الفصل 409 - مقاصد متشابكة في مدينة الشياطين
الفصل الثامن والأربعون
«مقاصد متشابكة في مدينة الشياطين»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
حدّق سوبارو في الفتى الخروف، واتسعت عيناه دهشةً من استجواب آبل الصارم؛ فالاسم الذي نطق به كان غير متوقع على الإطلاق.
سوبارو: [تلك الفتاة الصغيرة، تانزا…؟]
وقفزت صورة الفتاة من جنس الغزلان وهي ترتدي الكيمونو في ذهن سوبارو الحائر؛ وما كان لافتًا للنظر في خادمة يورنا —تلك الفتاة التي ظهرت في برج القلعة بالأمس— هو أنها كانت هادئة للغاية ومتحفظة، رغم أنها لا تزال طفلة؛ وكان آبل يؤكد جازمًا أن تلك الفتاة هي من دبر هذا الهجوم.
سوبارو: [هـ… هذا غير معقول! ما الذي يدفعها لفعل هذا بنا… بـواغ!]
لويس: [واو!]
وما إن رفع صوته ليستفسر عن رأي آبل، حتى صُدم بقوة وانقلب على ظهره؛ وحين نظر، رأى لويس مبتسمة وهي تجلس فوق ظهره؛ ففي خضم ثورتها الهائجة، أطاحت لويس بنحو عشرة مقاتلين في غمضة عين؛ وبلا وعي منه، ابتلع سوبارو ريقه أمام هذه الفتاة ذات المظهر البريء.
――فقوة لويس أثناء قتالها كانت بلا شك القوة نفسها التي رآها بعينيه في «برج الرمال»؛ تلك القوة لم تكن في الأصل ملكًا للويس، بل كانت قوة مسروقة من شخص آخر كدّ وتدرب ليصقلها؛ وبمعنى آخر، لقد استخدمت سلطة «الشراهة»――. [1]
سوبارو: […انـ… انزلي عني.]
لويس: [أو؟]
سوبارو: [انزلي عني حالًا!]
ودفع سوبارو كتف الفتاة الصغيرة الجالسة على صدره ونهض بقوة، فتسبب اندفاعه في سقوط لويس على الأرض―― وحينها وقع بصره على بطنها، المغطى بثوبها الأبيض الملطخ بالدماء؛ وعند رؤية ذلك، تذكر أنها أصيبت بجروح:
سوبارو: [أنتِ مصابة! يجب أن نعالج جراحكِ فورًا…!]
لويس: [أو! آاوو!]
ورفع ثياب الفتاة بسرعة ليتفقد موضع الإصابة؛ لكن لأن لويس شعرت بالدغدغة، راحت تلوّح بيديها وتحاول المقاومة بدفع وجه سوبارو وعنقه؛ ومتجاهلًا مقاومتها، تمكن بطريقة ما من رفع طرف ثوبها وفحص مكان الجرح، فلم يجد أي أثر واضح لإصابة، رغم وجود بقع الدم السائل.
سوبارو: [هل شُفي الجرح…؟]
بالفعل، كانت هناك آثار للدماء لكن دون وجود أي جرح؛ وأوقعه هذا في حيرة تامة، ثم دفعت لويس صدر سوبارو المذهول بكلتا يديها بقوة؛ أما الجواب عما كان سيحدث لو ضربت لويس سوبارو بجدية، فقد جسدته أجساد الرجال الكثيرة الممددة في الشارع؛ وعلى أية حال――
آبل: [――أجبني. أين تانزا؟]
وبينما كان سوبارو يطمئن على لويس، استمر استجواب آبل الصارم؛ وبدا أن أسلوب التحقيق المرعب والشديد لم يكن فعالًا بفضل نظرات آبل الثاقبة فحسب، بل بفضل سيف ميديوم أيضًا، إذ كانت تقف خلفه كتهديد صريح؛ وحتى لو لم تكن تنوي فعل شيء، فإن مجرد وقوفها خلف آبل كان كفيلًا ببث الرعب.
وبالفعل، وبينما كان الفتى يتطلع بنظره بين آبل وميديوم بالتبادل، خرج صوت متقطع من حلقه النحيل:
الفتى الخروف: [آه…]
آبل: [هذه هي المرة الثالثة؛ أجبني، ولا تظن أنه ستكون هناك مرة رابعة.]
كانت نبرة قاسية وباردة لدرجة جعلت قلب سوبارو يرتجف خوفًا؛ ولما سمع الفتى ذلك، ارتعش فمه عدة مرات، ثم عاد بريق الغضب إلى عينيه قليلًا:
الفتى الخروف: [وكـ… وكأنكم لا تعلمون! إن كنتم تسألون عن مكان تانزا، فأنتم أولى بالمعرفة…!]
آبل: [――――]
الفتى الخروف: [أنتم من فعل شيئًا لتانزا… ولهذا السبب هاجمناكم!]
وعقب كلماته الغاضبة تلك، اندفعت ذراعا الفتى نحو آبل أمامه؛ ومستخفًا بسلامته في تهور أعمى، حاولت أطراف أصابعه الإمساك بحلق آبل وسحقه؛ لكن قبل أن تصله يداه، انقضت راحة يد صغيرة لتضغط على جبين الفتى، و――
لويس: [أو!]
وارتطم مؤخرة رأس الفتى بالأرض بقوة ليفقد وعيه في الحال؛ وخرج منه أنين مثير للشفقة قبل أن يسقط على جنبه فاقدًا للإدراك تمامًا.
سوبارو: [لـ… لويس…]
ومجددًا، وفي طرفة عين، تلاشت لويس لتظهر في مكان آخر.
لقد كان هذا أسلوبًا أظهرته مرارًا وتكرارًا في «برج الرمال»؛ ذلك الانتقال الآني لمسافات قصيرة الذي تستخدمه «الشراهة»―― وبرؤيته لمدى إتقانها له، شعر سوبارو وكأن قلبه يوشك أن ينفطر ألمًا.
وحقيقة أنها ما زالت تملك تلك القوة تعني أنها لا تزال هي نفسها «لويس»―― «لويس أرنيب».
تلك الفتاة من ذلك العالم الأبيض، التي انتزعت ذكريات سوبارو ومزقت قلبه، وحاولت سلب روحه بالكامل.
وبعدما توهمت خطأً أن قدرته على «الرجوع بالموت» مجرد نعمة مريحة، انتهى بها الأمر إلى نعت سوبارو بـ «الوحش».
آبل: [يجب أن نعثر على أولبارت فورًا.]
ودون أي اكتراث للموقف السابق الذي كاد يودي بحياته، أو بالأحرى أنقذ حياته، تمتم آبل بهذه الكلمات وهو يقف ببطء.
――العثور على أولبارت.
وبالطبع، كان سوبارو موافقًا على هذه الخطوة بشكل عام؛ لكنه لم يفهم سبب تكرار آبل لها في هذه اللحظة تحديدًا، خاصة بعدما قال ذلك الفتى كلامًا غير مفهوم عن تانزا.
ميديوم: [يا آل-تشين، أتستطيع الوقوف؟]
آل: […أ… أجل.]
أغمدت ميديوم سيفها ومدت يدها نحو آل الجاثي على ركبتيه؛ فأجابها آل —ووجهه مغطى برداء القماش— بنبرة كئيبة ومحطمة لدرجة جعلت سوبارو، رغم عجزه عن رؤية ملامحه، يتخيل بوضوح أنه شحب تمامًا.
مؤجلًا قلقه على آل لبرهة، نفض سوبارو التراب العالق بملابسه ووقف على قدميه، ثم رفع رأسه ناظرًا نحو آبل وقال:
سوبارو: [ماذا كنت تقصد بكلامك قبل قليل؟]
آبل: [عن أي أمر تسأل تحديدًا؟]
سوبارو: [عن ذلك الشيء…! عن كون تلك الفتاة تانزا هي العقل المدبر، وعن ضرورة بحثنا عن أولبارت-سان رغم ذلك، وكل تلك الأمور! أنت تعرف تمامًا ما أقصده!]
آبل: [همم.]
أطلق آبل سخرية خفيفة ولمس جانب «قناع الأوني» بطريقة مستفزة؛ واستفزت تلك الحركة أعصاب سوبارو الذي كان يغلي من الإحباط ونفاد الصبر؛ فاستشاط سوبارو غضبًا، وقفز بخفة لينتزع «قناع الأوني» عن وجه آبل بجرأة.
وحينها، ظهر وجه آبل الحقيقي الذي غاب عن الأنظار منذ مدة طويلة، ونظر إلى سوبارو باستهجان واستعلاء واضحين.
آبل: [ما الذي دهاك لتفعل هذا؟]
سوبارو: [هذا سؤالي أنا! لا تستنتج كل شيء بمفردك وتلتزم الصمت، بل اشرح لي الأمر بوضوح! فنحن رفاق!] [2]
آبل: [――رفاق، هكذا تقول إذن؟]
سوبارو: [أُهـ…]
تلاشت فورة غضب سوبارو سريعًا وهو يواجه النظرة المباشرة من وجه آبل الحقيقي الحاد؛ فرغم أنه نعته بـ «الرفيق» في وجهه، إلا أن تلك الكلمة ربما أثارت استياء آبل؛ وفي الأساس، كان لدى سوبارو نفسه تحفظ على وصف آبل بـ «الرفيق»، وندم لأنه تفوه بها في فورة حماسه؛ لكنه لم يشأ إظهار تراجعه حتى لا يبدو الأمر وكأنه يعتذر.
ميديوم: [هذا صحيح يا آبل-تشين؛ نحن رفاق، وعليك أن تشرح لنا ما يحدث.]
وتدخلت ميديوم بدلًا من سوبارو بعد أن ساعدت آل على الوقوف، ووضعت يديها على خاصرتيها مستخدمة جسدها الصغير بالكامل للاعتراض على آبل؛ وأمام كلماتها الصريحة تلك، ضاقت عينا آبل الداكنتان، وقال:
آبل: [المهاجمون عند النزل وهنا، جميعهم ينتمون إلى الأجناس ذات القرون.]
سوبارو: [ذوو القرون… تقصد من يملكون قرونًا في رؤوسهم؛ وما شأنهم بذلك؟]
آبل: [――الأجناس ذات القرون تملك تاريخًا حافلًا بالاضطهاد؛ ولأن قرونهم تشبه قرون وحوش المابست، تعرضوا للنبذ والازدراء في الماضي.] [3]
سوبارو: [أوه…]
اتسعت عينا سوبارو أمام سرد آبل البارد؛ أن تملك قرونًا، وتتعرض للاضطهاد لمجرد ذلك؛ ――كان هذا التمييز يمس وترًا حساسًا في قلب سوبارو، ولذلك رآه أمرًا لا يغتفر.
فإميليا نفسها عانت من التمييز في الماضي لأسباب مشابهة؛ ولأن مظهرها وصفاتها يشبهان الساحرة، ناصبها الكثيرون العداء والكراهية؛ كما عانى أنصاف البشر والأجناس ذات القرون من ماضٍ مرير كهذا.
سوبارو: [ولكن ما الذي يدفع هؤلاء لمهاجمتنا نحن؟ أفهم أن الناس كانوا يخافون من قرونهم، لكنني لا أستوعب الرابط بين هذا وبين ما يحدث لنا.]
آبل: [قد تكون طفلًا صغيرًا الآن، لكن عليك تشغيل عقلك قليلًا؛ فبالنسبة لمن عانوا من تاريخ طويل من الاضطهاد بسبب امتلاكهم للقرون، فإن هذه المدينة… فإن الوضع السائد في «كايوسفليم» يمثل طوق نجاة بالنسبة لهم.]
سوبارو: [طوق نجاة… تقصد «ملاذًا آمنًا»، أليس كذلك؟]
آبل: [――يورنا ميشيغوري لا تتخلى أبدًا عمن تحميهم في كنفها؛ بل إنها قادت تمردًا في السابق لأجل فتاة ميتة واحدة من جنس الغزلان.]
عقد الإمبراطور ذراعيه —وهو نفسه الذي كان هدفًا لذلك التمرد— وتحدث عن كواليس ما حدث.
فالسبب الذي جعل يورنا —التي تمردت مرارًا في الماضي— تكشر عن أنيابها في وجه الإمبراطور الذي تخدمه―― كان من أجل شخص واحد فقط.
وحين سمع سوبارو هذا، تبادر إلى ذهنه خاطر――
سوبارو: [إذن، فهي شخص طيب…!]
آبل: [أيها المغفل؛ يا له من استنتاج سطحي وساذج! ――يورنا ميشيغوري امرأة تخلص بكل ما تملك لمن يحبها، لكنها لا ترحم أبدًا من يقعون خارج تلك الدائرة.]
ميديوم: [حقًا~؟ لكني أرى أنه من الطبيعي أن يكون المرء لطيفًا مع من يحبهم!]
سوبارو: [وأنا أرى ذلك أيضًا.]
وتأييدًا لرأي ميديوم وسوبارو، رفعت لويس يديها وأطلقت صيحة: «أو!»؛ فألقى آبل نظرة باردة نحوهم، ثم أطلق تنهيدة خفيفة:
آبل: [الأمر الأهم هنا هو أن الأجناس ذات القرون —بماضيهم الحافل بالاضطهاد— وجدوا السلام والاستقرار في هذه المدينة؛ ووجود يورنا ميشيغوري أمر لا غنى عنه أبدًا للحفاظ على هذا السلام. وبعبارة أخرى――]
سوبارو: [بعبارة أخرى؟]
أمال سوبارو رأسه، وانتظر أن يكمل آبل كلامه.
لكن لبرهة، نظر آبل إلى سوبارو وهو لا يزال يميل برأسه هكذا، متأنيًا في اختيار كلماته؛ ولم يفهم سوبارو مغزى ذلك الصمت، لكن آبل استغرق بضع رمشات قبل أن يتابع:
آبل: [بعبارة أخرى، فبالنسبة لمن ينتمون إلى الأجناس ذات القرون، يمثل وجودنا خطرًا لا يطاق سيزلزل الأرض تحت أقدامهم؛ فنحن نسعى للحصول على دعم يورنا ميشيغوري لإشعال تمرد شامل ضد العاصمة الإمبراطورية.]
سوبارو: [أوه…]
وبعد تلك الكلمات، فهم سوبارو أخيرًا المغزى الحقيقي وراء تصرفات الفتى الخروف وما تفوه به.
فحين أمسك بذراع سوبارو وألقى به في الشارع، بدت ملامح الفتى متألمة ومعذبة―― كلا، ليس الفتى وحده، بل بدا على جميع المهاجمين أنهم يتعذبون من الداخل.
كان ذلك شعورًا بالذنب لطرد سوبارو والآخرين، وخوفًا حقيقيًا من أن يفقدوا ملاذهم في هذا العالم؛ ولهذا السبب اعتذر الفتى في اللحظة التي قذف فيها بسوبارو.
سوبارو: [إذن، فهؤلاء الناس يبذلون كل ما عندهم لحماية ملاذهم أيضًا…]
آبل: [أهو تعاطف أم شفقة؟ في كلتا الحالتين، أنت لا تملك ترف التفكير في مثل هذه المشاعر؛ ولا تنسَ أن هؤلاء الناس وجهوا عداءهم وسلاحهم نحونا؛ فكل كائن يسعى للعيش، وكل من هو على قيد الحياة، يملك ظروفه ودوافعه الخاصة.]
ميديوم: [مهلًا~ يا آبل-تشين! أسلوبك في الكلام فظيع حقًا! وفوق ذلك، ما زلت لا أفهم تمامًا: لماذا سألت هؤلاء الناس عن تانزا-تشان؟ وماذا عن البحث عن ذلك العجوز أولبارت؟]
آبل: […من طريقة حديثهم قبل قليل، يبدو جليًا أنهم يجهلون مكان تانزا؛ ولسبب ما، يظنون أننا نخفي مكانها عنهم. فلماذا يفكرون بهذه الطريقة؟]
سوبارو: [لماذا… لأي سبب يا ترى؟]
ونظر سوبارو إلى الفتى الفاقد للوعي على الأرض، وعصر ذهنه بحثًا عن إجابة لسؤال آبل.
فقبل أن تسقطه لويس بضربتها، انفجر الفتى غاضبًا في وجه آبل حين سأله عن مكان تانزا؛ وبالنسبة لسوبارو، بدا غضب الفتى صادقًا ولا يحمل أي زيف أو كذب.
إذن، فلا بد أن هذا الفتى ورفاقه اعتقدوا جازمين أن جماعة سوبارو دبروا أمرًا سيئًا لـ تانزا.
سوبارو: [ولهذا السبب هاجمونا إذن؟]
آبل: [هذا هو التفسير المنطقي؛ لكن الحقيقة الثابتة هي أننا لم نمس تانزا بسوء؛ إذن، إلى أين اختفت تلك الفتاة؟ وفوق ذلك، من أين ظهر نحو مائة شخص من الأجناس ذات القرون فجأة؟]
سوبارو: [من أين؟ ألم يكونوا ينتظرون بالخارج فحسب؟]
آبل: [وبأمر من؟]
وألجم هذا الرد السريع لسان سوبارو، فعجز عن الجواب.
وراح يشغل تفكيره محاولًا ترتيب إجابات واضحة لأسئلة آبل المتلاحقة؛ لكن قبل أن يكتمل استنتاجه――
آل: [――لا بد أن تلك الآنسة الصغيرة قد اتفقت معهم مسبقًا.]
وهكذا، جاء الجواب على لسان آل من خلفهم مقاطعًا حيرتهم.
فقد كان عاجزًا عن النطق قبل لحظات؛ وأدار سوبارو رأسه نحو مصدر الصوت مناديًا: «آل…»، وبدا أن حالة آل لم تعد إلى طبيعتها بعد.
آل: [آسف يا صاح لإثارة قلقك… ولكن في الواقع، لم تتحسن الأمور بعد.]
آبل: [ألم يتحسن مزاجك بعد؟ لا بد أن هذا أيضًا من آثار تقنية أولبارت.]
آل: […لا أنكر ذلك؛ وأود الحديث عن الأمر، لكن علينا أولًا إنهاء ما كنا نناقشه؛ لذا، فلنتحدث عن الآنسة الصغيرة تانزا.]
ولوّح آل بيده الصغيرة مجيبًا بصوت حاول كبح مشاعره فيه قدر الإمكان.
ورغم أن حالة آل كانت تدعو للقلق، إلا أنه كان محقًا؛ فقد كانوا في منتصف نقاش مهم؛ ――فمن المؤكد أن تانزا كانت قد جمعت كل أولئك الأشخاص في الخارج مسبقًا.
سوبارو: [أوه، حسنًا… إذن أنت تقول إن تانزا جمعت رفاقها من ذوي القرون حول النزل مسبقًا، وخططت لمهاجمتنا؟ ولكن إن كان الأمر كذلك…]
ميديوم: [فأين ذهبت تانزا-تشان إذن؟]
كان السؤال الذي أكملت به ميديوم كلام سوبارو هو ذاته التساؤل الذي عجز عن إيجاد جواب له؛
فتانزا جاءت إلى النزل لتسليم تعليمات يورنا، وكان يُفترض أن تعود أدراجها مباشرة؛ ورغم إدراك سوبارو لكيفية ترتيبها للأمر، إلا أن ردة فعل رفاقها في الخارج كانت مريبة ومحيرة؛
فعلى الأقل، كان الفتى الخروف مقتنعًا تمامًا بأن جماعة سوبارو قد ألحقوا الأذى بـ تانزا.
آل: [إذن، لا بد أن رفاقها لم يروها تخرج سالمة… كلا، الأرجح أنهم لم يلمحوها تخرج من النزل أصلًا.]
آبل: [هذا استنتاج منطقي؛ فربما تجنبوا الإقدام على أي خطوة متهورة طالما بقينا داخل النزل، تحسبًا لاحتمال أن تكون تانزا بالداخل تتحدث إلينا.]
ميديوم: [ولكن! أين تانزا-تشان إذن――]
وصرخت ميديوم بصوت أشبه بالعويل، وعيناها متسعتان من فرط الحيرة والارتباك.
غير أن سوبارو استطاع استيعاب مغزى استنتاجات آبل بعدما رتبها أمامه بوضوح؛ ولعله أدرك ما كان يجول في ذهن آبل تحديدًا؛
وهو――
سوبارو: [تلك الفتاة… إن لم تكن تانزا خارج النزل، فهذا يعني أنها تختبئ في مكان ما داخله؛ ――وهذا يعني أن أولبارت-سان يساعدها في ذلك!؟]
△▼△▼△▼△
――من أجل استعادة تانزا، هاجمت جموع الأجناس ذات القرون جماعة سوبارو؛
لكن بما أنهم كانوا يتربصون خارج النزل منذ البداية، فلا بد أنهم اتفقوا مسبقًا على خطة تحرك في حال أصاب تانزا أي مكروه.
وداخل ذلك النزل، كان الشريك الوحيد المحتمل لتانزا في هذه المكيدة هو――
آبل: [――ليس سوى أولبارت دانكيلكين.]
آل: […من المحتمل أيضًا أن عمال النزل تآمروا لإخفائها، أتعلم ذلك؟]
آبل: [بطبيعة الحال، لست غافلًا عن هذا الاحتمال، لكن لدي يقين قاطع.]
آل: [يقين قاطع؟]
وردًا على نبرة آل المتسائلة، أومأ آبل برأسه بثقة وتأكيد.
ولماذا كان مقتنعًا بأن أولبارت وتانزا متواطئان معًا؟ السبب في ذلك هو――
آبل: [أنه تكبد عناء تحدينا بلعبة أطفال لا تعدو الجري والتخفي؛ وهذا تحديدًا هو نوع المكائد الخبيثة التي يعشقها ذلك العجوز.]
سوبارو: [«اعثروا عليّ إن استطعتم~»، تقصد هكذا؟]
آبل: [بالضبط.]
ولم يتمالك سوبارو نفسه من إظهار ملامح الاشمئزاز أمام تأكيد آبل وهو يعتدل في وقفته.
فقد كان حدس آبل المبني على خباثة شخصية أولبارت صائبًا في الصميم؛ وأدرك سوبارو ببديهته صحة ذلك التفسير المقيت؛
فاقتراحه لـ «لعبة الغميضة» كان في حد ذاته تلميحًا لإخفاء تانزا!
سوبارو: [ولكن إن كان هذا هو سبب مهاجمتهم لنا، فهذا خرق صريح للقواعد المتفق عليها!]
آبل: [أتقصد القاعدة التي تحظر إيذاء بعضنا البعض؟ سيتملص منها ببساطة مدعيًا: «أنا لم أفعل شيئًا»؛ ولا سيما إن كانت تانزا متواطئة معه بمحض إرادتها.]
سوبارو: [غـه… يا لها من حيلة ماكرة وغير منصفة…!]
آبل: [لذا، تظل الأولوية القصوى هي تحديد موقع أولبارت؛ وحينها سيتكشف مكان تانزا تلقائيًا؛ غير أنه إن فُضحت خطته، فقد تسقط ذريعة لعب «الغميضة» برمتها.]
فهم سوبارو الآن كيف استنتج آبل احتمال تواطؤ أولبارت وتانزا معًا، لكنه لم يستوعب كيف سيضع ذلك نهاية لـ «لعبة الغميضة».
وعقد سوبارو حاجبيه وعلت وجهه ملامح الانزعاج والحيرة؛ وفي مواجهته، انتزع آبل «قناع الأوني» من يد سوبارو بحركة حادة وقاسية.
وشهق سوبارو متفاجئًا بصيحة: «آه!» بينما أعاد آبل ارتداء «قناع الأوني» على وجهه من جديد:
آبل: [هدف أولبارت الحقيقي هو التحقق مما إذا كنا جديرين بالتفاوض معه؛ وهذا ما يشغله أكثر بكثير من مجرد ألعاب الصبيان وحيلهم الساذجة؛ ولذا، إن استطعنا كشف نواياه الحقيقية، فلن نضطر لتحمل عناء هذه اللعبة المصطنعة.]
سوبارو: [آه، حسنًا… أظن أنني بدأت أفهم…]
آبل: [――هل تراجع مستوى ذكائك لهذه الدرجة حقًا؟]
وتمتم آبل بتلك الكلمات وهو يطلق تنهيدة خفيفة موجهًا حديثه لسوبارو، الذي كان يجهد نفسه لمجاراة الشرح؛ ولم يستطع سوبارو دحض كلام آبل، فقد كان يشعر بدوره أن تفكيره مشوش ومضطرب بوضوح، غير أنه لم يكن يدرك إلى أي حد وصل هذا التراجع؛ فربما أصبح تفكيره مشتتًا، أو أن الكلمات تعجز عن الخروج بسلاسة، أو أنه لم يكن شخصًا ذكيًا في الأصل.
سوبارو: [لم أكن شخصًا بالغ الذكاء في الأساس على أي حال…]
آبل: [في حالتك، تكمن المشكلة في تراجع قدرتك على الاستيعاب وضمور بديهتك؛ ورغم أن تفاصيل تقنية أولبارت مجهولة، إلا أن إحدى الفرضيات ترجح أن الجسد يعكس صعود «الأود» وهبوطه.]
سوبارو: [صـ… صعود «الأود» وهبوطه…؟]
آبل: [هذا يعني وجود رابط وثيق بين «الأود» والجسد، في نموهما وتدهورهما؛ وبمعنى آخر، يمكننا الافتراض أن أولبارت قد تلاعب بـ… أو بالأحرى، بـ «أود» كل واحد منكم.]
ونظر آبل نحو سوبارو، وآل، وميديوم، الذين لا تزال أجسادهم صغيرة ومنكمشة.
ولم يستوعب سوبارو هذا التفسير جيدًا؛ فتمامًا كما هو الحال مع «بوابته» السحرية المحطمة التي كانت تُستخدم لإطلاق السحر، لم يكن يملك إدراكًا حقيقيًا للمفاهيم المتعلقة بـ «المانا» و«الأود»، إذ لم يكن يعلم بوجودهما في الأصل؛
لكن إن كان هذا التخبط يخص سوبارو وحده، فإنه لم ينطبق على――
آل: [――إذن، السبب في كل هذا هو تلاعب ذلك العجوز بأجسادنا.]
وتفاجأ سوبارو وهو يستمع إلى تمتمات آل المليئة بالحقد والغيظ؛ وحين التفت إليه، رأى آل يمسك جبهته المغطاة بالقناع بأصابع مرتجفة؛ وكان إظهاره المتكرر لذلك الغضب العارم دلالة واضحة على أنه يعاني هو الآخر من اضطراب نفسي؛
فالنضج العقلي الذي تمتعوا به كبالغين كان يتلاشى تدريجيًا كلما زادت طباعهم طفولية.
آل: [ذلك العجوز الحقير، سأجعله يدفع الثمن غاليًا…!]
آبل: [ولتحقيق ذلك، يتعين علينا أولًا معرفة موقع تلك «الهاوية ذات المنظر الخلاب».]
سوبارو: [صحيح… وعلى ذِكر ذلك، كنا ننوي التوجه إلى حانة.]
ومع غليان الغضب في صدر آل إلى جانبه، توقف سوبارو عن إكمال جملته؛ فبسبب المأزق الذي حاصرهم في الشارع، تولت تاريتا دور الطُعم وتفرق الآخرون في اتجاهات شتى؛ غير أن آبل لم يقدم أي تفسير لمقصده الحقيقي حتى الآن؛ فما الذي يدفع آبل إلى الإسراع نحو حانة؟
آبل: [أساس أي عملية بحث هو حشد الأعداد الكافية؛ والأنسب أن نستعين بمن يعرف تضاريس هذه الأرض؛ غير أنه من المحتمل أن يكون جميع سكان هذه المدينة متواطئين مع تانزا؛ وبناءً على ذلك، سيكون استغلال الغرباء القادمين من خارج المدينة خيارًا أفضل.]
آل: [إذن أنت تستهدف حانة يتجمع فيها الغرباء؛ تبدو فكرة من النوع الذي قد يخطر ببالك يا صاح.]
سوبارو: [مهلًا، هذا ليس…]
وأراد أن يعترض قائلًا «ليس صحيحًا»، لكنه تذكر فجأة أنه بحث بنفسه عن حارس شخصي في «غوارال» في السابق؛ وكان ذلك حين استهدفه رجل يُدعى «تود»، الذي جعل مجرد تذكره قشعريرة تسري في جسد سوبارو؛ ومن بين الوسائل الكثيرة التي فكر فيها آنذاك للنجاة بحياته، اتجه إلى حانة بنيّة استئجار حارس قوي يحميه؛
ولسوء حظه، فإن ذلك السياف السكير الذي استأجره في تلك المرة قد لاقى حتفه سريعًا.
سوبارو: [ولكنك تحتاج إلى المال لطلب العون، أليس كذلك؟ ونحن لا نملك مبالغ كهذه ملقاة في الطريق.]
آبل: [هذا القلق لا مبرر له؛ فالمكافأة معي.]
ومع قوله ذلك، هز آبل الكيس الذي كان يحمله بيده؛ وبما أنه وصفه بالشيء الضروري حين حمله معه خارج النزل، تملك سوبارو الفضول لمعرفة ما بداخله؛
واستجابة لنظرات التساؤل في عيني سوبارو، لم يصل الأمر بآبل إلى حد فتح فوهة الكيس، بل اكتفى بالقول:
آبل: [عند مغادرتنا لـ «غوارال»، أمرتُ «زيكر» بفتح خزينة دار البلدية؛ فهذه أكثر الوسائل فاعلية لكسب الأعوان والمتعاونين، وعدم استغلالها حماقة لا تجوز.]
آل: […كان ذلك تصرفًا داهية منك.]
سوبارو: [ولكن التجول بمبلغ طائل كهذا وأنت ترتدي قناع الأوني أمر خطر، وسيجعلك تلفت الأنظار بشدة… آه، فهمت قصدك.]
وبينما كان سوبارو يقول ذلك، نقر آبل بإصبعه على «قناع الأوني»، ليذكر سوبارو بأن قلقه في غير محله.
فبما أن قناع الأوني يتمتع بتأثير «تشويش الإدراك»، فإن فكرة أنه «يلفت الأنظار» كانت خاطئة من الأساس؛ ولأن القناع لم يكن يؤثر على رفاق سوبارو، فإن التباين بين مظهر آبل الفعلي وردود أفعال من حولهم كان يثير الارتباك.
آل: [إذن، ألن نغير خطتنا؟ سنذهب جميعًا إلى حانة للبحث عمن يساعدنا في العثور على ذلك العجوز؟]
آبل: [――أجل، تلك كانت الخطة في البداية؛ غير أن مجريات الأمور تغيرت قليلًا.]
سوبارو: [تغيرت؟ وكيف ذلك؟]
آبل: [إن كان أولبارت وتانزا خلف هذا التدبير منذ البداية، فبوسعهما إيجاد طريقة لحشد الأعداد بسرعة؛ وفي حين أن أولبارت وحده لا يملك أي نفوذ في «مدينة الشياطين»، فإن وجود تانزا يقلب الموازين بالكامل؛ فتلك الفتاة تشغل منصب مرافقة «يورنا ميشيغوري».]
وبما أن يورنا تتربع على قمة الهرم في «كايوسفليم»، فإن صفة مرافقتها تجعلها بمثابة أمينة سرها؛ وبعبارة أخرى، كانت تانزا الشخصية الثانية من حيث الأهمية والنفوذ في المدينة بعد يورنا مباشرة؛ أو بالأحرى، كان بوسعها التصرف بناءً على تلك المكانة.
سوبارو: [إن كانوا يريدون تضييق الخناق علينا ومحاصرتنا حقًا، فلا بد أنهم نشروا رجالهم حول الحانات.]
آبل: [لا داعي للوقوع في فخ مكشوف؛ وإن كانت هناك طرق لاقتحام الموقف بالقوة.]
وأثناء ذلك الحديث الذي فرض عليهم تعديل خطتهم، تحولت نظرات آبل جانبًا وهو يتكلم؛ وتبع سوبارو اتجاه نظره، لتتوتر عضلات وجهه.
لويس: [واو؟]
والسبب في ذلك أن لويس كانت تقف في النقطة التي صوّب نحوها «قناع الأوني» نظراته، وهي تميل برأسها ببراءة؛
فلويس —التي قلبت الموازين ضد مهاجميهم، وسحقت الفتى الخروف بلا رحمة في النهاية حتى أفقدته وعيه— كانت تخلل أصابعها بحماس في شعرها الأشقر بجانب ميديوم، التي تعلقت بها وألفتها كثيرًا.
ورغم قوتها القتالية الساحقة، لم يطرأ أي تغيير على براءتها الظاهرة؛ وهو ما جعل قشعريرة باردة تسري في جسد سوبارو.
ميديوم: [أوه، كانت لويس-تشان مذهلة قبل قليل! لقد صُدمت حقًا من إخفائكِ لقدرات كهذه~]
لويس: [أواو.]
ميديوم: [ههه، شكرًا لأنكِ أنقذتني.]
ودون أن تدرك ميديوم ما يموج في صدر سوبارو، راحت تربت على رأس لويس بعفوية ودون أدنى حذر؛ واستقبلت الأخرى تلك اليد بهدوء، غير أن قلب سوبارو كان يخفق برعب واضطراب.
فصرخ سوبارو على الفور: «انتظري!»، حتى إنه اندفع وأمسك بمعصم ميديوم.
ميديوم: [واااه، يا سوبارو-تشين؟]
سوبارو: [أعني… يا ميديوم-سان، لا ينبغي أن تقتربي منها…]
ميديوم: [――؟ ولماذا؟ ألم تنقذني للتو؟ بل إنها أنقذتك أنت أيضًا يا سوبارو-تشين!]
سوبارو: [حسنًا… قد يكون هذا صحيحًا، ولكن… ومع ذلك…]
وعجز سوبارو عن إيجاد رد على سؤال ميديوم العفوي؛
ففي الواقع، كان رأيها صادقًا وصائبًا تمامًا؛ فلويس أنقذت سوبارو بالفعل، ولم تتردد لحظة واحدة في حمايته بجسدها الصغير، حتى لو كلفها ذلك أن تُصاب بجراح؛ وسوبارو نفسه هو من توسل إليها باستماتة قائلًا: «لا تموتي».
آل: [هيا، أخبرنا ما الذي تخفيه.]
وحين رأى آل سوبارو يضغط على أسنانه، تحدث بصوت خافت؛
فحبس سوبارو أنفاسه ونظر نحو تلك النظرات القاتمة الكامنة خلف قناع آل؛ ――وتذكر أنه قبل أيام قلائل، أثناء رحلتهم إلى «كايوسفليم»، كان قد كتم حقيقة لويس عن آل.
وفي ذلك الحين، عجز سوبارو عن حسم قراره بشأن كيفية التعامل مع لويس، فأرجأ الإجابة؛
غير أن――
آل: [هيا، لم يعد هذا وضعًا يمكن التغاضي عنه بابتسامة بعد الآن؛ فهذا الأمر لا يقلقني وحدي، بل يقلقنا جميعًا بلا استثناء.]
سوبارو: [――――]
آل: [ما السر الذي تخفيه عن حقيقة تلك الفتاة؟]
وكانت نظرات استجوابه حادة وقاطعة لدرجة جعلت سوبارو يقف أمام لويس ليحميها خلف ظهره بردة فعل تلقائية.
لم يكن تصرفه بدافع حماية لويس بقدر ما كان جهلًا منه بكيفية ردة فعلها تجاه تلك النظرة الحادة―― كلا، بل حتى سوبارو نفسه لم يكن واثقًا إن كان هذا التبرير صحيحًا.
لكن إن كان ثمة أمر واحد يدركه يقينًا، فهو أنه لم يعد قادرًا على خداعهم وإخفاء الأمر أكثر من ذلك.
كما أن عقل سوبارو الصغير والمتراجع لم يكن قادرًا حتى على اختلاق كذبة تبدو مقنعة.
ولهذا السبب بالذات――
سوبارو: [إنها… لويس هي… مطران خطيئة «الشراهة».]
ولم يكن بوسعه سوى الإفصاح عن الحقيقة الصادمة واضحة جليّة.
△▼△▼△▼△
――الهوية الحقيقية لـ «لويس أرنيب».
سرٌّ كتمه سوبارو عن ريم التي فقدت ذكرياتها، وعن كل من التقاهم منذ أن جُرف إلى إمبراطورية فولاكيا.
وكان سوبارو يتوقع أن المتاعب التي ستنجم عن انكشاف حقيقة لويس كمطران للخطيئة —سواء بالنسبة له أو لمن حوله— ستكون هائلة؛ ――كلا، بل كان محتومًا أن تكون أسوأ بكثير من أي توقع.
ولهذا ظل سوبارو يخفي هذه الحقيقة عن الجميع حتى هذه اللحظة بالذات――
؟؟؟: [――مطران… الخطيئة…]
ردد صوت متردد تلك الكلمات، مستوعبًا الحقيقة الصادمة التي كشف عنها سوبارو.
ولم يكن غريبًا أن يصاب آل وآبل بالذهول من وقع هذا النبأ؛ فمن الطبيعي تمامًا أن يتملكهما الفزع، وأن يطالبا بالتأكد، أو يصرخا مستنكرين مدى سخافة هذا الادعاء.
غير أن الصوت الذي ارتجف أولًا لم يكن صوت آل، ولا صوت آبل.
؟؟؟: [لويس-تشان… مطران خطيئة…]
لويس: [أوو؟]
بالفعل، كانت ميديوم هي صاحبة ذلك الصوت المصدوم.
واتسعت عينا ميديوم الزرقاوان وهي تحدق في لويس بذهول وجمود؛ وأمام نظرات ميديوم تلك، أمالت لويس رأسها وأصدرت صوتًا عفويًا وساذجًا، وكأنها لا تفقه شيئًا مما يقال.
وكانت تلك تحديدًا هي ردة الفعل التي خشاها سوبارو أكثر من أي شيء آخر.
فقد راوده أمل ساذج بأن ميديوم―― كلا، بأن الشقيقين أوكونيل ربما يتقبلان الأمر بعفوية ويضحكان وكأنه أمر عابر لا قيمة له.
غير أن تفاؤله ذاك كان في غير محله إطلاقًا، وأدرك أنه لم يكن سوى وهمٍ مثالي بعيد المنال.
ميديوم: [――――]
فقد كان ذلك «الخوف» الصريح والواضح الذي لا لبس فيه، والذي لمع في عيني ميديوم.
آل: [يا صاح، هذه المزحة ليست مضحكة على الإطلاق.]
سوبارو: [إنـ… إنها ليست مزحة…]
آل: [إن لم تكن مزحة، فالأمر أسوأ وأشد قبحًا!]
وعجز سوبارو —المصدوم من ردة فعل ميديوم— عن مجاراة كلمات آل أو الرد عليها كما ينبغي.
ورفع آل صوته بغضب، وسحب سيفه العريض المقوس من على ظهره بعنف؛ وبالطبع، لم يكن ذلك سلاحًا تقوى ذراع طفل صغيرة وواحدة على حمله بسهولة، فغاص طرف السيف المسلول في الأرض بثقل.
ومع ذلك، إن لوّح به مستغلًا كامل وزن جسده، فسيظل قادرًا على توجيه ضربة؛ وبهذه النية الحادة والمشحونة بالعداء، صوب آل نظراته القاطعة نحو سوبارو ولويس الواقفة خلفه:
آل: [لا بد أنك فقدت صوابك لتصطحب مطران خطيئة معك طوال الوقت؛ ألم تنسَ ما حدث في «بريستيلا» أم ماذا؟]
سوبارو: [هـ… هذا…]
آل: [أنا وبريسيلا… لم يصب الأميرة أي سوء، لكن ذلك كان بمحض الصدفة البحتة فحسب؛ أما رفاقك ومعارفك فقد ذاقوا أقسى الأهوال والويلات، والسبب في ذلك هو تلك الواقفة أمامك تمامًا!]
ولم يكن بوسع سوبارو أن يجادل الغضب الصادق الكامن في صوت آل، الذي اتكأ على مقبض سيفه المغروز في الأرض.
فآل كان على حق تمامًا؛ وبكل المقاييس، كان سوبارو هو المخطئ بلا جدال؛ ما كان ينبغي له أن يصطحب لويس معه، وما كان له أن يترك لها الحبل على الغارب.
كان الأجدر به أن يكشف حقيقتها للجميع، وأن يقيدها بالأصفاد ويحتجزها أسيرة مسلوبة الإرادة والحرية.
لكن سوبارو لم يفعل أيًا من ذلك؛ وفوق هذا كله――
سوبارو: [آ… آبل…؟]
ونظر سوبارو نحو آبل، متسائلًا في قلق عما إذا كان صمته يعني موافقته على ما قاله آل.
فالآن، ومع خوف ميديوم وغضب آل العارم، كان موقف آبل هو الحصن الأخير المتبقي―― ولم يستطع سوبارو حتى أن يحدد لمن سيكون هذا الحصن سندًا.
غير أنه إن قرر الجميع في هذا المكان إعلان العداء للويس واستباحة دمها،
سوبارو: [――――]
فإن سوبارو حينها سيضع حدًا لتردده، وسيتحرك بلا ريب لحمايتها.
آبل: [لا علم لي بالطريقة التي يُتعامل بها معهم في البلدان الأخرى.]
وقبل أن يبتلع سوبارو ريقه، التقت عيناه مباشرة بنظرات ذلك الرجل الذي يرتدي «قناع الأوني» ويحمل حقيبته بثبات.
التقت العيون السوداء بالعيون السوداء، واخترقت تلك النظرة الباردة صدر سوبارو؛ وبدأ عقله يغلق أبوابه وكأنه يرفض مسبقًا الكلمات التي كان ينتظر سماعها وما سيتبعها من مضمون قاطع.
وتسلل ذلك الصوت الصارم ببطء إلى داخل عقله المتخدر:
آبل: [في الإمبراطورية، يُعدم كل من يخدم الساحرة، أيًا كانت أسبابه ودوافعه.]
إعلانٌ حاسم وقاطع من شخص يقف على قمة هرم الإمبراطورية، حتى وإن كان معزولًا عن عرشه في الوقت الراهن.
كان حكمًا صريحًا بالإعدام، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنهما لن يلتقيا في منتصف الطريق أبدًا.
وفي اللحظة التي سمع فيها سوبارو ذلك، أغمض عينيه بقوة――
سوبارو: [――~هڪ، لويس!]
ميديوم: [يا سوبارو-تشين!]
وما إن صرخ باسمها في فورة انفعال واضطراب، حتى التفت يدان صغيرتان حول خصر سوبارو.
وفي اللحظة التالية مباشرة، تردد صوت ميديوم كصرخة فزع، وارتفعت قدما سوبارو عن الأرض ليحلق في الهواء―― كلا، بل إن لويس المتشبثة بخصره هي التي قفزت قفزة شاهقة حاملةً سوبارو معها إلى الأعلى!
لماذا نادى باسم لويس؟ وما القصد الذي كان يكمن وراء ندائه ذاك؟ ضغط سوبارو بأسنانه بقوة، وحبس دموعًا تجمعت في عينيه دون أن يدري لها سببًا واضحًا.
لقد لمعت الفكرة في ذهنه فجأة فحسب:
لويس: [واو.]
أنه لا يجب عليه أبدًا التخلي عن هذه الفتاة الآن، وهي تتشبث بخصره وتطلق تلك الأصوات العفوية.
لم يكن الأمر مجرد رد للجميل وإنقاذ لحياتها لأنها أنقذت حياته من قبل؛ ولم يكن توهمًا لعاطفة شفقة ساذجة أو رغبة سطحية في حمايتها؛ بل كان خاطرًا قاطعًا اندفع إلى عقله دون إذن:
فمع انكماش أطرافه وتراجع قدرات عقله وتفكيره، ندم سوبارو على أنه تسرع في إعطاء حكم أو موقف نهائي تجاه هذه الفتاة التي عجز عن فهم حقيقتها؛
كانت تلك معضلة تخص سوبارو وحده، أمرًا لا شأن لـ ريم به، ولا علاقة له بكل من التقاهم حتى الآن؛
معضلة مصيرية يتعين على ناتسوكي سوبارو مواجهتها بنفسه وبكل ما أوتي من قوة وعزم.
آل: [يا صاح! عُد إلى هنا فورًا! سحقًا――!]
ورفع آل رأسه وصرخ فيه بأعلى صوته، غير أن قدمي لويس لم تتوقفا؛ فركلت الجدار بقوة وقفزت مبتعدة في الهواء.
وبينما كانت تحتضن ظهر سوبارو، ركلت لويس جدار المبنى المطل على الشارع وصعدت إلى السطح، ثم انطلقت بخفة إلى الشارع التالي دون أدنى عناء، ثم إلى الذي يليه.
وفي «كايوسفليم» —تلك المدينة المغطاة بالسقالات الخشبية حيث تتشابك الممرات والمسارات العلوية بحرية— كانت خفة لويس وانطلاقتها الجامحة أمرًا لا نظير له على الإطلاق.
سوبارو: [بـوااغ!]
وبعد بضع قفزات بهلوانية أخرى، حط سوبارو على الأرض وسقط جاثيًا على يديه وركبتيه، يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة وتتابع؛ فقد كان الأمر مجهدًا ومؤلمًا، ليس فقط لتحدي الجاذبية مرارًا وتكرارًا، بل لأن ذراعي لويس النحيفتين كانتا تعتصران صدره وجذعه كالكماشة الحديدية.
وأما لويس —صاحبة هذا الصنيع— فقد راحت تطل بوجهها على سوبارو من الجانب؛ وكان نشاطها المفرط وحيويتها العارمة يثيران غيظه وحيرته.
غير أن هذا لم يكن وقت التذمر من تصرفاتها.
سوبارو: [تبًا… آبل والآخرون…]
كان ذلك المشهد نتيجة تصرفه المتهور وحده؛ والادعاء بأنه ضل طريقه عن رفاقه فحسب سيكون كذبة مفضوحة لن يصدقها عاقل.
لكن لو بقي في مكانه هناك، فمن يدري ما الأوامر الصارمة التي كان آبل سيصدرها؛ وبالنظر إلى غضب آل وانفعاله، فمن المستحيل أن يدع لويس تفلت بسلام دون قتال.
كما لم يكن من الممكن توقع الكثير من قدرة ميديوم على تلطيف الأجواء وتهدئة الموقف.
ومع كل ذلك، كان يلوم قلبه ومشاعره التي عصت رغبته وعجزت عن تسليم لويس إليهم.
لويس: [واو؟]
ومسح سوبارو فمه بكم قميصه، ورفع رأسه ليرى عيني لويس الزرقاوين تنظران إليه ببراءة تامة.
إن مظهر لويس التي لم تكترث إطلاقًا لمشاعر العداء والخوف المحيطة بها، جعل سوبارو يشعر بأنه أحمق تام لأنه أرهق عقله في دوامات التفكير هذه بمفرده.
سوبارو: [أنا أحمق… كلا، أنا بالتأكيد أحمق لا علاج لي.]
وفي الحقيقة، كان أحمق من الطراز الرفيع؛
فبغض النظر عن آبل، كان من قمة الغباء ترك ميديوم وآل خلفه والفرار برفقة لويس هكذا؛
فلم يكن يدري ما الذي يدور في أذهانهم الآن، أو ما الإجراء الذي سيقدمون عليه بعد هذا الهروب.
سوبارو: [ومع ذلك، إن اتخذت قرارًا حاسمًا الآن، فقد أندم عليه طوال حياتي؛ فهذا ليس أمرًا ينبغي لطفل صغير أن يحسمه.]
فحياة الناس وموتهم، ومصير الإمبراطورية في نهاية المطاف، كانت كلها قضايا بالغة الأهمية والخطورة؛ هكذا كان يرى في قرارة نفسه.
كان من غير المنطقي أن يُحسم أمرٌ جلل ومصيري كهذا على يد طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره تقريبًا، تحت وطأة نظرات شخص بالغ لا يعرف الرحمة؛ ――لقد كان هذا خطأً فادحًا.
سوبارو: [أنا واثق من أن «أنا» الحقيقي كان بإمكانه اتخاذ القرار الصائب؛ لذا…]
كان لزامًا عليه إبطال مفعول هذا «التحول إلى أطفال» في أسرع وقت ممكن، والعودة من مجرد الصبي الصغير ناتسوكي سوبارو إلى الشاب ناتسوكي سوبارو.
وبهذه الطريقة وحدها، سيكون قادرًا على التفكير بجدية فيما إن كان عليه مواجهة حقيقة لويس، وإعطاء إجابة مقنعة على القرارات التي اتخذها رفاقه، والوصول إلى خاتمة يرتضيها الجميع.
ولبلوغ هذه الغاية――
سوبارو: [――فلنعثر على أولبارت-سان؛ سأبذل كل ما في وسعي، دون الاعتماد على آبل والآخرين.]
لويس: [آا، أوو!]
ورفعت لويس رأسها مجيبةً سوبارو، ورفعت كلتا يديها في الهواء والابتهاج يملأ وجهها.
يتطلعان إلى مشهد «مدينة الشياطين» من فوق السقالات الخشبية العالية، ويتنفسان جنبًا إلى جنب؛ طفلان صغيران يعقدان العزم على العثور على زعيم الشينوبي، الذي انقلب على أهل «كايوسفليم» وعلى الإمبراطور المعزول.
――وعلى نحو غير متوقع، بات سوبارو ولويس هما «الأوني» (الباحثَين) في لعبة «الغميضة»، وهما نفساهما الطريدتان الملاحَقتان من قِبل «الأوني» في لعبة «المطاردة». [4]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] تنقطع الجملة هنا في النص الأصلي، ولكن بالنظر إلى سياقها وتركيبها باليابانية (『暴食』の――)، فمن المرجح جدًا أنها قُطعت قبل كلمة «السلطة» (権能 – Ken’nō) مباشرة؛ والمقصود هنا هو «سلطة الشراهة».
[2] الكلمة اليابانية المستخدمة في هذا الموضع هي «ناكاما» (仲間 – Nakama)؛ وهي لفظة تحمل معنى عميقًا يجمع بين «الصديق» و«الرفيق» و«الشريك في الدرب»، وتدل على رابطة مصير مشترك تجمع بين الأصحاب.
[3] وحوش المابست (Mabeasts / Majuu) وهي «وحوش الساحرة»: كائنات سحرية متوحشة أوجدتها «ساحرة الشراهة، دافني» قبل مئات السنين؛ وتتميز بطبيعتها العدائية الفطرية وغريزتها لافتراس البشر، وتملك غالبًا قرونًا ترتبط بطاقتها السحرية، كما تنجذب دائمًا نحو رائحة الساحرة. مثل «الأرنب العظيم والحوت الأبيض»
[4] في الألعاب اليابانية التقليدية، وتحديدًا لعبة المطاردة المعروفة بـ «أونيغوكو» (Onigokko) ولعبة الغميضة، يُطلق على الشخص الذي يتولى دور «الباحث» أو «المطارد» لقب «الأوني» (Oni)؛ وهي الكلمة اليابانية ذاتها التي تعني الغول/الشيطان (وهو العرق الذي تنتمي إليه ريم ورام، وكذلك صفة القناع الذي يرتديه آبل). وبناءً على هذه التورية، أصبح سوبارو ولويس هما «الأوني» الباحثَين عن أولبارت، وفي الوقت ذاته هما الطريدة التي يلاحقها «الأوني» (سكان المدينة ذوو القرون).