الفصل 406 - كونكون
الفصل الخامس والأربعون
«كونكون»
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――نمرٌ عند البوابة الأمامية، وذئبٌ عند البوابة الخلفية. [1]
بالمعنى الدقيق للكلمة، كان موقفه مغايرًا بعض الشيء، غير أن هذا المثل تراءى لذهن سوبارو تلقائيًا؛
وحقيقة استغراقه وقتًا ليس باليسير حتى يستحضر هذا المثل بالذات عكست بجلاء فداحة المأزق الذي يُكابده سوبارو وعسر حالته.
آل: [قرابة مائة عدو يا صاح!؟]
ومستطلعًا المشهد من خلف الباب الخلفي للنزل، تهشمت نبرة صوت آل ذهولًا حين أطلعتهما تاريتا على ذلك النبأ المباغت.
وفي المقابل، أومأت تاريتا برأسها في هدوء ورزانة:
تاريتا: [أجل، نحن محاصرون؛ ويغلب على الظن أن تحركهم نابعٌ من الحيطة والتحوط أكثر من كونه عداءً صريحًا…]
آبل: [يقينًا، لو كان الأمر مجرد شخص أو شخصين لكان شأنًا هينًا، غير أن تجاهلهم يغدو عسيرًا حين يُقارب عددهم المائة.]
وبنبرة خفيضة، خاطب آبل تاريتا التي أحكمت إغلاق الباب الخلفي.
وبينما أطرقت تاريتا بذقنها إثر كلماته، تحول بصر آبل عنها شطر سوبارو؛ وضاقت عيناه السوداوان من خلف «قناع الأوني»، لتُثبّت نظرته الثاقبة فؤاد سوبارو في مكانه كالسهم.
وعندها――
آبل: [――ثمة معضلة أخرى تؤرقك بخلاف كوننا محاصرين، أليس كذلك؟]
سوبارو: [――آه.]
آبل: [فعلى نقيض أي منطق، انكمشت أطرافك؛ وكل أمر بات وارد الحدوث.]
ومشفوعةً بتنهيدة خافتة، نطق آبل بتلك الكلمات بعدما استشف الخلل والاضطراب الذي يعتري سوبارو.
وأشعلت كلماته تلك حرارة الخجل في وجنتي سوبارو؛ خجلًا من فطنة آبل وملاحظته لاعتلاله، وشعورًا بالذنب لكونه بات عبئًا يُثقل كاهلهم ويعيق تقدمهم؛
بل لقد تمنى لو تصنّع السلامة وادعى أن كل شيء على ما يرام.
غير أن――
ميديوم: [يا سوبارو-تشين، أأنت بخير؟]
وصوت ميديوم —الذي واسى سوبارو المكروب قبل هنيهة— كبحه وجعله يتراجع عن المكابرة.
فالتصلب والمكابرة في هذا الموقف لن يحلّا أزمة؛ وفوق ذلك، لن يتجرع سوبارو وحده عواقب عناده، بل سيقاسي رفاقه وميديوم مغبة ذلك معه.
لذا――
سوبارو: [في واقع الأمر، أشعر وكأن… ذاكرتي تشوبها علة؛ إذ أجد مشقة وعسرًا في استحضار أمور يُفترض بي تذكرها جليًا، وهذا نذير شؤم على الأرجح.]
آل: […ألهذا السبب بدوتَ شاردًا وغريب الأطوار قبل لحظات يا صاح؟]
تجرع سوبارو مرارة إحباطه وتحدث بصدق وصراحة إلى آل الذي ألجمته الدهشة فعجز عن النطق.
ولا ريب أن آل قد استشعر بدوره ريبة وشذوذًا في سلوك سوبارو آنفًا؛ والخوض في تفاصيل هذا الأمر بث التوجس في نفسه هو الآخر؛
فما حل بسوبارو لم يكن أمرًا يجهله آل أو يبعد عن مداركه.
آبل: [――أثمة شيء بعينه؟]
سوبارو: […عجزتُ عن تذكر اسم فرد عزيز من أفراد عائلتي؛ كلا! أعني… استغرقتُ بعض الوقت فقط قبل أن يسعفني الذهن بتذكره.]
آل: [ليس هذا بالوقت المناسب لتتصنع أنك بخير وتكابر يا صاح…]
سوبارو: [لستُ أحاول التصنع والتظاهر بأنني…]
وكاد سوبارو أن يندفع لا إراديًا ليجيب بـ: «بخير»، غير أنه لجم لسانه متسائلًا في قرارة نفسه عما إن كان بخير حقًا أم لا.
فلم يكن يرغب في الاعتراف صراحةً بأنه كاد ينسى اسم شخص بتلك الأهمية؛ فسوبارو يذكر بياتريس، ويذكر إميليا، ويذكر ريم بوضوح؛
كما يذكر أولئك الرفاق الذين خلفهم وراءه في القصر.
سوبارو: [لذا، فالأمر ليس وكأنني أحاول…]
آبل: [أخبرني بكنه حالتك على وجه الدقة.]
سوبارو: [إيه؟]
آبل: [أأنت نسيتَ كليًا؟ أم أنك تستغرق أمدًا طويلًا حتى تتذكر؟ أي الأمرين هو؟]
وأمام هذا الاستجواب المباغت، أطبق سوبارو شفتيه عاجزًا عن الكلام.
فقد كان سؤال آبل —وهو يخطو نحوه خطوة متقدمة— حازمًا، ويحمل حدة قاطعة لا تدع مجالًا للمواربة أو الكذب.
واستشعر سوبارو خدرًا يسري في ثنايا دماغه، وعجز عن صرف وعيه عن الرجل المنتصب قبالته؛ ومع استغراق سوبارو في صمته، كرر آبل سؤاله: «أي الأمرين هو؟»:
آبل: [عجزتَ عن رؤية ما يدور في محيطك، وها أنت ذا تعجز الآن عن سبر ما يعتمل داخل رأسك.]
سوبارو: [――كـ… كلا! ليس الأمر أنني نسيت، بل أجد صعوبة في التذكر فحسب! أجل، فمجرد عجزي عن الاستحضار السريع لا يعني أنني طويتُ الأمر في طي النسيان!]
آبل: […يستغرق الأمر وقتًا لتتذكر إذن.]
وسارع سوبارو للرد على ذلك الاستفسار القاسي، فتقبل آبل جوابه في هدوء وتؤدة.
لقد كان تفسيرًا عجز سوبارو نفسه عن استيعاب أبعاده، لذا كان مستغربًا ألا يقابله آبل بالرفض القاطع والازدراء؛
وفي واقع الأمر، استشاط آل حنقًا من صنيع آبل ومسلكه الجاف، فتدخل قائلًا: «مهلًا يا صاح――»:
آل: [وما الفارق يا صاح؟ لِمَ تُعير هذا الأمر كل هذا الاهتمام في وضعنا الراهن؟]
آبل: [ثمة فارقٌ جوهري؛ فالبون شاسع بين النسيان التام وبين استعصاء التذكر.]
آل: [إيه؟]
تذمر آل في استياء، غير أن آبل لم يزد على ذلك جوابًا.
والتفت ناظرًا شطر تاريتا التي كانت تصغي بتركيز لما يجري في الخارج، تاركًا سوبارو وآل فريسة لحيرتهما وتخبط أفكارهما.
آبل: [ما خطب الوضع في الخارج؟ لم يبدر منهم أي تحرك بعد، أليس كذلك؟]
تاريتا: [في الوقت الراهن، يكتفون بكتم أنفاسهم وإخفاء أثرهم؛ رغم أن تطويقهم لنا يُفترض أن يكون قد اكتمل الآن.]
آبل: [إذن فهذا يعني أننا لم نستوفِ شروط تحركهم بعد.]
تاريتا: [شروط تحركهم… أتقصد…؟]
مرر آبل يده على ذقنه مستغرقًا في التفكير دون أن يجيب عن حيرة تاريتا، ثم رمق سوبارو بنظرة أخرى.
وعجز سوبارو عن ملاحقة سرعة تدفق أفكار آبل، فجفل متراجعًا حين التفت آبل نحوه مجددًا؛ وقرب آبل المسافة بينهما متقدمًا نحو سوبارو المباغت، وقرّب وجهه من وجهه سائلًا:
آبل: [――ما الذي نفعله ليشن أولئك القابعون في الخارج هجومهم علينا؟]
سوبارو: [إيه…]
آبل: [أجب؛ ما هي الشروط التي تدفع من في الخارج لمهاجمتنا؟…]
سوبارو: [هـ… هذا أمرٌ أعجز عن معرفته حتى لو سألتني عنه…]
وتكرر السؤال عبر «قناع الأوني»، فاحتبست أنفاس سوبارو وتصلبت أوصاله.
«أنا نفسي أجهل كنه الأمر مهما سألتني»، هكذا جال في خاطره؛ فعلى أية حال، حتى وإن استحضر ما جرى قبيل خضوعه لـ «الرجوع بالموت»، فقد كان موتًا مباغتًا وفجائيًا لدرجة استعصت على إدراكه بالكلية.
فلو حاز مزيدًا من المعلومات فحسب، لاستطاع تزويد آبل بفكرة أوضح عما ينبغي فعله――.
آبل: [أجب!]
غير أن آبل دهس تردد سوبارو وحيرته دون اكتراث، ملقيًا سؤاله بحدة؛ ومع عجز سوبارو عن الجواب، أطبق الرجل المتلفع بـ «قناع الأوني» بيديه على كتفي سوبارو الصغيرتين في فورة غضب عارمة:
آبل: [أجب! ناتسوكي سوبارو!]
سوبارو: [لـ… لستُ أدري! فـ… فور أن نخطو إلى الخارج، سيبادرون بمهاجمتنا! هذا جلّ ما أعلمه فحسب!]
ومجيبًا تحت وطأة التهديد والترهيب، فتح سوبارو عينيه وقبض بيده على صدره.
ومرة أخرى، أفشى بتهور واندفاع ما بحوزته من معلومات ظفر بها عبر «الرجوع بالموت»؛ وتوجس ريبةً من أن تعود عقوبة انتهاك «المحظور» لتلاحقه وتفتك به، غير أن شيئًا لم يحدث.
فلم يتجمد الزمن في محيطه، ولم تتجسد تلك اليد الخبيثة لترغمه على دفع ثمن حماقته.
وعوضًا عن ذلك كله――
لويس: [أوو!]
واقحمت لويس نفسها بين سوبارو وآبل وهي تزمجر، محتميةً بسوبارو وموليةً ظهرها نحوه، بينما سددت نظرة حادة ومباشرة شطر آبل الذي اتخذ مسلكًا متشددًا.
ودفعت لويس ذراع آبل مجبرةً إياه على إفلات كتف سوبارو، فرمقها آبل بنظرة استياء وامتعاض؛ غير أنه سرعان ما انضمت إلى جانب لويس حليفةٌ تبعث على الاطمئنان: ميديوم.
ميديوم: [يا آبل-تشين! لا تتنمر على سوبارو-تشين! سأخبر أخي الأكبر عما تفعله!]
آبل: […وما عساي أفعل إن شكوْتِني إليه؟ فضلًا عن أنه لم يفعل سوى تزويدي بالمعلومات اللازمة؛ ――إذن، الخروج إلى العراء هو فتيل الهجوم، أليس كذلك؟]
وهز آبل كتفيه غير مبالٍ بحدة نظرات ميديوم العاتبة، دون أن يخالجه أدنى ندم أو تأنيب ضمير.
وجعلت ملامح التفكير الغارقة التي علت وجه آبل ميديوم تهتف بـ: «يا للمصيبة!» وهي تضع كفيها على خاصرتيها، محولةً ناظريها شطر سوبارو عوضًا عن آبل:
ميديوم: [يا سوبارو-تشين، أأنت بخير؟ لقد كان آبل مخيفًا حقًا، أليس كذلك~؟]
سوبارو: [ليس الأمر أنني كنتُ فزعًا؛ بل باغَتَني الأمر قليلًا فحسب… أجل.]
ميديوم: [أحقًا ما تقول؟ أرجو ذلك؛ فأنت فتى قوي وباسل، فتى قوي وباسل يا سوبارو-تشين!]
وفيما كانت تقول ذلك، راحت يد ميديوم تمسد شعر سوبارو الأسود برقة بالغة؛
ودفء لمستها الرؤوم، إلى جانب امتداحها له بصفته «فتى قويًا وباسلًا»، أشعلاه خجلًا وحياءً من جديد؛ غير أنه في واقع الأمر لم يستطع إنكار أن خفقات قلبه المتسارعة بدأت تسكن وتستقر رويدًا رويدًا.
وشعر بأنه أوشك أن يفقد صوابه واتزانه حقًا.
وبصرف النظر عن السكينة التي سرت في أوصاله إثر مواساة ميديوم له، كان الأمر الأشد إقلاقًا وإرباكًا هو تلك المشاعر العصية على الوصف من الهيبة والرهبة العاجزة التي خامرته حيال آبل.
فلم يقوَ على مجابهة إرادة آبل سطوته، فظل ينساق خلف ضغوطه وينقاد له.
لقد كان المشهد أشبه بـ――
آل: [أشبه بطفل ورجل راشد؛ ولا أقصد بذلك المظهر الخارجي فحسب يا صاح.]
سوبارو: [أُغـه…]
وانسلخ صوت آل من جوار وجه سوبارو المطرق حزنًا، بينما واصل الأخير التشبث بصدره.
توترت ملامح سوبارو وهو يستشعر عتاب آل ونقده اللاذع، إذ كانت نبرة صوته حادة، ولا يزال متأثرًا بما دار في حواره السابق مع آبل.
وبفضل كلماته تلك: «طفل وشخص بالغ»، تبددت شكوك سوبارو واضطرابه.
أجل، لقد أصاب آل كبد الحقيقة، وكان ذلك أدق وصف للحالة؛ ففي واقع الأمر، كان التعامل الراهن بين سوبارو وآبل يُماثل ميزان القوى بين طفل وشخص راشد؛
ليس في المظهر الخارجي فحسب، بل في التفكير والذهن أيضًا، وكأن الأول يجر الثاني خلفه كيفما يشاء.
آبل: [――أنصتوا؛ أحسب أنني علمتُ كنه من نجابهه.]
تاريتا: [أ… أحقًا ما تقول…؟! ]
وفيما كان سوبارو يكابد رعبًا مبهمًا، تحدث آبل بصوت خفيض.
وجعلت كلمات آبل عيني تاريتا تتسعان ذهولًا؛ ولم تكن وحدها من اعترتها الدهشة، بل شملت كل من كان حاضرًا؛ ولنكون أكثر دقة، الجميع باستثناء لويس التي كانت غافلة عما يدور في الحديث.
وعلى أية حال، استرعى آبل انتباه الجميع وأومأ برأسه مؤكدًا:
آبل: [انطلاقًا من الشروط التي طرحها أولبارت، والمئة عدو الذين رصدتهم تاريتا… فإن استبعدنا الاحتمالات المستحيلة، أمكننا بطبيعة الحال حصر الخيارات وتضييقها.]
آل: [إذن، ما رأيك يا آبل-تشان الحصيف؟ من يتربص بنا؟]
آبل: [――إنها «كايوسفليم».]
آل وميديوم: [كايوسفليم… هذه المدينة؟]
وردًا على تساؤل آل وميديوم، أومأ آبل برأسه في صرامة وتجهم.
ثم رمق سوبارو والبقية بنظرة كشفت ملامحهم عن عجزهم عن استيعاب مرماه بعد، وتابع قائلًا:
آبل: [كايوسفليم… وأعني بذلك قاطني «مدينة الشياطين»؛ فأولئك المتربصون بالخارج على أهبة الهجوم، أنا على يقين تام من أنهم أهل هذه المدينة وسكانها.]
△▼△▼△▼△
――صرح آبل بوضوح بأن قاطني «كايوسفليم» هم الأعداء.
سوبارو: [――――]
وأمام إعلان آبل الصريح، فاغر سوبارو فاه وأطبقه في ذهول عاجز عن التصديق. ――كلا، لم يقتصر الأمر على سوبارو وحده، بل سرت موجة من الوجوم والدهشة بين آل وسائر الرفاق كذلك؛
وكان ذلك رد فعل طبيعيًا، بالنظر إلى مباغتتهم بنبأ انقلاب أهل المدينة برمتهم ضدهم.
آل: [أأنت متأكد؟ هذا غير معقول؛ ما الذي حدا بك إلى هذا الاستنتاج؟]
آبل: [إنه استنتاج بدهي وطبيعي تمامًا؛ فمن حيث المبدأ، لا يوجد سوى قلة محدودة من الأشخاص يملكون القدرة على حشد فصيل من مائة مقاتل لتطويق النزل. وعند هذه النقطة، لا نجد سوى خيارين لا ثالث لهما… عصبة الإمبراطور، أو قوات «مدينة الشياطين». غير أن تشيشا متنكرٌ في هيئتي، وفوق ذلك، فهو لا يملك المتسع ولا الجرأة للإقدام على ما لا أفعله أنا.]
آل: [لكيلا يفتضح أمره ويُعرف أنه ليس آبل-تشان؛ وما هو الأمر الذي لن تقدم عليه أنت إذن؟]
آبل: [إرسال قواتي بوقاحة واستهتار إلى «مدينة الشياطين».]
وكاد سوبارو أن يومئ موافقًا على ذلك الجزم القاطع، غير أنه عجز عن الحكم بما إذا كانت تلك معلومة يقينية حاسمة أم لا؛ فلو رافق الإمبراطور مائة جندي، أيكون هذا العدد مفرطًا في الكثرة أم بالغ الضآلة؟
فلم يكن ليرى في وجود حامية بهذا العدد أمرًا مستغربًا على الإطلاق.
ميديوم: [لستُ خبيرة بهذه المسائل، لكن كم عدد الجنود في قلعة آبل-تشين؟]
آبل: [أتستفسرين عن تعداد القوات في «العاصمة الإمبراطورية»؟ إن كان الأمر كذلك…]
وحين رفعت ميديوم يدها سائلة، رمق آبل سوبارو بنظرة خاطفة؛ وعجز سوبارو عن سبر مراد نظرته تلك؛ فلمس آبل جبهة «قناع الأوني»، وعقب هنيهة من التأمل قال:
آبل: [نحو ثلاثين ألف مقاتل لا قيمة لهم؛ غير أن مدار الحديث لا يتعلق بالقوات الخاضعة لإمرته، بل إن جوهر هذا النقاش يتمحور حول ما إذا كان الإمبراطور سيسمح لهم بمرافقته أصلًا أم لا، وفوق ذلك――]
تاريتا: [الإمبراطور الحقيقي لن يقدم على صنيع كهذا أبدًا.]
آبل: [هذا عين ما قصدتُه.]
وأومأ آبل برأسه؛ فقد دحض احتمال إقدام الإمبراطور المزيف على قرار متهور وطائش كهذا.
وخامر سوبارو ظنٌ باحتمال وقوع الطرف الآخر في الغفلة والطيش، غير أنه آثر لجم لسانه؛ فلن يلقى كلامه آذانًا صاغية حتى لو باح به.
وعلى أية حال――
آبل: [أعلن الإمبراطور حظر التعرض لنا بسوء، وأبدى أولبارت مسلكًا يمتثل لهذا الأمر؛ وما دام هذا المنطق قائمًا، فإن توجيه قوة عسكرية لمهاجمتنا أمرٌ يجافي العقل ولا معنى له.]
آل: […وماذا عن فرضية أنه لم يفعلها بنفسه، أو شيء من هذا القبيل؟]
آبل: [والآن، سأسألكِ: أتظنين أنني سأسمح بمثل هذا المنطق والتصرف أصلًا؟]
تاريتا: [لا أظن ذلك.]
وتزامنًا مع جواب تاريتا، نفى آل الأمر بدوره بهزة من رأسه المغطى بالقناع.
فما دام الإمبراطور المزيف متنكرًا في هيئة آبل، فلا بد أن يتطابق نهج تفكيره مع نهج آبل بصفته إمبراطورًا؛ وبعبارة أخرى، ما لا يجيزه آبل لن يقوى الإمبراطور المزيف على إجازته.
ولذا، سيتعين على الإمبراطور المزيف الاستمرار في التظاهر بصرامته المفرطة وتشدده.
آبل: [ولن يسمح «كافما إيرولوكس» بذلك حتى لو حاول أحد إقناعه؛ فهو رجل متصلب لا يعرف الهوادة، ولهذا السبب بالذات يُعد ورقة ثمينة؛ غير أنني على يقين من أن «جنرال الرتبة الثانية» كافما لن يرضى بهذا التأويل الملتوي.]
سوبارو: [كافما… أتقصد ذلك الرجل الصارم والمتزمت الذي رأيناه بالأمس؟]
آبل: [قد يبدو وديعًا خاضعًا في حضرة الإمبراطور، غير أنه يصدح برأيه دون تردد حتى في وجه «جنرال الرتبة الأولى»؛ وحتى مكر أولبارت ودهائه يعجزان عن ثني مبادئ كافما.]
آل: [أيمتلك ذلك الشاب كل تلك السطوة والمكانة؟]
آبل: [في وقت مضى، عُرضت عليه الترقية إلى مصاف «الجنرالات الساميين»؛ غير أنه نأى عنها وتخلى عنها لأسباب شتى.]
وردًا على إجابة آبل، أطلق آل تنهيدة حنق وتبرم: «أُغـه».
فإن كان هذا صحيحًا، فهذا يعني أن شخصين من مصاف الجنرالات الساميين كانا حاضرين في القلعة بالأمس―― كلا، بل ثلاثة، طالما أن الإمبراطور المزيف أحدهم.
ولعل تلك قوة بشرية يُعتمد عليها بمراحل مقارنة باستقدام جنود تنقصهم المهارة.
سوبارو: [لكن إن لم يكن الإمبراطور المزيف هو العدو، فإذن…]
وبطبيعة الحال، بات الاستنتاج الذي ساقه آبل يزداد واقعية ورجحانًا.
وبعبارة أخرى، كان قاطنو «كايوسفليم، مدينة الشياطين» هم المتربصين بهم في الخارج، والقائد الذي حركهم هو――
ميديوم: [أتقصد أن يورنا-تشان هي من تحرضهم على مهاجمتنا؟]
آل: […من العسير التفكير في شخص آخر، أليس كذلك؟ فلا أحد غيرها يعلم بوجودنا ولديه مسوغ وجيه لاستهدافنا منذ البداية.]
سوبارو: [――وما رأي آبل؟]
شخص داخل «كايوسفليم، مدينة الشياطين» بمقدوره تحريك سكانها كالبيادق؛ وبطبيعة الحال، كانت يورنا ميشيغوري، حاكمة مدينة الشياطين، أول من يقفز إلى الذهن.
غير أنه، أيعقل أن تكون هي —وهي شخصية يصعب التنبؤ بتصرفاتها كـ أولبارت، بل لعل التنبؤ بها أشد عسرًا— العقل المدبر وراء هذا المأزق برمته؟
وردًا على شكوك سوبارو، نقر آبل بإصبعه على جبهة «قناع الأوني»:
آبل: [هذا حمقٌ وسخف.]
وجاء رده مقتضبًا وقاطعًا.
سوبارو: [حمق؟ أعني… أيفيد هذا أنك تعارض الأمر؟ ولماذا؟]
آبل: [إنه عين الغرور أن تحسب أنك كلما سألت نلتَ جوابًا لكل شيء. ――الرسالة.]
سوبارو: [الرسالة؟]
أجاب آبل عن سؤال سوبارو مضيفًا عبارة لا داعي لها.
وكانت الرسالة هي ذلك الخطاب الذي سلموه لـ يورنا في اليوم السابق؛ وتسليم تلك الرسالة كان الغاية من زيارة الأمس، وهو السبب المحتم وراء استدعائهم اليوم.
غير أن آبل لم يُطلعهم بالتفصيل على ما سطره في ذلك الخطاب.
آبل: [كتبتُ في الرسالة أنني سأجزيها بما تشتهيه وتطمع فيه.]
آل: [ما تصبو إليه تلك السيدة… بعبارة أخرى، منصب الإمبراطورة؟]
ميديوم: [أن تصبح زوجتك؟]
وما إن أشار آبل إلى فحوى الرسالة، حتى تعاقب كلام آل وميديوم على نحو متتالٍ وسريع.
فكما أُخبروا في اليوم السابق، كانت يورنا تروم الإمبراطور؛ لا آبل بشخصه بالضرورة، بل مقام الإمبراطور ومنصبه.
فإن كان حقًا قد خطّ بيده أنه سيمنح يورنا ما تطمع فيه، فلا بد أن الأمر ينصرف إلى ذلك.
سوبارو: [وكيف سوّلت لك نفسك أن تُفضي بأمر كهذا في رسالة؟]
آبل: [لا تُبسّط المسألة وتقيسها بمعاييرك السقيمة؛ فمهما كان الأمر، ستنال ما تصبو إليه، ولهذا السبب تحديدًا استُدعينا إلى القلعة؛ ومن المجافي للمنطق أن تُسير قواتها ضدنا بالرغم من ذلك.]
آل: [آااه~، وماذا إن كانت تمقت فكرة أن تصبح زوجة لـ آبل-تشان لدرجة تدفعها لقتله…]
أو لعل فحوى الرسالة كان في غاية الفجاجة لدرجة حملتها على الرغبة في الفتك بهم جميعًا.
وداخلَ سوبارو ظنٌ راجح بأن آبل سيعامل من سيتزوجها بصلف وغطرسة، بالنظر إلى أسلوبه الفج في التعامل المباشر.
غير أن آبل هزء من ذلك الهاجس الذي خالج سوبارو ورفاقه.
آبل: [ما يتعين عليها فعله، ستفعله حتمًا؛ فالعواطف شأن ثانوي، وهي ليست كـ بريسيلا.]
آل: [لقد راودني ظنٌ حقًا بأن تلك السيدة تجلب المتاعب تمامًا كالأميرة!]
ووافقه سوبارو الرأي؛ إذ كانت بريسيلا ويورنا تثيران الرهبة على حد سواء.
ورغم توجسه من بريسيلا ويورنا كلتيهما، إلا أنه استشعر وجاهة في حجة آبل نظرًا للثقة واليقين اللذين نطق بهما؛ ――فضلًا عن استحضاره لذكرياته عن يورنا من اليوم السابق.
يورنا: [بصفتي سيدة «مدينة الشياطين»، لن أنطق بالكذب قط أمام تابعيّ.]
هكذا نطقت يورنا بابتسامة فاتنة بشأن الرسالة التي سلموها إياها، قاطعةً عهدًا بألا تنبذها دون قراءتها.
وعقب سقوط سوبارو ورفاقه في الإسطبلات بعدها، أعلنت «تانزا»، تابعة يورنا، أن يورنا قد أقرت بمعرفتها بسوبارو ورفاقه.
وعلى أقل تقدير، لم يرَ فيها سوبارو امرأة تنكث عهودها السابقة أو تبدلها على هواها.
ولأنه لم يستشعر ذلك منها، رغب في تصديق ما ذهب إليه آبل.
تاريتا: [على أية حال، لا ريب أن صبر القابعين في الخارج قد شارف على النفاد في هذه اللحظة؛ فماذا نصنع؟]
ومستطلعةً الخارج بعين يقظة، استفسرت تاريتا عن خطوتهم التالية.
وكان آبل قد أشار إلى «فتيل» الهجوم―― أي الشروط الكفيلة بحمل الطرف الآخر على الانقضاض عليهم، غير أن تخمينهم ظل قاصرًا حتى اللحظة على افتراض أن خروجهم هو المحرك؛ ومع تأهب الجانب الآخر للهجوم، لم يكن بوسعهم التنبؤ باللحظة التي قد يقتحمون فيها النزل عنوة.
وفوق ذلك كله، كان سوبارو ورفاقه في خضم خوض «لعبة الغميضة».
سوبارو: [حتى وإن علمنا أن من في الخارج يتربصون بنا، فلا يسعنا البقاء هنا مكتوفي الأيدي، أليس كذلك؟]
آل: [حسنًا، ما لم يكن ذلك العجوز قد فاق مكرنا بمكره، واختبأ داخل النزل للمرة الثانية… فهل نلقي نظرة أخرى على الغرفة تحسبًا للأمر؟]
آبل: [لكنتُ وضعتُ ذلك في الحسبان لولا ذلك التلميح: «هاوية ذات إطلالة بديعة».]
وهكذا دحض آبل رأيه، فنكس آل رأسه خيبة أمل.
وفي حقيقة الأمر، خامر سوبارو خاطرٌ باحتمال اختباء أولبارت في الغرفة الأولى مجددًا؛ غير أنه مهما قلّب الأمر في ذهنه، عجز عن ربط ذلك بـ «هاوية ذات إطلالة بديعة»؛ ولذا آثر ألا يتطرق إليه.
وفي تلك الأثناء، كانت خطة تحرك مجموعتهم تشارف على الاكتمال.
وبطبيعة الحال، لم يكن ثمة مناص من خروجهم إلى العلن؛ وبقي السؤال المطروح: أي خطة ينبغي انتهاجها لضمان نجاح هذا التحرك؟
آبل: [――تاريتا، استقطبي أنظارهم.]
سوبارو: [آبل!؟]
وعقب هنيهة، أصدر آبل ما بدا أنه أشد الأوامر قسوة وتجردًا.
ومع سماع ذلك، تصلبت وجنتا تاريتا، وصرخ سوبارو مستنكرًا بصوت حاد؛ غير أن آبل تجاهل صياح سوبارو، مثبتًا بصره على تاريتا ومتابعًا:
آبل: [أحدثي جلبة صاخبة واشغلي انتباه من في الخارج؛ وفي هذه الأثناء، سنتسلل نحن خارجين.]
آل: [يا آبل-تشان، ألا توجد خطة أفضل وأكثر عقلانية من هذه…]
آبل: [لا وجود لخطة أخرى؛ فهذا أقصى ما تتيحه لنا الأوراق التي في حوزتنا؛ ولو لم تكونوا قد انكمشتم، لربما تسنى لنا التماس سبيل آخر.]
سوبارو: [لقد تماديتَ كثيرًا!]
لويس: [آوو!]
ودحض آبل قلق آل على سلامة تاريتا دون اكتراث.
وإلى جانب هجوم سوبارو الحانق على قسوته، أطلقت لويس صرخة استنكار وتضامن بريئة؛ غير أنه في خضم غضب سوبارو ورفاقه――
تاريتا: [حاضر، أطعتُ أمرك؛ سأستقطب أنظار الحشد القابع في الخارج.]
سوبارو: [يا تاريتا-سان! مهما قلّبتِ الأمر…]
وهزت تاريتا رأسها نفيًا، متأهبةً للإذعان لأوامر آبل المجردة من الشفقة.
وجاهد سوبارو للاهتداء إلى وسيلة أفضل تضمن سلامتها بأي شكل؛ غير أن الخاطرين الوحيدين اللذين استحوذا على عقل سوبارو في تلك اللحظة لم يكونا سوى التوجس والذعر من أولئك الأعداء شديدي الخطورة المتربصين في الخارج.
آبل: [تاريتا، ناوليني تلك الصرة؛ فسنحتاج إليها لاحقًا.]
تاريتا: [ها هي ذي؛ وفور أن أستحوذ على كامل انتباههم، اغتنموا الفرصة ولوذوا بالفرار؛ غير أنني لا أحسب أن الفرصة ستواتيني لإعطائكم إشارة…]
آبل: [سأكل إلى ميديوم تقدير تلك اللحظة.]
ميديوم: [إيه، أنا؟]
وتسلم آبل الصرة التي كانت تاريتا تحملها، وألقى بها قَدَّه النحيل على كتفه؛ وفيما واصل آبل تأهبه، اتسعت عينا ميديوم دهشةً إثر تعيينها بالاسم.
والتفت ناظرًا شطرها، وأومأ آبل برأسه قائلًا: «أجل»:
آبل: [سواء انكمش جسدكِ أم لا، فلا تزالين تملكين عينين تلتقطان السوانح والفرص؛ ومن بين الجميع هنا، أنتِ الأكثر كفاءة وأهلية.]
ميديوم: [همم، فهمت! سأراقب باعتناء ويقظة! لذا توخي الحذر أنتِ أيضًا يا تاريتا-تشان.]
تاريتا: [حاضر.]
وكانت المداولة تمضي بسرعة فائقة ووتيرة محمومة، مخلفةً سوبارو وراءها عاجزًا عن الملاحقة.
وبمعزل عن آبل، تمتعت تاريتا وميديوم برباطة جأش وأعصاب فولاذية؛ لا سيما تاريتا التي أُلقيت على عاتقها المهمة الأشد خطرًا.
تاريتا: [حسنًا، أنا منطلقة.]
وقابضةً على قوسها، وضعت تاريتا يدها على الباب الخلفي؛ ولم يملك سوبارو —وهو يرمق ظهرها— إلا أن يصيح: «يا تاريتا-سان!»:
سوبارو: [أمم، لـ… لا تموتي…!]
تاريتا: [――――]
وشعر بالاشمئزاز من نفسه لنطقه بأمر بدهي ومثبط للعزائم إلى هذا الحد؛ فإن عجز عن تقديم مشورة مجدية أو خطة مظفرة، فعلى الأقل كان يجدر به التفوه بما يشحذ معنويات تاريتا.
ومع ذلك، لم يملك في جعبته سوى رجاء مرتجف. ――غير أن نظرة عيني تاريتا لانت قليلًا:
تاريتا: [أجل، أراكم لاحقًا جميعًا.]
وبابتسامة خافتة، انطلق جسد تاريتا نحو الخارج كالمقذوف السريع.
وقبيل ذلك مباشرة، قذف آبل بكلماته الأخيرة نحو ظهر تاريتا الميممة شطر أرض العدو.
وكانت تلك الكلمات――
آبل: [يا تاريتا، لا داعي للتردد؛ ولا تأخذكِ بهم رحمة أو شفقة. ――فأيًا كان شأنهم، ما من شخص في هذه المدينة يسهل إزهاق روحه.]
لقد كانت نصيحة مشؤومة ونذير شؤم، لا يسع اعتبارها تشجيعًا ولا خطة مظفرة.
△▼△▼△▼△
――وفي اللحظة التي خطت فيها إلى الخارج، تصاعدت وتيرة العداء بسرعة جارفة.
ومستشعرةً ذلك الغليان على بشرتها السمراء، جالت عينا تاريتا المضيقتان من اليسار إلى اليمين لتستطلعا الرقعة بأسرها دفعة واحدة.
فبالنسبة لـ «شعب شودراك» الذين عاشوا كصيادين في الأدغال، كان استيعاب تضاريس الأرض وسبر الموقف في طرفة عين مهارة لا غنى عنها؛ ولم تكن تاريتا استثناءً من ذلك.
――كلا، بل إن «ميزيلدا»، أختها الكبرى، قد عهدت إلى تاريتا بمقام زعيمة القبيلة.
ولذا، كان لزامًا على تاريتا أن تتفوق وتبرع في تلك المهارات أكثر من سائر رفاقها من شودراك؛ وبالفعل، كانت كذلك.
تاريتا: [――آه.]
ومع شهقة خافتة انبعثت من مؤخرة حلقها، قدرت تاريتا تعداد القوات المعادية المتجهة نحوها.
ففي محيطها، كان ثمة نحو مائة شخص تغمرهم إرادة القتال، غير أن أقل من عشرين منهم فقط صوّبوا نياتهم العدائية نحو تاريتا التي اندفعت خارجة من الباب الخلفي.
وفوق ذلك، فإن عدد القادرين على سرعة المبادرة والتحرك بينهم كان أضيق من ذلك بكثير.
وأول خطوة ينبغي فعلها هي شل أقدام أولئك الذين استداروا نحوها لـ――
تاريتا: [――لا جدوى.]
وتراءت في مخيلتها نصيحة آبل التي ألقاها قبيل انطلاقها مباشرة: ألا تأخذها بهم رحمة أو شفقة.
فآبل رجلٌ متغطرس معتد بنفسه وحسن المظهر؛ مستوفٍ لجميع المعايير التي تهواها شقيقتها ميزيلدا في الرجال، وتاريتا لم تكن تجيد التعامل معه البتة؛ فهي ضعيفة أمام الضغوط، وتستسلم لمجرى الأمور دون أدنى مقاومة؛ علاوة على أنها حين تواجه شخصًا بطباع أختها أو طباع آبل، تُشل قدرتها تمامًا على الإفصاح عن رأيها.
ولهذا السبب، فضلت تاريتا دومًا شخصًا يُصغي إليها بإمعان؛ لا سيما وأنها تستغرق وقتًا لتستقر على رأي، وتضطرب حين يستعجلها أحد.
ومن هذا المنظور، فإن «فلوب» الذي بقي في «غوارال»، كان بحق شخصًا――
تاريتا: [――هڪ، ما الذي يخطر ببالي الآن؟! ]
واحمر وجهها خجلًا من تلك الخاطرة العابرة، فشدت تاريتا وتر قوسها كمن يُفرغ شحنته.
وعقب برهة خاطفة، انطلقت السهام من القوس―― ثلاثة سهام في آنٍ واحد؛ وتجلت براعة تاريتا الفائقة في الرماية، مصوبةً كل سهم نحو طريدة مختلفة.
وانطلق سهمٌ في خط مستقيم، بينما انحنى السهمان الآخران في مسار مقوس، ليمزقا عنان الريح على طول الزقاق خارج النزل، ويصيبا أهدافهما بدقة متناهية.
سقط ثلاثة رجال كانوا قد استداروا لمواجهة تاريتا المندفعة نحوهم وحاولوا التقدم باتجاهها، بعدما أصابتهم سهامها في أعناقهم وصدورهم، مما أفقدهم القدرة على القتال فورًا.
تاريتا: [الصيد مريح حقًا.]
كان هذا الوضع يناسب تاريتا تمامًا؛ فهي ليست مضطرة للتحدث مع أي شخص.
فالفريسة لا تنتظر من تاريتا أن تتكلم، وهي بدورها لا تريد التحدث معهم؛ وكان الحوار الوحيد بينهما هو انطلاق سهامها وإصابتها للأعداء.
ومع ذلك، فإن مسألة تحديد الحياة أو الموت لا تحتاج إلى كلام حتى تنتهي.
؟؟؟: [――روووه!]
ومع هذا الصراخ، اندفعت عدة ظلال إلى الزقاق بدلًا من الرجال الذين أصيبوا بالسهام.
وكان أول من رأته تاريتا رجلًا يشبه الثور، ضخم الجثة لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها لتراه كاملًا؛ رجلٌ يملك قرنين قصيرين سميكين فوق رأسه، ويستغل ضخامة جسده ليندفع بقوة وشراسة وهو يطلق صيحة قتال عالية.
وأي ضربة مباشرة منه كفيلة بسحق كل عظمة في جسد تاريتا النحيف.
لكن لم يكن هناك أي طريق للهرب إلى الخلف أو إلى الجانبين؛ وحتى لو قفزت عاليًا، فهناك احتمال كبير أن يمسك بساقيها.
واضعة ذلك في بالها، انحنت تاريتا واندفعت إلى الأمام مباشرة.
الرجل الثور: [مـ… ماذا――!؟]
ولأن حركتها كانت غير متوقعة، اتسعت عينا الرجل الثور من الدهشة وانقطع صوته في حلقه؛ ومدت تاريتا ساقيها نحو وجه الرجل الثور لتستند عليه، وركلته بقوة في أنفه.
ثنت ركبتيها لتخفف من قوة اندفاعها، ودار جسد تاريتا بسهولة في الهواء مستعملة وجه الرجل الثور —الذي ينزف دمًا من أنفه— كنقطة ارتكاز؛ ثم استدارت نصف دورة لتصبح مقلوبة رأسًا على عقب وهي معلقة في الهواء.
تاريتا: [――――]
وأثناء دورانها، استطاعت رؤية كل شيء حولها بالكامل، بما في ذلك المنطقة التي كانت خلفها ولم تستطع رؤيتها من قبل؛ فحددت ظلال المباني، وأسطح البيوت، وسقالات الخشب في المدينة، وحتى أولئك الذين يحاولون الهجوم عليها من تلك الأماكن.
تاريتا: [هذه السهام لن تكفي.]
ومع قولها ذلك، سحبت السهام من جعبتها على ظهرها، ووضعتها على وتر القوس بسرعة هائلة، وأطلقت ثلاث رشقات سريعة وراء بعضها لتقلل عدد الأعداء.
فعدد السهام لم يكن كافيًا أبدًا مقارنة بعدد الأعداء الذين رأتهم؛ وبما أنه لا مفر من التخلص من أخطر الأعداء أولًا، اعتمدت تاريتا على خبرتها الطويلة لتستهدف أقواهم وأكثرهم مهارة.
متجاهلة ذلك الشعور المزعج والغريب الذي شعرت به حين رأت من ظهروا أمام عينيها――
؟؟؟: [وااااه――؟! ]
انطلقت السهام السريعة في الهواء مثل العاصفة، وطار كل من أصابته السهام بعيدًا من شدة الضربة.
وتطبيقًا لنصيحة آبل، هاجمت تاريتا نحو ثلاثين عدوًا بلا رحمة في أماكنهم القاتلة؛ مستهدفة صدور الجميع وأعناقهم، وحتى عيون وأفواه من تمكنت منهم، على أمل توجيه ضربات تقتلهم فورًا.
لكن بعد هذه الجولة الأولى، نفدت السهام من جعبتها تمامًا.
ولم يبقَ أمامها سوى جمع السهام التي أطلقتها، والاستمرار في جذب انتباههم لأطول وقت ممكن――
تاريتا: […حسنًا، هذا غير متوقع قليلًا.]
وحين تحركت لتسحب سهمًا من جسد أحد الأعداء الساقطين على الأرض، توقفت تاريتا في مكانها.
فتاريتا —بصفتها مقاتلة من «شعب شودراك»— قتلت وحوشًا كثيرة في حياتها؛ وحتى لو اختلف شكل الوحش قليلًا، فإنها تعرف تمامًا ردة فعل أي فريسة عندما يصيبها السهم في مقتل، بمجرد أن يخرج السهم من قوسها.
وبناءً على تلك الخبرة، كانت متأكدة تمامًا أنها أنهت حياة كل من أصابتهم بسهامها.
؟؟؟: [غـ… غوهـ…]
ومع ذلك، لم يمت أي شخص من أولئك الذين كانوا يئنون من الألم ويقفون على أقدامهم بصعوبة.
فحتى لو لم يموتوا فورًا، كان المفترض أن يكونوا قريبين جدًا من الموت؛ لكن هؤلاء الذين وقفوا من جديد نظروا إلى تاريتا بعيون ما زالت تريد القتال، ولا يبدو عليها أبدًا أنها على وشك الهلاك.
وفي تلك العيون التي تنظر إلى تاريتا، حدث تغير غريب.
تاريتا: [ما الذي يحدث هنا بالضبط…؟! ]
عبست تاريتا وسألت الرجل الثور وهو يقف. لم يرد عليها، لكن التغير الذي حدث له كان غريبًا جدًا لدرجة أنه لفت انتباهها بالكامل.
――كانت شعلة قرمزية تغطي عينه اليمنى.
الرجل الثور: [――――]
ولم يكن الرجل الثور وحده من اشتعلت عينه؛ فكل من سقط أرضًا بعد أن أصابته تاريتا بسهامها كان ينظر إليها وشعلة قرمزية تشتعل في إحدى عينيه، سواء اليمنى أو اليسرى.
بل ولم يقتصر الأمر على أولئك الذين أصابتهم تاريتا فقط.
فحتى الذين وصلوا بعد ذلك إلى المكان ليحاصروها كانت عيونهم تشتعل بنيران قرمزية أيضًا؛ نيران تشتعل ويتطاير منها الشرر طوال الوقت.
والأمر المدهش حقًا أن نيرانًا تشبه تلك أحرقت جروح الرجل الثور وعالجتها تمامًا.
فقد عاد أنف الرجل الثور —الذي كُسر بركلتها— سليمًا تمامًا، واختفت جروح السهام من أجساد كل من أصيبوا بها، وكأن شيئًا لم يكن.
تاريتا: […بضع كلمات لم تكن كافية للشرح يا آبل.]
ربطت تاريتا بين هذا المشهد وبين نصيحة آبل السابقة، وأطلقت تنهيدة.
ومع أنها لم تكن متأكدة، إلا أنها شعرت أن آبل كان يتوقع هذا الموقف بدقة؛ وإن كان الأمر كذلك، فكان عليه أن يوضح كلامه بطريقة أسهل وأوضح.
وفوق ذلك، كان رأسها يؤلمها من كثرة التفكير، فهي لا تحب أبدًا التعامل مع من يتعجل في الكلام.
لكن――
تاريتا: [مهمتي هي جذب انتباههم فقط، ولست هنا للقضاء على العدو.]
لذا، فطالما أنها تركز على مهمتها كطُعم، فالأمور تسير بشكل جيد حتى الآن.
وبعد ذلك――
تاريتا: […يبدو أنهم يكسرون السهام.]
فقد كانت السهام التي أصابتهم تنكسر واحدًا تلو الآخر وهي تخرج من أجسادهم؛ وهكذا ضاعت رؤوس السهام التي كانت تنوي استعادتها، ولم تعد قادرة على استخدام القوس.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن حيلتها قد انتهت بذلك.
تاريتا: [الخناجر والحجارة تصلح للصيد أيضًا.]
ومع قولها ذلك، انحنت تاريتا إلى الأسفل، وأمسكت بالخنجر المخبأ داخل ثوبها مع القوس الذي فرغ من السهام.
فمعركة تاريتا لأداء دورها بدأت لتوها الآن.
△▼△▼△▼△
سوبارو: [――هڪ، تاريتا-سان، هذا مذهل حقًا…!]
ارتجف صوت سوبارو وهو يركض، عندما رأى هؤلاء الناس وعيونهم وجروحهم تشتعل بالنار.
لقد أُرسلت تاريتا لخوض قتال صعب، لكن مهارتها فاقت خيال سوبارو بكثير.
وبكل صراحة، يمكن القول إن سوبارو كان قد قلل من شأن قوة تاريتا كفرد من «شعب شودراك»، بسبب هدوئها وخجلها في البداية.
وقبل قليل، كان قد رآها عاجزة تمامًا أمام أولبارت.
وبالطبع، بما أن ميزيلدا رشحتها لتكون الزعيمة القادمة، فقد كان يعرف أنها ليست أقل قوة من كونا أو هولي.
لكن دقة تصويبها، وسرعة إطلاقها للسهام، وقدرتها على مواجهة هذا العدد الضخم بمفردها، جعل الأمر يبدو وكأنها في نفس قوة ميزيلدا، أو ربما أقوى منها.
سوبارو: [لكن مع ذلك…]
حتى مع مهارة تاريتا العالية، كان من الصعب تجاهل غرابة هؤلاء المهاجمين.
ففي البداية، مظهرهم كان غريبًا جدًا؛ إذ لم يكن أحد منهم يرتدي درعًا، ولم تكن معهم أي أسلحة. كانوا عزلًا تمامًا.
وكان شكلهم يشبه تمامًا عامة الناس الذين مروا بجانبهم في «كايوسفليم، مدينة الشياطين» منذ الأمس؛ مجرد سكان عاديين من المدينة، مع اختلاف بسيط في المظهر يلفت النظر.
وهؤلاء السكان حاصروا سوبارو ورفاقه، وبعد أن أصابتهم سهام تاريتا ببراعة خارقة، وقفوا مجددًا دون أي مشكلة رغم أن جراحهم كانت قاتلة.
ومن بعيد، استطاع سوبارو أن يرى أن بين المهاجمين نساءً وأطفالًا، ولا بد أن تاريتا شعرت بالضيق والتردد لأنهم لم يكونوا محاربين أقوياء في الحقيقة.
أدّت تاريتا دورها بنجاح كبير في جذب انتباههم، ومع إشارة ميديوم، انطلق سوبارو والآخرون يركضون نحو المدينة. لكن هل كان الهروب هو القرار الصحيح حقًا بدلًا من مساندة تاريتا؟
وبينما كان تائهًا ولا يدري ما هو التصرف الصائب، ظلت تلك الخيارات تدور في عقل سوبارو دون توقف.
وبجانب سوبارو، شاهد آبل —الذي كان يحمل الصرة على ظهره— المشهد نفسه.
آبل: [إذن فالأمر صحيح؛ المدينة بأكملها خاضعة لـ «تقنية زواج الأرواح».]
آل: [كونكون…؟ مهلًا مهلًا يا آبل-تشان، ما هذا الكلام الغريب بالضبط؟] [2]
آبل: [إنها الطريقة التي تجعل تلك الحشود تواجه تاريتا دون أي تراجع.]
طرح آل —الذي كان يركض وهو في حيرة من أمره— سؤاله، لكن إجابة آبل لم تكن كافية لتوضيح الأمر.
ورغم أن سوبارو عجز عن فهم حقيقة ما يجري تمامًا، إلا أن أمرًا واحدًا كان واضحًا: ――آبل يعرف سر العلاقة بين تلك العيون المشتعلة وهؤلاء المهاجمين.
سوبارو: [يا آبل! لا تخفِ عنا شيئًا! أخبرنا بكل ما تعرفه!]
آبل: [――إنها إحدى التقنيات السرية المفقودة التي ورد ذكرها في الكتب القديمة، وتُدعى «تقنية زواج الأرواح»؛ حيث يشارك المرء جزءًا من روحه مع الآخرين، فتزداد قوتهم وقيمتهم.]
آل: [لم أفهم شيئًا! وما الذي يعنيه هذا الكلام أصلًا؟]
آبل: [بمعنى آخر، فإن الأرواح التي تتحد من خلال «تقنية زواج الأرواح» تتشارك جزءًا من قوتها. وفي هذه المدينة، لا يوجد سوى شخص واحد يتقن هذه التقنية――]
وتحت إلحاح سوبارو وآل من الجانبين، قدّم لهما آبل إجابة مختصرة قدر الإمكان.
ورغم ذلك، كان استيعاب الأمر صعبًا على سوبارو، لكنه استطاع بطريقة ما أن يفهم المعنى العام.
وبعبارة أخرى――
آبل: [――هذا يعني أن كل فرد وكل جزء في «مدينة الشياطين» هذه يتشارك قوة يورنا ميشيغوري؛ ولهذا السبب، فإن هذه المدينة حصن لن يسقط بسهولة، مهما كان عدد الجيوش التي ترسلها لمحاربتها.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] مَثَل ياباني يُضرب في الموقف الذي يتضح فيه أنه حتى لو نجا الشخص من مشكلة صعبة أو كارثة ما، فإنه سيواجه فورًا مشكلة أخرى لا تقل صعوبة عنها، مما يجعل النجاة من الخطر أمرًا في غاية الصعوبة.
[2] كلمة «كونكون» في اللغة اليابانية تمثل عادةً صوت الثعلب، واستُخدمت هنا كتورية مقصودة؛ إذ إن حروف الكانجي لـ «زواج الأرواح» (魂婚) تُنطق باليابانية أيضًا “كونكون جوتسو”. وبما أن يورنا من أنصاف البشر من جنس الثعالب، فالربط بين الأمرين واضح. ولم يفهم آل معنى الكلمة فكرر نطقها بصوت مسموع في حيرة.