الفصل 408 - الـ ■■ الخالد
الفصل السابع والأربعون
«الـ ■■ الخالد»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
لويس: [――~هڪ.]
دار جسدها الصغير في الهواء وهو يلتف ويدور مع صرخة خافتة وضعيفة.
ارتطمت الفتاة الصغيرة بالأرض ثم ارتدت عدة مرات دون أن تهدأ قوة اندفاعها، لتتدحرج نحو حافة الشارع؛ واصطدمت بهيكل الخيمة المنهارة التي تفكك قماشها، فسقطت الأعمدة والأقمشة الثقيلة لتسحق جسد الفتاة الصغيرة تحتها بصوت حاد ومفزع.
وشهد سوبارو هذا المشهد وهو عاجز عن النطق تمامًا.
ولم يكن بوسعه اختلاق الأعذار والادعاء بأنه لم يستوعب ما حدث في تلك اللحظة الخاطفة؛
فحتى لو كان صحيحًا أنه لم يملك الوقت الكافي ليمد يده نحوها، فإن عينيه السوداوين رأتا بوضوح وسجلتا كل ما جرى في لمح البصر.
وبسبب ارتباكه وشتات ذهنه، اندفع راكضًا نحو الشارع الخطر دون أي تفكير؛
وكالعادة، رصده العدو ووقع في الخطر، فأصيب آل وميديوم بالجراح لإنقاذه، وفي اللحظة نفسها تقريبًا――
سوبارو: [……لويس.]
فلويس —التي وقفت أمام سوبارو وحمته بذراعيها المفتوحتين— طارت في الهواء وكأنها رُميت ككرة مطاطية خفيفة.
وكان المتسبب في ذلك هو ذلك الفتى من جنس الخراف، الذي برز قرنان من بين شعره الأبيض؛ كانت ذراعاه نحيفتين ولا تختلفان كثيرًا عن ذراعي سوبارو، لكنه مع ذلك قذف سوبارو في الهواء لارتفاع يقارب عشرة أمتار.
وتلقت لويس ضربة ذراع الفتى مباشرة فطارت بعيدًا؛ ورأى سوبارو قطرات دمائها تتناثر، فاستحال عليه أن يظن أنها نجت دون أذى.
الفتى الخروف: [أنا آسف.]
وظلت عينا سوبارو تلاحقان لويس المدفونة تحت حطام الخيمة؛ وارتجفت أذناه من ذلك الاعتذار الضعيف، وانعكست في عينيه صورة الفتى وهو يرفع ذراعيه للهجوم مرة أخرى.
ولم يكن سوبارو قادرًا على فعل أي حركة ماهرة للتفادي.
ففي الأصل، كانت أطرافه تتألم بشدة من أثر سقوطه من ذلك الارتفاع الشاهق، لدرجة أنه لم يستطع تحريك جسده كما ينبغي؛
ولذا، فرغم محاولة لويس التضحية والدفاع عنه، فإن تضحيتها كانت ستذهب سدى――
ميديوم: [――يا سوبارو-تشين!!]
سوبارو: [آه.]
ميديوم: [قِف على قدميك!!]
وقفز ظلٌ نحوه بسرعة واندفاع مذهلين، لتوجه ساقيها بكل قوة نحو كتفي الفتى الصغير.
وتراجع الفتى إلى الوراء وعلامات الدهشة بادية على وجهه؛ وكانت التي تدخلت في تلك اللحظة هي ميديوم، بشعرها الذهبي الطويل الذي يتطاير في الهواء؛ وكان وجهها محمرًا من الجهد والغضب وهي تصرخ في سوبارو ليقف، بينما كان هو ساقطًا على الأرض يرتجف خوفًا وألمًا.
ميديوم: [اهتم بأمر لويس-تشان!]
ودون أن تنتظر لتشجعه أو تواسيه، قالت ميديوم ذلك لسوبارو ثم انطلقت تركض فورًا.
وأمسكت بسيفها الوحيد بكلتا يديها، وبحركات بعيدة كل البعد عن القتال الأنيق الشبيه بالرقص، لكن بكل ما تملك من طاقة وحياة، اندفعت لتطارد الفتى الصغير؛
وشد الفتى ملامح وجهه استعدادًا، وبدا متفاجئًا من شجاعتها وإصرارها أكثر من قوتها الجسدية.
سوبارو: [غـ… أووو……!]
وبينما كانت ميديوم تقاتل بإصرار، تحامل سوبارو على أطرافه المرتجفة وبذل أقصى جهده ليقف؛ ثم اندفع مسرعًا نحو بقايا الخيمة التي سُحقت لويس تحتها.
وراح يرفع أجزاء الهيكل المنهار قطعة بعد قطعة، محاولًا إخراج لويس المحاصرة تحت الحطام.
سوبارو: [لويس، لويس! هـ… هل أنتِ على قيد الحياة؟! ردي عليّ يا لويس!]
وبينما كان يناديها بيأس، شعر سوبارو بحرارة الدموع تتجمع في عينيه من جديد؛
وبدت تلك الحرارة المزعجة وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ مدة لتخرج من عينيه، لكنه تجاهلها وأسرع في إبعاد الحطام بيديه.
وعندها――
لويس: [……أوو.]
سوبارو: [لويس!]
تردد أنين ضعيف، فرأى سوبارو جسد لويس الملطخ بالغبار والأتربة.
وبعد أن سقطت عليها الخيمة المنهارة، تجمعت لويس على نفسها داخل فتحة صغيرة تشكلت بين الأعمدة الساقطة، مما حماها بأعجوبة من أن تُسحق بالكامل تحتها؛
شعر سوبارو ببعض الراحة، لكن خوفًا شديدًا داهمه على الفور بعد ذلك.
سوبارو: [لا أستطيع… تحريك هذا الشيء……]
كانت الدعامة الساقطة في غلظ جذع سوبارو تقريبًا، ولم تتزحزح قيد أنملة سواء دفعها أو سحبها؛ وحتى مع محاولة تطبيق 『مبدأ الرافعة』، عجز عن إيجاد ثقل مناسب يوازنها لرفعها.
وبينما كان يبحث عن طريقة لسحب لويس إلى الخارج، وقعت عيناه على شيء آخر؛ ――فالذي كان يلطخ ثياب لويس البيضاء بلزوجة لم يكن ترابًا، بل بقعًا حمراء من الدماء.
سوبارو: [……آه.]
وتملكه الرعب، فبردت أطرافه وتجمدت أفكاره في رأسه.
هذا هو المعنى الحقيقي للإحساس بالموت؛ فرغم أنه لم ينزف قطرة دم واحدة، إلا أنه شعر وكأن الدماء قد جفت تمامًا من عروقه؛ أليس المفترض أن يشعر بدفء دمه يتدفق في جسده؟ غير أن كل ما كان يشعر به هو دقات قلبه المتسارعة، التي كانت تدق بقوة وكأن قلبه سينفجر.
لويس: [آآآ……]
وبينما كانت تئن بألم وخفوت، راحت البقع الحمراء تتسع وتنتشر على ثياب لويس. وتجمدت أطراف سوبارو الباردة عاجزة عن الحركة؛ وبدلًا من أن يبذل جهده لرفع الحطام، عجز حتى عن مواساتها أو المحاولة بجد لإزاحته.
سوبارو: [لويس… لويس……]
وظل ينادي باسم لويس بصوت يرتجف؛ وانكسرت نبرة صوته وعجز حتى عن نطق اسمها بشكل طبيعي؛ وخدر لسانه―― كلا، بل كان قلب سوبارو هو الذي يرفض بقسوة أن يناديها باسمها.
وحين فكر في الأمر، أدرك سوبارو أنه كان يتجنب نطق اسم لويس قدر المستطاع؛ فمنذ أن قُذف بعيدًا عن ذلك البرج الشاهق برفقة ريم، ظلت لويس تلازمه طوال الوقت؛ وكان سوبارو دائم الحذر منها، ينفر منها ويتعامل معها بجفاء وقسوة.
ومع ذلك، لم تفعل لويس ولو لمرة واحدة أي شيء يؤذي سوبارو أو يضايقه.
فلم يكن يريد أن تكرهه ريم، ولم يكن يريد لمن حوله أن يخافوا منه وينفروا عنه؛ وخوفًا من تلك الأشياء، كان سوبارو يرفض دائمًا الاقتراب من لويس، وظل يؤجل قراره بشأن ما سيفعله بها.
لماذا كان يخشى لويس إلى هذه الدرجة؟
فعقله المتخدر، وأطرافه الباردة، ولسانه الجاف، وقلبه الذي يوشك على الانفجار، كل ذلك منعه من الفهم والتفكير السليم؛ ولم يعد يذكر جيدًا ما فعلته لويس به في الماضي؛ وبدا وكأن ذكرياته غطاها الضباب، وفي هذه اللحظات بالذات، عجز عن فتح درج ذكرياته القديمة.
لكن كان هناك أمر واحد واضح وضوح الشمس، دون حاجة لفتح ذلك الدرج:
أن لويس نزفت دماءها وهي تحاول حماية سوبارو.
――وهذه وحدها حقيقة لا يمكنه نسيانها، ولا يمكنه غض البصر عنها أبدًا.
سوبارو: [لا… لا تموتي……]
لويس: [――――]
سوبارو: [لا تموتي يا لويس! لا يمكنكِ أن تموتي، إياكِ أن تموتي……! أرجوكِ……!]
وحشر سوبارو جسده الصغير عبر فجوات الأعمدة المنهارة، وجثا على ركبتيه بجانب لويس.
وبدلًا من أن يسحبها للخارج، لم يملك سوى أن يصرخ بصوت عاجز لا حيلة له؛ وأمسك بيد لويس، يضغط عليها بقوة بين كفيه الصغيرتين، وتوسل إليها بيأس بكل ما في قلبه من رجاء:
سوبارو: [أرجوكِ لا تموتي……!]
ونسي حتى أن يبحث عن أي وسيلة عملية تنقذها من الموت، واكتفى بهذه الأمنية اليائسة.
ومع صوت سوبارو المرتجف، انفتحت جفنا لويس ببطء، و――
لويس: [――أوا، أوو.]
وخرج منها صوت ضعيف، بينما استعادت عينا الفتاة الصغيرة بريقًا خافتًا من الحياة.
△▼△▼△▼△
ميديوم: [هيااااا ~هڪ!]
وهي تلوح بأحد سيفيها الذي أمسكت به بكلتا يديها، تصدت ميديوم للفتى الصغير أمامها.
ورغم محاولته إظهار القوة والبرود، استطاع الفتى الخروف أن يصد ضربة ميديوم بكل سهولة بذراعه المرفوعة؛ ――بالمعنى الحرفي للكلمة، اعترض نصل السيف بذراعه العارية ورده بعيدًا.
ميديوم: [آاارغ، ما أصلبه! لا أستطيع جرحه على الإطلاق! هذا غش وظلم!]
فمنذ لحظات، وميديوم تضرب بسيفها بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد الفتى القوي كان يرد ضرباتها في كل مرة؛ فجلده وشعره وأصابعه ورأسه، كل جزء من جسده كان شديد الصلابة لدرجة أصابتها باليأس والعجز.
ولم تكن المشكلة فقط في أنه لا يتأثر بأي ضربة، بل كان هناك ما هو أخطر من ذلك――
الفتى الخروف: [――~هڪ!]
ميديوم: [هذا خطير!!]
فقد مرت ذراع الفتى —التي لوّح بها بعنف— بمحاذاة ميديوم لتصطدم بالأرض مباشرة؛ واهتزت الأرض تحت قدميها بقوة، وفُتحت في الأرض حفرة تفوق حجم ذراعه التي ضرب بها بمراحل.
كما أن القوة الهائلة لضربات الفتى الصغير جعلتها تشعر بالدوار؛ والسبب الوحيد الذي مكّن ميديوم من النجاة وتفادي تلقي ضربة قاضية ومباشرة منه هو ذلك التوقف والبطء بين حركاته.
ميديوم: [جسده صلب للغاية، ويبدو قويًا جدًا، لكن أسلوبه في القتال رديء!]
وفكرت ميديوم بأنه يشبه رضيعًا حظي فجأة بجسد ضخم.
ورغم أنها لم ترَ من قبل رضيعًا في جسد كبير كهذا، إلا أنها وصفت ما شعرت به في تلك اللحظة، ورأت أن هذا التشبيه ينطبق عليه تمامًا.
وحتى الآن، كان كل ما عليها فعله هو مجاراة هذا الفتى الصغير، ولكن――
ميديوم: [يجب أن أسرع، وإلا سيتجمع الآخرون هنا أيضًا……]
وتذوقت طعم التراب حين لعقت شفتيها، واشتعل داخل ميديوم قلق شديد من البقاء في هذا المكان طويلًا.
فقد اندفعوا بمحض الصدفة إلى شارع لا يوجد فيه الكثير من المطاردين، لكن إن استمرت هذه الجلبة فسيُكشف أمرهم فورًا، وسيتجمع رفاق الفتى الصغير في هذا المكان بلا شك.
وإن حضر من هم أضخم من هذا الفتى، أو مقاتلون يتقنون فنون القتال حقًا، فلن تقوى على مواجهتهم بسيفها بعد الآن.
ولو لم تكن بمفردها، لكان بإمكانها على الأقل التفكير في خطة للتحرك، ولكن مع ذلك――
ميديوم: [يا آل-تشين! أتسمعني يا آل-تشين!]
رفعت ميديوم صوتها بالنداء، وهي تقفز وتتفادى ضربات الفتى الواسعة والعنيفة.
كانت ميديوم تنادي بيأس ذلك الفتى الصغير الجاثم عند طرف بصرها المغطى بالقناع والرداء―― كلا، بل كانت تنادي آل؛ فمن جهة، هو طفل الآن، وحالته في استخدام السلاح أسوأ بكثير من حالتها، لكنها تمنت في قرارة نفسها أن يملك طريقة للتعامل مع هذا المأزق غير الاعتماد عليها وحدها.
آل: [――――]
لكنه لم يستجب لنداءات ميديوم؛
ولم يكن الأمر وكأنه صدم رأسه أو فقد وعيه حين طار في الهواء، بل كان آل في كامل وعيه، وحاول المساعدة في القتال بصدق قبل لحظات؛
أما الآن، فقد توقف فجأة عن الحركة، وجثا على ركبتيه محبطًا ومنكس الرأس.
وظل جاثيًا يحدق بذهول في يده اليمنى من تحت قناعه ورداء رأسه――
آل: [……لـ، لماذا؟]
همس بها وصوته يرتجف،
وكأنه قد أفلت، أو فقد شيئًا كان يُفترض أن يظل ممسكًا به في قبضته.
ميديوم: [يا آل-تشين……!]
وبينما كانت تنظر بطرف عينها إلى آل الذي عجز عن الوقوف، تسلل الشك واليأس إلى أعماق قلب ميديوم؛
وفي تلك اللحظة بالذات، خارت القوة من يديها القابضتين على السيف، فضغطت ميديوم على أسنانها بقوة.
――هكذا كان الأمر معها دومًا؛
فمتى ما انكسرت معنويات ميديوم وذبلت مشاعرها، تلاشت معها قوة جسدها تلقائيًا؛ ولهذا السبب، كانت ميديوم تحرص دائمًا على أن تكون مبتهجة، صاخبة، وصامدة.
فإن كانت مشاعرها حيوية ومقبلة، استطاعت ميديوم أن تبذل أقصى طاقتها؛ والسبب الذي جعل شقيقها الأكبر «فلوب» يشجعها دومًا بعبارة: “ابذلي جهدك!” كان من أجل دفعها للأمام ودعم عزيمتها؛
لكن فلوب لم يكن هنا الآن، ولا يوجد أحد ليقول لها تلك الكلمات.
فالجميع منشغلون بمشاكلهم ومآزقهم، وميديوم نفسها قد انكمش جسدها، لدرجة أنها عجزت عن حمل أكثر من سيف واحد، وباتت على وشك الهزيمة أمام فتى صغير.
؟؟؟: [――ها هم أولاء!!]
ميديوم: [آه.]
تردد ذلك الصوت في المكان ليزيد من يأس ميديوم وخوفها؛
وبينما تفادت ذراع الفتى المتأرجحة وغيرت موضع وقفتها، اتسعت عينا ميديوم؛ وانعكست في بصرها —من الجانب الآخر للشارع— نجدات إضافية للأعداء، والشعلة القرمزية تتقد في إحدى أعينهم.
واقترب الرجال المندفعون بشراسة من خلف آل الجاثي على ركبتيه؛ وحتى لو اندفعت في لمح البصر لإنقاذه، فسيتعين عليها تجاوز الفتى الصغير الذي يسد الطريق بينهما؛
――لن ألحق بهم؛ سيموتون حتمًا؛ آل-تشين، وسوبارو-تشين، ولويس-تشان، سيموتون جميعًا!
الجميع سيهلكون.
وكادت تسقط السيف الذي تقبض عليه، وراحت ميديوم تنادي شقيقها الأكبر في عقلها بيأس؛
لو أنها تستمع إلى صوت شقيقها وتشجيعه ودعمه مرة أخرى فقط…
غير أن أولئك المهاجمين الجدد الذين يقتربون من آل كانوا أسرع بكثير من أن يدركهم صدى تشجيع في الخيال.
وجسد آل الصغير، كان على وشك أن يُمزق بيد امتدت نحوه من الخلف――
؟؟؟: [――ألن تتحرك بعد أيها الأحمق؟]
وقبل أن تصل تلك المخالب الحادة إلى آل، امتدت ساق من الجانب وركلت كتفه لتبعده؛ فسقط جسد آل جانبًا، لينجو بأعجوبة من ضربة كادت تمزق عموده الفقري.
وكان صاحب هذا التدخل العنيف رجلًا يخفي وجهه خلف «قناع الأوني».
ميديوم: [يا آبل-تشين؟]
خرج اسمه من فمها الذي فغرته دهشةً، والتفتت حواس آبل نحوها للحظة قصيرة.
ورغم القناع، شعرت ميديوم بحدة تلك النظرة المتبادلة بينهما، فانحنى كتفاها قليلًا؛ فآبل —الذي ترك مهمة مواجهة الفتى الصغير لميديوم والآخرين— نزل الآن بنفسه إلى أرض المعركة.
ولم يعد قادرًا على مجرد الوقوف والمشاهدة؛ ولا شك أنها ستتلقى توبيخًا منه على ذلك؛ وكانت تكره أن يوبخها أحد.
ففي مرات كثيرة في الماضي، تعرضت للتوبيخ والضرب؛ وخاصة أنها —رغم صغر حجمها آنذاك— كانت تأكل كثيرًا؛ ضَربٌ وتوبيخٌ يتكرران بلا انقطاع.
ولذا، ما إن ظنت أنها ستُوبخ حتى انكمش جسدها خوفًا――
آبل: [ميديوم.]
وحين نادى اسمها، انكمشت ميديوم وهي ترتعد خوفًا من التوبيخ الذي سينصب عليها.
غير أن آبل تجاهل خوفها، وتابع كلامه قائلًا:
آبل: [――تماسكي واستعدي.]
ميديوم: [――――]
كانت نبرة جافة، لكنها جعلت عينيها تتسعان من ذلك الصوت الذي هز أذنيها، فضغطت ميديوم بأسنانها الصغيرة بقوة؛ ضغطت عليها وشدت عضلات وجهها، وشعرها الذهبي يتطاير في الهواء.
ميديوم: [أجل! سأبذل كل ما عندي――!!]
وبقوة هائلة تدفقت في جسدها وكأنها دفعة خيالية، انقضت ميديوم على الفتى الصغير أمامها.
تراجع الفتى الصغير مذهولًا من شراسة الهجوم، فطاردته على الفور؛ فضربت ذقنه إلى الأعلى بظهر سيفها الصاعد من الأسفل، ثم ركلت جسده المكشوف، وداست على ركبتيه المنبسطتين، وسددت ركلة قوية أخرى إلى رأسه.
ومع انقلاب الموقف لصالح ميديوم فجأة، اضطر الفتى الصغير إلى التراجع والدفاع عن نفسه فحسب.
ورغم شعورها بأن ما تفعله يشبه التنمر قليلًا، إلا أن ميديوم رفعت قبضتها وراحت تنهال عليه باللكمات الواحدة تلو الأخرى؛ وفي خضم تلك الضربات، تردد صدى صوت قديم في عقلها:
――هذا صحيح؛ رد الصاع صاعين لمن آذاك شعور رائع حقًا، أليس كذلك!
كانت تلك كلمات صاحب الفضل الذي أنقذ ميديوم وفلوب من ظروف مأساوية في الماضي؛ ذلك الرجل الذي علمها كيف تقاتل، وكيف تعيش؛ وحين تذكرت كلماته، ابتسمت ميديوم.
وابتسمت وهي تفكر في سرها: «لكن ضرب أحدهم بكثرة لا يعطي شعورًا لطيفًا أيضًا~!»
ميديوم: [هياااااا!]
ومع تلك الخاطرة، سددت ضربة بكل ما تملك من قوة نحو رأس الفتى الصغير، فطارت جثته الصغيرة بعيدًا في الهواء.
ضربة كانت كفيلة بقطع عنق أي شخص عادي، لم تكن سوى ضربة قوية عادية بالنسبة لهذا الفتى شديد الصلابة؛ ومع ذلك، وبعد أن تمكنت من إبعاده بمفردها، كان عليها التوجه فورًا لمساعدة آل وآبل――
؟؟؟: [أيتها الصغيرة المتمردة……!]
ميديوم: [آوخ! يا للمصيبة!]
فمن شدة تركيزها على قتال الفتى الصغير، غفلت عن أخذ الحيطة من عدو اقترب منها من الخلف.
أُمسك شعرها بعنف، ورُفع جسد ميديوم بسرعة في الهواء؛ ومع بقاء قدميها معلقتين، عجزت عن شن أي هجوم مضاد في تلك اللحظة.
ميديوم: [أُغـه~! آااه، كفى!]
وراحت ترفس بساقيها وعيناها تفيضان بالدموع من شدة ألم شد شعرها، ثم التفتت إلى الخلف لترى أن من يمسك بها هو عملاق من جنس وحيد القرن، أضخم حتى من جسد ميديوم قبل أن ينكمش.
بجلد ولحم أسمك وأصلب من جسد الفتى الصغير، فلم تؤثر فيه ركلاتها على الإطلاق.
ميديوم: [أنا آسفة! لا أستطيع الإفلات!]
وهي تتلوى وتقاوم، أدارت ميديوم رأسها وصرخت بكل ما أوتيت من قوة.
وحين نظرت، رأت آل الذي رُكل لا يزال ساقطًا على أرض الشارع، بينما كان منقذه آبل محاصرًا بتعزيزات الأعداء التي وصلت، ومحشورًا عند أحد الجدران.
وكانت ميديوم تعلم جيدًا أنه من المستحيل على جسد آبل الضعيف القضاء عليهم جميعًا.
ولذا――
ميديوم: [يا آبل-تشين! خذ آل-تشين واهربا فورًا!]
فكل ما تمنته هو أن يجدوا فرصة مناسبة ويلوذوا بالفرار.
ومع صوت ميديوم اليائس، سد الرجال المحيطون بآبل طريق الهروب ليحجبوا عنه أي مخرج ورؤية؛ وعندها، تقدم أحد الرجال نحو آبل―― وكان رجلًا بهيئة ثور في منتصف العمر.
الرجل الثور: [أنا آسف، لكن لا يمكننا ترككم تهربون؛ هنا والآن، سينتهي أمركم جميعًا……]
آبل: [――أنت من جنس الثيران، والذي واجهناه قبل قليل كان من جنس الخراف.]
الرجل الثور: [ماذا؟]
آبل: [والذين حاصروا النزل كانوا جميعًا من ذوي القرون أيضًا…… وأي شخص يمكنه استيعاب الأمر بمجرد الربط بين الأحداث؛ إنها الأجناس ذات القرون هي التي تستهدفنا.]
ولم يخالط صوت آبل أي ذرة خوف، رغم أنه كان محاصرًا وفي مأزق محقق؛ بل إن كلماته الحازمة ونبرته المليئة بالثقة —رغم الحصار— أربكت الرجال وأثارت حيرتهم.
――كلا، لم يكن موقف آبل الجريء وحده هو ما أربكهم، بل كانت ملاحظته نفسها في حد ذاتها.
ميديوم: [ذوو… قرون……]
ومع قولها ذلك، أدارت ميديوم عينيها ونظرت نحو العملاق من جنس وحيد القرن الذي يمسك بشعرها.
وكان تركيز ذلك العملاق الضخم مشدودًا هو الآخر لكلام آبل قبل قليل؛ ولمحت ميديوم وجود قرن غليظ وبارز فوق أنفه العريض.
والآن بعد أن نبههم آبل إلى ذلك، تذكرت الفتى الخروف قبل قليل، وكذلك جموع الناس الذين استدرجتهم تاريتا عند النزل؛ فجميعهم كانوا يحملون قرونًا في رؤوسهم بالفعل.
ميديوم: [ولكن، ما المشكلة في ذلك؟!]
آبل: [أيتها المغفلة؛ ――أليس هذا هو السبب الأساسي وراء كل ما يحدث؟]
ميديوم: [إيه؟]
رد آبل وكأنه سمع صرخة ميديوم في داخله.
لكن ميديوم لم تكن قادرة على رؤيته من مكانها، ورغم أنه أخبرها بأن هذا هو السبب، إلا أنها عجزت عن فهم أي شيء من مقصده؛ وبدلًا من أن يشرح لها الأمر بهدوء لتفهم، تمنت لو يتحرك فورًا لإنقاذ الموقف دون انتظار فهمها؛ وإلا، فبهذا المعدل――
آبل: [――يمكنك أن تجرب بنفسك.]
الرجل الثور: [إيه؟]
ولم تكن تلك الكلمات ردًا على ما يجول في خاطر ميديوم؛
بل قيلت تلك العبارة بكل هيبة وجدية، بينما كان آبل يحدق مباشرة في الرجل الثور الواقف في مقدمة المحاصرين له.
واتسعت عينا الرجل الثور ونظر إلى آبل بتحدٍ؛ وإزاء ردة فعل الرجل، واصل آبل كلامه ببرود:
آبل: [يمكنك أن تجرب بنفسك، لترى إن كنت قادرًا على قتلي.]
الرجل الثور: [……وهل في كسر رقبتك النحيلة أي صعوبة؟]
واشتعلت عين الرجل اليسرى بلهب قرمزي وهو يدوس على الأرض بقوة.
وحتى دون تأثير «تقنية زواج الأرواح» الخاصة بـ يورنا، كان من السهل على ذراع الرجل الضخمة أن تحطم عنق آبل بكل بساطة.
وقد عقد هؤلاء الرجال عزمهم بالفعل على قتله، وتملكهم الإصرار الكافي لسحق عنقه.
ودون أي اكتراث، شبك آبل ذراعيه بثقة، وحدق في خصمه بعينيه السوداوين من خلف «قناع الأوني»――
آبل: [معرفة ما إذا كان الأمر سهلًا أم لا تتضح بالفعل لا بالكلام؛ لذا، يمكنك أن تجرب. فإن كنت تملك الجدارة الكافية، فستكافئك النيران؛ ولكن――]
الرجل الثور: [ولـ… ولكن ماذا؟]
آبل: [وإن كنت تفتقر إلى تلك الجدارة، فستحرق النيران روحك حتى الرماد. ――والآن، ما الذي تنوي فعله؟]
الرجل الثور: [――――]
قال آبل ذلك وهو يشبك ذراعيه بثبات، بينما غرق الرجل الثور في صمت مطبق.
لقد كان يخسر حربه النفسية أمام هذا الرجل النحيل الواقف بكل هدوء وثبات أمامه؛ وبطبيعة الحال، لا شك في أن الغلبة ستكون للرجل الثور إن احتكم الأمر إلى القوة العضلية المجردة؛ لكن ما سر هذا الثبات العجيب وهذا الهدوء القاتل؟
أليست الإجابة كامنة في تلك الكلمات المهيبة والغامضة التي قالها للتو؟
آبل: [يمكنك أن تجرب. ――لترى إن كنت قادرًا على النجاة من نيران الحكم.]
الرجل الثور: [غـ… أُغـه، أوووغ……!]
وارتجف حلق الرجل الضخم وهو يطلق أنينًا مخنوقًا تحت وطأة الضغط النفسي؛ وكان العرق يتصبب بغزارة من جسده المشدود من شدة التوتر، حتى إن أحدًا من رفاقه لم يجرؤ على التدخل أو مد يد العون له.
فمنذ اللحظة التي رأوا فيها عيني آبل، خرج الجميع من المشهد تمامًا؛
وباتت المواجهة محصورة فقط بين آبل وذلك الرجل الواقف أمامه دون غيره.
وتردد صوت صرير أسنانه المتصاكة بقوة مرة بعد أخرى――
الرجل الثور: [آاغ، آااااارغ!!]
ومع صوت احتكاك أسنانه من شدة الغيظ، رفع الرجل كلتا ذراعيه وكأنه يحاول التخلص من ذلك الضغط الخانق؛
هجوم لا يهدف إلى كسر عنق آبل فحسب، بل إلى سحق جسده وإنهاء حياته بالكامل؛ وبضربة من ذراعي الرجل الغليظتين كجذوع الشجر، سيتحول جسد آبل النحيل إلى أشلاء ممزقة.
وتخبطت ميديوم بكل ما تملك محاولةً التملص من قبضة من يمسك بها، لكن دون أدنى جدوى.
ظل آل ساقطًا على الأرض دون حراك، ولم يلتفت إلى المأزق الذي يواجهه آبل؛
وكذلك كان حال سوبارو ولويس――
ميديوم: [――إيه؟]
فقد كانت لويس مدفونة تحت الخيمة المنهارة، واندفع سوبارو في إثر ذلك لإنقاذها؛ واستطاعت ميديوم أن ترى سوبارو وهو يزحف بين الحطام ممسكًا بيد لويس؛
ورأت لويس المحاصرة تتحرك بخفة، و――
――وفي اللحظة التالية، اختفى جسدا الاثنين فجأة من تحت أنقاض الخيمة!
لويس: [أوو!]
وفي تلك اللحظة بالذات، انطلقت لويس التي اختفت لتسدد ضربة صاعدة مباشرة تحت ذقن الرجل الثور، الذي كان رافعًا ذراعيه في الهواء!
△▼△▼△▼△
وبدا أن سوبارو نفسه لم يستوعب ما حدث للتو؛
فقد كان متشبثًا بلويس المدفونة تحت الخيمة وهي تنزف الدماء ببطء؛ وراح يلقي عليها كلمات متخبطة يرجوها ألا تموت، بدلًا من مواساتها أو التفكير في خطة لإنقاذها؛
وظن سوبارو أنها تحركت استجابة لتلك الكلمات، وفي اللحظة التي تلتها مباشرة――
تغير مجال رؤية سوبارو بالكامل، وأحس بشعور غريب وكأن العالم ينقلب رأسًا على عقب.
سوبارو: [أُهـ، إغـ.]
لم يكن الأمر مجرد سرعة فائقة أو توقف للزمن؛
بل نُقل سوبارو بالفعل إلى مكان آخر تمامًا في طرفة عين!
وفوق ذلك كله――
آبل: [أنت……]
نطق آبل بذلك وانحبست أنفاسه لبرهة من فرط المفاجأة حين ظهر سوبارو فجأة أمام عينيه؛
كان آبل يسند ظهره بهدوء إلى الجدار وهو يشبك ذراعيه؛ وأمام مشهد وقوفه ووجود الرجال المحاصرين للمكان، كاد سوبارو يسقط على الأرض من شدة الذهول؛
أما دموعه التي تجمعت خوفًا على لويس، فقد تراجعت الآن وغصّ بها حلقه؛
وحين التفت إلى لويس —التي غابت عن بسامي وسط هذا التطور المفاجئ――
لويس: [آا، أوو!]
الرجل الثور: [غواغ!؟]
استدارت لويس بجسدها، وقفزت بين الرجال برشاقة وحركة خاطفة تشبه كرة الارتداد السريعة، مسددةً ضربات إلى مقاتلهم في الرؤوس والصدور والركب، مجبرة إياهم على التراجع؛
واتسعت أعين الرجال دهشة من براعتها وقوتها الفائقة، وتراجعوا جميعًا إلى الخلف وهم فاغرون أفواههم؛
وفي تلك الفجوة التي أحدثتها دهشة الرجال وتألمهم، انتقلت لويس إلى حركتها التالية فورًا؛
لويس: [وااو!]
وانسلّت لويس عبر الفراغ بين الرجال لتفلت من حصارهم؛ ووضعت أطرافها الأربعة على الأرض كالحيوان، ثم قبضت على سطح الأرض بكلتا يديها وقشرت سطحها؛
حركة تشبه سحب بساط ممدود على الأرض بقوة وعنف―― وبالطبع، يستحيل وجود بساط ممدود وسط شارع في المدينة؛ غير أن الأرض بدت وكأنها تحركت واهتزت بالفعل؛
وفقد الرجال توازنهم إثر ذلك، ليسقطوا أرضًا في أماكنهم!
أحد الرجال: [ما هذا؟! ما خطب هذه الفتاة الصغيرة……!]
لويس: [أو! أواو!]
أحد الرجال: [أيتها اللعينة!]
ووسط الرجال الذين ترنحوا وفقدوا توازنهم، استطاع شاب من جنس الغزلان أن يثبت قدميه بصعوبة؛ وضغط على شفتيه بغيظ ثم اندفع راكضًا للإمساك بلويس؛ فقذفت لويس قطعة الأرض التي قشرتها قبل لحظات نحو الشاب؛ وفي اللحظة التي حاول فيها الشاب إبعادها بذراعه، عادت الأرض فورًا وبلا عائق إلى حالتها الأصلية الصلبة؛
بمعنى آخر، تحولت إلى جدار ترابي مصمت بكتلته وصلابته الكاملة!
الرجل الغزال: [بوغاه!؟]
واصطدم الشاب وجهًا لوجه بالجدار الترابي، ليرتد إلى الخلف وهو يتجرع مرارة الضربة المعاكسة؛
وعلى الفور، شقت لويس الجدار المتصدع وقفزت منه لتستقر بطنا قدميها في وجه الشاب مباشرة، فسقط هذه المرة على الأرض والدم ينزف من أنفه بلا ريب.
أحد الرجال: [أيتها الشقية!]
لويس: [وااو!]
ونهض الرجال متأخرين قليلًا، وتجاوزوا جسد الشاب الساقط ليقتربوا من لويس؛ غير أنه في اللحظة التي كادت أطراف أصابعهم تلمسها فيها، تلاشت لويس من أمامهم مجددًا وكأنها وهم وسراب!
وفي اللحظة التالية، ظهرت الفتاة الصغيرة فوق جدار يرتفع نحو مترين عن الأرض، وسحبت قشرة الجدار بنفس الطريقة التي فعلتها مع الأرض قبل قليل، ثم أعادتها إلى طبيعتها الصلبة؛
فانفصل سطح الجدار بكامل كتلته وحجارته الصلبة، ليهوي كالمطر الصخري فوق رؤوس الرجال!
أحد الرجال: [آاااااارغ――!!]
ترددت الصرخات والزمجرة في أرجاء الشارع، بينما تلاعبت لويس بمفردها بهؤلاء الرجال أصحاب القوة الهائلة.
ورأى سوبارو هذا المشهد وهو ملقى على الأرض، عاجزًا من فرط الذهول.
سوبارو: [لـ… لويس، هذا الشيء هو……]
رفع سوبارو ذراعه بصوت يرتجف، وانكمش رعبًا أمام هذا المشهد الكابوسي الذي يقع أمام عينيه.
كابوس؛ نعم، كابوس حقيقي. كان هذا، دون أدنى شك، هو الكابوس الذي لطالما خشي سوبارو وقوعه.
تقشر الأرض والجدران كما تشاء، وتنتقل مكانيًا لمسافات قصيرة في طرفة عين، وتُظهر مهارة قتالية تضاهي أمهر محاربي الفنون القتالية، وتطيح بالرجال واحدًا تلو الآخر.
وكان واضحًا أن هذه ليست قوة خارقة ولدت بها تلك الفتاة الصغيرة―― كلا، بل إن ناتسوكي سوبارو يعرف كل شيء عنها، حتى أصل ومصدر تلك القوة.
كانت تلك، وتلك بالتحديد، هي القوة المحرمة التي لا ينبغي أن توجد، الـ ■■ التي يجب أن تفنى وتزول――.
آبل: [كنت أدرك أنها ليست مجرد فتاة عادية، والآن فهمت كل شيء.]
سوبارو: [إيه……؟]
وبجانب سوبارو —الذي ظل منكمشًا في مكانه وعاجزًا إلا عن متابعة الموقف في ذهول تام— تمتم آبل بتلك الكلمات.
وبينما كان آبل يتمتم وهو يشاهد نفس المنظر، اضطربت نظرات سوبارو دون أن يفهم قصده الحقيقي؛ ودون أن يلتفت إليه بالكامل مكتفيًا بمراقبته بطرف عينه، أشار آبل إلى الأمام، نحو لويس التي كانت تسحق مطارديهم دون أي مقاومة تذكر:
آبل: [إذن، هذا هو السبب الذي جعلك تبقي تلك الفتاة برفقتك طوال الوقت.]
سوبارو: [أ… أنت مخـ……]
وأراد سوبارو أن يصرخ في وجهه معترضًا ومنكرًا ذلك في الحال.
لكن لو سُئل بعد ذلك عن سبب إبقائها معه، لعجز عن إعطاء أي إجابة؛ فهكذا كان عجزه طوال الوقت، وهكذا سيكون الآن أيضًا.
العملاق وحيد القرن: [توقفوا! من الأفضل لكم أن تطيعوا، وإلا فإن هذه الفتاة ستـ―― غـاه!؟]
لويس: [أواو!]
وعندما رأى ذلك، رفع العملاق من جنس وحيد القرن صوته في محاولة لوقف هزيمة رفاقه وانهيارهم.
وحاول اتخاذ ميديوم —التي كان يقبض عليها بذراعه الضخمة— رهينة، لكن هجوم لويس باغتَه قبل أن يكمل تهديده.
انتقلت لويس آنيًا لمسافة أمتار قليلة، وضربت رأس الرجل من كلا الجانبين بكلتا يديها وبكل قوتها؛ ومع صفعتها العنيفة على أذنيه، دارت عيناه وانقلبتا بياضًا قبل أن ينهار ساقطًا على الأرض.
ميديوم: [واااه كيااا~ه…… لـ… يا لويس-تشان؟]
لويس: [آاااووو.]
وبعدما أُفلتت فجأة، سقطت ميديوم على الأرض بينما قفزت لويس أمامها؛ وربتت ميديوم على رأس لويس وهي تتلفت حولها مترنحة بدهشة؛
ففي محيط بصر ميديوم، كان كل من احتشدوا في الشارع ممددين على الأرض فاقدي الوعي؛
فقد أسقطت لويس بمفردها أكثر من عشرة أعداء.
آبل: [انكشفت حقيقتك أنت والمهرج إذن؛ حسنًا، لا ضير في ذلك.]
سوبارو: [هـ… هذا كلام لا يُعقل…… ما الذي يحدث هنا أصلًا!]
آبل: [لا تحدث جلبة؛ فهذا سيجلب بقية الرجال إلى هنا. اذهب وساعد ذلك المهرج.]
أشار آبل بذقنه ببرود دون أن تبدو عليه أي مشاعر بعد نجاته من المأزق، وأصدر أمره.
وكان في الاتجاه الذي أشار إليه آل، جاثمًا على الأرض بلا حراك؛ وخوفًا من أن يكون قد تعرض لإصابة بليغة حين غفلوا عنه، هرع سوبارو نحوه مسرعًا.
سوبارو: [آ… آل! مهلًا، هل أنت بخير؟! هل أصبت بجروح……]
آل: [……لستُ… بخير على الإطلاق.]
سوبارو: [――! هل أنت مصاب؟! أين مكان الإصابة؟! يجب أن نعالجها فورًا……]
آل: [ليس هذا ما أقصده!]
سوبارو: [――~هڪ.]
وبعدما ركض سوبارو إلى جانبه وهز كتفي آل، صرخ فيه آل بصوت جهوري وحاد؛ ورأسه منكس إلى الأسفل، رفع يده المرتجفة وقبض على راحة يده اليمنى بقوة:
آل: [――أنا عديم الفائدة.]
سوبارو: [……هـ… هذا ليس صحيحًا――]
آل: [أنا عاجز تمامًا. في حالتي الراهنة هذه، سأموت لا محالة.]
سوبارو: [――؟ ماذا… ما الذي تعنيه بـ……]
وحاول سوبارو أن يسأله بصوت يرتجف عما يقصده؛
غير أن حيرة سوبارو قاطعها صوت مضطرب وقلق قادم من خلفهما:
ميديوم: [يا آبل-تشين! لا تفعل شيئًا قاسيًا كهذا!]
آبل: [الزمي الصمت؛ ثمة أمور لا بد من التحقيق فيها.]
ميديوم: [ولكن مع ذلك……]
كان صوت ميديوم ينضح بالقلق والانفعال، وقابله صوت آبل الهادئ؛ والتفت الاثنان ليتجها نحو طرف الشارع، حيث سقط هناك الفتى الخروف―― ذلك الفتى الصغير الذي قذف سوبارو في الهواء بكل ما أوتي من قوة عندما وصل إلى هذا الشارع لأول مرة.
تحامل الفتى الصغير على نفسه لينهض، وملامح الرعب بادية بوضوح على وجهه.
وكان خوفه مفهومًا تمامًا؛ فهو لم ينكمش جسده مثل الآخرين، بل كان طفلًا حقيقيًا في بنيته الجسدية؛ وبعد أن رأى هؤلاء البالغين يسحقون رفاقه تمامًا، وفوق ذلك ينظر إليه رجل يرتدي قناعًا بوجه شيطان «الأوني» من علٍ، فلا يعقل ألا يرتعد خوفًا.
لكن آبل لم يُبدِ أي ذرة شفقة تجاه الفتى المذعور.
فأمسك بكتف ميديوم التي حاولت إيقافه وأجبرها على التراجع، ثم جثا آبل على ركبتيه أمام الفتى الصغير؛ وتقلصت المسافة بين وجهيهما، بينما خبا بريق اللهب المشتعل في عين الفتى المذعور وتلاشت عزيمته أمام هيبة آبل.
وتجاهل آبل نظرات الخوف في عيني الفتى، وألقى عليه سؤاله؛
سؤالًا مقتضبًا ومباشرًا――
آبل: [ممثلة الأجناس ذات القرون التي دبرت هذه المؤامرة―― تلك الفتاة التي تدعى «تانزا»، أين تختبئ؟ انطق بمكانها فورًا.]
هكذا سأله آبل.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] من الصعب نقل الرمز «■■» الوارد في عنوان الفصل بدقة إلى العربية، لكن في الوقت الحالي يمكن وضع بعض التخمينات حول الكلمة المكونة من حرفين (كانجي) التي يتعمد الكاتب إخفاءها؛ وأقرب الاحتمالات ترجيحًا هي: «السلطة» (権能 – Authority)، أو «الشراهة» (暴食 – Gluttony)، أو «الذكريات» (記憶 – Memories)، أو حتى اسم «لويس» (ルイ – Louis). وبما أنه لا يمكن الجزم بأي فرضية مؤكدة حتى الآن، فقد فُضّل الإبقاء على الرمزين «■■» كما هما دون تغيير.