلى حقيقة ما جرى، كان ذلك تصورًا خاطئًا تمامًا؛
فمن منظور الواقفين حوله، كان سوبارو الحقيقي قد قُذف بكل بساطة عاليًا في الهواء؛ غير أن صاحب الشأن نفسه —سوبارو الذي عجز في تلك اللحظة عن تمييز أعلاه من أسفله— قد خُيّل إليه ذلك حقًا؛
ظن أنه يهوي نحو السماء الزرقاء؛
يهوي في «حفرة» زرقاء سرمدية لا قاع لها.
سوبارو: [ذلك هو المقصد من “الحفرة ذات المنظر الخلاب”… إذن فهو المكان الأقرب إلى عنان السماء في هذه المدينة.]
وتيقن سوبارو من أن هذا هو الموقع الذي عناه أولبارت بلغز «الهاوية ذات المنظر الخلاب».
إذن، تقتضي الخطة استهداف أعلى بقعة في المدينة، ولكن――
لويس: [آا، أُهـ!]
وسواء أكانت واعية بما يختلج في صدر سوبارو أم لا، أشارت لويس بابتسامة عريضة نحو مكان محدد.
وبينما كانت لويس تلوح بمرح بيديها المتشابكتين مع يده وتشير بيدها الحرة نحو الأفق، وضع سوبارو كفه على وجهه متنهدًا؛
ليس لأن لويس كانت تعبث أو تعجز عن مجاراة ما يقول؛
بل في واقع الأمر، كانت هذه هي المرة الوحيدة التي فهمت فيها لويس مقصد سوبارو تمامًا؛ فقد كانت تشير بسبابتها نحو المبنى الأقرب إلى السماء في أرجاء «كايوسفليم».
غير أن ذلك المبنى بالذات كان مبعث قلق سوبارو الأكبر.
لويس: [أُهـ!]
سوبارو: [إذن أنتِ تفكرين في الوجهة ذاتها أيضًا…]
ومع جذب لويس ليده بقوة وحماس، رفع سوبارو بصره نحو المبنى الشاهق الذي تشير إليه―― «قلعة اللازورد القرمزي».
إنها قلعة «يورنا ميشيغوري»، وأعلى صرح معماري في «مدينة الشياطين» قاطبة؛ كما أنها بالنسبة لسوبارو —الذي ما يزال منكمش الجسد— المكان الذي سيُطرد منه حتمًا عند البوابة ولن يُسمح له بالاقتراب منه.
ففي الأساس، كان الهدف من خوض لعبة الغميضة مع أولبارت هو استجابة سوبارو لطلب يورنا بالانتظار في القلعة؛ ――غير أن ترتيب الأحداث قد انقلب رأسًا على عقب.
سوبارو: [ولكن إن وضعنا خباثة طوية أولبارت في الحسبان، فهناك احتمال كبير أن تكون هذه إحدى حيله وألاعيبه الخبيثة.]
فأولبارت يدرك جيدًا سبب رغبة سوبارو والآخرين في استعادة هيئاتهم السابقة؛
وإجبارهم على التوجه نحو «قلعة اللازورد القرمزي» مرة واحدة على الأقل لفك سحره واستعادة أجسادهم، هو نمط الحيل والمكائد المتوقع تمامًا من «العجوز الخبيث، أولبارت».
والمعضلة الكبرى هي――
سوبارو: [كيف السبيل إلى التسلل لداخل القلعة…؟]
فلم يعد بمقدوره انتحال شخصية «ناتسومي شوارتز» بمظهره المنكمش بعد «تحوله إلى طفل»؛ ولو كان هذا الخيار متاحًا في المقام الأول، لفضل تأجيل لعبة الغميضة مع أولبارت برمتها.
ولم يكن بمقدوره إطلاع يورنا على المأزق الذي يعيشه، لا سيما وأن «تانزا» —مرافقة يورنا— تبدو متواطئة مع أولبارت حتى النخاع؛
وفي هذه الحالة، بدا أن مجرد الاقتراب من محيط القلعة يحمل في طياته خطرًا محدقًا.
لويس: [واو.]
سوبارو: [أجل، أعلم ذلك جيدًا… إن كانت تانزا تخفي أمر تعاونها مع أولبارت-سان عن يورنا-سان، فهذا يعني حتمًا أنها تتصرف بدافع شخصي وبمحض إرادتها.]
ولاحظ سوبارو أن تواجد رفاق تانزا من أنصاف البشر ذوي القرون قليلٌ نسبيًا حول أسوار «قلعة اللازورد القرمزي»
سوبارو: [الخيار الأمثل هو التسلل إلى القلعة في نهاية المطاف… والآن ما علينا سوى أن نأمل بأن أولبارت-سان يختبئ هناك في أعلاها. يا لويس، ألديكِ دقيقة؟]
لويس: [آا؟]
سوبارو: [ذلك الانتقال الآني خاصتكِ… لقد سمح لي بالانتقال معكِ، أليس كذلك؟]
وحدق سوبارو في عيني لويس الزرقاوين وهو يطرح عليها هذا السؤال.
ففي المرة الأولى التي هاجت فيها لويس في الشارع، استخدمت تقنية «الوميض» لتفلت من تحت الخيمة المنهارة، ثم انتقلت آنيًا إلى موقع آخر بينما كان سوبارو يحميها بجسده.
وفي تلك اللحظة، شعر سوبارو وكأن محتويات معدته تُعصر وتتقلب، وهي تجربة لا يرغب في تكرارها مرارًا وتكرارًا بأي حال؛ غير أنه غني عن القول إن تلك القدرة كانت نافعة ومفيدة للغاية.
ومع ذلك، بدا أن هناك حدًا للمسافة التي يمكنهما قطعها بالانتقال.
سوبارو: [بهذه القوة، يمكننا التسلل لداخل القلعة؛ فهل تجيدين استخدامها بدقة؟]
لويس: [أو!]
سوبارو: [أأنتِ واثقة؟ إن كان الأمر مجرد “احتمال” فسنقع في ورطة؛ فإن لم تتقني استخدامها كما ينبغي، فسنتعرض أنا وأنتِ لخطر داهم؛ لذا…]
لويس: [أوو…]
وانتفخت وجنتا لويس حنقًا وتذمرًا أمام إلحاح سوبارو؛ ومع ذلك، شدّت قبضتها على يد سوبارو بقوة أكبر――
لويس: [واو.]
سوبارو: [――~هڪ.]
وفي طرفة عين، تبدلت المشاهد من حولهما كالسحر.
ولأنه كان يثبت بصره على لويس أمامه مباشرة، لم يتغير مظهرها إطلاقًا؛ غير أن المشهد المحيط بها راح يتغير في غمضة عين: من زقاق خافت الضوء إلى شارع يعج بالنور، ثم إلى غرفة داخل مبنى ما، ثم إلى سطح أحد المنازل، وهكذا دواليك؛
وكأنها كانت تستعرض براعتها وتثبت تحكمها التام بالقدرة.
سوبارو: [فـ… فهمت! فهمت، كفى! كفى إلى هذا الحد!]
لويس: [آاوو.]
سوبارو: [لقد هزمتِني! أستسلم، لقد فزتِ!]
وأفرغت لويس الهواء من وجنتيها المنتفختين وعادت ملامحها للارتخاء بنشوة المنتصر؛ وجثا سوبارو على ركبتيه إلى جوارها بعد أن خاض تلك التجربة المرعبة، وشعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.
فبينما كانت تمسك بيده، نفذت لويس خمس قفزات آنية قصيرة على الأقل في لمح البصر؛ وفي كل قفزة، كان العالم من حولهما ينقلب ويتغير؛ يا لها من تجربة غير معقولة!
لقد كان الأمر أشبه بكابوس حقيقي.
سوبارو: [ولكن… هذا يفي بالغرض… أُهـ.]
لويس: [أوو؟]
سوبارو: [أووويـ~ـهـڪ!]
وبينما كان يحاول شد قبضتيه، اندفعت عصارة المعدة فجأة لتحرق حلقه؛ وظل سوبارو جاثيًا في مكانه وهو يفرغ كل ما في جوفه ويتقيأ على الأرض بفيض عارم.
فالانتقال الآني قصير المدى والشعور باعتصار أحشائه الداخلية أمران متلازمان لا ينفصلان.
ولكن――
سوبارو: [هـ… هذا نافع للغاية؛ فبهذا… أويـ~ـهڪ.]
لويس: [أووا.]
وما يزال سوبارو يصارع الحموضة اللاذعة المندفعة في جوفه، وهو يحدق بنظراته نحو «قلعة اللازورد القرمزي».
وإلى جواره، قطبت لويس أنفها اشمئزازًا، وسحبت يدها منه للمرة الأولى، ووقفت بعيدًا تنتظر أن ينتهي سوبارو من التقيؤ.
△▼△▼△▼△
――يشير بالسبابة نحو الاتجاه الذي يتعين عليهما الانتقال إليه، ثم يضغط برفق على يد لويس.
كانت تلك هي الإشارة المتفق عليها التي علمها سوبارو للويس للتسلل إلى «قلعة اللازورد القرمزي».
وبدا الأمر أشبه بتدريب جرو صغير على أداء الحيل، لكنه في الواقع لم يكن بهذه البساطة إطلاقًا.
فلم يكن ينوي معاملة لويس ككلب، أو كجرو أليف —وهو ما كان ليكون ألطف بكثير لو كان كذلك—؛ فعلى الأقل لم يكن ليخشى حينها أن تنقض على أي عابر سبيل في أي لحظة لتلحق به أذىً بالغًا.
فالتعامل معها كان يتطلب حذرًا فائقًا ويقظة تامة.
سوبارو: [توقفي.]
وهمس بصوت خافت وهو يجذب ذراعها، لتتوقف لويس في مكانها فورًا.
ووضع سوبارو سبابته على شفتيه مشيرًا إليها بالسكوت: «ششش»؛ ففعلت لويس الشيء ذاته، واضعةً سبابتها على فمها مقلدة إياه بهمهمة: «أوو»، ثم أطبقت فمها.
وبعد أن استطلع المكان، أبقى سوبارو لويس خلف ظهره واسترق النظر بحذر من زاوية نهاية الممر؛ ――وعلى بعد نحو عشرة أمتار، كان هناك حارس بوابة ذو هيئة مهيبة وبأس شديد.
وكان حارس البوابة يجلس بوقار أمام البوابة عاقدًا ذراعيه؛ وكان من أنصاف البشر من جنس السحالي، بوجه يشبه السحلية؛ وجسده مغطى بالكامل بحراشف زرقاء، مما منحه مظهرًا صلبًا ومهيبًا للغاية.
ولم يبدُ أن الحارس يتعامل مع مهمته في حراسة البوابة بجدية تامة، إذ استطاع سوبارو أن يلمحه من بعيد وهو يفتح فمه على مصراعيه متثائبًا بتكاسل؛ غير أنه كان من شبه المستحيل تجنبه والعبور من البوابة خلسة دون أن يلحظهما.
ولذا――
سوبارو: [لويس.]
ونادى باسم لويس ليجذب انتباهها نحوه؛ ثم صوب سبابته أمام ناظريها مشيرًا نحو السور لتراه بوضوح―― السور الحجري الشاهق الذي يحيط بـ «قلعة اللازورد القرمزي».
ومع تلك الإشارة، شدّ بقوة على يد لويس الصغيرة.
سوبارو ولويس: [――――]
وفي اللحظة التالية مباشرة، وثب جسدا سوبارو ولويس متجاوزين سور القلعة في غمضة عين، ليحطا داخل باحتها الداخلية.
لقد كان تسللًا خاطفًا تجاوز كل مراحل الجدال مع الحراس أو عناء اختراق صفوفهم بالقوة―― وشعر سوبارو بشيء من الشفقة تجاه الحراس، إذ كان حتى ضميره الصبياني الحالي يدرك تمامًا أن ما فعلاه ضربٌ من «الغش الصريح».
فمهما بلغت التحصينات الأمنية من الشدة أو اليقظة، فلا قبل لها إطلاقًا في مواجهة قدرة لويس على الانتقال الآني.
ولربما كانت كاميرات المراقبة قادرة على إحباط تسللهما لو وُجدت، غير أن لا وجود لمثل هذه الأجهزة في هذا العالم الموازي؛ وفي عالم يعتمد أمنه كليًا على الحراسة البشرية، كان هذا الانتقال اللحظي تفوقًا كاسحًا وتجاوزًا لكل قواعد الحماية.
ومع ذلك――
سوبارو: [لا يمكننا أن ندع أحدًا يلمحنا أبدًا، وعلينا توخي أقصى درجات الحذر…]
فقد كان بمقدوره اختلاق أي ذريعة طالما كانا خارج أسوار القلعة، لكن إن قُبض عليهما داخل حرم القلعة ذاتها، فلن تسعفه أي حجة على الإطلاق.
كما أن قفزات لويس الآنية قصيرة المدى كانت محدودة بمرتين متتاليتين فقط؛ فإن تكرر ذلك ثلاث مرات أو أكثر، فسيقوده الغثيان حتمًا إلى التقيؤ العارم، أو ما هو أسوأ: فقدان الوعي التام.
وماذا لو اكتشف أمرهما أحد، وفقد سوبارو وعيه أثناء محاولة الهروب؟
سوبارو: [لن يقوى أحد حينها على كبح جماح هذه الطفلة.]
لويس: [أوو؟]
وأمالت لويس رأسها ببراءة وهي تتطلع إلى سوبارو، فبدا جليًا أنها لا تستوعب المخاوف التي تعتصر صدره.
«لن أدعكِ تقتلين أي شخص آخر بعد الآن»؛ ――كان ذلك هو العهد القاطع الذي قطعه سوبارو على نفسه بعد أن اصطحب لويس ولاذ بالفرار.
فناتسوكي سوبارو الصغير المنكمش لم يكن قادرًا على اتخاذ موقف ناضج وحاسم تجاه لويس؛ لذا، وعلى أقل تقدير، أراد الوصول إلى أفضل خيار ممكن في حدود ما تمليه عليه هيئته الحالية؛
وكان ذلك هو السبيل الوحيد لمنع لويس من إزهاق أرواح الآخرين.
سوبارو: […لا يمكننا التشبث بالجدار الخارجي ومواصلة القفز صعودًا مع أخذ فترات راحة، أليس كذلك؟]
فهدفه هو «الهاوية ذات المنظر الخلاب»؛ وحتى لو كانت تلك القمة هي أعلى برج في القلعة، فإن بلوغها بالاعتماد التام على انتقال لويس الآني وتسلق الجدران الخارجية سيكون مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر؛
فمن المرجح أن تنزلق أقدامهما ويهويا في مرحلة ما، ومهما بلغت مهارتهما في التسلل والتخفي، فإن تسلق جدران القلعة علنًا سيلفت أنظار الحراس حتمًا.
ناهيك عن أن هذا الصرح هو قلعة «يورنا ميشيغوري» بالذات.
سوبارو: [سيكون وقوعنا في قبضة يورنا-سان أسوأ سيناريو على الإطلاق.]
ففي طريقهم إلى هنا، خاضوا مواجهات عديدة ضد مطاردين استمدوا جزءًا من قوة يورنا عبر «تقنية زواج الأرواح»؛
ورغم أن لويس مقاتلة شرسة بطبيعتها، إلا أنها تفتقر إلى المهارة والتكتيك، ولن تصمد أبدًا أمام يورنا، إحدى «الجنرالات التسعة الساميين».
فما عسى أن يحل بلويس إن اضطرت لخوض مواجهة ضدها؟
ولو كُتب عليهم الاصطدام بيورنا في قتال، لما تمكن سوبارو والآخرون من تحقيق الغاية التي قصدوا المدينة لأجلها في الأساس؛ وسيكون ذلك إخفاقًا ذريعًا لا يُغتفر، ولن يقوى حينها حتى على مواجهة ريم والنظر في عينيها.
سوبارو: [لا سبيل أمامنا سوى التسلل عبر أروقة القلعة بسرعة مع توخي الحذر الشديد.]
واستنادًا إلى تجربة دخوله للقلعة في اليوم السابق، كان عدد الحراس الذين يجوبون الممرات قليلًا للغاية.
فحتى مع وجود وفد من الزوار، تُرِكوا بمفردهم في غرفة الانتظار دون حراسة مشددة؛ وفي الأوقات الخالية من الزوار، فمن المرجح أن تكون الحراسة أشد تهاونًا وتملؤها الثغرات؛ وتثاؤب حارس البوابة قبل قليل كان خير برهان على ذلك.
ومع ذلك، تعجب سوبارو في نفسه من إمكانية وجود مثل هذا الإهمال في قلعة حاكمة المدينة!
سوبارو: [――لا جدوى من التذمر والتشكك الآن، أليس كذلك؟ فنحن في الداخل بالفعل على أية حال.]
لويس: [أوو؟]
سوبارو: [أجل، هيا بنا… ولنأمل ألا يتربص بنا أحد خلف هذا الجدار.]
وبما أنها أسوار قلعة في نهاية المطاف، فما كان بوسعه أن يسمع ما يجري خلفها حتى لو ألصق أذنه بالجدار مباشرة؛ ولذا، كان اعتمادهما بالكامل على الحظ في ألا يلمحهما أحد عند اختراق أسوار القلعة للمرة الأولى.
واستنادًا إلى تجاربه حتى اللحظة، لم يكن سوبارو ليزعم أبدًا أنه شخص محظوظ.
ومع ذلك――
سوبارو: […لا أرى أي أثر لأحد.]
فلم يصبهما سوء الحظ بمباغتة أحد لهما فجأة داخل تلك القلعة شبه الخالية.
سوبارو: [――――]
وتلفت سوبارو يمنة ويسرة، محتميًا بلويس خلف ظهره وهو يسترق النظر إلى أحد أروقة «قلعة اللازورد القرمزي»، التي تسللا إليها بسلام بفضل قفزة لويس الآنية قصيرة المدى. ولم يعر الأمر اهتمامًا في اليوم السابق، لكن عند السير على تلك الأرضية الخشبية، كان لزامًا عليه توخي الحذر الشديد من وقع خطواته.
وعلاوة على ذلك، لو صادفا أحدًا في الممر، فلن يجدا موضعًا للاختباء على أي من الجانبين؛
وإن دعت الحاجة، فسيتعين عليهما الانتقال آنيًا إلى غرفة أخرى دون تردد.
سوبارو: [طالما أننا لا نكرر الانتقال لمرات متتالية، فسنكون بخير على ما أظن.]
ولم يكن يدري ما العبء الذي تتحمله لويس جراء ذلك، لكن إن نفذ قفزة آنية واحدة في كل مرة مع فاصل زمني بينها، فسيكون قادرًا على الأرجح على احتمال الأمر دون أن يتقيأ.
وفي بعض الحالات، يجدر بهما التفكير في استخدام الانتقال الآني نحو الأعلى أيضًا، وليس يمينًا ويسارًا فحسب؛ ――كلا، بل لعله من الأفضل محاولة الصعود نحو الأعلى مباشرة وبشكل متواصل.
سوبارو: [ألن يختصر هذا وقت التسكع هنا، مقارنة بالبحث الحذر عن السلالم؟ لكن إن صعدنا بتمهل مفرط، فقد يلمحنا أحد.]
وبطبيعة الحال، طالما أن يورنا تقيم في «قلعة اللازورد القرمزي»، فستكون حاضرة فيها على الدوام؛ وبما أنها تتربع كسيدة للقلعة، فلا بد أن غرفتها الخاصة تقع في أعلى نقطة منها.
والصعود نحو قمة القلعة يعني بالضرورة الاقتراب أكثر من يورنا.
ولم يستوعب سوبارو الأمر بدقة، غير أن في هذا العالم أناسًا بلغوا حد الاحتراف في استشعار وجود الآخرين ورصد حركاتهم؛
وحتى مع استخدام انتقال لويس الآني، ومهما حاول كتم أنفاسه وخفض وقع أقدامه، تظل هناك آثار لا سبيل لمحوها؛ وإلى أي مدى سيشكل ذلك عبئًا عليهما، فذلك هو التحدي القادم.
سوبارو: [على أية حال، سنتحرك بأقصى درجات الحذر؛ فإن كُشف أمرنا――]
صوت مجهول: [――وإن كُشف أمركما، فماذا بعد؟]
وفي تلك اللحظة بالذات، انتفض كتفا سوبارو رعبًا إثر ذلك الصوت البارد الذي سرى في أوصاله قادمًا من خلفه مباشرة!
وسرت الصدمة ذاتها في جسد لويس الممسكة بيده، لتتسع عيناها ذهولًا؛ واستدار سوبارو ولويس استدارة خاطفة في حركة واحدة؛
وهناك، كان يقف――
صوت مجهول: [ما ألطف مشهد طفلين يمسك كل منهما بيد الآخر؛ لا أملك إلا أن أبتسم رغمًا عني.]
الشخص الوحيد الذي ما كان ينبغي لهما الاصطدام به بأي حال، الفاتنة «يورنا ميشيغوري»، كانت تقف أمامهما بشحمها ولحمها.
△▼△▼△▼△
سوبارو: [――آه.]
ما كان ينبغي لأحد أن يكون في هذا الموضع؛
فحتى قبل ثانية واحدة، لم يكن في الرواق أي أثر لأحد سوى سوبارو ولويس؛
غير أن يورنا ظهرت من العدم هكذا، رغم عدم وجودها هناك قبل لحظات قلائل.
فقد كانت تلك المرأة من صنف الكائنات التي تمتلك سطوة وقوة تسخران من حذر البسطاء وتدابيرهم كأمثال سوبارو، وتطيحان بأدق الاستعدادات عرض الحائط؛
――واحدة من «الكائنات المتسامية» في هذا العالم الموازي.
يورنا: [كلا وجهيكما غريبٌ عني.]
ونظرت يورنا إلى وجهي سوبارو ولويس متمتمة بتلك الكلمات، بينما يتصاعد الدخان ببطء من غليون «الكيسيرو» في يدها.
وكانت ترتدي الكيمونو الفاخر ذاته الذي ارتدته في قمة القلعة في اليوم السابق؛ غير أنه بعد أن اعتاد رؤيتها جالسة في أغلب الأوقات، شعر سوبارو بوطأة حضورها الطاغي وهي تقف بكامل قامتها أمامه مباشرة.
وكانت يورنا تفوقه طولًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انكماش جسد سوبارو بعد تحوله لطفل؛ ومع أنها لم تكن بطول ميديوم تمامًا، إلا أن حذاءها ذا النعل العالي جعل مستوى نظرها أعلى على الأرجح من مستوى نظر آبل.
وبينما كان يحدق في عينيها الزرقاوين من ذلك الارتفاع الشاهق، تجمد حلقه وعجز عن النطق.
يورنا: [لا داعي لأن يدخلكما كل هذا الرعب؛ ما الذي أتى بكما إلى قلعتي؟]
سوبارو: [أُهـ…]
كانت نبرة صوتها هادئة وخفيضة، ولعن سوبارو غباءه في قرارة نفسه أمام سؤالها المفاجئ.
فرغم يقينه بأنه توخى أقصى درجات الحذر أثناء التسلل، إلا أنه لم يجهّز ذريعة واحدة يبرر بها موقفه إن كُشف أمره؛ لقد كان قاصر النظر، وتلك حقيقة لا مراء فيها.
وكما كان متوقعًا، تلعثم سوبارو وعجز لسانه عن النطق، فما كان من يورنا إلا أن ضيقت عينيها اللوزيتين؛ والصمت أكثر من ذلك سيجعله موضع شبهة أكيدة، بينما كان قلبه يدق بعنف وكأنه يوشك على الانفجار――
يورنا: [ألستما هنا من أجل تانزا يا ترى؟]
سوبارو: [إيه…؟]
يورنا: [أقصد، السبب الذي دفعكما للمجيء إلى القلعة.]
وأصدر حلق سوبارو المتحجر صوت طقطقة حين أشارت إلى ذلك؛
فلم يكن يتوقع أبدًا أن تنفذ بصيرتها إلى هذا الحد في غضون ثوانٍ قلائل عجز فيها عن الإجابة؛ وفي اللحظة ذاتها، اعتقد سوبارو أن هويته الحقيقية قد انكشفت أمامها تمامًا.
فبنظرة واحدة خاطفة منها، ضاعت رحلتهم الشاقة الطويلة إلى «مدينة الشياطين» وكل ما بذلوه هباءً منثورًا؛ وخُيّل إليه أنه يسمع صدى صوت آبل يتردد في رأسه وهو ينعته ببرود: «أحمق».
وكادت مساعي سوبارو المتهورة تنتهي عند هذه النقطة، متوهمًا أن الأرض قد مادت تحت قدميه، وأنه يهوي رأسًا على عقب في قاع الندم السحيق――
لويس: [واو.]
غير أن شعوره بتلك اليد الصغيرة التي شدت على يده بقوة حال دون انزلاق وعيه نحو الظلام الدامس.
ودون تفكير، التفت سوبارو إلى جانبه ليرى لويس واقفة إلى جواره تتطلع في وجهه؛ وكانت عينا لويس الزرقاوان اللتان ترتعشان برفق تنقلان له استعدادها التام―― وأنها رهن إشارته لتنفذ الانتقال الآني في أي لحظة يشاء؛
وكان بريق العزم في عيني لويس كافيًا ليعيد إلى نفس سوبارو المتزعزعة ثباتها ورشادها.
وحين رفع بصره، وجد يورنا تنتظر إجابته بهدوء تام دون أن تبدي أدنى استعجال له؛ ――لعل الأوان لم يفت بعد، ولعله من التسرع الاستسلام الآن!
فقد سألت يورنا عما إذا كانت تانزا هي علة وجود سوبارو ولويس في القلعة؛
وتلك الفرضية تطابق الواقع… ولكن في نصفه فقط؛ ولكي يكمل النصف الآخر، يتعين عليه خوض مقامرة كبرى.
سوبارو: [أمم… يا يورنا-سان… أقصد، يا يورنا-ساما.]
يورنا: [ما الأمر؟]
سوبارو: [أين تانزا-تشان؟]
وضيقت يورنا عينيها أمام سؤال سوبارو الذي استجمع شتات عزيمته؛
وللحظات وجيزة لم تتجاوز بضع ثوانٍ، عاش سوبارو رعب فأر وقع في قبضة ثعلب ماكر؛ وعلى الأرجح، كان الفارق الحقيقي في موازين القوى بينه وبين غريمته أوسع بكثير من الفارق بين فأر وثعلب.
وأمام خصم كهذا، بدت تلك الثواني القليلة وكأنها دهر كامل؛ وأمام صمت سوبارو ولويس، وضعت يورنا غليون «الكيسيرو» عند شفتيها ونفثت سحابة من الدخان الأرجواني، ثم قالت:
يورنا: [يؤسفني القول إن تانزا قد خرجت في مهمة لقضاء بعض الشؤون؛ لكن وقت عودتها قد حان على الأرجح…]
سوبارو: [――――]
ومع سماع جواب يورنا، شدّ سوبارو قبضته على يد لويس برفق؛ فدفع ذلك لويس للتطلع نحوه، وراحت عيناها تجولان بحثًا عما إذا كان يشير إلى وجهة ما للقفز إليها؛
وشعر سوبارو بالأسف تجاه ردة فعل لويس، فلم تكن تلك قبضته المتفق عليها كإشارة للقفز الآني، بل إنه شدّ على يدها لا إراديًا في اللحظة التي أدرك فيها أنه كسب الرهان؛
لقد كسب الرهان بالفعل، أجل، لقد نجا بحيلته!
فسؤال يورنا السابق كان دلالة قاطعة على أنها لم تدرك حقيقة غايتهما ولا هدفهما من التسلل؛ وبطبيعة الحال، لم تُكشف هويتهما الحقيقية على الإطلاق؛
بل كان مجرد سؤال عابر وبسيط وودود؛
وفي الواقع، وعقب إجابتها تلك لسوبارو، أغمضت يورنا إحدى عينيها متمتمةً: «حقًا…»، ثم تابعت:
يورنا: [أنا بدوري يساورني القلق بشأن تانزا؛ فرغم أن تفانيها في خدمتي أمرٌ محمود، إلا أن إخلاف الوعد المقطوع للأصدقاء ليس خصلة حميدة لتابعة.]
سوبارو: [أ… أصدقاء…]
يورنا: [إنها فتاة مخلصة ووفية للغاية، أليس كذلك؟ ومع ذلك، لطالما كررتُ على مسامعها أنه لا ينبغي لها أن تحصر جلّ اهتمامها بي وحدي طوال الوقت.]
ومع هذا التعليق على تصرفات تانزا، هزت يورنا كتفيها برقة؛
وأمام كلمات يورنا ولفتاتها تلك، رفع سوبارو حاجبه بذهول؛
ففي اليوم السابق، كانت هي ذاتها حاكمة «مدينة الشياطين» الخبيثة والغامضة التي تجلت بكامل هيبتها فوق قمة القلعة.
انقلب ذلك الانطباع بزاوية مئة وثمانين درجة؛ فموقف يورنا الحالي بدا وكأنه شيء مختلف تمامًا؛ موقفٌ مألوف وأيسر فهمًا، يفيض بحنان شخص بالغ يعطف على الصغار ويرعاهم.
وتأكيدًا لهذا الانطباع، أطلقت يورنا زفرة خفيفة تلتها همهمة: «همم»، ثم أردفت:
يورنا: [تشوب تصرفات تانزا بعض الغفلة والتسرع، لكن لا يسعني الانتظار حتى تعود؛ ――فلننتظر عودتها في غرفتي الخاصة.]
ومع كلماتها تلك، أدارت يورنا ظهرها لهما ومضت تخطو بتمهل.
ورغم النعل السميك لحذائها، إلا أن مشيتها الرشيقة لم تُحدث أي صوت يُذكر فوق الأرضية الخشبية، مما جعله لا يصدق عينيه من فرط رقيها وكياساتها التي تسري حتى أخمص قدميها.
وبينما كان سوبارو مأخوذًا بمجرد مشهد مشيتها تلك، توقفت يورنا فجأة والتفتت نحوه:
يورنا: [تعاليا الآن، سأدلكما على الطريق.]
سوبارو: [إيـه…؟! يورنا-ساما بنفسها ستفعل ذلك!؟]
لويس: [أو؟]
وألجم لطف يورنا غير المتوقع لسان سوبارو بالذهول؛ وأمالت لويس رأسها استغرابًا لدهشة سوبارو، بينما راقبت يورنا تصرفهما ووضعت كفها برقة فوق فمها مبتسمة؛ ولم تكن ابتسامة ماكرة أو خبيثة، بل مجرد ابتسامة بالغة اللطف والرقة.
يورنا: [هذه قلعتي؛ ومن واجبي بطبيعة الحال حسن ضيافة الزوار؛ وبما أن تانزا بالخارج الآن، فما من أحد هنا ليؤنسكما.]
سوبارو: [آه، أعني…]
يورنا: [كما أنها المرة الأولى التي يزورنا فيها أصدقاء لتلك الصغيرة؛ هيا، اتبعاني.]
وأومأت يورنا بطرف ذقنها آمرة إياهما باللحاق بها؛ وتابع سوبارو إيماءتها بنظراته، وتردد للحظة فيما ينبغي عليه فعله؛ وتوجس في البداية من أن يكون الأمر فخًا محكمًا، لكنه سرعان ما نبذ هذه الفكرة من رأسه؛
فما من سبب يدفع يورنا لنصب فخ واستدراج سوبارو ولويس إليه؛ فلو شاءت، لأخضعت سوبارو بلمسة من إصبع واحد، ولأطاحت بلويس بإصبعين فحسب.
وفي تلك الحالة، فإن ذلك يعني أنها تطوعت لإرشادهما بدافع خالص من نبل قلبها؛ ورغم أن هذا يناقض تمامًا الانطباع الذي تركه لقاء يورنا في نفس سوبارو بالأمس――
لويس: [واو.]
وبينما كانت الأفكار تتلاطم في رأس سوبارو في دوائر مفرغة، شدت لويس على يده؛ ويبدو جليًا أنه لا مانع لدى لويس من اتباع يورنا؛ وكانت ردة فعل لويس تلك هي الدفعة الأخيرة التي حركت قدمي سوبارو للمضي قدمًا.
فغريزة لويس في استشعار الخطر كانت على الأرجح أدق وأقوى من حدس سوبارو؛ وطالما أن لويس لا تظهر أي توجس تجاه يورنا، فلا داعي للقلق من إلحاقها الأذى بهما في الوقت الحالي.
يورنا: [أيها الصغيران؟]
سوبارو: [قـ… قادمان!]
وردًا على نداء يورنا الذي تكرر، أجاب سوبارو بصوت متعثر وانطلق يخطو في إثرها؛ وضيقت يورنا عينيها بلطف وهي تستأنف مسيرها، متمهلة لتجاري خطوات سوبارو القصيرة؛ ولم يدرِ إن كان عليه اعتبار هذا الموقف ضربة حظ أم لا، لكنه بالتأكيد أفضل بكثير من الخضوع لاستجواب عسير على يديها.
يورنا: [أنتما الصغيران لستما من أهل هذه المدينة، أليس كذلك؟]
سوبارو: [إيه…]
يورنا: [وجهان لم أرهما من قبل؛ كما أنكما لم تتلقيا «رسالة حبي» أيضًا.]
وجهان غير مألوفين، وجهان لم ترهما قط؛ هكذا وصفت ملامحهما؛ أما عبارة «رسالة حبي» التي عقبت بها، فلم تكن لدى سوبارو أدنى فكرة عما تعنيه، لذا أومأ برأسه مجيبًا: «نـ… نعم»، ثم استطرد:
سوبارو: [نحن من خارج المدينة… ونرافق شخصًا بالغًا مخيفًا، في الواقع.]
يورنا: [شخص بالغ مخيف… يبدو أن ذلك يجلب الكثير من المتاعب حقًا؛ ولِمَ أنتما برفقة «البالغ المخيف-سان»؟]
سوبارو: [لـ… لأن…]
وأجاب سوبارو عن سؤال يورنا بحذر، لكن مع التزام قدر كافٍ من الصدق؛ ففي الواقع، كان تحالفه مع ذلك البالغ المخيف―― مع آبل، وليد الصدفة البحتة؛ وربما بات يجدر به الحديث بصيغة الماضي، كأن يقول: “كنا نعمل معًا”؛ إذ يصعب عليه تخيل أن آبل سيغفر لسوبارو بسهولة فراره مع لويس هكذا.
وفوق ذلك كله――
سوبارو: [ولا أدري حتى إن كان ينبغي أن يُغفر لي…]
فلم يكن يرى من الإنصاف لومه لمجرد عجزه عن حسم موقفه في كيفية التعامل مع لويس؛ بالتأكيد، كان يأسف لإخفاء حقيقة لويس عنهم؛ لكن إن كانت هذه هي النتيجة الحتمية لكشف الحقيقة، فقد كان محقًا تمامًا في كتمانها؛ وإن كان ثمة ما يستحق الاعتذار عنه حقًا، فهو عجزه عن مواصلة كتمان السر حتى النهاية، وإفشاؤه في منتصف الطريق.
يورنا: [――يبدو أن مشاعرك معقدة حيال هذا الأمر.]
ثم أبطأت يورنا خطواتها فجأة والتفتت نحوه، وراحت تنقر بإصبعها على جبينها؛ ولم يكن هناك أي خطب في بشرتها التي يلامسها إصبعها الأبيض الناعم، إذ لم تكن تشير إلى جبينها هي، بل إلى جبين سوبارو؛ فقد ارتسمت على جبينه الصغير تجاعيد عميقة، حفرتها أفكار وحيرة لا يجد لها جوابًا.
يورنا: [لا ينبغي لطفل أن يرتسم على وجهه كل هذا الوجوم؛ ――سألقن ذلك البالغ المخيف ضربة تأديبية من أجلك.]
سوبارو: [تأديب بالضرب… إيه؟ يورنا-ساما بنفسها ستفعل ذلك؟]
يورنا: [فوفو، أنا قوية وبأسي شديد على خلاف ما يوحي به مظهري.]
ورفعت يورنا كُمّي ثوبها وجعلتهما يتهادلان برقة؛ وعند سماع كلماتها، لمعت في مخيلة سوبارو صورة آبل وهو يتعرض لضربة تأديبية على مؤخرته كالطفل المشاغب، فهز رأسه يمنة ويسرة في الحال طاردًا الفكرة. [1]
فقد كان هناك تباين صارخ مع انطباع سوبارو المعتاد عن يورنا، إذ شعر بأن عقابها لن يكون لطيفًا أو هينًا كما يبدو من لفظها؛ وشكل ذلك مفاجأة كبرى له على نحو خاص.
سوبارو: [يسعدني قلقكِ عليّ، لكنني بخير حقًا! أعني، هو شخص يمكن التفاهم معه بالمنطق إن تحدثتِ إليه على الأرجح…]
يورنا: [أحقًا ما تقول؟ لو كان شخصًا يُجدي معه المنطق بالكلمات المجردة لكان ذلك أروع ما يكون؛ غير أن في هذا العالم أناسًا كُثرًا يعجزون عن إدراك المنطق في الحوار، كما تعلم.]
سوبارو: [――يا يورنا-ساما.]
يورنا: [نعم؟]
وتردد سوبارو للحظة فيما إن كان عليه قول شيء أم لا، فقطع كلامه؛ ولأجل ذلك، توقفت يورنا في مسيرها.
وتصارعت في رأسه خواطر شتى: حرجٌ من إيقافها مرارًا وتكرارًا، وقلقٌ من أن تستشيط يورنا غضبًا لو باح بما يجول في خاطره، وتأنيب لنفسه على طيشه في إطلاق الكلام دون تروٍ رغم علمه بعواقب ذلك.
فلكونه أصغر حجمًا الآن، شعر أن قدرته على التفكير السديد والحكم الصائب على الأمور تتراجع بالفعل.
غير أن المعضلة الأكبر بدت في نفاد صبره وانعدام ضبط النفس لديه، سواء في اصطحاب لويس معه أو في التسلل المتهور إلى «قلعة اللازورد القرمزي» دون أدنى استعداد.
ورغم تردده في البوح في تلك اللحظة الاندفاعية――
سوبارو: [في الحقيقة، يا يورنا-ساما، أنتِ تصغين إلى ما نقوله حقًا؛ كل ما في الأمر أنني كنت موقنًا بأن أصحاب المكانة الرفيعة مخيفون على الدوام…]
يورنا: [هممم.]
وإدراكًا منه بأنه نطق بكلام بالغ الفظاظة، عجز سوبارو عن النظر في عيني يورنا أثناء حديثه؛ غير أن يورنا أطلقت ضحكة رقيقة وخافتة للغاية حين سمعت ما قاله:
يورنا: [يبدو من مظهركما أنكما لستما من أنصاف البشر أيضًا.]
سوبارو: [أممم، أجل، هذا صحيح.]
يورنا: [وكيف تبدو هذه المدينة في نظركما؟]
سوبارو: [هذا المكان…]
وأمام ذلك السؤال المباغت، صوب سوبارو نظره نحو إحدى نوافذ الرواق؛ وكانت النافذة الشاهقة في أعلى الجدار بالغة الصغر بحيث تعذر على سوبارو استراق النظر إلى الخارج عبرها بالنظر إلى قصر قامته الحالي.
غير أنه استطاع إدراك وجود سماء زرقاء خافتة على مقربة منه.
سوبارو: [إنها مذهلة، مدينة تعج بالحركة والحياة؛ وثمة أنواع وأعراق لا حصر لها من الناس.]
ومختارًا كلماته بعناية فائقة، عبر سوبارو عن انطباعاته بأقصى درجات الصدق الممكنة.
فانطباع المدينة الصاخبة والمزدحمة كان يلازمه منذ اللحظة الأولى؛ إذ رسخ هذا الانطباع مظهر المدينة كخليط عجيب تتراكم فيه الأبنية والمسارات، فضلًا عن تباين سكانها المقيمين فيها.
ففي مرآه ومسمعه، تركت كايوسفليم انطباعًا طاغيًا بمدينة تضج بالصخب والنشاط.
يورنا: [أنت طفل صادق للغاية، ويسرني سماع ذلك منك.]
وانفرجت شفتا يورنا عن ابتسامة رقيقة إثر سماعها خواطر سوبارو؛
ثم صوبت بصرها نحو النافذة ذاتها التي يتأملها سوبارو―― ولعلها كانت ترنو إلى المشهد الخارجي برؤية ومشاعر مختلفة تمامًا.
يورنا: [هذه المدينة تفيض بمن استعصت عليهم الحياة في بقية الأصقاع؛ أولئك الذين هُمشوا وفقدوا قيمتهم خارج أسوارها، صغار لا يملكون ملاذًا آخر يأوون إليه… أطفال يمر بهم العالم دون أن يلتفت إليهم أحد، حتى لو بحّت أصواتهم بالصراخ.]
سوبارو: [حتى… لو بحّت أصواتهم بالصراخ…]
يورنا: [إن لم نُصغِ نحن إلى الصغار الذين تقطعت بهم السبل حتى بلغوا ملاذهم الأخير هذا، فمن عساه يفعل ذلك سواهم؟]
وبينما نطقت بتلك الكلمات وغليون «الكيسيرو» مستقر بين شفتيها، لمع في عيني يورنا بريق نبيل يفيض بالوقار والأناقة.
شعر سوبارو بوخزة تعتصر فؤاده كطعنة نافذة، وتملكه خجل شديد من نفسه؛ ――فالآن، وبعد أن أنصت لكلمات يورنا، وجد أن نظرته إليها قد تبدلت تبدلًا جذريًا.
تانزا: [إنها امرأة محبة؛ تحب حلفاءها وتمقت أعداءها؛ ――وهي عاشقة لكل من يسكن «مدينة الشياطين».]
كان ذلك ما قالته الفتاة الصغيرة من جنس الغزلان، تانزا، حين سألها عن يورنا في اليوم السابق.
ولم تكن لدى سوبارو أدنى فكرة عما تعنيه كلماتها آنذاك؛ ولما أخبرهم آبل عن «تقنية زواج الأرواح»، راوده التساؤل عما إذا كانت الفتاة تقصد طبيعة تلك القدرة فحسب.
غير أن تانزا ربما لم تكن ترمي إلى الجانب السحري من الأمر، بل كان قصدها مطابقًا تمامًا لما نطق به لسانها؛
――لقد كان ذلك هو الجواب الصادق عما تعتز به يورنا ميشيغوري وتوليه خالص محبتها من أعماق قلبها.
سوبارو: [أنا آسف حقًا يا يورنا-سان…]
وما إن لمع هذا الخاطر في رأس سوبارو حتى عجز عن تمالك نفسه، وبادر بالاعتذار إليها مجددًا.
ولما سمعت يورنا اعتذار سوبارو المفاجئ، ابتسمت وهي تنفث سحابة من الدخان الأرجواني برقة:
يورنا: [لا داعي للاعتذار على الإطلاق؛ فالسبب وراء ظهور أصحاب المكانة الرفيعة بمظهر مخيف دائمًا هو أنهم إن لم يفعلوا ذلك، فستتملكهم المخاوف هم أنفسهم؛ كما أن ثمة منطقًا يرى أن ذوي الشأن الرفيع يرغبون في أن يهابهم الآخرون.]
سوبارو: [ذوو الشأن الرفيع… يرغبون في أن يهابهم الناس…]
ما مغزى ذلك؟ شعر بأنه تلقى للتو حكمة بليغة يجدر به أن يحفظها جيدًا في صدره؛
وبدا أنها طريقة تفكير تألفها يورنا عن قرب وتمارسها في حياتها.
يورنا: [لا تقلق، فلست بالتي تقدم على تصرف مخزٍ كأن تستشيط غضبًا من طفل بسبب أمر كهذا؛ ومن حسن الطالع، أنني في مزاج رائق اليوم.]
لويس: [أو؟]
يورنا: [أجل، هذا صحيح؛ ――فثمة بشائر تدل على أنني أوشك على نيل ما تمنيته منذ زمن بعيد.]
وأرخت يورنا طرف عينيها، وهزت كُمّيها ليتهادلا برقة من جديد.
ولم يكن في ردها أي أثر للحنق؛ فكما ذكرت بنفسها، يعود ذلك إلى ترفعها عن محاسبة الأطفال بخشونة البالغين، والأهم من ذلك أنها كانت في مزاج بالغة الابتهاج به.
ولعل الدافع الحقيقي وراء صفاء مزاجها ذاك هو فحوى الرسالة التي بعث بها آبل إليها――
سوبارو: [――――]
واضعًا ذلك في حسبانه، تريث سوبارو هذه المرة وأعمل عقله بتأنٍ؛
فموقف يورنا الإيجابي من الرسالة، ومسألة وفائها بوعدها من عدمه، يعتمدان كليًا على ما إذا كان بمقدور آبل وسوبارو والآخرين الوصول بسلام إلى «قلعة اللازورد القرمزي».
غير أن تانزا —مرافقة يورنا المخلصة— هي التي كانت تقف حجر عثرة في طريقهم وتعطل مساعيهم.
ومن حديثهما قبل لحظات، اتضح له جليًا مدى معزة تانزا في قلب يورنا ورعايتها الفائقة لها.
فإن تصادمت رغبات يورنا الخاصة مع رغبة تانزا، فأي الكفتين سترجح؟ ――تلك المرأة التي وقفت في الماضي في وجه الإمبراطور وتحدته لحماية شخص آخر!
فما عسى أن تفعله يورنا حين تنكشف أمامها حقيقة ما يدور خلف الكواليس؟
يورنا: [――ها أنت تعقد حاجبيك مجددًا، أليس كذلك؟]
وبنقرة لطيفة، وضعت يورنا سبابتها بين حاجبيها لافتة نظره إلى حيرته وشروده؛ ومحاكيةً لحركة يورنا بدقة، نقرت لويس على جبهتها هي الأخرى.
ونظر سوبارو إلى مشهد يورنا ولويس أمامه، وأطلق تنهيدة خافتة؛
ولعله استنتاج متسرع بدوره؛
ولكن بما أنه لا يملك في عقله الصغير الحكمة الكافية ليتبين صواب هذا التصرف من خطئه――
سوبارو: [المعذرة يا يورنا-سان، ثمة أمر أود أن أسألكِ عنه…]
△▼△▼△▼△
――فوق قرميد برج «قلعة اللازورد القرمزي»، حيث يتعانق بريق الحمرة والزرقة في تناغم مهيب، جلس مستريحًا ومستندًا بظهره.
وهكذا، وبينما كان يستمتع بنسمات الهواء العليل التي ينفرد بها هذا الارتفاع الشاهق، رفع القرعة التي يحتفظ بها في جيب صدره نحو فمه؛ وبينما كان يبلل ريقه بالشراب، أسند ذقنه على كفه وهو يتابع المشهد المتسع والممتد تحت ناظريه.
صوت مجهول: [كاكاكاكاكا، يا له من منظر بديع.]
وهو يرمق بنظراته شوارع المدينة العشوائية التي تتداخل فيها الطرز المتنافرة، تردد صدى الكلمات من حنجرة جسد طعن في السن ونال منه المشيب.
وبعثرت الرياح قهقهته الأجشّة، فتبددت في الهواء الفسيح دون أن تصل إلى مسمع أحد؛ ابتلعها صخب «مدينة الشياطين»، متلاشية شيئًا فشيئًا كلما استبد الطرب بذلك العجوز الخبيث.
فقد كان مغرمًا بكل ما يمت إلى الفوضى بصلة.
مشهد المدينة الفوضوي، وبوتقة انصهار شتى أعراق أنصاف البشر، وتلك الطرز والزخارف المتناثرة يمنة ويسرة.
فحتى لو كان أقصى ما يترتب على أمرٍ ما هو دفع أمر آخر إلى قاع الفوضى، فإن ذلك وحده كافٍ ليجعله يميل إلى مساندته وتأييده.
صوت مجهول: [إنها لخصلة قبيحة لدى العجائز؛ أن يلتهموا بنهم كل ما تطاله أيديهم؛ على أية حال――]
وبعد أن تجرع رشفة كبيرة من قرعته، مسح العجوز قطرات الشراب المتسربة من زاوية فمه بكم ثوبه وهز كتفيه؛ وهكذا، وهو لا يزال متربعًا في جلسته، أدار جذعه والتفت إلى الوراء رافعًا أحد حاجبيه.
لقد كان مشهدًا يجعل لعاب عجوز مفتون بالفوضى يسيل طربًا――
صوت مجهول: [حتى وإن بلغوا موطئي هذا، فهم معشر يستعصي التنبؤ بأفعالهم على الإطلاق، بحق.]
وأمام ذلك العجوز الخبيث الذي نطق بتلك الكلمات، كانت هناك ثلاث شخصيات تخطو بثبات فوق قرميد سطح برج القلعة.
صوت مجهول: [وجـدنـاكـ~ يا أولبارت-سان!]
وكان الذي يشير بسبابته نحو أولبارت فتى صغير يمسك بيد طفلة شقراء الشعر.
بينما وقفت وراءهما كحارسة تحميهما… إمبراطورة «مدينة الشياطين» وحاكمتها المطاعة، يورنا ميشيغوري.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] الكلمة المستخدمة هنا في الأصل الياباني، «仕置»، تُستخدم تحديدًا في سياق «تأديب ومعاقبة الأطفال». لذا أخذت بعض… احم… الحرية في صياغتها وترجمتها.