الفصل 410 - إصطفاف النجوم
الفصل التاسع والأربعون
«إصطفاف النجوم»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
آل: [تبًا! لا أثر لهما في أي مكان…!]
وهو ينظر نحو السماء من الشارع، بينما كانت عيناه تجولان بين السقالات الخشبية الكثيرة، صرخ الفتى المقنع―― كلا، بل صرخ آل، وهو يدوس على الأرض بقدمه غيظًا.
فالموقف غير القابل للتصديق الذي وقع للتو أشعل إحباطه وجعل صدره يغلي من الغضب.
أمرٌ غير معقول على الإطلاق؛ هذا كل ما استطاع وصف هذا التحول المفاجئ في الأحداث به.
ميديوم: [يا سوبارو-تشين… يا لويس-تشان…]
وعلى النقيض من آل الذي أفصح عن غضبه صراحةً، تمتمت ميديوم بتلك الكلمات ورأسها منكس إلى الأسفل.
وانكمشت الفتاة الصغيرة التي ترتدي زي الراقصة على نفسها، والقلق يعتصرها على الاثنين اللذين فرا من المكان.
غير أن المشاعر التي انطوت عليها همهمتها كانت معقدة ومضطربة للغاية؛
فمن الصعب القول إنها كانت نابعة من مجرد القلق وحده، بل كانت ترتبط بلا ريب بتلك الكلمات التي نطق بها سوبارو قبل أن يختفي.
ميديوم: [لويس-تشان…]
آبل: [――قال إنها «مطران خطيئة».]
ميديوم: [――~هڪ.]
واتسعت عينا ميديوم حين سمعت إكمال آبل للكلمات التي أفلتت من بين شفتيها دون قصد.
ومتجاهلًا ميديوم، صوب آبل بصره نحو السماء تمامًا كما فعل آل؛ فقد أعاد ارتداء قناعه ليحجب وجهه مجددًا، فبات من المستحيل على أحد معرفة ما يجول في خاطره.
غير أنه كان واضحًا من نقر أصابعه على ذراعيه المعقودتين أن هذا التطور لم يكن مرحبًا به لديه على الإطلاق.
ميديوم: [يا آبل-تشين، هذان الاثنان…]
آبل: [――أولويتنا هي السيطرة على هذا الوضع؛ وخطة تحركنا تظل كما هي دون تغيير؛ وللأسف، فقد تناقصت السبل المتاحة أمامنا مجددًا وسيلةً أخرى.]
ورد آبل بنبرة جليدية على سؤال ميديوم المتردد.
ولم يذكر سوبارو ولويس بالاسم صراحة، غير أنه كان جليًا أن آبل لا ينوي البحث عنهما أو اللحاق بهما في الحال.
ولما سمعت ميديوم ذلك، خالج قلبها شعورٌ يجمع بين القلق والارتياح في آن واحد؛
قلقٌ على مصير هذين الاثنين، وارتياحٌ لعدم اضطرارها لمواجهتهما الآن؛
كما تملكها الفزع لسماعها حقيقة لا يجوز حتى التلفظ بها على سبيل المزاح، في موقف لا يمكن تمريره كمزحة بأي حال.
آل: [أتريد تركه بمفرده؟! يا صاح، وخاصة الآن وهو بعقل طفل صغير!]
آبل: [وما الذي سنفعله إذن؟ الوضع الذي نحن فيه لن يتغير بشيء؛ وأحذرك: إن لم تعد أنت وميديوم ذوي فائدة، فسأضطر لترككما خلفي أيضًا.]
آل: [غـه…]
آبل: [ولا تتوهم أنك تملك وحدك حق اختيار من نتحالف معه ومن ننبذه، أيها المهرج.]
وعجز آل عن الرد؛ فقد أراد اللحاق بسوبارو ولويس التائهين، لكن آبل رفض طلبه ببرود؛ ومع ذلك، كان تركيز آل منصبًا على سوبارو وحده، بينما كان وجود لويس أمرًا ثانويًا بالنسبة له.
فموقف آل تجاه لويس —التي اتضحت حقيقتها كقنبلة موقوتة— كان حاسمًا لا لبس فيه.
آل: [لا يمكنني ترك صاحبي وتلك الشقية بمفردهما…]
وتمتم لنفسه واضعًا يده على فمه، والعداء الواضح تجاه لويس بادٍ في نبرته.
ورغبت ميديوم في الاعتراض على موقف آل، لكنها عجزت في قرارة نفسها عن حسم موقفها من لويس، فخيم عليها صمتٌ حذر وتفكير متردد لا يشبه طبيعتها المعتادة.
آبل: [――――]
وألقى آبل نظرة جانبية نحو الاثنين، ثم رفع بصره إلى الأعلى مجددًا.
ولم يعد لجسديهما أي أثر، فقد قفز سوبارو ولويس إلى مكان مجهول داخل «مدينة الشياطين»، دون أن يتركا أي أثر يدل عليهما في هذه الفوضى العارمة من السقالات التي استقر عليها بصره.
آبل: [أحمق.]
كلمة وحيدة خرجت من بين شفتيه، متمتمًا بها دون أن يوجهها لأحد بعينه.
△▼△▼△▼△
――وهكذا، وفي خضم هذا الموقف غير المسبوق، مضى سوبارو في طريقه بمفرده، مبتعدًا عن رفاقه.
لقد كان تصرفًا وليد اللحظة واندفاعًا مفاجئًا، ولم يكن بوسعه الادعاء بأنه قرار نابع من تفكير سديد في المستقبل.
ومع ذلك، كان من المؤكد أنه سيندم لو اتخذ قرارًا متسرعًا في ذلك الموقف؛ وكل ما يمكنه الجزم به هو أنه تصرف على هذا النحو تحديدًا ليتجنب الندم.
والآن، كان سوبارو يعيش حالة من «الندم» بالفعل على القرار الذي اتخذه!
والسبب في ذلك――
لويس: [أو، أواو!]
سوبارو: [توقفي يا لويس! كفى إلى هذا الحد!]
طوّق سوبارو جسد لويس الصغير بذراعيه من الخلف مقيدًا إياها، وجذب جسدها المتلوّي بعيدًا؛ وكان من سحبها عنه رجلًا فاقد الوعي من مطارديهم، بعد أن اعتلت لويس صدره وراحت تنهال عليه بالضرب.
فبعد افتراقهما عن آبل والآخرين، تمكنا من القفز بين السقالات الخشبية في أرجاء المدينة، وبينما كانا يبحثان عن أولبارت لفك تأثير «التحول إلى أطفال» عن سوبارو، لحق بهم الأعداء مجددًا.
وعلى ما يبدو، كان المطاردون على دراية تامة بمظهر سوبارو بعد «تحوله إلى طفل»، وبوجود هدف آخر لم يدخل برج القلعة قط، وهي لويس؛ وبدا أن حدس آبل كان صائبًا في الصميم.
بمعنى آخر، كان أولبارت وتانزا متواطئين معًا، والمؤكد أن المعلومات التي بحوزتهما قد نُقلت إلى مطارديهم―― أولئك المنتمين إلى «الأجناس ذات القرون».
ونتيجة لذلك، تعرض سوبارو —الذي بات يتنقل بمفرده برفقة لويس— للملاحقة وكاد يُقبض عليه――
لويس: [أوو!]
غير أن مهارات لويس القتالية التي استعرضتها في الشارع انفجرت من جديد، فحيّدت مطارديهم في لمح البصر.
وكان ذلك بحد ذاته نجاة كبيرة؛ فحتى قبل أن تنكمش أطرافه، كانت قدرة سوبارو القتالية مثيرة للشفقة؛ ولم يكن ليقف ندًا حتى أمام سكان المدينة الذين يجهلون أصول القتال، لأن يورنا منحتهم جزءًا من قوتها عبر «تقنية زواج الأرواح».
غير أن المعضلة كانت في أن لويس لم تكف عن الهجوم حتى بعد أن طرحت مطارديهم أرضًا.
لويس: [آاوو…]
سوبارو: [إياكِ وقول «آاوو»! إن واصلتِ ضربهم هكذا فسيموتون! هؤلاء الناس خائفون فحسب، هذا كل ما في الأمر؛ وموتهم سيكون أمرًا فظيعًا!]
لويس: [أوو.]
وبعد أن كانت ساقاها ترفسان في الهواء، هدأت لويس حين سمعت تحذير سوبارو الصارم.
ولم يدرِ إن كانت قد استوعبت ما قاله للتو، لكن على أية حال، بدا أنها أدركت أن سوبارو غاضب منها؛ وعند رؤية هدوئها، انصرف سوبارو لتفقد الخصم الساقط على الأرض.
ولما لم يكن بحوزته أي أدوات للإسعافات الأولية، لم يملك سوى أن يرفع رأس الرجل قليلًا ويمسح الدماء عن جرحه النازف.
سوبارو: […هؤلاء الناس أيضًا.]
لويس: [واو؟]
سوبارو: [إنهم يائسون؛ لا يريدون لملاذهم في هذا العالم أن يتدمر.]
فالشابان —أحدهما من جنس الخراف والآخر من جنس الغزلان— اللذان أوسعتهما لويس ضربًا، كانا في أواخر سن المراهقة أو أوائل العشرينات، ولا يختلفان كثيرًا في العمر عن سوبارو في هيئته الأصلية؛ وكان من حاصروا النزل، وذلك الفتى الخروف الذي قذف سوبارو في الشارع، من أعمار متباينة، ولا شيء يوحي بوجود رابطة صداقة شخصية تجمع بينهم.
لكن ثمة رابطًا وثيقًا جمعهم بلا شك: ألا وهو تلك القرون النابتة في رؤوسهم.
وقد يختلف الأمر من شخص لآخر، فمنهم من يملك قرنًا واحدًا ومنهم من يملك اثنين، لكن القرن يظل قرنًا.
والأثر الذي تركه ذلك على مجرى حياتهم لم يكن شيئًا يستهين به سوبارو، وهو العليم بمعاناة إميليا وما عاشته.
سوبارو: [أظن أنه من حسن الحظ أن ريم ليست هنا.]
فبصفتها من عشيرة «الأوني»، تمتلك ريم ذلك القرن المميز الذي يبرز من جبهتها.
وعلى خلاف أشباه البشر أولئك، لا يظل قرنها بارزًا طوال الوقت، لكن بصفتها تنتمي إلى عرق يملك قرونًا، فربما لم تكن معاناتها في الحياة بعيدة تمامًا عما مر به هؤلاء.
مع أنه لم يسمع شكوى من هذا القبيل من رام أو ريم قط.
سوبارو: [لا أظن أن رام تكترث مثقال ذرة بما قد يقوله أي شخص عنها.]
فرام من النوع الذي يمضي في طريقه دون مبالاة، ومهما قال العالم الخارجي عن قرنها، فالمؤكد أنها كانت ستنسف ترهاتهم بضحكة استخفاف ساخرة: «هاه!».
فبقوة شخصيتها التي لا يقيدها عرق أو لقب، كان ذلك متوقعًا منها تمامًا.
――وربما، كانت فتاة مثلها ستحافظ على هدوئها وثباتها لو علمت بحقيقة لويس.
سوبارو: […أنا أحمق حقًا.]
لويس: [واو.]
وضرب سوبارو جبهته بقبضته، طاردًا تلك الخواطر الأنانية والمخزية من رأسه.
ولما رأت لويس حركته تلك وهي جاثية إلى جواره، أمالت رأسها ببراءة.
فرام ليست هنا؛ وإميليا، وبياتريس أيضًا، جميعهن لسن هنا.
وحتى ريم —الأقرب إلى قلبه— لا تزال في «غوارال»، بعيدة كل البعد عن هذا المكان―― ولم يكن هذا وقت البحث عن العزاء بالتفكير فيمن هم غائبون.
سوبارو: [على أية حال، بقاؤنا في مكان مكشوف كهذا نلفت فيه الأنظار أمر سيئ للغاية؛ علينا أن نجد مخبأً بسرعة.]
بصراحة، وبالنظر إلى الخطة الأصلية، فإن الهرب والتخفي كانا مضيعة صريحة للوقت؛ ففي المعتاد، كان يتعين عليه هو مطاردة الشخص الهارب والمختبئ، ومع ذلك بات سوبارو الآن هو الطريدة والملاحَق.
سوبارو: [ربما لن يبحث آبل عنا… على الأرجح؛ فلا بد أنه غاضب الآن، وربما يرى أن العثور على أولبارت-سان أكثر أهمية، على ما أظن.]
لويس: [أو.]
سوبارو: [هل ينبغي أن نلتقي بـ تاريتا-سان؟ إنها تُطارد من قِبل الكثير من الناس في مدينة لا تعرفها… كلا، هذه فكرة سيئة.]
ووضع سوبارو يده على رأسه، مؤجلًا فكرة اللحاق بـ تاريتا التي لا تدري شيئًا عما جرى.
فلم يشعر أنه قادر على أن يشرح لها بوضوح سبب انفصاله عن آبل والآخرين؛ وسيضطر إلى الكذب، لكن الكذب لن يحل أي معضلة.
فحتى ميديوم كان موقفها ميؤوسًا منه بعد خوفها؛ وبمجرد أن تكتشف تاريتا أن لويس هي «مطران خطيئة»، فسترى فيها خطرًا داهمًا وتبتعد عنها تمامًا كما فعل الآخرون.
سوبارو: [أنا قلق على تاريتا-سان، لكن أظن أن آبل والآخرين ربما يبحثون عنها في تلك الأنحاء.]
ففي الوقت الحالي، لم يكن يرغب في العودة إلى آبل والآخرين الذين فارقهم للتو؛ فما دام لا يملك إجابة واضحة عن كيفية التعامل مع لويس، فسيتكرر الجدال الصاخب نفسه معهم؛ وفوق ذلك، لم يكن يريد أن ينبذه الجميع ويكرهوه بسبب شجار آخر كهذا؛ فنفسه القديمة —تلك التي عجزت عن إقناع من حولها في الماضي— لم تكن تريد أن تصبح منبوذة ومكروهة أيضًا.
سوبارو: [هيا بنا يا لويس؛ علينا العثور على أولبارت-سان عند تلك «الهاوية ذات المنظر الخلاب».]
لويس: [واو.]
وبينما قال ذلك، أمسك سوبارو بيد لويس وشد عليها ليحثها على السير معه.
ولم تكن لديه أي فكرة عن الوجهة التي ينبغي التوجه إليها في الأساس، لكن بعدما كشفت لويس عن قدرتها المرعبة―― «سلطة الشراهة»، تضاعف قلقه واضطرابه بدرجة أكبر؛ ولذا――
سوبارو: [إن كنتِ لا ترغبين في الموت، فابقي بالقرب مني؛ فأنا بدوري لا أريدكِ أن تموتي… الآن على الأقل.]
لويس: [آا، أوو.]
وسواء أكانت تفهم كلماته أم لا، أومأت لويس برأسها موافقةً؛ وأطلق سوبارو تنهيدة عميقة وهو يتأمل وجه الفتاة المبتسم؛ طفلان صغيران يتجولان في مدينة غريبة، ويحاولان على غير هدى حل لغز غامض――
سوبارو: [هذا يجعلني أشعر حقًا وكأنني طفل تائه ومفقود.]
ولم يكن بوسعه سوى إطلاق تلك الهمهمة الضعيفة.
△▼△▼△▼△
――وبعد ذلك، تعقدت مطاردة سوبارو ولويس ومحاولات فرارهما كثيرًا.
ولعل السبب يرجع إلى جهل سوبارو بتخطيط المدينة وأزقتها، وصعوبة التفاهم مع رفيقته الصغيرة، وبكل صدق… بسبب سوء حظ سوبارو المعهود.
وعلى أية حال، وجد نفسه ملاحَقًا ومطارَدًا في أنحاء «مدينة الشياطين»؛ ومع عجزه عن اهتداء موقع تلك «الهاوية ذات المنظر الخلاب»، كان الوقت ينفد منه مع كل ثانية تمر.
سوبارو: [لويس! كفي عن القتال! اهربي، اهربي، اركضي، اركضي!]
لويس: [أو! أُهـ!]
وما إن اندفعت لويس للهجوم حتى أوقفها سوبارو بصدم جسده بها بكل وزنه حرفيًا؛ ثم قفز ليركب على ظهرها الصغير مجبرًا إياها على حمله، فأمسكت لويس بسوبارو لتثبته كي لا يسقط، ثم وثبت وثبة شاهقة في الهواء لتفلت من المطاردين.
أحد المطاردين: [لا تدعوهما يفلتان!]
وكان الصائحون بذلك أثناء مطاردتهما هم أنصاف البشر من ذوي القرون الذين يجوبون «مدينة الشياطين»؛ ويبدو جليًا أن المطاردين لم يكونوا سوى أولئك الذين يحملون قرونًا في رؤوسهم؛ أما بالنسبة لسائر سكان «كايوسفليم»، فقد رأى سوبارو الكثير من أنصاف البشر الذين لا يملكون قرونًا، ولم يبدُ أنهم تلقوا أي أوامر بالقبض على سوبارو ولويس.
سوبارو: [يبدو أن تلك الفتاة تانزا تتصرف من تلقاء نفسها وبدافع شخصي…]
فتانزا فتاة صغيرة من جنس الغزلان، ورغم أنها تشغل مكانة تشبه أمينة سر يورنا، إلا أن سوبارو خمّن وجود حدٍّ لمدى قدرتها على تحريك وتوجيه من هم تحت إمرتها؛ وبطبيعة الحال، لما كان أمامهما أي مهرب لو تحول جميع سكان «كايوسفليم» إلى «مطاردين» في لعبة الغميضة هذه؛ وبدا أن تلك الفتاة كانت تخوض هذه الملاحقة على الحافة القصوى لما يمكنها استغلاله من نفوذها وسلطتها؛ ومع ذلك، فقد حوصرا بشدة بسبب تلك الحافة؛ ومن وجهة نظر سوبارو، كان بإمكانها على الأقل أن تخفف من وطأة ملاحقتها قليلًا!
سوبارو: [أُهـ… إنهم يلاحقوننا مجددًا! لويس، إياكِ والهجوم! علينا أن نلوذ بالفرار من هنا فورًا!]
لويس: [أوو؟]
سوبارو: [ولِمَ لا؟! السبب هو… كل شيء! على أية حال، الاستمرار هكذا لن يجدي نفعًا!]
وبينما كان سوبارو يعتلي ظهرها وهي تقفز فوق إطارات نوافذ المباني والسقالات البارزة، لم تبدُ لويس راضية عن خطة الهروب الأحادية هذه التي قررها سوبارو بمفرده، وهي تثب وتقفز بخفة في أرجاء المدينة.
وبدت ملامحها وكأنها تريد القول إنهما سينتصران حتمًا لو أنها قاتلت؛ فاعترض سوبارو على ذلك بقرص وجنتها وتوبيخها.
وبالفعل، لو خاضت لويس القتال، لربما استطاعت سحق مطارديهم بسهولة.
غير أنه لو قاتلت لويس، فقد يُقتل ملاحقوهم؛ وحتى بافتراض أنها ستكتفي بإفقادهم الوعي، فما من ضمانة بأن لويس ستتوقف عند هذا الحد؛
ففي الواقع، وقبل لحظات قلائل، لولا أن سوبارو أوقفها بحزم، لألقت لويس بمطارديهم من فوق السقالات العالية ليسقطوا صرعى على الأرض بالأسفل.
ولم يبدُ أن لويس قد فقدت براءتها الشبيهة بالأطفال؛ لكن على الرغم من تلك البراءة، فإن قوة «الشراهة» قد عادت إليها؛ وكان هذا تحديدًا ما يخشاه سوبارو، إذ بدا الأمر مماثلًا تمامًا لطغيان وهيجان «لويس أرنيب» الأصلية.
وإن عادت هذه الـ «لويس» يومًا لتصبح مجددًا «لويس أرنيب» القديمة――
سوبارو: [――فهذا سيعني أن موقف آبل والآخرين هو الصواب.]
وفي تلك الحالة، لما كانت هناك أدنى حاجة للفرار من الشارع، ولا حاجة لإفساد علاقته بآبل والبقية؛
غير أن وجود هذه الفتاة المدعوة لويس كان أمرًا يثقل كاهل سوبارو بالقلق لسبب غريب؛ ولهذا السبب، لم يكن هذا مقبولًا أبدًا:
سوبارو: [لن أدعكِ تقتلين أي شخص آخر بعد الآن.]
فطالما أن عيني ناتسوكي سوبارو تنبضان بالحياة، فلن يسمح بحدوث ذلك أبدًا. [1]
لويس: [――أو.]
وحدقت لويس إلى الأمام بهدوء بينما شد سوبارو تشبثه بظهرها؛
وبدا أنها تخلت مؤقتًا عن تذمرها السابق، مفضلة الامتثال لما اقترحه سوبارو؛ وفي الوقت الحالي، راحت لويس تحاول تضليل أنصاف البشر الذين يطاردونهم؛ فوثبت وقفزت بخفة وهي تواصل الفرار بينما تطاير شعرها الذهبي في الهواء.
غير أن――
سوبارو: [يا لعنادهم…!]
ولعله كان أمرًا متوقعًا، فطالما أن حيلتهم الوحيدة للإفلات هي مجرد الركض، فقد بات من العسير التخلص من مطارديهم من أنصاف البشر؛ فإلى جانب معرفة المطاردين بتضاريس المنطقة، وبسبب ذلك اللهب المتوهج في إحدى أعينهم―― أي بفعل «تقنية زواج الأرواح» الخاصة بيورنا، كانت المسافة بينهم تتقلص بدلًا من أن تتسع.
سوبارو: [إن استمر الوضع هكذا――]
فسيُقبض عليهما حتمًا؛ ولذا ضغط سوبارو بأسنانه —التي لم تكن لبنية تمامًا ولا دائمة— بغيظ وقلق؛
وكان ذلك في تلك اللحظة بالذات.
صوت مجهول: [――أنتما الاثنان، من هنا!]
سوبارو: [إيه؟]
لويس: [أو؟]
وكانت لويس قد ركلت الجدار بقوة محاولةً مباغتة أنظار المطاردين بحركات حادة سريعة؛ وقبل أن يتبين ما إن كانت مناورتها قد نجحت، وصل ذلك الصوت إلى مسامعهما وهما يهبطان على أرض الشارع؛
وحين التفت سوبارو ليرى المصدر، وجد شابًا نحيف الوجه يلوّح لسوبارو ولويس بيده داعيًا إياهما للمجيء نحوه؛ وللوهلة الأولى، لم تكن هناك أي قرون على رأس ذلك الشاب، لكن هذا لم يبعث الطمأنينة في نفس سوبارو على الفور.
سوبارو: [أ… أنتَ…]
الشاب: [تتعرضان للمطاردة، أليس كذلك؟ وعلى ما يبدو، فإن أولئك القوم جادّون للغـااايـة~ في ملاحقتكما؛ هذه نصيحة ودية مني، وسيكون من الرائع لو كنتما لطيفين واستمعتما لما سأقوله.]
وردًا على نظرات سوبارو المتوجسة، أشار الشاب بيده مبتسمًا ابتسامة ودودة؛ ثم أشار بيده نحو عربة بضائع تقف على جانب الطريق إلى سوبارو ولويس اللذين انقطعت أنفاسهما؛ وعلى وجه التحديد، كان يشير إلى فجوة بين عدة براميل خشبية في مؤخرة تلك العربة:
الشاب: [بما أن جسديكما صغيران، فستتسعان هناك بكل تأكيد.]
سوبارو: [ولـ… ولكن حتى لو اختبأنا هناك، فهذا لا يضمن…]
الشاب: [لم يعد لدينا متسع من الوقت؛ فاصطفاف النجوم يتغير في كل لحظة؛ وبالطبع، يعود الخيار إليكما إما برفض هذا الاصطفاف أو قبوله.]
سوبارو: [――――]
الشاب: [ومـع ذلـك~، أرى أن من مصلحتكما أن تأتيا معي.]
ولوّح الشاب بيديه الفارغتين في الهواء، ثم ضحك بهدوء ليؤكد أنه لا يضمر لهما أي سوء.
تردد سوبارو كثيرًا في الوثوق بتلك الابتسامة من عدمه؛ لكن الشاب كان محقًا، فلم يكن يملك ترف التردد وإضاعة الوقت في التفكير؛ ولذا――
△▼△▼△▼△
صوت مجهول: [لا بد أنهما فرا من هذه الجهة!]
وظهرت مجموعة من الرجال المتحفزين للقتال، يفتشون عن أي أثر للهاربين المفقودين؛ وأثناء بحثهم، لمحوا شابًا يقف جوار عربة بضائع، مستندًا بظهره إلى الجدار.
أحد المطاردين: [هي، أنت هناك! ألم يمر طفلان من هذا الطريق؟]
الشاب: [إيه؟ أمم، ألست تقصدني أنا بكلامك، أليس كذلك؟ المعذرة، لكنني كنت آخذ قسطًا من الراحة هنا فحسب…]
أحد المطاردين: [كما أخبرتك، كنت أسألك إن كنت قد لمحت أثرهما أثناء استراحتك… تشه، انسَ الأمر!]
وتراجع «الرجل الثور» —الذي تقدم نحو العربة بخطوات ثقيلة ومزعجة— بعد سماعه ردود الشاب المتجاهلة والباردة؛ غير أن ذلك لم يمنعه من تفقد العربة القريبة من الشاب.
فتوقف عن استجوابه، وصوب كامل انتباهه نحو العربة:
الرجل الثور: [أخبرني، ما هي حمولة هذه العربة؟]
الشاب: [حسنًا، وماذا تظنها في رأيك؟ وأي نوع من التجار أبدو لك؟]
الرجل الثور: [تش.]
ونقر «الرجل الثور» بلسانه حنقًا أمام مراوغة الشاب، وحدّق في العربة بريبة؛ ثم أمسك بكومة من البراميل الخشبية وقلب حمولتها بخفة ودون أدنى عناء، وعينه اليمنى تتوهج بلهب «تقنية زواج الأرواح».
ودوى صوت ارتطام عنيف إثر تبعثر الحمولة، وتمايلت البراميل المكدسة وسقطت بعنف في كل جانب؛ ولو كان ثمة أحد يختبئ في مؤخرة العربة، لتحطمت عظامه بلا ريب تحت وطأة وزن البراميل الثقيلة.
وعند رؤيته لذلك، رفع «الرجل الثور» يده عن البرميل وقال:
الرجل الثور: [معذرة على إزعاجك.]
وتاركًا تلك الكلمات وراءه، انصرف مبتعدًا عن المكان بصحبة رفاقه.
ونادى الشاب من خلفه: «أرجو أن تعيدوا البراميل إلى مكانها!»؛ غير أن أحدًا منهم لم يلتفت إليه، فهز الشاب كتفيه النحيلتين بلا مبالاة:
الشاب: [يا للـعجـب~، يا لهم من أناس متغطرسين حقًا! لا أدري ما الذي دهى هؤلاء القوم.]
وهمس الشاب لنفسه وهو يقترب من العربة في الشارع الخالي؛ ثم انحنى لينظر أسفل العربة بدلًا من تفقد الحمولة؛
وهناك――
الشاب: [أحسنت صنعًا بعدم التهور والاختباء في مؤخرة العربة؛ فلو اختبأتما هناك، لتحطمت كل عظمة في جسديكما الآن؛ وكان ذلك ليكون مؤلمًا للغـايـة، أليس كذلك؟]
سوبارو: […كف عن قول أمور مرعبة كهذه.]
لويس: [أوو.]
وأطلق الشاب تعليقه المروع هذا بنبرة مرحة لا مبالية والابتسامة تعلو وجهه، بينما كان سوبارو ولويس يزحفان للخروج من أسفل العربة التي تواريا تحتها.
فمن الطبيعي تمامًا لمن يرى عربة محملة بالبراميل أن يظن أنهما يختبئان بينها؛ وفي البداية، فعل سوبارو ما أُشير عليه وحاول الاختباء في مؤخرة العربة، لكن إحساسًا مشؤومًا راوده، فقرر العدول عن ذلك في اللحظة الأخيرة.
سوبارو: [لكن بما أنه لم يكن لدي متسع من الوقت للهرب، فقد اختبأت أسفل مؤخرة العربة.]
الشاب: [أراه قرارًا بارعًا وموفقًا للغاية؛ فأنا لست ماهرًا في الكذب، ولو ألح عليّ في الاستجواب بفظاظة، لكنت أخبرته بمكانكما فورًا دون تردد.]
سوبارو: […لا بأس، لم أكن لأتوقع منك غير ذلك، فأنت لست أحد رفاقنا على أية حال.]
وبعد أن كان سوبارو جاثيًا أسفل العربة متشبثًا بعجلاتها، نفض الغبار عن يديه وثيابه، ثم نفض التراب العالق بجسد لويس المتسخ بدوره؛ ويبدو أن المطاردين فقدوا أثرهما تمامًا، لذا كان من واجبه أن يكون ممتنًا لهذا الشاب على معاونته:
سوبارو: [ولكن، لماذا قررت مساعدتنا؟]
الشاب: [لماذا ساعدتكما؟ همم، لِمَ يا ترى… أوه، ما رأيك في القول إنني عجزت عن تحمل مشهد أطفال يتعرضون للمطاردة؟]
سوبارو: [إن كنت تطرح الأمر بصيغة «ما رأيك»، فأنت بالتأكيد اختلقت هذا العذر للتو…]
الشاب: [أكُشف أمري بهذه السرعة إذن؟]
وأمام نظرات سوبارو المرتابة، حك الشاب رأسه بابتسامة متكلفة؛ وابتسم ابتسامة باهتة، لكن حسبما استطاع سوبارو ملاحظته، لم يكن هذا الشاب من أنصاف البشر؛ فإلى جانب خلو رأسه من القرون، لم يكن يملك آذانًا حيوانية، أو بشرة وحشية، أو مخالب؛ وفوق ذلك، كان هذا الإنسان يبعث شعورًا واضحًا بأنه شخص غريب قادم من خارج «كايوسفليم».
سوبارو: [أنت…]
الشاب: [أوه، معذرة، أنا «أوبيلك»؛ وأتفهم تمامًا سبب شكك بي، لكن لا حيلة لي فيما تراه.]
سوبارو: [ماذا تعني بأنه ليس هناك ما تقوله؟]
أوبيلك: [السبب الوحيد لمساعدتي لكما هو أنني رأيت أن في ذلك فكرة سديدة فحسب.]
وضحك الشاب―― أوبيلك، وخلل أصابعه في شعره الرمادي.
وجعلت حركاته ومظهره الحسن سوبارو يظن أن أوبيلك يمارس عملًا محترمًا؛ وحتى ثياب سفره التي بدت خفيفة ومريحة، ظهر أنها كلفته مبلغًا لا بأس به من المال؛ وخمن سوبارو أنه لا بد تاجر بما أنه كان يجر تلك العربة:
سوبارو: [أهذا ما يُسمى بـ «حدس التجار»؟]
أوبيلك: [حدس التجار… أوه، أنا؟ ههههه، كلا؛ لست تاجرًا ولا ما شابه ذلك، وتلك العربة ليست ملكي أصلًا.]
سوبارو: [إيه؟! ولكنك أخبرت أولئك القوم…]
أوبيلك: [لم أقل قط إنني تاجر؛ وبالطبع، لم أزعم أبدًا أن هذه العربة ملكي؛ إنها مجرد عربة تصادف وجودها هنا، وربما تخص المتجر المقابل هناك، أليس كذلك؟]
وبعد قوله ذلك، أشار أوبيلك إلى أقرب دكان وقال: «أتساءل إن كانت تخص ذلك المتجر؟ أم لعلها لذاك؟»؛ كان يعبث، غير أنه لم يبدُ مازحًا بالكامل.
وبعبارة أخرى، بدا أنه اعتمد على التمويه والخداع البحت لتضليل المطاردين والإفلات منهم.
لويس: [واو.]
سوبارو: [آه، أجل، فهمت.]
وبينما كان سوبارو يجاري أسلوب أوبيلك في الحديث، جذبته لويس فجأة من كمه؛ وسوبارو، الذي استشعر خطأ الوقوف هكذا في مكانهم، لام نفسه على تهاونه بينما تستحثه لويس على العجلة.
فوضعهم لم يتحسن قيد أنملة، حتى وإن أفلتوا من أولئك المطاردين.
سوبارو: [على أية حال، شكرًا على مساعدتك يا أوبيلك-سان؛ ولكن عليك التفكير والتصرف بجدية أكبر في المرة القادمة، فأنا متأكد من أنك ستتورط في متاعب لا حصر لها بسبب هذا التهور…]
أوبيلك: [مـا هـذا~؟ أتقلق عليّ؟ هل أبدو بائسًا أو قليل الحيلة لهذه الدرجة؟ أظنني رجلًا خبيرًا بشؤون الدنيا، لكن يبدو أنك لا توافقني الرأي.]
سوبارو: [كلا، لست أشك فيك أو ما شابه، ولكننا على عجلة من أمرنا فحسب.]
وفي واقع الأمر، كان الشك يملأ صدره؛ ولم يكن شكه نابعًا بالضرورة من كون أوبيلك عينًا وجاسوسًا لتانزا وأولبارت، بل لاحتمال كونه شخصًا بالغًا خطيرًا لا صلة له بهما أصلًا.
فبما أنهما —سوبارو ولويس معًا— مجرد طفلين في الوقت الراهن، فإن مواجهة البالغين المريبين أمر يبعث على الرعب حقًا؛ ولو كان الطرف الآخر بالغًا خطيرًا، فربما يعجز سوبارو عن منع لويس من سحقه وتهشيم عظامه؛ فالتعامل مع الكبار الخطرين مهمة تفوق طاقة الأطفال بكثير.
سوبارو: [حسنًا، لدينا مشاغل يتعين علينا قضاؤها، فلنكتفِ بهذا القدر؛ شكرًا لأنك أنقذتنا.]
ومع قوله ذلك، جذب سوبارو لويس من يدها ومشى مسرعًا بعد أن أبدى امتنانه؛
غير أن――
أوبيلك: [تـمـهـل~ قليلًا أرجوك؛ لا تكن جافًا هكذا، فلنساعد بعضنا البعض! أرى أن روح التعاون والمساعدة المتبادلة شيء رائع حقًا.]
ومع كلماته تلك، حرك أوبيلك ساقيه الطويلتين النحيلتين ليلتف بخفة حول سوبارو قاطعًا عليه مساره.
وعلى الفور، قفز «مؤشر البالغ المشبوه والخطير» في ذهن سوبارو، وباتت مكانة أوبيلك موضع ريبة بالغة؛ وعلاوة على ذلك، شدّت لويس قبضتها على يده وأطلقت همهمة: «أوو؟»، مستشعرةً حذر سوبارو وتوجسه من أوبيلك.
وكان واردًا تمامًا أن تنقض لويس بمجرد أن يعطيها سوبارو الإشارة، لتطرح أوبيلك أرضًا وتسحقه بالضرب ثم تدسه داخل أحد البراميل!
سوبارو: [يا أوبيلك-سان، هل جسدك مرن؟]
أوبيلك: [أنا؟ حسنًا، في طبيعة عملي السابقة، كلما كان جسدي أكثر مرونة، كلما تمكنت من تدبر أموري على نحو أفضل، لذا نعم، كنت شخصًا مرن الجسد؛ ولكن، لِمَ تسألني عن هذا؟]
سوبارو: [كلا، لا شيء على الإطلاق… قلت لنساعد بعضنا البعض، أهناك شيء تود منا مساعدتك فيه؟]
أوبيلك: [أوه، كـلااا~، لم أقصد ذلك إطلاقًا؛ روح التعاون المتبادل تلك كانت مجرد زلة لسان عابرة، وليست طلبًا للعون؛ ههههه.]
سوبارو: [――――]
ومرة أخرى، قفز «مؤشر البالغ المشبوه والخطير» درجات إضافية؛ وفوق ذلك، شعر سوبارو بأن تصنيفًا جديدًا للبالغين قد استُحدث في عقله للتو إلى جانب مؤشر الخطر: «مؤشر البالغ الذي لا أود أي صلة به على الإطلاق».
وعلى أية حال، لم يكن هذا الشخص ممن يرغب سوبارو في قضاء دقيقة واحدة بصحبته.
أوبيلك: [ههههه… مـا هـذا~؟ الأجواء أكثر برودة مما توقعت! هذا الشعور نفسه ينتابني حين يحيط بي الجميع؛ فهم يكرهونني… هل تكرهني أنت أيضًا؟]
سوبارو: [إن كان بيدي الخيار، فأنا أفضل تجنب ذلك…]
أوبيلك: [أوهـ~، أنت صريح حقًا! حسنًا إذن، بما أنك تبدو على عجلة من أمرك، وبما أنك صادق وأنا أحب الصادقين، فلنجرِ محادثة جادة وسريعة.]
سوبارو: [――~هڪ.]
ومع قوله ذلك، انحنى أوبيلك من عند خصره مقربًا وجهه من سوبارو؛ وانحنى رأس سوبارو وهو يبتلع ريقه دون إرادة منه، فما كان من لويس إلا أن تقدمت للأمام ومدت يدها بحزم لتحميه.
ثم دفعت وجنة أوبيلك من الجانب، وهي تتوعده بزمجرة: «أوو!».
أوبيلك: [يـا ويـلـي~، إنها تبغضني! كنت أظن أنني أتمتع بشعبية جيدة لدى الفتيات، لكن يبدو أن الحال يختلف إن كان برفقتهن حارس بالفعل.]
سوبارو: […يا أوبيلك-سان، من الأفضل ألا تثير غضب لويس؛ فهذه الفتاة… حسنًا، هي أقوى بكثير مما يوحي به مظهرها.]
أوبيلك: [فهمت، إذن اسمها لويس-سان، أليس كذلك؟]
وهز أوبيلك رأسه مستوعبًا، فابتلع سوبارو ريقه ندمًا على رده؛
فلم تكن هناك مشكلة حقيقية في معرفته باسمها، لكنه شعر بأنه زلّ بلسانه وكشف عن معلومة لم يكن ينبغي الإفصاح عنها؛ فلم يكن يرغب في تقديم المزيد من التفاصيل لشخص لا يدري أي صنف من البالغين يكون.
سوبارو: [يا أوبيلك-سان! ألم تقل إنها محادثة جادة؟ إن لم يكن لديك شيء آخر، فعلينا الرحيل فورًا!]
أوبيلك: [――في الواقع، لم أكن أنوي الخروج والتجول في الشوارع اليوم إطلاقًا.]
سوبارو: [إيه؟]
أوبيلك: [لـسـبـبٍ مـا~، وجدت نفسي أتجول على غير هدى، متسائلًا عما إذا كان ثمة حدث ما سيقع، وذلك بدافع شعور غامض راودني؛ فجئت إلى هنا مدفوعًا بنزوة عابرة، وراحت أقتل الوقت جوار هذه العربة، وحينها…]
ووضع أوبيلك أصابعه على جبهته، ثم مررها برقة نحو زاوية عينه، ثم فوق وجنتيه البيضاوين الصافيتين، ونزولًا إلى ذقنه المنحوت؛ وفي النهاية، فرقع أوبيلك أصابعه بحركة مسرحية؛
ووقف سوبارو مشدوهًا أمام استعراضه الغريب ذلك، بينما اتسعت ابتسامة أوبيلك وهو يلوّح بأصابعه التي فرقعها من جانب إلى آخر:
أوبيلك: [ظهرتما أنتما الاثنان، بعد أن قفزتما بخفة ورشاقة من فوق رأسي تمامًا!]
سوبارو: [――――]
أوبيلك: […مـا هـذا~؟ ألم يترك كلامي هذا أي أثر في نفسيكما؟]
وأمال أوبيلك رأسه مستغربًا، وتطلع بنظره بالتناوب بين سوبارو ولويس، اللذين لم يُبديا أي ردة فعل؛
ولربما كانت لويس عاجزة عن فهم ما يقال ببساطة، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لسوبارو؛ فبعد سماعه جواب أوبيلك، عقدت الدهشة لسان سوبارو وعجز عن النطق؛
إذ كان يتساءل في نفسه عما إذا كان وراء هذا الموقف سبب عظيم أو سر غامض بعيد المنال!
سوبارو: [إذن، كنت تتنزه فحسب وتستريح، ثم تصادف مرورنا من هنا؟]
أوبيلك: [هـاااه~، يمكنك صياغة الأمر بهذه الطريقة إن أردت؛ ولـكـنـنـي~ أرى أنه يمكنني التعبير عن ذلك بطريقة أخرى: ――أعتقد أن كل ما جرى لم يكن سوى «إرشاد النجوم».]
سوبارو: [النجوم… تقصد القدر، أو أمرًا من هذا القبيل…]
ورغم أن العبارة بدت شاعرية للغاية، إلا أن كتفي سوبارو تهالكتا خيبةً؛
فقد كان بالإمكان اعتبارها لمسة شاعرية لو قيلت في مستهل رواية يلتقي فيها رجل بامرأة، لكن المشهد هنا لا يجمع سوى سوبارو المتحول إلى طفل، ولويس الصغيرة في الأصل، وذلك الغريب الأطوار المدعو أوبيلك!
فلا شاعريّة في هذا المشهد على الإطلاق!
أوبيلك: [أأنت مذهول من كلامي يا ترى؟]
سوبارو: [حسنًا، لا بأس؛ فحتى لو لم تكن جدية أوبيلك-سان جادة لهذه الدرجة، فالأمر لا يضايقني كثيرًا، لأنك شخص لا أرغب في رؤية وجهه مرة ثانية على أية حال.]
أوبيلك: [يا لك من قاسٍ! لقد رميتني بكلمات جارحة؛ وتلك الحدة في لسانك تذكرني كثيرًا بحدة صديق قديم لي.]
سوبارو: [يا أوبيلك-سان… ألديك صديق من الأساس…؟]
أوبيلك: [ههههه، هذه ضربة موجعة بحق!]
ولم يستطع سوبارو تمالك نفسه من إطلاق ذلك الخاطر الصريح والقاسي، غير أن أوبيلك لم يبدُ متأذيًا أو غاضبًا من كلماته؛
وللحظة خاطفة، ظن سوبارو أنه لمح مشاعر معقدة وغامضة يكنّها أوبيلك تجاه صديقه ذاك، متوارية خلف تصرفاته السطحية واللامبالية.
أوبيلك: [على أية حال، لعلها صدفة مقدرة هي التي جمعتنا هنا؛ هـمـم~، وجدتها! في الحقيقة، أنا أعمل في تقديم بعض الاستشارات البسيطة؛ فما رأيك، لِمَ لا تطلب مني استشارة لحل مشاكلك؟]
سوبارو: [وأخيرًا، ظهرت على حقيقتك! «لا، شكرًا»… كلا، لقد سمعت في التلفاز أن الرد بـ «لا شكرًا» يمنح المحتالين ثغرة مناسبة؛ أنا أرفض ذلك رفضًا قاطعًا!]
أوبيلك: [لست بائعًا لحوحًا يفرض بضاعته، ولست هنا للاحتيال عليكما، اتفقنا؟ كل ما أبتغيه هو أداء الدور المنوط بي فحسبـ~.]
سوبارو: [الدور المنوط بك؟]
أوبيلك: [بالتأكيد؛ فلا بد أن هناك حكمة وسببًا وراء وجودي هنا اليوم؛ ولعله أتيح لي لتتاح لك ولـ لويس-سان فرصة استشارتي.]
وهز أوبيلك رأسه مرارًا وهو يعقد ذراعيه النحيلتين، متصرفًا وكأنه الوحيد الذي يدرك حقيقة ما يجري.
ولسوء الحظ، فإن يقين أوبيلك ذاك لم يلقَ قبولًا لدى سوبارو؛ فالأمر ببساطة أن «مؤشر البالغ المشبوه والخطير» كان يرتفع تدريجيًا في عقله.
وفضل سوبارو لو يترك أوبيلك في مكانه ويلوذ بالفرار إن أمكن؛ فقد شعر أنه رغم مساعدة أوبيلك لهما في تضليل المطاردين، إلا أنهما تورطا الآن مع شخص أكثر إثارة للمتاعب.
أوبيلك: [أوه، لا جدوى من محاولة الهرب؛ فإن حاولتـ~ الفرار…]
سوبارو: [ماذا ستفعل حينها؟]
أوبيلك: [سأصرخ بأعلى صوتي، وأخبر أولئك الذين مروا قبل قليل عن مخبئكما؛ وسيكون هذا مأزقًا حقيقيًا لكما، أليس كذلك؟]
سوبارو: [بل مأزقًا كارثيًا…!]
غير أنه إن حدث ذلك، فقد كان سوبارو مستعدًا لإطلاق العنان للويس.
وبطبيعة الحال، وبما أنه لا يريد أن يموت أوبيلك، كان سوبارو سيبذل كل ما في وسعه لكبح جماح لويس ومنعها من الفتك به، لكنه كان مستعدًا للاستعانة بها كملاذ أخير إن تجرأ أوبيلك على مناداة المطاردين.
وفوق ذلك كله――
سوبارو: [أنا آسف، لكن من مصلحتك ألا تتدخل في شؤوننا؛ فإن علمت بما يجري، فقد تجد نفسك متورطًا في ورطة لا طاقة لك بها.]
فحتى لو لم يفعل سوبارو ولويس شيئًا، فقد تُلحق تانزا ورفاقها الأذى بأوبيلك؛ وإن وقع ذلك، فسيكون الذنب ذنب سوبارو ولويس.
وكان يرى في قرارة نفسه أنه لا يجوز له أبدًا توريط أوبيلك في موقف كهذا.
غير أن――
أوبيلك: [أوه، لا تشغل بالك بهذا، سأكون بخير تمامًا؛ لقد عرضت عليكما تقديم استشارة، غير أنني من صنف المستشارين الذين لا يحتاجون لسماع أي تفاصيل لتقديم الحل!]
سوبارو: [وهل يوجد شيء كهذا أصلًا!؟]
أوبيلك: [حسنًا، حسنًا، إن كنت تظن أنني أكذب عليك، فمد لي يدك.]
وتلاشت مخاوف سوبارو أمام ابتسامة أوبيلك اللامبالية وهو يمسك بيد سوبارو برفق.
وبما أن يده اليمنى كانت ممسكة بيد لويس، فقد كانت اليد التي أمسك بها هي يده اليسرى المقابلة؛ وتفاجأ سوبارو من نعومة أصابع أوبيلك النحيلة الشبيهة بأصابع النساء، فرمق لويس بنظرة سريعة في قلق.
لويس: [أوو.]
ولحسن الحظ، لم تكن لويس حادة الطباع لدرجة مباغتة أوبيلك بالهجوم فجأة، رغم أنها كانت ترقب حركاته بجمود.
لكن ذلك كان يعني أن سوبارو بات يراقب وضعًا أشبه ببالون يوشك على الانفجار في أي لحظة، مع استمراره في ضخ الهواء بداخله.
سوبارو: [أعني… يا أوبيلك-سان، لا أملك الكثير من الوقت، وأنت كذلك…]
أوبيلك: [مـا هـذا~؟ بدأت تجعلني أتوتر أنا أيضًا! ――ولكنني انتهيت بالفعل.]
سوبارو: [إيه؟]
وبينما كان سوبارو متوجسًا من نظرات لويس المصوبة نحو عنق أوبيلك النحيل، وبعد أن استحثه على الإسراع، أطلق أوبيلك سراح ذراع سوبارو.
وبعد أن أبعد يده، بسط أوبيلك راحة كفه برقة نحو وجه سوبارو، وقال:
أوبيلك: [――الإجابة التي تنشدها تكمن في داخلك بالفعل.]
سوبارو: [――――]
واتسعت عينا سوبارو دهشةً من تلك الكلمات غير المتوقعة؛
وأمام عجز سوبارو عن الاستيعاب، همهم أوبيلك بتعجب: «أوهـ~؟»، وأمال رأسه:
أوبيلك: [لعلها لم تثر في ذهنك أي فكرة؟]
سوبارو: [ليست المسألة أنها لم تثر أي فكرة، بل إنني عاجز عن فهم معناها أصلًا…]
فالإجابة التي كان يبحث عنها كانت مبهمة للغاية بدروها؛
وشعر سوبارو أن هذا يشبه كثيرًا ترهات العرافين والمنجمين على شاشات التلفاز في عالمه القديم؛ فتلك عبارة مبتذلة يستخدمها المحتالون للإيقاع بالناس عبر إلقاء كلام عام ينطبق على أي إنسان.
سوبارو: [لا أظن أن هناك الكثير من الناس ممن لا يبحثون عن إجابات في حياتهم…]
أوبيلك: [هـمـم~، أنا لا أتحدث عن أمر عظيم وشامل كالحياة نفسها؛ ويؤسفني القول إنني لست شخصًا بارعًا في قراءة مسار النجوم إلى هذا الحد.]
سوبارو: [مثل قراءة الأبراج…]
أوبيلك: [لعله يقصد المشكلة القائمة أمامك مباشرة؛ فأنتما تتعرضان للمطاردة الآن، أليس كذلك؟ وتلك مشكلة بحد ذاتها، أليس كذلك؟ فما رأيك في هذا؟]
سوبارو: [ولكنني أعلم بالفعل سبب ملاحقة هؤلاء القوم لي――]
ولعله مدفوع بثقته في مهارته كمستشار، حاول أوبيلك الاقتراب من الإجابة الصحيحة عبر التوغل في أفكار سوبارو الباطنة.
ولم يكن سوبارو متيقنًا من الأمر برمته، فقد بدا له وكأنه أشبه بحيل المحتالين؛ غير أنه بمجرد أن فكر في الأمر بجدية، شعر بنبضة خفيفة في قلبه.
سوبارو: [――――]
وبدا أن لتلك النبضة أهمية بالغة؛
وبالطبع، لم يكن يدري إلى أي مدى يمكنه الوثوق بما يختلج في عقله الصغير الحالي كطفل؛ غير أنه حتى لو شكك في «أفكار» سوبارو الصغير، فلا بد أن هناك متسعًا للثقة في «حدس» سوبارو الصغير، بغض النظر عن حجم الجسد الذي يحتويه.
فالمعضلة التي يواجهها سوبارو في الوقت الراهن هي――
سوبارو: [――«هاوية ذات منظر خلاب».]
كان أوبيلك قد أشار لتوه إلى أن الإجابة تكمن بالفعل في داخل سوبارو.
ولم يكن سوبارو يحاول التوغل في ماهية هذه الخدعة؛ غير أنه استشعر الفكرة فعلًا.
――تلك النبضة التي استشعرها، إن استطاع الإمساك بطرف خيطها، فمن المفترض أن يقوده ذلك إلى الإجابة التي ينشدها.
لويس: [واو؟]
سوبارو: [أظن أنني ربما توصلت إلى الحل.]
وما إن نطق سوبارو برده حتى تطلعت لويس في وجهه، وقد تجعد حاجباه المتناسقان في عبوس شديد؛ غير أن صوت سوبارو الذي استعاد بعضًا من ثباته وقوته جعل عيني لويس الزرقاوين تتسعان، لتفتر ثغرها عن ابتسامة سعيدة.
وعندما لمح سوبارو تغير ملامح لويس من الجانب، أطلق زفرة هادئة، ثم التفت نحو أوبيلك:
سوبارو: [ربما تكون استشارتك قد أجدت نفعًا حقًا.]
أوبيلك: [أوهـ~، يسعدني سماع ذلك! وأنا مرتاح البال الآن أيضًا؛ فإن كنت سأتولى عملًا، فأنا أفضل أداءه على أكمل وجه؛ وماذا بعد إذن؟]
سوبارو: [أجل، سأسرع في طريقي؛ شكرًا لك على كل شيء يا أوبيلك-سان؛ ――هيا بنا يا لويس!]
لويس: [أواو!]
وردًا على أوبيلك الذي أغمض إحدى عينيه، جذب سوبارو يد لويس وانطلق راكضًا.
وراح يركض بأقصى سرعة ممكنة، ولم يتوقف سوى مرة واحدة ليلتفت خلفه، فرأى عيني أوبيلك وقد اتسعتا دهشةً، ولعله لم يكن يتوقع تصرف سوبارو الأخير.
ولوّح له سوبارو بيده صائحًا:
سوبارو: [يا أوبيلك-سان، لن أقول فيك سوى الخير، لذا عد إلى كنف والديك وحسب! وحتى لا تبدو كشخص بالغ الخطورة، حسّن من تصرفاتك، وكف عن احتيال الناس!] [2]
وبكل امتنانه، كان هذا هو أقصى ما يمكن لسوبارو تقديمه من «استشارة» أنانية لذلك الشاب المريب.
△▼△▼△▼△
وبعد ذلك، وقف يراقب الفتى والفتاة وهما يبتعدان على عجل.
أوبيلك: [«كف عن احتيال الناس»… قاسية بعض الشيء.]
وابتسم ذلك الشاب الذي تُرك وحيدًا في الشارع―― أوبيلك، وهو يحك وجنته بإصبعه.
لقد كان وقتًا غريبًا حقًا؛ لكن انطلاقًا من مظهر الفتى في النهاية، شعر بأنه استطاع تقديم المساعدة بطريقة ما، وهو ما بعث في قلبه شعورًا بالرضا.
ثم――
أوبيلك: [إن لم أعد إلى غرفتي في أسرع وقت، فسيستشيط كافما-دونو غضبًا مني؛ وإن حدث مكروه بالفعل فسأقع في مأزق حقيقي، لذا عليّ العودة حالًا؛ ولكن، مع ذلك…]
ومرة أخرى، وهو يصوب نظره نحو الاتجاه الذي سلكه الطفلان، أغمض أوبيلك إحدى عينيه؛
و――
أوبيلك: [――لا أدري ما الذي تنشده النجوم حقًا، رغم أن ذلك في صميم واجبات «متأمل النجوم».]

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] هذا التعبير في النص الأصلي هو أسلوب تأكيدي صارم وشديد للغاية، والمقصد منه التوكيد القاطع: «مستحيل على الإطلاق أن يسمح سوبارو بحدوث أمر كهذا بأي حال من الأحوال».
[2] في الخلاصة، يسدي سوبارو نصيحته لأوبيلك بأن يعود إلى دياره ويترك خلفه هذه الأفعال المريبة والاحتيال في الشوارع.