الفصل 404 - ما يتوارى خلف جفنيك
الفصل الثالث والأربعون
«ما يتوارى خلف جفنيك»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――ذلك الاقتراح الذي نسجه ذلك الصوت الأجش أربك سوبارو ورفاقه إرباكًا شديدًا.
الجميع: [――――]
ظاهرة «التحول إلى أطفال» التي أصابت جماعة سوبارو، والعقل المدبر وراءها: أولبارت دونكيلكن.
سوبارو والآخرون، الذين سعوا للتفاوض مع أولبارت لحمله على إبطال تقنية التحول إلى أطفال عنهم، وُضعوا أمام شرط يليق بهذا العجوز―― كلا، بل يليق بهذا العجوز الوحشي الذي كان يتلاعب بأجسادهم وعقولهم على حد سواء؛ شرط غريب من شأنه أن يضلل لب المرء بمجرد سماعه.
ففي نهاية المطاف――
سوبارو: [لعبة… المطاردة…؟]
وسوبارو، الذي كان يتوجس ريبةً مما قد يُلقى على عاتقه من طلبات جائرة، أخذ يقلب في خلده الكلمات التي قيلت له للتو.
وعلى وقع صوت سوبارو، قطب أولبارت —ورافعًا يديه في الهواء— حاجبيه في حيرة واستنكار:
أولبارت: [ما بال علامة الاستفهام تلك؟ إياك أن تخبرني بأنك تجهل كيفية لعب المطاردة، أليس كذلك؟]
سوبارو: [بالطبع أعلم ما هي؛ المسألة ببساطة أنها ليست بالكلمة التي يفترض أن تُطرح في مثل هذا الموقف!]
فمهما صيغت وزُوقت، لم تكن سوى «لعبة مطاردة» يلهو بها الأطفال.
وكان من العسير تخيل وجود معنى آخر لها؛ غير أنها —بما أنها لعبة مطاردة تُمارس في قرية الشينوبي— فثمة احتمال كبير بأن تحكمها قواعد فريدة من نوعها.
على سبيل المثال، شيء من قبيل――
سوبارو: [«القتل ليس مخالفًا للقواعد أثناء اللعب»، أو شيء من هذا القبيل.]
أولبارت: [كاكاكاكا! بالطبع لا؛ فلو شاع مثل هذا الهراء، لانقرض الشينوبي في طرفة عين، وعلى يديّ أنا شخصيًا بصفتي زعيمهم! وسيكون ذلك أمرًا كارثيًا، أليس كذلك؟]
ورغم نفي أولبارت لمخاوف سوبارو، إلا أن سوبارو كان يراه رجلًا لا يتورع عن تلطيخ يديه بدماء قومه إن اقتضى الأمر، بالنظر إلى نزعته الدموية وسائر ما تفوه به واقترفه حتى اللحظة.
وبصراحة، لم يكن ليعتريه عظيم دهشة لو أن قريته تلك للشينوبي قد أُبيدت بالفعل.
آبل: [――لعبة المطاردة تلك، كيف تجري وتُدار؟]
وعوضًا عن سوبارو الذي كانت تنهشه الشكوك، كان آبل هو من حثه على المضي قدمًا في التوضيح.
والتوت وجنتا أولبارت بابتسامة، وأطلق همهمة: «أوه»:
أولبارت: [تبدو أكثر حماسًا وإقبالًا مما توقعت، أيها الفتى المقنع.]
آبل: [ترهات؛ لقد تجاوزنا نقطة التراجع عن خوض هذه اللعبة منذ اللحظة التي أفشينا فيها حيازتنا للمعلومة التي تطمع فيها.]
أولبارت: [كاكاكاكا! حسنًا، أراك محقًا في ذلك.]
وفاغرًا فاه على مصراعيه حتى بدا كأن فكه سيسقط من موضعه، أطلق أولبارت قهقهة مدوية من أعماق قلبه دون أي تحفظ.
وفي واقع الأمر، أصاب آبل كبد الحقيقة؛ ففكرة أولبارت كانت خبيثة للغاية؛ فبصرف النظر عما إذا كان سينتصر في لعبة المطاردة هذه أم يُهزم، فسينال أولبارت المعلومة التي يبتغيها في الحالتين.
فكانت الغاية من لعبة المطاردة هذه هي منحهم خيار الطريقة التي يرغبون في التنازل بها عن تلك المعلومة: إما بعد مفاوضات سلمية، أو بعد تعذيب وتنكيل.
أولبارت: [إذن، لا شيء مميز حقًا في طريقة لعب «المطاردة»؛ طرف يلوذ بالفرار، والطرف الآخر يلاحقه ليمسك به… أوه، من الأفضل أن أكون أنا هو الطرف الهارب؛ فملاحقة حشد كبير من الناس أمر يفوق قدرة عجوز مثلي على التحمل كما تعلمون.]
ميديوم: [إذن، إن أمسكنا بالجد وهو يهرب نكون نحن الفائزين؟ هذا أمر بسيط ومفهوم.]
تاريتا: [بسيط ومفهوم، ولكن…]
وتلقت ميديوم شرح القواعد بتفاؤل، في حين استقبلته تاريتا بنظرة تشاؤمية.
وكان رأي سوبارو يميل بدوره نحو ما ذهبت إليه تاريتا؛ فالقواعد كانت بسيطة وواضحة ولا تدع مجالًا للالتباس. ――وبعبارة أخرى، كان الأمر برمته مرهونًا بمهارة كل طرف وقدرته.
وحين يتعلق الأمر بالمهارة والقوة، فإن مجمل قدرات جماعة سوبارو مجتمعة لا تداني حتى جزءًا يسيرًا من قدرة أولبارت.
أولبارت: [حسنًا، قد يبدو الأمر شاقًا وعسيرًا بوجود كل هؤلاء الصغار؛ لذا يسعنا تخفيف الشروط وتيسيرها قليلًا.]
تاريتا: [والجاني الذي فعل ذلك لا يشعر بأدنى ذرة من الذنب حتى…!]
أولبارت: [لا تحتدي وتستشيطي غضبًا هكذا؛ فإن أفلت إصبعكِ وتر القوس، فسيكون لدي عذر ودافع مشروع للدفاع عن نفسي، وعندها سيصير كل شيء أيسر وأسهل بكثير.]
تاريتا: [――――]
وبينما ألقى أولبارت نظرة خاطفة على الوجوه في الغرفة وهز كتفيه، كزّت تاريتا على أضراسها بغيظ.
وكان الأمر تمامًا كما أشار ذلك العجوز الوحشي؛ فقوس تاريتا ظل مسددًا نحوه، غير أن المعني بالأمر —أولبارت— تجاهل ذلك بوجه بارد، بل واستغله كورقة للمساومة.
وكان للمرء أن يتخيل حجم الاضطراب والحرقة التي تعتمل في صدر تاريتا؛ غير أن الأولوية القصوى في هذه اللحظة كانت――
سوبارو: [وماذا تعني بتخفيف الشروط؟]
أولبارت: [أتحدث عن الكيفية التي سنلعب بها لعبة المطاردة؛ ما رأيكم بألا يلزمكم الإمساك بي، بل يكفيكم العثور عليّ لتفوزوا؟ غير أنه سيتعين عليكم فعل ذلك ثلاث مرات.]
سوبارو: [ثلاث مرات…]
أولبارت: [سأختبئ ثلاث مرات، وسيكون عليكم البحث عني وإيجادي ثلاث مرات؛ فإن عجزتم، خسرتم. وفي هذه الحالة، لن تصبح لعبة مطاردة، بل لعبة بحث… وهو اسم يبدو غريبًا بعض الشيء.]
«لا تبدو تسمية لائقة ومألوفة تمامًا»، قالها أولبارت وهو يميل رأسه في حيرة.
ومستوعبًا اقتراح العجوز، انطلقت الكلمات من فم سوبارو تلقائيًا――
سوبارو: [――لعبة الغميضة؟]
أولبارت: [أوه أجل، هذا اسم ممتاز! سنعتمد هذا الاسم إذن.]
وفرقع أولبارت أصابعه استحسانًا لاسم «لعبة الغميضة».
وتزامنًا مع ذلك، رفع أولبارت سبابة واحدة في كلتا يديه الممدودتين، ولوّح بهما يمنة ويسرة في موضعه ليراهما الجميع:
أولبارت: [في لعبة المطاردة، يتعين عليكم الإمساك بي مرة واحدة فقط؛ أما في لعبة الغميضة، فعليكم العثور عليّ ثلاث مرات. ――ولا أظنني بحاجة لإخباركم أي الخيارين يمنحكم فرصة أكبر للفوز، أليس كذلك؟]
وفور أن طرح أولبارت سؤاله وهو يغمض عينًا واحدة، شهق سوبارو من هول ما أدركه.
كان أولبارت محقًا، فهذا سؤال لا يتطلب أدنى تفكير؛ ――فبالنظر إلى قدرات أولبارت ككيان خارق ومتسامٍ —وهو أمر بات سوبارو يدركه يقينًا— لم يكن ثمة أي مسوغ يدفعهم لاختيار لعبة المطاردة.
لم يكن يفترض ذلك، ومع ذلك――
آل: [ما كل هذا اللطف يا صاح؟ لا يسعني إلا التساؤل عما إذا كان في الأمر خدعة مستترة، طالما أنك تكبدت عناء اقتراح طريقة تمنحنا فرصة أكبر للفوز.]
وفيما كان أولبارت يتظاهر بتمرير كفة الفوز إليهم، رد عليه آل بنبرة متهكمة وحادة.
وعوضًا عن الخوذة التي نزعها، كان وجه آل ملفوفًا الآن بقطعة قماش؛ وصوته الذي بات حاد النبرة ورفيعًا بعد أن استحال طفلًا، بدا مكتومًا بعض الشيء من خلف القماش، وإن لم يصل لدرجة يصعب معها فهم كلماته.
وهز أولبارت كتفيه بعدما استمع إلى كلمات آل:
أولبارت: [مهلًا مهلًا، إياك أن تظن أنني مجرد عجوز يروم الفوز بأي ثمن كان أيها الفتى؛ فبالنسبة لي، سيكون من الأفضل لو فزتم أنتم، أليس كذلك؟ فأنا لا أفعل هذا إلا لأنني أريد التيقن مما إذا كنتم تستحقون أن أصغي إليكم.]
آل: [――――]
أولبارت: [أما عن نفسي، فأنا مهتم للغاية بما في جعبتكم؛ لكن هل من ضير في أن أقلق بشأن مدخرات تقاعدي إن تورطتُ في كذبة عابرة وطُعن في ولائي لجلالته؟ ولكي أدرأ وقوع ذلك، عصرتُ عقلي البليد لأخرج بهذه الحيلة والخطة.]
ومحركًا سبابتيه اليمنى واليسرى، رد أولبارت على آل ببرود وعدم مبالاة.
ولم يبدد سماع ذلك الجواب شكوك آل، غير أنه كان مبررًا منطقيًا جعل آل يتردد في التمادي بالجدال أكثر من ذلك.
ولم يكن سوبارو ساذجًا ليصدق أن أولبارت ينطق بالحق أو يصفو في نيته.
غير أن الوقت كان أضيق بكثير، والمعلومات شحيحة للغاية، لسبر أغوار ما يضمره هذا العقل المدبر المحنك من الشينوبي.
وطوال هذا السجال، كانت المهلة الزمنية التي حددتها يورنا تقترب على نحو حثيث، ثانية تلو ثانية.
ومع هذين الخيارين العسيرين اللذين طرحهما أولبارت ――ولم يكن أي منهما خيارًا مثاليًا―― كانت فرص ابتكار مخرج لتدارك هذا الموقف تكاد تلامس الصفر.
وبصيغة أخرى، كان سوبارو قد بذل قصارى ما في وسعه ومع ذلك انتهى به المطاف إلى هذا المأزق.
آبل: [――إن كُتب علينا قبول عرضك، فسيلزمنا جلاء بعض الأمور وتوضيحها أولًا.]
أولبارت: [أوه، وماذا تقصد بذلك؟]
آبل: [أنت بنفسك قلت ذلك؛ فإن كنت ترغب في منحنا فرصة أكبر للظفر، فلا يجدر بك ترك مجال واسع لجهود عقيمة وعبثية―― إذ يجب أن نحدد بوضوح ما يبتغيه كل طرف منا من الآخر.]
أولبارت: [――. كاكاكاكا!]
ويبدو أن آبل كان قد خلص إلى النتيجة ذاتها في وقت سابق، فمضى في حديثه مصوبًا إحدى عينيه نحو أولبارت.
توضيح قواعد اللعبة―― وكان المقصد الكامن وراء المطالبة بتوضيح القواعد جليًا؛ فقد كان بمثابة إعلان بقبول خوض اللعبة وبنودها.
أومأ آبل برأسه، مبادلًا أولبارت النظرات؛ وأطلق الأخير ضحكة خافتة بينما توهجت عيناه ببريق حاد متقد.
وعندها أخيرًا――
آبل: [――فلتكن لعبة الغميضة إذن.]
△▼△▼△▼△
――وعقب ذلك، أبرم الطرفان ثلاثة بنود واتفاقات رئيسية:
كان الالتزام الأول هو: «ألا يلحق أي طرف أذى بالآخر».
فـ أولبارت كان قادرًا على الفتك بالجميع إن شاء ذلك منذ البداية؛ وما ثناه عن ذلك لم يكن سوى أوامر الإمبراطور المزيف وحذره وتوجسه من يورنا.
غير أن هذا التعهد كان ضروريًا ولا غنى عنه، لأنه قد يخرق هذا الحظر إن استدعى الموقف ذلك.
وكان الثاني هو: «حصر أماكن الاختباء داخل حدود المدينة فحسب».
فإن كانوا سيصدقون ادعاءه بترك كفة الفرص ترجح لصالحهم، فإن حصر النطاق الجغرافي كان أمرًا جوهريًا لضمان النزاهة؛ وبطبيعة الحال، حتى لو اقتصر الأمر على حدود المدينة، فإن رقعة اللعب تظل شاسعة للغاية.
ومع ذلك، فإن الشروط التي فرضها سوبارو عليه ستفي بالغرض في هذا الصدد.
وكان البند الثالث هو: «تحديد شروط النصر بوضوح».
فقد اختاروا خوض لعبة الغميضة لقناعتهم بأنها تمنحهم فرصة أكبر للفوز؛ وبذلك، لن يقوى أحد على لومهم على السعي لاقتناص النصر.
لذا――
سوبارو: [أعلم أن حظوظنا تختلف في لعبة المطاردة مقارنة بالغميضة، لكن لِمَ ثلاث مرات بالذات؟ لا تكن بخيلًا، ألا يسعنا الاكتفاء بمرة واحدة؟]
أولبارت: [كاكاكاكا! هذا طمع وجشع مبالغ فيه أيها الفتى اليافع. اسمع ما سأقوله لك: إن حدث الأمر مرة واحدة، فربما يكون مجرد ضربة حظ وصدفة؛ أما إن تكرر ثلاث مرات، فتلك مهارة لا ريب فيها.]
سوبارو: [ثمة أناس يعدون الحظ جزءًا من المهارة، أتعلم ذلك؟]
أولبارت: [يؤسفني إخبارك بأنني لا أؤمن بالحظ إطلاقًا؛ وأعني بذلك أن جل أهل الإمبراطورية يشاركونني هذا الإيمان؛ إنك تتفوه بترهات عجيبة حقًا، أليس كذلك؟]
وكانت تلك عقيدة فكرية محتومة، تجسد طبيعة إمبراطورية تقوم على تمجيد الكفاءة والاستحقاق فوق كل شيء.
فلا وجود لما يُسمى بالحظ أو النحس، وكل شيء مرهون بقدرات المرء نفسه؛ وكان هذا المنطق خانقًا وقاسيًا لمن يعجزون عن العيش دون ملاذ يحتمون به.
فعلى سبيل المثال، سوبارو في أيام انقطاعه عن المدرسة وتخلفه عن الحضور لم يكن ليجد له موطئ قدم في هذه الإمبراطورية أبدًا.
أولبارت: [وفوق ذلك، لمَ لا تكون ثلاث مرات بما أن ثلاثة منكم قد قُلصت أجسادهم؟ يبدو هذا تبريرًا منطقيًا لحجة ابتكرتها لتوي على البديهة.]
آبل: [إذن، في كل مرة نعثر عليك فيها، ستبطل مفعول التقنية عن شخص واحد؟]
أولبارت: [أوه، وها أنت تحاول استغلال الأمر لصالحك ومباغتتي؛ حسنًا، فلننسَ أمر تلك الحجة إذن.]
وملوحًا بيديه في الهواء، رفض أولبارت إقرار ما قاله آبل.
وعلى أية حال، وبحسم تلك المسألة، لم يعد ثمة شيء آخر يستدعي التدقيق والفحص.
وهذا يعني――
أولبارت: [حسنًا، فلنبدأ اللعب.]
سوبارو: [يا أولبارت-سان، أود فقط التأكد من تفصيل صغير… يحظر عليك الاختباء في أماكن يستحيل علينا بلوغها جسديًا؛ فلن نملك حيلة إن تواريت في مكان مجهول ومعدوم.]
أولبارت: [أنت مدقق صارم لا يفوّت شاردة ولا واردة، أتعلم ذلك؟ ――حسنًا، كنتُ سأفعل ذلك قطعًا لو لم تنبهني إليه.]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [اسمع، كنتُ صادقًا وجادًا حين أخبرتكم أنني لا أسعى للفوز بأي ثمن، أتعلم ذلك؟ لكن لا تغب عن بالك حقيقة أن هذا اختبار لكم.]
وبعبارة أخرى، كان يختبر براعتهم، ودهائهم، ورجاحة عقولهم كذلك.
فقد بدا أولبارت في الظاهر رجلًا سمحًا ومسترخيًا، غير أنه كان صارمًا لا يرحم حين يتعلق الأمر بنبذ أحدهم؛ فلو ارتأى أن شخصًا ما لا يستحق اهتمامه، لانتزع مقاتله وأحشاءه بلا أدنى شفقة.
وحتى في هذه اللحظة، لولا تدخل سوبارو، لكان قد أقدم على تلك الخدعة بجدية مطلقة.
غير أن――
أولبارت: [――لم أكن أحسب أن الفتى المقنع سيفوّت أمرًا كهذا.]
ومشيرًا شطر آبل بإمالة ذقنه، ابتسم أولبارت ابتسامة ماكرة لم تحجب أثر شيخوخته.
ورغم ذلك الاستفزاز والانزعاج، أرسل سوبارو إشارة بعينيه نحو آبل وآل، وما إن استوثق من موافقتهما، حتى أعد نفسه لإعلان التحدي وقبول النزال.
سوبارو: [إن فزنا، فستعيدنا إلى هيئتنا الطبيعية.]
أولبارت: [وإن فزتُ أنا، فسيتعين عليكم الانتظار عشر سنوات حتى تعودوا إلى هيئتكم الطبيعية؛ حسنًا، وإن راودت جلالته والفتاة الثعلبة أي شكوك أو تراجعا عن موقفهما، فسألجأ إلى استنطاقكم عن أسراركم بأسلوبي الخاص.]
والمقصود بذلك فن من فنون الشينوبي المتوارثة في قريتهم―― واجتاحت سوبارو موجة من الرهبة وهو يحدق في عيني أولبارت القاتمتين، مستشعرًا أن الأسلوب الذي لوّح به العجوز لا يعدو كونه ضربًا من التعذيب والتنكيل.
وقبيل أن يمضي العجوز شطر مخبئه الأول، بادر سوبارو بسؤاله:
سوبارو: [――إذن، ما هو التلميح الأول؟]
وكان سؤالًا قد يُعد سخيفًا ويثير السخرية لو كانت هذه لعبة جادة.
غير أن أولبارت لم يسخر من ذلك؛ إذ كان هذا شرطًا من شروط الفوز التي ألزم سوبارو أولبارت بقبولها في لعبة الغميضة.
فبعد أن خضع سوبارو لـ «التحول إلى طفل»، رغب أولبارت في اختبارهم وتقييمهم، لا من حيث البأس القتالي أو القدرات البدنية، بل من حيث رجاحة العقل والابتكار، كما أُشير سابقًا.
وببساطة، لم يكن الأمر سوى النزعة الفطرية المسماة «النفور من التعامل مع الحمقى».
أولبارت: [بدايةً، ولتكن تجربة تمهيدية… سأختبئ على مقربة من هذا النزل، «خلف الجفون».]
سوبارو: [――خلف… الجفون.]
أولبارت: [حسنًا، ابذل قصارى جهدك أيها الفتى؛ ودع هذا العجوز يستمتع قليلًا بما تبقى من حياته القصيرة على الأقل.]
وملوحًا بيده بتمهل، أدار أولبارت ظهره لـ سوبارو ورفاقه؛ ――وفي تلك اللحظة، استشعر سوبارو تصاعد حدة التوتر في أرجاء الغرفة بينما مضى الرجل مبتعدًا بخطوات متمهلة.
الجميع: [――――]
فمن ذا الذي لم تراوده رغبة عارمة في الانقضاض على أولبارت وتسوية معضلتي «لعبة الغميضة» و«التحول إلى أطفال» دفعة واحدة في تلك اللحظة بالذات؟
غير أن أحدًا لم يُقدم على تلك الحماقة والتهور؛ وكان ذلك عين الصواب.
أولبارت: [كاكاكاكا!]
وقبيل أن يُغلق الباب مباشرة، انطلقت قهقهة أولبارت لعلمه بكنه التردد الذي ساور سوبارو؛
ولقد كان مسلكه —بما في ذلك ضحكته الحادة— جديرًا بلقب «العجوز الخبيث» حتى اللحظة الأخيرة.
وهكذا، ما إن غادر أولبارت الغرفة، وخلت الأجواء مجددًا لـ سوبارو وحلفائه وحدهم――
آبل: [اخفضي قوسكِ يا تاريتا؛ فلم يعد ثمة من تصوبين نحوه.]
تاريتا: […حسـنًا.]
وعقب مغادرة العدو للغرفة، أمر آبل تاريتا بخفض قوسها؛
وكان وجه تاريتا يفيض بالخجل والانكسار وهي تمتثل لأمره؛ وكان ذلك شعورًا طبيعيًا، إذ حافظ أولبارت على بروده وتجاهله بينما كان قوسها مسددًا نحوه.
فبصفتها إحدى محاربات شودراك―― كلا، بل بصفتها من عُهد إليها رسميًا بدور زعيمة القبيلة القادمة، كان مسلك العجوز في نظر تاريتا استخفافًا وازدراءً لقوة «شعب شودراك».
ولقد سمح سوبارو لـ أولبارت بالاستهانة بشعب شودراك؛
وكان هذا بدوره عائدًا إلى عجزه وضعف حيلته هو شخصيًا.
ففي الأصل، رافقت تاريتا سوبارو إلى «كايوسفليم، مدينة الشياطين» التماسًا لسند يدعم عزمها على تولي زعامة القبيلة.
――غير أن ما حدث لم يورثها الثقة المنشودة، بل تمخض عن أثر عكسي محبط.
آل: [أتنوي حقًا مجاراة ذلك العجوز في ألاعيبه يا صاح؟]
وهكذا توجه آل بالحديث نحو سوبارو الذي عجز عن إيجاد ما يواسي به تاريتا.
وكان آل يرتدي قناعًا قماشيًا لا يلائمه تمامًا، ونبرته مشحونة بالإحباط والاستنكار إزاء ما دار مع أولبارت؛ ولطالما ترك انطباعًا بأنه شخص يتقبل الأمور بأريحية ويتغاضى عن الصعاب، لذا كان مستغربًا أن يبدي ردة فعل كهذه.
ومع ذلك، ونظرًا لأن أولبارت لا يفتأ يتفوق عليهم في الدهاء والمناورة، كان إحباطه مفهومًا ومبررًا.
سوبارو: [ولا أنا يروق لي أن نعصر ونوضع تحت وطأة هذا الاختبار القاسي؛ لكننا فتحنا بابًا لبعض الاحتمالات في اللحظة الأخيرة، أليس كذلك؟]
آل: [احتمالات… أتقصد…]
ميديوم: [ثمة أمل في أن نستعيد أجسادنا الأصلية، أليس كذلك يا سوبارو-تشين؟]
وكانت ميديوم تجلس على الأرض كابحةً لويس التي كانت تتخبط وتقاوم؛ إذ كانت تسيطر على لويس —التي بات حجمها الآن مقاربًا لحجمها— بفضل مهارتها، لا بقوة ذراعيها؛
ولعلها مهارة اكتسبتها وطورتها في دار الأيتام التي ترعرعت فيها.
وبينما كانت تُهدئ لويس، تلاقت عينا سوبارو بعينيها الزرقاوين وأومأ مؤكدًا: «أجل»:
سوبارو: [إن عكّرنا مزاجه، فستبقى أجسادنا صغيرة… وهذا أمر لا طاقة لنا باحتماله بالنظر إلى خططنا المستقبلية ومسارنا الراهن؛ فلا مناص من عودتنا إلى طبيعتنا.]
آل: […حسنًا، كان بوسعنا فعل ذلك تحديدًا؛ كان يسعنا محاصرة ذلك العجوز وسحقه يا صاح.]
سوبارو: [لا تكن أحمق؛ فالسبب الوحيد الذي أبقانا على قيد الحياة هو عزم أولبارت-سان على الانصياع لأوامر الإمبراطور؛ ولم نكن لنملك حيلة أمامه لو طرأت له رغبة في الفتك بنا.]
آل: [――أنت تتحدث وكأنك عاينتَ ذلك بنفسك من قبل يا صاح.]
أشاح آل بنظره عن سوبارو، وبدت نبرته وكأنه يريد القول إن أمرًا كهذا محال قطعًا.
ولم تكن ملاحظة آل بعيدة عن الحقيقة؛ فبصيرة سوبارو تلك نابعة من خدعة وحيلة استثنائية تتجاوز حدود العوالم؛ إذ إنه عاين ذلك المشهد بأم عينيه حقًا.
وقائع ظنها ضربًا من المستحيل قد حدثت بالفعل، حتى وإن كره الإقرار بها.
ومع ذلك――
آل: [――――]
أشاح آل ببصره ولم يزد على ذلك في الجدال.
فبحكم زيارة برج القلعة في اليوم السابق، أدرك آل بدوره جانبًا من بأس أولبارت؛ وكان يعلم بطبيعة الحال أن العجوز لم يكن جادًا في ذلك الحين، وأن فرص النصر ستكون شبه معدومة إن كشف عن كامل قدراته الحقيقية.
ولهذا السبب آثر آل أن يكتفي بمراقبة ظهر أولبارت وهو يمضي مبتعدًا.
سوبارو: [على أية حال، لا نملك متسعًا من الوقت؛ فإن كنا سنلتقي بـ يورنا، فأنا بحاجة إلى وقت للتبرج ووضع مساحيق التجميل. يلزمني ثلاثون دقيقة لإتمام كل شيء، لذا… فالمهلة المتبقية تزيد قليلًا عن ساعتين.]
تاريتا: [أمن الضروري حقًا ارتداء ملابس النساء…]
سوبارو: [ضروري بلا ريب؛ لأن حضور ثلاثتنا الذين ذهبوا بالأمس مطلوب بالاسم أيضًا، وفوق ذلك…]
وفيما قال ذلك، رمق سوبارو آبل الصامت بنظرة؛
وطالما أنه لم يعترض، فقد خمّن سوبارو أنه يشاركه النهج الأساسي ذاته؛ ولم يخال سوبارو أن آبل قد استسلم لسطوة المشاعر بعد خوض ذلك الموقف القاتل.
أو لعله――
سوبارو: [أأنت مصدوم من سعي أولبارت-سان لاغتيال الإمبراطور؟]
آبل: [ترهات؛ كنتُ أعلم أن لديه طموحات تفوق حجمه، وإن لم يخطر ببالي أنه يطمع في رأس الإمبراطور؛ إذ ظننتُ ألا طائل يُرجى من وراء محاولة كهذه. غير أن ما ينشده حقًا هو إحساس أخير بالإنجاز، وسوء السمعة والصيت بعد مماته.]
وهز آبل كتفيه النحيلتين وكأنه يقر بعجزه عن استيعاب هذا المنطق تمامًا.
فبصرف النظر عن تجريده من عرشه الإمبراطوري وقذفه في أحلك الظروف وأشدها سوءًا، لم يكن آبل ليعرف الاستسلام يومًا.
فمن منظوره، يُعد التخلي عن الحياة ابتغاء مجد أو صيت بعد الوفاة أمرًا عصيًا على الفهم، إذ إن غايته الفضلى هي العودة إلى العرش حيًا يُرزق.
وفي هذه النقطة، وافقه سوبارو الرأي، وإن شابت مشاعره تناقضات شتى؛ فهو لم يكن يرغب في أن يُكال له المديح بعد موته.
بل تمنى سوبارو أن يطويه النسيان لدى أحبائه الباقين بعد رحيله؛
فمن سجية سوبارو وطبيعته أنه يفضل أن يستحيل ذكرى عابرة يُنسى أثرها فور مماته، على أن يقاسي الجميع ألم الفقد واللوعة بسببه.
غير أنه لم يكن ينوي البتة مشاطرة آبل تلك المشاعر.
سوبارو: […لكن أولبارت-سان منفصل عن الواقع بعض الشيء، أليس كذلك؟ يحمل كل ذلك الطموح، ومع ذلك لا يدري حتى هوية من يقف أمامه مباشرة.]
ولذا، غيّر سوبارو مجرى الحديث بمراوغة.
غير أنه ما إن تناهى ذلك إلى مسمع آبل، حتى لاحت في عينيه نظرة ارتياب بدت جلية حتى من خلف «قناع الأوني».
آبل: [――عما تتحدث بحق؟]
سوبارو: [إيه؟]
آبل: [أنا أرتدي هذا القناع؛ ولذا فإن رد فعل أولبارت مبرر ومفهوم تمامًا.]
ومرّر آبل إصبعه على وجنة «قناع الأوني»، مطلقًا ذلك التصريح ببرود وتؤدة.
رفع سوبارو حاجبه حيال كلماته، وبدت على ملامحه الحيرة وعدم الفهم؛ وسرعان ما استحال استغراب آبل إلى خيبة أمل بدت واضحة حتى من خلف قناع الأوني.
وبتلك النظرة في عينيه، تنهد آبل تنهيدة عميقة وقال:
آبل: [لهذا القناع خاصية تشويه إدراك الآخرين؛ إنه تأثير يحجب الهوية الحقيقية لمن يرتديه.]
سوبارو: [――! أهو حقًا «تشويش إدراكي»؟ لكن ألم يكن ذلك القناع من قرية شعب شودراك في الأصل…؟]
تاريتا: [أجل أجل، هذا صحيح؛ يُروى أنه في غابر الزمان، حين وطد الإمبراطور وشعب شودراك أواصر الصداقة، اعتاد الإمبراطور ارتداءه لزيارة الأدغال دون أن يتعرف عليه أحد.]
سوبارو: [ألهذا القناع تاريخ عريق كهذا حقًا…؟]
ومع انكشاف تلك الحقيقة المباغتة، فغر سوبارو فاه دهشةً؛ وأمام ذهول سوبارو، ظلت خيبة الأمل تكسو ملامح آبل:
آبل: [أنت… أكنتَ تظن حقًا أنني ارتديتُ هذا القناع طوال هذا الوقت لمجرد التباهي والاستعراض، أو من فرط الجنون؟]
سوبارو: [――――]
آبل: [أخيرًا، بلغ غباؤك ذروته؛ فمن حيث المبدأ، ثمة أسباب وجيهة لا حصر لها لحجب وجهي وإخفائه؛ ولا أظننا قدمنا إلى «مدينة الشياطين» للسياحة والتنزه.]
سوبارو: [ما كان عليك صياغتها بهذا الأسلوب اللاذع، كان بوسعك توضيح الأمر منذ البداية فحسب…!]
يقينًا، كان الخطأ يقع على عاتق سوبارو لظنه أن القناع مجرد نزوة من تصرفات آبل الغريبة دون أن يتكلف عناء السؤال، غير أن آبل كان مليمًا بدوره لحسبانه أن الأمر سيكون مفهومًا وبديهيًا دون أدنى إيضاح.
وبفضل ذلك، تجرع سوبارو حرجًا لا داعي له، وأثقل كاهله بقلق لم تكن به حاجة.
وعلى أية حال، بات الآن ملمًا بالسر والعلة وراء عجز أولبارت عن إدراك هوية آبل الحقيقية؛
فـ آبل لم تكن لديه أي نية لتلطيف خطابه المتعالي أو كبح عنجهيته، لذا ذهبت مخاوف سوبارو من انفضاح أمره أدراج الرياح دون مسوغ.
ميديوم: [مهلًا مهلًا يا آل-تشين، يا آل-تشين؛ هذا هو عذر آبل-تشين وسببه، لكن هل ثمة سبب يدفع آل-تشين لإخفاء وجهه هو الآخر؟]
آل: [في حالتي، لدي عقدة ونقص من ندوب وجهي… لكن دعونا من شأني الآن يا صاح؛ فلعبة الغميضة قد بدأت بالفعل، وعلينا أن نتحرك فورًا.]
وفيما قال ذلك، أشار آل من النافذة شطر أزقة «كايوسفليم، مدينة الشياطين».
فـ «كايوسفليم» كانت إحدى كبريات الحواضر في الإمبراطورية، إذ تُقارب مساحتها على الأرجح خمسة أضعاف «غوارال، المدينة المحصنة».
والعثور على زعيم الشينوبي المتواري في خضم كل هذا الاتساع لم يكن بالمهمة الهينة على الإطلاق.
العثور عليه ثلاث مرات، في غضون ساعتين فقط، وبرفقة ستة أفراد فحسب.
آل: [أعلم أنه ذكر أنه سيجري جولة تجريبية أولًا، لكن ثمة مخابئ محتملة لا حصر لها في محيط النزل هنا يا صاح؛ فهل في جعبتك أو جعبة آبل-تشان أي خطة؟]
سوبارو: [ليست خطة محكمة تمامًا، ولكن…]
على الأقل، كانت ثمة أمور فطن إليها سوبارو ورغب في اختبارها وتجربتها.
جولة تجريبية في «لعبة الغميضة»―― ودون أدنى مفاجأة، راودته الفكرة عينها التي خطرت لـ أولبارت؛ فكرة يجدر تجريبها ولو لمرة واحدة لسبر غور عقلية خصمهم ذلك العجوز.
وفور أن فكر سوبارو في ذلك، عقد آبل ذراعيه وأومأ موافقًا: «بطبيعة الحال»:
آبل: [ثمة خيارات وتحركات ممكنة عدة؛ وإن كانت فكرتي تباين بالضرورة ما يراه هذا المهرج القابع هنا.]
سوبارو: [صرتَ تحط من قدري من مستشار عسكري إلى مهرج؟! إنك متشنج ومتحامل للغاية بشأن مسألة القناع تلك… مهلًا، ليس الأمر وكأنني أكترث لكوني مستشارك العسكري أو أي شيء من هذا القبيل!]
ولم يملك سوبارو سوى أن يزم شفتيه بحنق وتكشيرة إزاء نبرة آبل الباردة؛ وبدا وكأن حقيقة تعامل سوبارو مع تنكر «قناع الأوني» على أنه مجرد غرابة أطوار قد أثارت حفيظة الأخير حقًا.
وعلى أية حال، فبسبب تلك المهاترات والجدال هنا، كان الوقت يتبدد هباءً.
سوبارو: [عليّ التحرك فورًا قبل أن أنسى كيف كان شعور امتلاك أطراف طويلة.]
آل: [حسنًا، لستُ أدري إن كان قد مرّ وقت حظينا فيه أنا وأنت بسيقان طويلة حقًا يا صاح…]
سوبارو: [قصدتُ مقارنةً بوضعنا الراهن!]
تجاهل الجميع ممازحة آل وسخريته بشأن قصر سيقانهم، وتأهبوا بالحد الأدنى من العتاد؛
فحمل آل سيف الـ «داو» في غمده على ظهره، بينما اكتفت ميديوم بحمل سيف واحد من سيفيها التوأمين على خصرها؛ وفي الوقت الراهن، حمل سوبارو سوطه كذلك، وإن كان غير واثق من مقدرته على استعماله بإنصاف في هذا الجسد.
ولم يتبقَ سوى آبل وتاريتا اللذين كانا في أوج جاهزيتهما البدنية، فضلًا عن――
؟؟؟: [آا، أوو!]
ميديوم: [أوه، يا لويس-تشان، إنكِ مفعمة بالحماس حقًا! حسنًا، فلنبذل قصارى جهدنا ونعثر على الجد العجوز!]
لويس: [أوو!]
ورفعت ميديوم قبضتها الصغيرة استجابةً لصوت لويس، عازفةً عن تركها خلفهم.
في نهاية المطاف، كان من المرجح أن تعيق لويس حركة الجميع وتبكّر في إبطائهم؛ وبما أن أولبارت كان محظورًا عليه تبديل مخبئه طوال هذه الأثناء، فقد فضّلوا الاعتقاد بأنه —حتى وإن استشعر اقتراب لويس الصاخبة— لن يُقدم على خطوة كهذه على الأرجح.
آل: [ألا يُحتمل أن يبدل مخابئه بين الحين والآخر ثم يزعم أنه ظل متواريًا في البقعة ذاتها طوال الوقت يا صاح؟]
آبل: [سبق وأن نبّهتك إلى ذلك، غير أن غاية أولبارت لا تكمن في إحراز النصر لنفسه؛ ومردّ لجوئه إلى هذه المناورة الملتوية هو سبر قدراتنا واختبارها عبر هذه اللعبة.]
آل: [سبر قدراتنا؟ وهذا يعني…]
آبل: [يريد أن يتيقن مما إذا كنتُ أهلًا للمطالبة بعرش الإمبراطورية بهذه الجسارة.]
أوضح آبل ذلك لـ آل الذي راودته الشكوك حيال نوايا أولبارت الحقيقية.
ولم يرَ سوبارو أي كذب أو زيف في ذلك بدوره؛ فرغم صعوبة تصديق كلمات أولبارت نفسه، إلا أنه ما دام هدفه هو رأس الإمبراطور، فسيكون من المفيد والمريح له أن يصدق مسعى جماعة سوبارو ويثق في أن ما بحوزتهم من معلومات هو الحقيقة بعينها.
فقد أراد أولبارت أن يقتنع بجدواهم من خلال استعراض قدرات جماعتهم.
ولهذا السبب――
سوبارو: [لم يتسنَّ لي السؤال آنفًا، لكن ما قصة «شعلة سيف اليانغ» تلك…؟]
آبل: [أخشى أن وقتي لا يتسع لإلقاء محاضرة مطولة حول تاريخ أباطرة فولاكيا؛ وبصرف النظر عن ضحالة إدراكك، فإن خطتي ليست بالشيء الذي يوضع قيد التنفيذ داخل غرفة في نزل.]
سوبارو: [تشه، فهمت.]
طقطق سوبارو بلسانه مستاءً من أسلوب آبل في التهرب من إفشاء أي سر.
ومع ذلك، إن كان ما دار في السجال مع أولبارت صحيحًا حقًا، فقد بدا له أن إمبراطور فولاكيا —أو بالأحرى آبل— يتمتع بضرب من الحماية والمنعة؛ وطالما حظي بها، فلن يمسه أي سوء.
سوبارو: [لكن لو فكرتُ في الأمر مليًا…]
فحتى اللحظة، لم يعاين سوبارو مصرع آبل بأم عينيه قط.
ومنذ أن وطأت قدماه أرض «إمبراطورية فولاكيا»، واجه سوبارو الموت مرارًا وتكرارًا، إذ تجرع الردى بالفعل وتفعل لديه «الرجوع بالموت»؛ غير أن مقتل آبل كان حدثًا لم يقع أمامه أبدًا. ――رغم أن سوبارو مرّ بمواقف كان من المحتم أن تفضي إلى مصرع آبل.
فسواء عندما كشف أولبارت عن حقيقته في الحلقة السابقة مباشرة، أو حين أضرم تود النيران في «أدغال بودهايم» بما فيها قرية شعب شودراك، كان يُفترض أن يلقى آبل الأسير حتفه هناك.
غير أن ذلك كان مجرد استنتاج فرضته الظروف، لا لأن سوبارو قد عاين وتثبت من موته بصورة مباشرة. ――ولذا، رغب في التيقن من أمر واحد:
سوبارو: [ذلك الشيء المسمى «شعلة سيف اليانغ»، هل ما زال يحميك حتى الآن؟]
آبل: [كم أنت لحوح؛ أتراك ستنقلب ضدي أنت الآخر إن لم أجبك؟]
سوبارو: […لن أجني أي مصلحة من فعل ذلك.]
تقلصت وجنتا سوبارو إثر تلك الملاحظة الساخرة والمتهكمة، فآثر التراجع والكف عن الإلحاح هذه المرة.
ثم جال سوبارو بنظره في وجوه رفاقه بينما كانوا يتأهبون لمغادرة النزل:
سوبارو: [على غير المتوقع، فرضت علينا الأقدار خوض هذه اللعبة؛ غير أنه إن كان الشرط مقتصرًا على العثور على شخص ما، فبوسعنا المنافسة حتى في ظل انكماش نصف أفراد مجموعتنا؛ بل في واقع الأمر، وبما أنها «لعبة الغميضة»، فإن عودتنا إلى عقول وأجساد الأطفال قد تصب في مصلحتنا في هذه اللعبة بالذات!]
تاريتا: [مـ… ما المنطق الكامن وراء هذا الزعم…؟]
آبل: [تجاهلي ترهاته؛ فما يقوله مجرد سفسطة لا طائل من الإصغاء إليها.]
وفي حقيقة الأمر كان آبل محقًا، إذ لم يكن كلامه سوى دعابة ومزاح، غير أن سوبارو عبر عن امتعاضه بقطبة بين حاجبيه.
وعقب ذلك، صاح سوبارو بصوت أعلى مما ينبغي: «على أية حال!»:
سوبارو: [أريد من الجميع توخي أقصى درجات اليقظة والانتباه لما يحيط بنا. ――حسنًا إذن، لننطلق!]
ميديوم: [أوه!]
لويس: [آوو!]
آل: […إنك منغمس ومتحمس للأمر بجدية يا صاح.]
وكان سوبارو المتحمس يرتدي ما توفر لديه من ثياب، فبدا مظهره غير متناسق على الإطلاق؛ وتنهد آل بينما حذت ميديوم ولويس حذو سوبارو، ملوحتين بقبضتيهما في الهواء.
ومن جهة أخرى، كانت تاريتا —التي غدت أقوى مقاتلة في صفوفهم— تفيض عيناها بالتوتر والقلق، بينما ظل آبل على وقاره وغطرسته المعهودين، بلا أدنى تعبير يُستشف من خلف «قناع الأوني»، ويداه فارغتان من أي سلاح.
وغادر أفراد المجموعة النزل معًا.
وكانت المهمة الأولى هي تحديد المخبأ الأول لـ أولبارت؛ وبملء حماسه، صفق سوبارو الباب بدوي عالٍ وخطا إلى الخارج باندفاع وعزم كبيرين――
سوبارو: [――إذن، سنعود أدراجنا فورًا!]
آل: [إيه؟]
وبخطوة حازمة، ضرب سوبارو الأرض بقدمه مباشرة، ليستدير بجسده نصف دورة خاطفة؛ وأطلق آل صوتًا بادي البلاهة والذهول حين رأى سوبارو يعود إلى الجانب الآخر من الباب الذي غادره لتوه.
وعلى هذا النحو، دفع سوبارو باب الغرفة بقوة ليفتحه مجددًا؛
ثم أشار بإصبعه شطر داخل الغرفة التي خرجوا منها للتو――
سوبارو: [――وجـدتككك~ يا أولبارت-سان!]
؟؟؟: [كاكاكاكا! مهلًا مهلًا، ألا تملك طباعًا خبيثة حقًا لتفطن لهذا الأمر على الفور؟ لقد خجلتُ واحمر وجهي هنا، فأن يُكشف أمري فجأة هكذا لهو أمر محرج للغاية!]
وضحك أولبارت —الذي تسلل إلى داخل الغرفة خلسةً فور خروج سوبارو ورفاقه— قهقهة من أعماق قلبه إزاء إعلان سوبارو الأول، بينما كان الأخير يشير بإصبعه نحوه.
△▼△▼△▼△
آل: [أمن كل عقلك يا صاح…؟! ]
وصُعق آل برؤية أولبارت قابعًا في الغرفة، وهو على وشك ملء كوبه مجددًا بالشاي البارد.
ولم تقل دهشة ميديوم ولويس عنه، فصاحتا على التوالي: «أوه، إنه الجد!» و«آا!»؛ واتسعت عينا تاريتا ذهولًا حين ألقت نظرة إلى داخل الغرفة هي الأخرى.
وعقب تلك الردود المتباينة، ضيّق آبل عينيه حين وقع بصره على هيئة أولبارت أخيرًا:
آبل: [«خلف الجفون»، فهمتُ الآن.]
نظر آبل من علٍ إلى جانب وجه سوبارو الصغير وتمتم:
آبل: [أكنتَ تعلم منذ البداية أن هذا هو مخبؤه؟]
سوبارو: [عبارة «خلف الجفون» مع محيط النزل جعلت هذا المكان أول ما خطر ببالي؛ فالشخص الذي يقترح هذا النوع من الألعاب لا بد أن يحاول تجربة هذه الخدعة مرة واحدة على الأقل.]
واستحضر سوبارو مع هذا الجواب ذكرى قديمة يملؤها الحنين―― ذكرى لقائه الأول بـ «بياتريس» في «قصر روزوال» العتيق.
فقد حاولت بياتريس حينها جعل سوبارو يسير في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية في الرقعة ذاتها، مستحدثة رواقًا مغلقًا بقدرتها السحرية؛ ولسوء طالع بياتريس، اخترق سوبارو حيلتها بنظرة واحدة، وسرعان ما فطن إلى أن نقطة الانطلاق هي نفسها نقطة النهاية والهدف.
وحين فكر سوبارو في الأمر الآن، شعر بالأسف والندم لأنه لم يساير حيلة بياتريس اللطيفة آنذاك؛ غير أن خصمه الراهن لم يكن بياتريس الشقية اللعوب، بل كان عجوزًا وحشيًا مخيفًا، ولم يكن هذا بالوقت المناسب للتهاون أو مسايرة الخصم.
لذا، لوى ملامح وجهه الصغير بابتسامة عريضة ليتباهى بنصره دون أدنى شفقة:
سوبارو: [بصراحة، كشفتُ أمرك وقرأتُ حركتك بالكامل، يا أيها العجوز الخبيث!]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لا تقسُ عليّ وتزد الطين بلة؛ فهذا خزي وعار لا يسعني تركه يظهر أمام شبان قريتي على الإطلاق. ما رأيك أن تطلق على نفسك لقب «الصبي الخبيث»؟]
سوبارو: [سأرفض هذا العرض؛ فأنا لم أقترف شيئًا يستحق نعتي بالخبيث على أية حال.]
أولبارت: [حسنًا، هذا محض تواضع منك؛ ――فوق ذلك تكبدتَ عناء التحدث بصوت جهوري مسموع لكي أسمعك وأنت تغادر النزل؛ لقد كان أداءً تمثيليًا بارعًا.]
حك سوبارو خده أمام أولبارت الذي رفع أحد حاجبيه وابتسم له بسخرية.
وكما كان متوقعًا، أمكن استشفاف نواياه وقراءتها إثر ذلك التمثيل المبالغ فيه؛ غير أنه حتى لو فطن أولبارت لنوايا سوبارو الحقيقية، فلم تكن أمامه أي وسيلة لتبديل مخبئه؛
ومرد ذلك إلى أن هذه اللعبة تقتضي تحديد المخبأ أولًا، ثم إعطاء التلميحات المتوافقة معه تاليًا.
سوبارو: [أعلم أنه من المبكر جدًا في الجولة الأولى أن يُكشف أمرك هكذا، لكنك ستحسبها نقطة لصالحنا، أليس كذلك؟ ولن يتعكر مزاجك لمجرد أنني رفضت حمل لقب «الخبيث»، أليس كذلك؟]
فقد أراد تفادي نقض الاتفاق بدعوى «أن هذه نتائج مخيبة وغير حاسمة»، أو ذريعة من هذا القبيل.
وردًا على استيثاق سوبارو النابع من القلق، أغمض أولبارت إحدى عينيه وقال: «بالطبع»:
أولبارت: [الخطأ خطئي إذ حُسمت النتيجة بهذه السرعة الخاطفة؛ ومن الإجحاف أن أتوقع منكم تدارك زلتي هذه. بقي مرتان أخريان كما اتفقنا.]
ميديوم: [أوه~! لقد فعلتها يا سوبارو-تشين! أحرزنا الفوز الأول في غضون عشر ثوانٍ تقريبًا!]
سوبارو: [أجل، هذا نصر طيب.]
وبينما كانت ميديوم إلى جواره يغمرها الفرح، ربت سوبارو على صدره بارتياح.
وهكذا انقضى اللغز الأول الذي طرحه أولبارت في الوقت الراهن―― وفي واقع الأمر، كان ذلك ضربًا من الاختبار اتخذ من «لعبة الغميضة» اسمًا وستارًا له؛ ويصح القول إنهم طُلب منهم حل مسألة في اختبار حقيقي.
فقد كانوا يخضعون للاختبار لتبين ما إذا كانوا يستحقون اهتمام أولبارت والتفاته.
سوبارو: [كل هذا بفضل مساعدة بيكو…]
«…مساعدتها»، هكذا كاد أن يقول، بينما جاهد سوبارو لاستحضار صورة تلك الفتاة اللطيفة في مخيلته؛
غير أنه لبرهة خاطفة، ابيضّت تلك الفكرة وتلاشت كليًا، لتتوقف خواطره تمامًا.
سوبارو: [――――]
وانتابه إحساس طفيف بالانزعاج والوحشة أحدث تموجًا غائرًا في قلبه؛
وقبل أن يتسنى له تقصي جواب قاطع لما يعتريه――
أولبارت: [حسنًا، عليّ أن أسترد ماء وجهي وأعوض زلتي، لذا سأهرع إلى المخبأ الثاني.]
سوبارو: [أوه، أجل، معك حق. إذن، ما هو التلميح التالي؟]
أولبارت: [همم… المخبأ التالي سيكون شيئًا من قبيل…]
عاقدًا يديه خلف ظهره، أمال أولبارت رأسه وجسده مستغرقًا في التفكير؛ غير أنه لم يمكث طويلًا في تدبر أمره، فلوى العجوز وجنتيه بابتسامة:
أولبارت: [――«هاوية ذات إطلالة بديعة»، إن صح التعبير.]
آل: [هاوية…]
تاريتا: [بإطلالة بديعة؟]
اكتملت كلمات تاريتا وآل معًا، بينما راحا يقلبان في ذهنيهما ذلك التلميح الغريب المتروك بشأن المخبأ التالي.
غير أن أولبارت لم تكن لديه أدنى نية لإسداء أي تلميحات إضافية.
أولبارت: [كنتم أفضل مما توقعت في الجولة الأولى، غير أن اللعبة الحقيقية على وشك أن تبدأ الآن.]
ابتسم العجوز كاشفًا عن أسنانه البيضاء، ثم وثب إلى الخلف بخفة ورشاقة فائقة؛ وبحركته تلك، فتح أولبارت نافذة الغرفة ووضع قدمه على حافتها بلامبالاة واسترخاء تامين.
ثم، وأمام ناظري سوبارو ورفاقه الذين شخصت أبصارهم دهشةً، قفز إلى الخارج.
أولبارت: [في المرة القادمة، سأحرص على أن أختبئ بصورة أفضل قليلًا!]
آل: [مهلًا أيها العجوز…! تبًا، لقد فرّ يا صاح!]
وبصرخة على عجل، اندفع آل شطر النافذة يستطلع المكان في الخارج وهو يمسك برأسه الملفوف بالقماش.
وفي واقع الأمر، كان الإمساك بـ أولبارت ضربًا من المحال متى ما عزم على الهرب؛ وقدرته الساحقة على التملص والفرار جعلت سوبارو يوقن بأن تبديل اللعبة من «المطاردة» إلى «الغميضة» كان هو القرار الصائب بلا مراء.
وعلى أية حال――
تاريتا: [يا سوبارو، المخبأ التالي لذلك الرجل…]
ميديوم: [همم، يا سوبارو-تشين، أفهمتَ المقصد؟ أتدري أين يكون؟]
سوبارو: [أوووه… الأمر هو…]
رمقته تاريتا وميديوم بنظرة ملؤها الترقب والأمل، غير أن الكلمات ضاعت من سوبارو وعجز عن الإجابة.
فبشأن تلميح المخبأ الثاني: «هاوية ذات إطلالة بديعة»، لم يجد سوبارو في حقيقة الأمر أدنى طرف خيط يهديه إلى الجواب.
سوبارو: [معذرة، لا يخطر ببالي أي شيء في اللحظة الراهنة؛ فالأمر ليس وكأنني أقرأ الأفكار، بل أنا قادر على قراءة الموقف فحسب.]
ميديوم: [فهمتُ~، معذرة إذن! لا يجدر بنا الاتكال عليك وحدك طوال الوقت؛ بل سنكتشف الحل معًا!]
تاريتا: [أجل، صدقتِ؛ لستُ بارعة في إعمال عقلي، غير أنني سأواصل التفكير في الأمر.]
أطرق سوبارو برأسه خجلًا من قلة حيلته وعجزه، فأجابته ميديوم وتاريتا برقة وتشجيع.
فالمخبأ الأول كان يسع اعتباره نقطة الانطلاق ذاتها، وهو سيناريو كلاسيكي تقليدي أمكن استنتاجه والتفطن إليه؛
وحتى لو أخطأ حدسه حينها، لكان بمقدورهم تجريبه بسهولة بالغة نظرًا لقرب المكان الشديد، دون أي هدر يُذكر للوقت؛ غير أنه بدءًا من هذه اللحظة――
سوبارو: [سيكون الأمر سباقًا محمومًا مع الزمن فحسب.]
آل: [――صاحبنا لا يملك أدنى فكرة عن موضع اختبائه القادم هو الآخر يا صاح؛ حسنًا، هذا ليس بالأمر المستغرب على أية حال.]
سوبارو: [هذا صحيح… لعلني لستُ أهلًا للاعتماد عليّ، غير أن مصارحتي بالأمر بهذه الفجاجة أمر يبعث على الإحباط حقًا.]
فمع انطلاق جولات «لعبة الغميضة» الحقيقية، وجّه إليه حليفه طعنة في الظهر.
وبطبيعة الحال، رأى سوبارو في ذلك تقييمًا منصفًا، غير أنه تمنى من صميم قلبه لو كان أقل فجاجة ومباشرة؛ فحتى بين الأصدقاء المقربين، ثمة قدر من اللباقة ومراعاة المشاعر ينبغي التزامه.
غير أن آل لوّح بيده نفيًا إزاء كلام سوبارو وقال: «أوه، ليس الأمر هكذا»:
آل: [حسنًا، ليس بمستغرب ألا تفطن للمسألة يا صاح؛ فأنا برفقتك هنا في نهاية المطاف.]
سوبارو: [همم؟ لستُ أدري حقًا عما تتحدث؛ أتقصد مثلًا أن معدل ذكائي ينحدر حين تكون في جواري يا آل؟ أي منطق ونظام غريب هذا؟]
آل: [ليس هذا ما أقصده، غير أنه أمر يعسر شرحه وتفسيره… ألا توافقني يا صاح؟]
سوبارو: [حتى لو طلبتَ تأييدي، فلن أستوعب ما ترمي إليه.]
وكان أسلوب آل في الحديث —الذي افتقر للثقة واليقين على حد سواء— يدعو للاستغراب والفضول.
وتجاوز سوبارو أمر آل —الذي أمال رأسه في حيرة— إذ لم يرَ جدوى من الاسترسال في نقاش لن يفضي إلى نتيجة بناءة؛ فالأولوية القصوى في هذه اللحظة تكمن في فك شفرة تلميح «هاوية ذات إطلالة بديعة» الذي تركه لهم أولبارت.
سوبارو: [«خلف الجفون» كانت الغرفة التي انطلقنا منها. أما «هاوية ذات إطلالة بديعة»، فصياغة أخرى لها قد تعني…]
تاريتا: [«ذات إطلالة بديعة» تعني على الأرجح أنها تقع في مكان شاهق الارتفاع، أليس كذلك؟]
ميديوم: [لكن الهاوية تعني هوة أو حفرة سحيقة، أليس كذلك؟ وإن كانت حفرة، أفلا تكون في باطن الأرض؟]
أو لعل ثمة بقعة محددة في «كايوسفليم» تُنعت بهذا الوصف.
وعلى أية حال، كان من المستبعد أن يتوصلوا إلى الجواب استنادًا إلى المعلومات الشحيحة التي في حوزتهم داخل غرفتهم في النزل؛ وفي نهاية المطاف، لا مفر من الخروج واستكشاف المدينة.
آل: […استعصى الأمر على فهمي يا صاح؛ وعلى طاري هذا، ما خطة آبل-تشان؟]
آبل: [سبق وأخبرتك أن تنفيذها لا يتأتى هنا؛ إذ يحسن بنا وجود أكبر قدر ممكن من الناس… فضلًا عن ارتياد مكان يغشاه الغرباء ذهابًا وإيابًا.]
آل: [تقصد مكانًا يعج بالغرباء العابرين يا صاح؟ أتساءل أين نجد موضعًا كهذا في هذه المدينة…]
وجعلت متطلبات خطة آبل تلك آل يميل رأسه في حيرة.
أما المقصد الحقيقي الكامن وراء التماس موضع يتردد عليه الغرباء، فكان مجهولًا لسوبارو؛ غير أن ثمة احتمالًا راجحًا بألا يفصح آبل عن غايته حتى لو سأله، إلى أن يبلغوا مرحلة التنفيذ الفعلي؛ ولا يسع اعتبار صنيعه هذا تصرفًا يصب في مصلحة خصمهم، غير أنه مسلك شاق في التعامل.
وبطبيعة الحال، فهو رجل لا يتورع عن التضحية بما في يده من أوراق ونبذها دون أدنى تردد في سبيل إحراز النصر.
سوبارو: [إن كان مكانًا يعج بذهاب الناس وإيابهم، فلا بد أنه… موضع للشراب.]
تاريتا: [حانة؟]
سوبارو: [أجل، بالضبط؛ أرى أن نقصد حانة أو مكانًا شبيهًا بها.]
وكان أمرًا يحتمل الجدل والنقاش: أيهما أجدى نفعًا، البحث عن أولبارت رأسًا دون الالتفاف إلى مسارات جانبية، أم المضي في إنجاح خطة آبل؟ غير أنه في الوقت الراهن، بدا من الصائب تقديم مسعى آبل أولًا.
واضعين ذلك في الحسبان، غادر سوبارو ورفاقه النزل بهمة وعزيمة متجددة.
آبل: [استقطاب أنظار العامة بهذا الحشد من الأطفال ليس بالأمر المحمود.]
سوبارو: [كفّ عن التذمر لأن أربعة أسداس مجموعتنا صاروا أطفالًا! فضلًا عن أنك لستَ في موضع يؤهلك للحديث عن أنظار العامة وأنت ترتدي «قناع الأوني» هذا؛ أم تراه في أعينهم… مهلًا، أترى تأثير القناع يجعله يبدو كوجه عادي في نظرهم؟]
آبل: [القناع لا يبدل هيئته الخارجية عن وجه الأوني، بل يقتصر تأثيره على حجب هويتي الحقيقية.]
سوبارو: [إذن فأنت تلفت الأنظار بلا ريب…]
وهز سوبارو كتفيه وتنهد، داحضًا تبرم آبل غير المبرر.
وبعد أن ألقوا التحية على صاحب النزل عند المدخل واستفسروا منه عن مواقع بعض الحانات، خرجوا إلى شوارع المدينة، وسار الجميع معًا شطر إحدى الحانات لإدراك غاية آبل.
وفجأة، في منتصف الطريق――
سوبارو: [عوضًا عن ذهابنا جميعًا إلى الحانة، أليس من الأفضل أن ننقسم؟ فتتوجه مجموعة للبحث عن أولبارت-سان، بينما تذهب الأخرى إلى الحانة مع آبل――]
وحدث ذلك تحديدًا وهو يهم باقتراح الانقسام.
سوبارو: [――إيه؟]
وفجأة، انتثر وميض قرمزي خاطف في زاوية مجال بصره، ليسلب الرؤية من عيني سوبارو؛
وعندها――
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [أوه أجل، هذا اسم ممتاز! سنعتمد هذا الاسم إذن.]
سوبارو: [إيـه؟! ]
وقرع صوت غير متوقع طبلة أذن سوبارو بينما كان يرمش بعينيه اللتين تلظتا إثر ذلك الضوء القرمزي الخاطف.
ومن هول المفاجأة، أفلت من فمه صوت أبله، لتعقبه قهقهة خافتة تفجرت أمامه مباشرة؛ ضحكة مكتومة جعلت عيني سوبارو تتسعان ذهولًا عند سماعها.
؟؟؟: [كاكاكاكا! ما بال هذا الصوت الأبله؟ كنتُ أمتدحك على حسن اختيارك للاسم فحسب!]
سوبارو: […أولبارت-سان؟]
انتصب رجل عجوز قبالته، يتنحنح ويهز كتفيه النحيلتين وهو يضحك.
وقع الأمر على حين غرة وبمباغتة شديدة جعلت سوبارو يرمش بعينيه مرات عدة، عاجزًا عن استيعاب ما يجري؛ ثم ابتلع ريقه، ونطق بما توجب عليه إعلانه:
سوبارو: [أوه، لقد وجدتك يا أولبارت-سان!]
أولبارت: [――؟ وما شأن ذلك الآن؟ أتحسب أننا بدأنا خوض اللعبة بالفعل؟]
سوبارو: [إيه…؟]
واستشعر نشازًا وعدم اتساق حين بادر باغتنام تلك الفرصة لإحراز اكتشافه الثاني غير المتوقع.
فمسلك أولبارت وهو يميل برأسه متفوهًا بتلك الكلمات، مقترنًا قبل كل شيء بالغرابة والريبة إزاء المشهد المحيط به―― إذ كان يُفترض به أن يكون في أزقة «كايوسفليم، مدينة الشياطين»، غير أن سوبارو وجد نفسه داخل غرفة في مكان آخر.
――كلا، ليست مجرد غرفة في مكان ما.
سوبارو: […مستحيل.]
كان سوبارو داخل غرفة في نزل؛ ――النزل ذاته الذي غادروه لتوه.
وفوق ذلك كله، حقيقة وقوف سوبارو هنا، في مواجهة أولبارت والحديث معه وجهًا لوجه.
سوبارو: [――――]
فلم يكن أمامه بد من التسليم بأنه قد خضع لـ «الرجوع بالموت» مجددًا، على نقيض القاعدة التي كان يُفترض أن تحول دون وقوع ذلك.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※