الفصل 403 - وحش الطموح
الفصل الثاني والأربعون
«وحش الطموح»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
أولبارت: [أخذتُ راحتي وأعددتُ الشاي لنفسي، فهل يرغب أحدكم في فنجان؟]
وفي اللحظة التي تناهى فيها ذلك الصوت الأجش العجوز إلى مسامعه، شعر سوبارو وكأن الدماء في عروقه قد ارتدت وتدفقت عكسيًا.
وأخذ جلده المقشعر يؤلمه، وتجمد الهواء الذي استنشقه داخل رئتيه؛ وكأن نصلًا ثقيلًا وحادًا قد غُرس عميقًا في صدره، استفاقت روح سوبارو قسرًا.
――لقد تفعلت «الرجوع بالموت»، وأُلقي به مجددًا في أتون هذا الموقف البالغ السوء.
تاريتا: [――هڪ!]
وبعد لحظة خاطفة، وقبل أن يُبدي سوبارو أي رد فعل، سددت تاريتا سهمها بقوسها.
وكان الهدف بطبيعة الحال هو ذلك الزائر غير المدعو الذي ظهر فجأة في الغرفة―― أولبارت دونكيلكن؛ أحد «الجنرالات التسعة الساميين»، والعجوز الذي أجهز على سوبارو ورفاقه قبل عشر ثوانٍ فقط.
وحتى دون الإحاطة بملابسات الموقف، فإن أسلوبه الفج والخالي من اللباقة في كسر حاجز الصمت كان كفيلًا بإثارة ريبة أي شخص وحذره.
ومع ذلك، وفي الغرفة ذاتها، هز أولبارت كتفيه ببرود —رغم توجيه سهم نحوه من مسافة شبه معدومة وكأنه يسخر من الحذر البالغ الذي أبداه سوبارو ورفاقه— وتمتم مستهترًا:
أولبارت: [مهلًا مهلًا، إياكِ وفعل ذلك، إياكِ؛ فأنا أكره توجيه الأشياء المدببة نحوي. تعلمين أن العجائز يترددون على دورة المياه كثيرًا، فهل تريدين إفزاعي حتى أتبول في ثيابي؟ ها أنا ذا أرتعد فرقًا هنا، أرأيتِ؟]
تاريتا: [أتسخر مني وتمازحني في هذا الموقف…؟! من تكون أنت…]
آبل: [――أولبارت دونكيلكن.]
واحتقن وجه تاريتا غضبًا حين استخف أولبارت بعدائها الصريح؛ غير أن الرجل المرتدي لـ «قناع الأوني»، آبل، كان هو من استقطب الأنظار نحوه مقاطعًا إياها بنطقه لاسم العجوز.
ودون اكتراث بهيئته، تحولت نظرات أولبارت نحو الرجل المخفي ملامحه، ذلك الذي ناداه باسمه.
وهكذا انطلقت شرارة معركة قاسية تعتصر الأحشاء وتترك في الحلق مرارة وجفافًا شديدين――
سوبارو: [――――]
وبينما كان يُبقي الحوار الدائر بين أولبارت وآبل في حيز وعيه وإدراكه، قارن سوبارو بين مشاهد هذا العالم التي لم تتغير وبين ما يستحضره في ذاكرته؛ أحداث ما قبل عشر دقائق فحسب. ――ففي ثنايا تلك الأحداث، تعين عليه التماس منفذ ومخرج لتبديل هذا القدر المحتوم.
؟؟؟: [وهل تقوى على فعلها حقًا؟]
سوبارو: [――هڪ.]
وفي خضم تلك الأفكار المتلهفة لاختراق هذا الجدار، تسلل صوت بارد ومباغت إلى خلده؛ صوت نابع من التوتر ونفاد الصبر والإحباط، لم يكن سوى صوت ناتسوكي سوبارو الضعيف في أعماق نفسه:
سوبارو: [أتظن أنك قادر على ذلك؟ لقد أباد رفاقك جميعًا قبل لحظات، وانتهى الأمر بتلك المأساة الشنيعة.]
وكلما جاهد لاستعادة ما جرى للتو، واصل ذلك الصوت همساته القاسية في أذن سوبارو بلا أدنى رحمة؛
فشل سوبارو الذريع، وهفوته القاتلة، وخطيئته التي لا تُغتفر ولا تُعوض.
فتلك الفرصة الثانية التي منحتها إياه «الرجوع بالموت» لم تكن لتعويض ما اقترفه من أخطاء؛
إذ إن الأخطاء التي ارتكبها يستحيل محوها أو الرجوع عنها، والشيء الوحيد الذي كُتب على سوبارو هو تكفير لا يقوى حقًا على التكفير عنه؛ فذلك هو النتاج الحتمي لـ «السلطة» التي بين يدي ناتسوكي سوبارو――
سوبارو: [――هڪ!]
أولبارت: [أوه! ما خطبك على حين غرة هكذا؟]
ميديوم: [وااه! ما الأمر، ما الذي حدث، ما هذا؟! ]
لويس: [أوو؟! آا، أوو!]
صفع سوبارو وجنتيه بكل ما أوتي من قوة بكلتا يديه، محاولًا طرد تلك الهمسات الساخرة والمثبطة التي كانت تتردد في أذنيه.
وتردد صدى صفعة جافة في أرجاء الغرفة؛ وشهق أولبارت وميديوم ولويس من وقع تصرف سوبارو المباغت؛ ورغم أن آل وتاريتا لم يُطلقا صوتًا، إلا أن الدهشة والذهول كانا باديين عليهما بالقدر ذاته.
ولا لوم عليهما في ذلك؛ فالموقف كان مؤسفًا، غير أنه كان ضروريًا ولا غنى عنه.
سوبارو: [――――]
وحين فتح سوبارو جفنيه المغمضين، استعادت رؤيته وضوحها بعد أن كانت مضطربة ومشوشة؛ وفي مجال بصره، ووسط أولئك الذين هالهم تصرفه الغريب، كانت ثمة نظرة وحيدة مسلطة عليه في صمت مطبق.
فـ آبل وحده —المرتدي لـ «قناع الأوني»— ظل هادئًا متماسكًا كعادته منذ لحظة ظهور أولبارت الأولى. ――أما ما يضمره في صدره، فكان مجهولًا تمامًا ولا سبيل لمعرفته.
سوبارو: [معذرة إن أفزعتكم… كان عليّ شحذ عزيمتي فحسب.]
أولبارت: [طفل صغير بوجنتين متوردتين وابتسامة عريضة تعلو وجهه، يا له من منظر لطيف… همم؟ ألستَ أنت هو؟ ألستَ أنت تلك الفتاة التي كانت ترتدي الأحمر بالأمس؟ لقد أفزعتني حقًا.]
وبعدما كشف أولبارت الهوية الحقيقية لـ سوبارو الذي تصرف بغرابة، رفع حاجبيه الكثيفين باهتمام.
وتمامًا كما حدث في الحلقة السابقة، ربط أولبارت مجددًا بين سوبارو و«ناتسومي» للمرة الأولى. وسيرًا على هذا النهج، وبعد التيقن من أن أولبارت هو المدبر لظاهرة «التحول إلى أطفال»، بات من الممكن إجراء مفاوضات معه.
غير أنهم سيقترفون الخطأ ذاته حينها؛ ――فـ أولبارت رجل خطير.
وعلى أقل تقدير، لم يكن ممكنًا البوح بحقيقة وضع آبل لاستمالة أولبارت إلى صفهم.
فبمجرد أن يكتشف أن آبل هو الإمبراطور الحقيقي، وأنه فينسنت فولاكيا، سيكشف عن طموحه الدفين ويحاول اغتياله. ――فقد كان عدوًا محتملًا بالفعل.
أما البقية――
آل: […هذا هو رفيقي بحق يا صاح؛ حتى زعيم الشينوبي عجز عن كشف هويتك.]
أولبارت: [أوه، يا له من أمر باهر ومثير للإعجاب! ليت أهل قريتي يتعلمون شيئًا من فن التحول والتنكر هذا؛ ما رأيك أن تغدو محاضرًا لدينا؟ ستكون مرحبًا بك على الرحب والسعة.]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [يبدو أن تبادل أطراف الحديث بهدوء بات أمرًا مستحيلًا؛ يظهر أنني جعلتكم تتأهبون وتحذرون أكثر من اللازم باقتحامي الاستعراضي هذا؛ لقد أخطأت، لقد أخطأت حقًا.]
أخرج أولبارت لسانه معترفًا بخطئه.
غير أن اللحظة التي قد يلطف فيها تصرف كهذا الأجواء قد ولت وانقضت؛ ولم يكن لدى سوبارو أدنى نية لخفض حذره تجاه هذا العجوز.
――فقبيل هجومه السابق، صرح أولبارت بأن وجوه البشر تفضح الكثير.
وعلى الأرجح، فإن مزيجًا من سلوكه الودود وتصرفاته العفوية، فضلًا عن عنصر المباغتة الناجم عن تسلله الصامت إلى الغرفة المكشوفة، لم تكن سوى أساليب وحيل لاستثارة رد الفعل الحقيقي للطرف الآخر.
فإن كانت طبيعة الشينوبي في هذا العالم مطابقة لتصور سوبارو عن «النينجا»، فإن كل تصرفات أولبارت لا بد أن تتألف من فخاخ، وسموم، وشتى فنون النينجوتسو.
ولن يدخر جهدًا لبلوغ غايته.
أولبارت: [من الأفضل ألا تستخفوا بي لكوني مجرد عجوز لم يتبق له من العمر إلا القليل؛ فبالنظر إلى ما تبقى لي من وقت، سأضطر لاستعمال القليل من العنف والخشونة.]
تاريتا: [الخشونة… أتزمع قتالنا في هذا الموقف؟]
أولبارت: [كاكاكاكا! حسنًا، صحيح أنني قد أتوتر قليلًا وقوس مصوب نحوي، ألا ترين ذلك؟ غير أن القتال ليس طريقتي الوحيدة لنيل ما أريد، أليس كذلك؟]
ميديوم: [حسناااً~، وماذا تعني بذلك؟ ما الذي تحاول قوله يا جدي؟]
وجهت تاريتا وميديوم سؤالهما نحو أولبارت الذي كان يتمتم بصدق، مقلصًا جسده الضئيل أكثر. والتوت وجنتا العجوز بابتسامة إزاء سؤال الفتاتين، اللتين انقلب فارق الطول بينه وبينهما.
ثم أشار بيده نحو ميديوم ثم شطر آل، اللذين كانا يحاولان سد طريق فراره:
أولبارت: [من الصعب فعل هذا وذاك بعد انكماش أجسادكم، أليس كذلك؟ أنا من فعل ذلك؛ إنه نوع من تقنيات الشينوبي. غريب ومثير للاهتمام، أليس كذلك؟]
آل: [أيها العجوز…!]
أولبارت: [لا تغضب أيها الفتى الأقطع؛ بل في الواقع، يجدر بك أن تشكرني؛ لكنتُ انزعجتُ لو قتلتك عن طريق الخطأ قبل أن أستنطقك، لذا اكتفيت بتقليص جسدك.]
ومع اقتراب آل منه طلبًا لإجابة، تفوه أولبارت بتلك الكلمات فأوقف تقدمه.
وفور استيعابه أن الكلمات التي قيلت له كانت صحيحة تمامًا، احتبست أنفاس آل، ولاذ بالصمت.
وحقًا، كان تصريح أولبارت هذا صادقًا وواقعيًا.
فلو أراد ذلك، لكان بمقدوره قتل جماعة سوبارو خلال معركة اليوم السابق في «قلعة اللازورد القرمزي». وكان بوسعه اختراق قلوبهم بضربة بسيطة من يده، بدلًا من تقنية التحول إلى أطفال هذه.
فحقيقة بقاء سوبارو والآخرين على قيد الحياة، حتى بعد تقلص أحجامهم، لم تكن سوى بفضل نزوة عابرة من هذا العجوز.
هكذا فكر سوبارو، لكن――
أولبارت: [حسنًا، حتى لو حاولتُ قتلك بجدية، لكنتَ قد تصديتَ لكل محاولاتي لفعل ذلك، لذا فعلتها بدافع اليأس وحسب، أتعلم ذلك؟ أليس كذلك أيها الفتى؟]
آل: […لستُ أدري عما تتحدث يا صاح.]
أولبارت: [كاكاكاكا! ألن تخبرني عن حيلتك؟ لا يمكنني لومك حقًا. غير أنني لو استطعت، لسألتك عن كيفية فعل ذلك بالتفصيل ودونته في كتاب أسراري.]
آل: [لا يهم كم مرة تعيد فيها قول ذلك يا صاح. ――لستُ أدري عما تتحدث.]
وبوجه مغطى بقطعة قماش، أجاب آل بصوت مكتوم.
لم يكن حريًا بهذا الرد أن يطابق توقعاته، غير أن أولبارت أومأ برأسه مرددًا: «أهكذا الأمر إذن، أهكذا هو»، وكأنه يستمتع برد فعل آل.
سوبارو: [――؟]
ومن ناحية أخرى، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عن المغزى الكامن وراء هذا الحوار الدائر بين الاثنين.
فخلال تلك المعركة الضارية في برج «قلعة اللازورد القرمزي»، أدى آل عمل عدة أشخاص لإنقاذ حياة سوبارو وميديوم. أو لعل أولبارت —الذي واجه آل هناك— قد لاحظ شيئًا غامضًا يومض في أسلوب قتاله.
ومع ذلك، وحتى إن صدقت كلمات أولبارت، فإن حيلة آل —التي تأثرت بظاهرة «التحول إلى أطفال»— لن تجدي نفعًا ضد هذا الشينوبي.
وكان سوبارو قد عاين نتائج ذلك بأم عينيه بالفعل.
وانبثقت عن ذلك حقيقة مطلقة لا جدال فيها.
――وهي: يجب ألا يخوضوا معركة ضد أولبارت تحت أي ظرف من الظروف. الأمر بهذه البساطة.
الجميع: [――――]
كان أولبارت يعبث بتكاسل بفنجان الشاي بكلتا يديه؛ وكانت تاريتا تصوب سهمها وقوسها نحوه، وآل وميديوم مستعدان للقتال بالمثل―― لكنهم سيُقتلون جميعًا بلا حول ولا قوة.
فقد كانت هناك فجوة هائلة في القوة بين جماعة سوبارو وأولبارت.
إن قاتلوا أولبارت، فسوف يُبادون. ――كلا، بل حتى لو حاولوا الفرار، فربما يتمكن شخص أو شخصان من الإفلات، غير أن احتمالات ذلك ضئيلة للغاية.
كان لزامًا عليهم حمل أولبارت على الانصراف بسلام، مهما كلفهم الأمر؛ غير أن الوقت لم يكن يسعفهم لإجراء نقاش حول ذلك.
سوبارو: [لِمَ…؟]
ولم يملك سوى التحسر على إعادته قسرًا إلى هذه اللحظة بالذات.
وكان يدرك أن هذا التفكير ينضح بالغرور والأنانية الشديدة، بالنظر إلى أنه مُنح فرصة ثانية بفضل «الرجوع بالموت»؛ فلو أنه عاد على الأقل قبل ظهور أولبارت، لتمكن من التشاور مع رفاقه على أقل تقدير.
ومؤخرًا، كان قد عانى من «الرجوع بالموت» مرارًا وتكرارًا عند مواجهته لـ تود في «غوارال، المدينة المحصنة» مع بقاء وقت قليل للتعامل معه؛ وتذكر ذلك جلب لـ سوبارو الكثير من العذاب.
في ذلك الوقت، اضطر إلى استئناف المحاولة وهو بالفعل في مرمى بصر ذلك التهديد.
وفي الوقت الراهن، ورغم اختلاف الملابسات، فإن الظروف كانت متشابهة؛ بعبارة أخرى، وضعته نقطة الاستئناف في القفص ذاته مع ذلك الوحش المتعطش للدماء.
في الأصل، لم يكن الزمن الذي يقطعه «الرجوع بالموت» ثابتًا، لكن هذا الموقف كان خطيرًا للغاية.
أو لعل «السلطة» التي مُنحت لـ سوبارو قد تعرضت لخلل ما بطريقة أو بأخرى――
سوبارو: [――فلنضع ذلك جانبًا في الوقت الحالي.]
لا يجدر به أن يلعن ضيق الوقت، ويقترف حماقة تضييع ما تبقى له من هذا الوقت القليل.
فـ سوبارو لن يكون الوحيد الذي سيدفع ثمن غبائه.
سوبارو: [أولبارت-سان؛ أنت…]
آبل: [――. لقد زعمتَ أن تقنيتك هي ما قلصت حجم هؤلاء.]
سوبارو: [أوه…]
أجبر سوبارو نفسه على تغيير مسار أفكاره وحاول مناداة أولبارت.
فلكي يخرج من هذا المأزق، كان عليه أن يتوخى الحذر في كل كلمة ينطق بها، وكل حركة يقوم بها؛ وكان يريد وقتًا لانتقاء أفضل الكلمات، أو بعبارة أخرى، لقد تحدث بغرض كسب الوقت.
غير أن آبل قاطعه، مغطيًا على صوت سوبارو بصوته.
أثبطت كلماته عزيمة سوبارو في البداية؛ وفي حالة من الارتباك، نظر سوبارو إلى الرجل المرتدي لـ «قناع الأوني»، وحينها أدرك غايته؛ فـ آبل لم يلتفت إلى الوراء حتى؛ وكانت نيته الحقيقية هي أن يحل محل سوبارو ويأخذ دوره. ――أي أن يمنح سوبارو الوقت المطلوب، ويجذب انتباه أولبارت نحوه.
أولبارت: [أوه، صحيح، هذا صحيح؛ لقد نسيتُ أن علينا الحديث في ذلك الأمر أيضًا. فالعجائز دائمًا ما يتشعبون في أحاديثهم ويخرجون عن الموضوع، وهذا يرهق جسدي وعظامي.]
آبل: [أنت؟ كف عن هذه الدعابة السمجة؛ إن كنت تزعم أن كبر سنك يضعفك، فيجدر بك التخلي عن رتبة «جنرال الرتبة الأولى» في أقرب وقت. وإن لم تفعل، فهذا يعني أنك قد حسمت أمرك بالفعل.]
أولبارت: [حسنًا، لقد أصبت كبد الحقيقة. القناع يصعّب عليك رؤية جسدي بوضوح، لكنك قادر على قراءة أفكاري ببراعة.]
آبل: [بالطبع.]
أومأ آبل برأسه دون أدنى تردد، والتمعت في عيني أولبارت نظرة فضول.
ولم يعد هناك أي شك في أن غاية آبل الحقيقية لم تكن كشف طبيعة أولبارت، بل كسب الوقت، بالنظر إلى أسلوبه في إطالة الحديث.
لم يعرف سوبارو كيف أدرك آبل أنه بحاجة إلى الوقت، لكن――
سوبارو: [ليس هذا وقت التشتت.]
وتجاهل سوبارو استياءه من انكشاف أمره، وأخذ يفكر فيما يجب عليه فعله.
فلو علم أولبارت بحقيقة هوية آبل، فسينفذ طموحه باغتيال الإمبراطور. ولذا، لا يمكنه أن يكشف أوراقه لـ أولبارت.
ومع ذلك، يستحيل أن ينصرف العجوز دون أن يرى ما يملكون تقديمه.
آبل: [أنت «جنرال الرتبة الأولى»، وتحتل حاليًا الرتبة الثالثة، لذا يمكن القول إنك تتربع على قمة الإمبراطورية. غير أن طبيعتك جشعة وطماعة؛ وحتى تلك المكانة بعيدة كل البعد عن إرضائك.]
أولبارت: [حسنًا، أن أُعامل كعجوز ذابل ليس بالأمر السيئ تمامًا، لكني أشعر أن نعتي بالعجوز الجشع ليس لطيفًا على الإطلاق. كاكاكاكا!]
تحدث آبل عن شخصية أولبارت كما يراها من منظوره الخاص.
وأصغى أولبارت بسعادة تعلو وجهه ابتسامة عريضة، غير أن الظلام الكامن في أعماق الشينوبي كان أمرًا أخطأ آبل في تقديره.
――كلا، بل الأصح القول إنه لم يحصل على قراءة دقيقة له.
أولبارت: [وماذا بعد؟ ماذا يريد رجل ساخط مثلي؟]
آبل: [――التربع على الرتبة الأولى.]
أولبارت: [――――]
خرجت كلمات آبل بنبرة هادئة غير أنها ثابتة لا تتزعزع.
وفور سماعه لذلك، اختفى صوت أنفاس أولبارت، كحفيف أوراق ميتة تحتك ببعضها. وضاقت عينا العجوز تحت حاجبيه الطويلين الكثيفين، وهو يتبادل النظرات مع آبل.
لم يعرف سوبارو ما يدور في ذهن الشينوبي، لكنه كان متأكدًا من أن ما أشار إليه آبل قد جعل أفكار أولبارت تضج.
لكن ذلك――
أولبارت: [أيها الفتى الأقطع، إياك والقيام بأي حركات غريبة؛ وأنتِ أيضًا يا فتاة القوس، فوتيرة أنفاسكِ تفضحكِ بوضوح.]
――لم يكن يعني أن انتباه أولبارت قد تشتت، أو أن ثمة فرصة قد لاحت لهم.
وبينما ظل وجه أولبارت متجهًا نحو آبل أثناء حديثه، ابتلع آل وتاريتا ريقهما بتوتر.
فقد كانا على الأرجح يبحثان عن فرصة ضئيلة في اللحظة التي ركز فيها أولبارت على آبل؛ غير أن محاولتهما تلك لجس النبض لم تفت على قوة الملاحظة المحنكة التي يمتلكها أولبارت.
آل: [――هڪ، أتملك عيونًا في مؤخرة رأسك يا صاح؟]
أولبارت: [أنا لا أقول إنكما لستما مجتهدين بما يكفي؛ بل الفارق يكمن في الخبرة والتجربة. ومن وجهة نظري، فإن معظم الناس يفتقرون للخبرة؛ وتلك نظرية عجوز لا يمكن دحضها.]
وبينما كشف عن أسنانه بابتسامة عريضة ردًا على تذمر آل، لم تفارق نظرات أولبارت عيني آبل أبدًا.
فبإمكانه التعامل مع أي من حيل آل وتاريتا دون أن ينظر إليهما حتى. ――وحتى لو لم يقل ذلك صراحةً، فمن هيئة هذا الكيان الخارق، كان واضحًا أنه يفكر في ذلك حقًا.
وفوق ذلك، لم يكونوا يملكون في الوقت الحالي القدرة ولا الأوراق اللازمة لقلب هذه الحقيقة.
سوبارو: [يا آل.]
بهزة من رأسه، نصح سوبارو آل بالبقاء خارج الأمر.
ورغم أن سوبارو لم يكن ملمًا بالكامل بقدرات آل ومهاراته، فإنه على الأرجح مقاتل ماهر يختص في الدفاع. وكما تجلى في المعركة ضد أراكيا، وفي برج القلعة في اليوم السابق، فإن قدرته على النجاة من هجمات العدو رغم كونه في موقف دفاعي، كانت أمرًا أجبر سوبارو نفسه على الإعجاب به.
ومع ذلك، وهو في حالة «التحول إلى طفل» هذه، لن يتمكن من استخدام مهاراته على أكمل وجه، وسينتهي به المطاف مقتولًا.
أولبارت: [لقد فاجأتني بزعمك أنني أسعى للرتبة الأولى؛ ما الذي يدفعك للتفوه بأمر جنوني كهذا أيها الفتى المقنع؟]
آبل: [الأمر جلي. فطموحك ليس ضحلًا لدرجة أن ينضب لمجرد كبر سنك. ――يدفع الشينوبي أجسادهم وعقولهم إلى أقصى الحدود، ونفر قليل منهم فقط يبلغون تلك المراتب؛ وغني عن البيان أنك زعيمهم… وساعة اكتمالك لن تحين إلا يوم تلقى حتفك.]
أولبارت: [همم.]
عاقدًا ذراعيه، أومأ أولبارت برأسه إيماءة قصيرة ردًا على كلمات آبل.
قد يُفهم ذلك على أنه إغفال للمغزى، لكن غياب الرد الحاسم جعل كلامه أكثر مصداقية وقوة.
وفي واقع الأمر، كان سوبارو يعلم أن استنتاج آبل غير صحيح.
فنوايا أولبارت الحقيقية، والغاية القصوى لزعيم الشينوبي، كانت «اغتيال الإمبراطور». وهو أمر يختلف تمامًا عن الارتقاء إلى قمة «الجنرالات التسعة الساميين».
ومع ذلك، كانت ردة فعل أولبارت دليلًا على أن استنتاج آبل لم يجانب الصواب كثيرًا.
ففي نهاية المطاف، كان ما يشير إليه آبل هو ذلك «العطش» الكامن داخل أولبارت.
وما افترضه آبل كسبيل لإرواء ذلك العطش هو الاستيلاء على لقب الرتبة الأولى؛ الرتبة الأهم على الإطلاق بين «الجنرالات التسعة الساميين»، والذين يشكل أولبارت جزءًا منهم أيضًا. ――ولم يكن ذلك الافتراض بعيدًا عن المنطق.
فهو «جنرال الرتبة الأولى»، ولديه الكثير من الأتباع بصفته زعيم الشينوبي، وقد عاش حياة طويلة مديدة، وبات الآن مثقلًا بقيود الشيخوخة المعتادة―― فكيف له أن يدرك تلك الرغبة، رغبة تخليد اسمه في التاريخ كالشينوبي الذي اغتال سيده الإمبراطور، حتى لو عنى ذلك التخلي عن كل ما جناه في حياته؟
كان آبل متعجرفًا ومتمحورًا حول ذاته ولا يقيم وزنًا للآخرين، ومع ذلك فهو إمبراطور فولاكيا―― وبصفته جالسًا على العرش الإمبراطوري، فإن الحفاظ على حياته يحتل الأولوية المطلقة.
فقد كان يمتلك الوعي الذاتي ليدرك أن هلاكه سيقذف بالإمبراطورية في حالة من عدم الاستقرار الشديد.
كان هذا هو الوعي الحتمي الذي يتسم به إمبراطور فولاكيا، آبل. ومن ناحية أخرى، يجب أن يكون هذا الشعور بالمسؤولية حاضرًا لدى الجميع، حتى وإن لم يكن بقوته.
――وهذا عين ما يفتقر إليه أولبارت دونكيلكن.
لم يكن يمانع الموت، إن كان في ذلك تحقيق لطموحه؛ وحتى لو أدى ذلك إلى جلب المتاعب لمن حوله، فلم يكن يكترث لذلك.
وتلك النزعة التدميرية الاستثنائية كانت هي ظلمة أولبارت الحالكة، والتي عجز آبل عن قراءتها.
غير أنه――
سوبارو: [――أولبارت-سان، أنت لا تسعى للتربع على الرتبة الأولى؛ بل غايتك الحقيقية هي الإمبراطور نفسه، أليس كذلك؟]
――فـ ناتسوكي سوبارو كان يعلم جيدًا ظلمة أولبارت دونكيلكن.
――وفي اللحظة التالية، تبدل لون الهواء ورائحته وملمسه.
أولبارت: [――――]
لم يوجه أولبارت نظره حتى شطر آل وتاريتا، اللذين اقترنت عداوتهما بقدرتهما على الفعل؛ بل تفاعلت نظرات أولبارت مع كلمات سوبارو المتحول إلى طفل.
وبينما كان يحمل فنجان الشاي بإحدى يديه ويداعب ذقنه بالأخرى، التفت العجوز لينظر إلى سوبارو.
ومرد ذلك إلى أنه لم يستطع تمرير ما تفوه به سوبارو للتو دون توقف.
أولبارت: [أيها الفتى، لقد ظهرت من العدم مجددًا، لقد فاجأتني حقًا.]
سوبارو: [أأفزعك حديثي المفاجئ؟ أم تراك تفاجأت لأنني…؟]
أولبارت: [أتسألني إن كنت متفاجئًا لأنك أصبت كبد الحقيقة؟ لو كان ذلك صحيحًا، لكنتُ رجلًا خطيرًا للغاية، كاكاكاكا!]
سوبارو: [――――]
فاغرًا فاه على وسعه، حاول أولبارت أن يضحك بحماس لتجاهل كلمات سوبارو. غير أن سوبارو كان على يقين من أن أفكاره الداخلية لم تكن هادئة كما تبدو.
لم يفعل سوبارو شيئًا سوى تلاوة طموحه الدفين الذي حمله طويلًا على مسامعه.
وفضلًا عن ذلك، كانت هذه ظلمة عجزت حتى عينا آبل عن اختراقها حتى اللحظة التي أوشكت فيها على التنفيذ الفعلي.
آل: [استهداف الإمبراطور وقتله؟ يا صاح، هذه قفزة شاسعة جدًا، حتى بالنسبة لك.]
سوبارو: [الأمر لا يمت للمنطق بصلة؛ أجل، أنا أعلم ذلك جيدًا. فلا منفعة تُرجى منه سوى سوء السمعة والصيت، أليس كذلك؟]
أولبارت: [حسنًا، لا يسعني القول إنني لا أفهم فكرة تفضيل سوء السمعة على البقاء نكرة؛ لكن كما قال الفتى الأقطع، فالفكرة فيها شطحة ومبالغة بعض الشيء.]
سوبارو: [لكنك لا تنكرها صراحةً يا أولبارت-سان.]
ساير أولبارت نبرة الشك والريبة التي بدت في صوت آل، غير أن سوبارو واصل الضغط عليه بحزم.
وبصراحة، كان يعلم أنه يخاطر باقتحام منطقة الخطر المحدق، ومع ذلك لم يكن أمامه بد من المضي قدمًا.
فقد أطال آبل حديثه مع أولبارت، ريثما استغرق سوبارو في التفكير والتدبير.
فطالما أن طموح أولبارت الدفين هو اغتيال سيده الإمبراطور، فلا يمكن كشف هوية آبل الحقيقية له بأي حال، ولا يمكن إخباره بأن الإمبراطور الجالس في العاصمة ليس سوى تشيشا المزيف؛ فكان من المحتم إذن أن تتبدد ورقة المساومة تلك التي في أيديهم.
وحين أدرك ذلك، ومن أجل كبح يد أولبارت عن إماطة اللثام عن وجه آبل، ابتكر سوبارو أسلوب مواجهة يناقض تمامًا ما كان يُفترض في «المفاوضات» الأولى――
――ألا وهو: الكف عن كشف أوراقهم هم، والبدء بدلًا من ذلك بكشف أوراق أولبارت نفسه.
سوبارو: [هدفنا هو كما أخبرتك به بالأمس في برج القلعة؛ نحن عازمون على الإطاحة بالإمبراطور فينسنت فولاكيا، الذي يجلس حاليًا على العرش الإمبراطوري. وهذا الأمر يفترض أن يتقاطع مع غايتك وطموحك.]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لا تصورني كأنني خائن للملكة! هذا لعب بالنار وسير على جليد رقيق يا فتى؛ إنك تفزعني لدرجة تجعلني على وشك التبول في ثيابي.]
سوبارو: [لكنك لا تنكر ذلك، ولا تمنعني بجدية من قوله. وأنت أحد جنرالات الإمبراطور من رتبة «جنرال الرتبة الأولى».]
وبإمساكه بأطراف ذلك الاحتمال المتاح للمستقبل، اندفع سوبارو محاولًا اقتناصه بالكامل.
وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك ليعني أن التهديد الذي يمثله أولبارت قد زال، أو أن الخطر قد تضاءل؛ فقد كان سوبارو يدرك بوعي تام أن خطوة واحدة خاطئة كفيلة بتحويل هذا المكان إلى مجزرة دموية.
غير أنه كان على يقين من أن هذا هو السبيل الوحيد للحديث الممكن في اللحظة الراهنة.
فـ أولبارت لم يقرر التحرك وسفك الدماء في المرة السابقة إلا بعد كشف هوية آبل الحقيقية.
لقد كان الأمر أشبه بمهمة انتحارية بالنسبة لـ أولبارت، حيث مثّل اغتيال آبل غاية حياته ومنتهى أمله.
ودون تيقنه من تلك الغاية، لم يكن أولبارت ليفقد صوابه ويهجم متهورًا أثناء التفاوض.
فحتى لو كان وحشًا مسعورًا بالطموح، متجردًا من أدنى ذرة ولاء أو مسؤولية، فإنه سيؤدي دوره كـ «جنرال سامٍ» يذعن بأمانة لأمر «حظر التدخل» الذي فرضه عليه الإمبراطور المزيف.
أولبارت: [المسألة هي أن جلالته أمرني بعدم التدخل والتعرض لكم، رغم أنكم أعلنتم الحرب في وجهه مباشرة. فأنا لستُ مثل كافما، الذي يثور غضبًا في كل ما يخص الإمبراطور؛ كما أنه ليس من الحكمة أبدًا معاداة الفتاة الثعلبة داخل مدينتها هذه.]
وكما كان متوقعًا، ورغم سماع أولبارت لكلمات سوبارو التي انطوت على جرأة واستفزاز، فإنه لم يلجأ إلى استخدام القوة البتة.
ومع ذلك، لم يتقبل إلحاح سوبارو بارتياح، وجعل موقفه هذا كلًا من آبل وآل والبقية يتساءلون في شك عما إذا كانت طموحات هذا الشينوبي غير المعقولة حقيقة أم مجرد ادعاء.
وتابع――
آبل: [――أهذا هو إذن المأرب الخفي الكامن في صدرك الذي عجزتُ عن استنباطه وتخمينه؟]
أولبارت: [يا للمصيبة، هؤلاء القوم لا يفقهون شيئًا حقًا! على هذا المنوال، لن يبقى أمامي سوى الاستسلام والإقرار بأن الحديث معهم مضيعة للوقت.]
ومن بين كل المتشككين، كان آبل أول من تقبل تلك التفاصيل العصية على التصديق.
وتحت وطأة بريق عينيه الثاقب، ألقى أولبارت عذرًا متكاسلًا وكأنه عاف الحديث؛ فلم يكن ثمة داعٍ يدفع أولبارت لمكاشفة سوبارو ورفاقه بحقيقة ما في صدره بجدية في هذا التوقيت منذ البداية.
وبطبيعة الحال، ازداد توتر آل وبقية المقاتلين بسبب مسلك أولبارت المريب هذا――
أولبارت: [كفوا عن هذا، كفوا؛ فلن تحصدوا سوى الهزيمة والهلاك إن افتعلتم قتالًا. ألم أخبركم؟ امتناعي عن استعمال العنف معكم ليس بدافع طيبة قلبي، بل لأنني أُمرتُ بذلك، أفهمتم؟ وأنا مستعد تمامًا لتصفية الحساب معكم إن بدأتم بالاعتداء أولًا.]
تاريتا: [غـه… قد يكون محقًا في ذلك…]
لم يشتبكوا في قتال بعد، غير أن أي محاولة لإشعال فتيل النزاع ستعيدهم إلى نقطة الصفر. توترت وجنتا تاريتا إثر تحذير أولبارت، ورمقت سوبارو وميديوم بنظرة خاطفة من عينيها المضيقتين.
وإزاء ذلك، أومأ أولبارت برأسه مؤيدًا:
أولبارت: [تقولون أن أعيد من انكمشوا إلى حالهم؟ هذا طمع وجشع مبالغ فيه، ألا تظنون ذلك؟ أنا أفكر في الانصراف دون أن أقترف أي شيء، أفهمتم؟]
ميديوم: [لكن يا جدي، أنت من جعلتنا صغارًا، أليس كذلك؟ أم أن هناك شخصًا آخر غيرك يمكنه إعادتنا إلى طبيعتنا؟]
أولبارت: [لم يسبق لي التفكير في هذا حقًا… يا فتاة، كم عمرك في الحقيقة؟]
ميديوم: [أنا؟ أظنني في العشرين، تقريبًا؟]
أولبارت: [إذن ربما إن انتظرتِ عشر سنوات ستعودين إلى طبيعتك؟ لستُ أدري على أية حال.]
رفعت ميديوم يدها سائلة، واحمرت وجنتاها من جوابه الفج والمباشر؛ ورغم أن الأمر لم يكن سوى أسلوب أولبارت المعتاد في المداعبة والإرباك، إلا أن رده كان باعثًا على القلق لسوبارو والآخرين.
غير أن الحقيقة القاطعة هي انعدام أي وسيلة لانتزاع الإجابات منه بالقوة، وغياب أي سبيل آخر لإبطال ما حل بهم.
ومع ذلك――
سوبارو: [أنت تعلم جيدًا أنه لا يسعك حزم أمتعتك والمغادرة ببساطة؛ يا أولبارت-سان، سيتعين عليّ أن أطلب منك البقاء معنا لبعض الوقت…]
أولبارت: [لكني لا أرغب في ذلك؛ خاصة وأنكم تعاملونني كعجوز هرم وما شابه؛ فأنا رجل عجوز لم يتبقَ لي سوى القليل من العمر، ومن حقي أن أختار من أتحدث إليه في هذا الوقت الضئيل المتبقي لي.]
آبل: [――إذن، سأمنحك الفرصة لقتل الإمبراطور.]
وفور سماعه ذلك، كتم سوبارو أنفاسه إثر تحول مباغت آخر في الأجواء، وشخص ببصره نحو المتحدث، آبل.
فلم يفعل آبل شيئًا سوى وضع حياته على كفة الميزان، وجعل تصريحه ذاك أولبارت يحك رأسه متمتمًا بـ «مهلًا مهلًا»:
أولبارت: [كم مرة يتعين عليّ إخباركم أن فرضيتكم خاطئة من الأساس؟ أليس أمرًا مخزيًا ألا تسعفكم ذاكرتكم لتكون أفضل من ذاكرتي؟]
آبل: [إن كان مأربك هو حياة الإمبراطور، فقد أتيحت لك فرص لا حصر لها في السابق، غير أنك لم تترجمها إلى واقع؛ ――لأن «شعلة سيف اليانغ» تحمي الإمبراطور.]
أولبارت: [أوه…]
آبل: [وبمقدوري أن أفشي لك سر إخماد تلك الشعلة والتغلب عليها.]
وتبدلت ملامح أولبارت تمامًا، لتصير مختلفة بصورة جذرية عن ذلك القناع الذي تمسك به حتى تلك اللحظة.
رفع العجوز حاجبيه وحدق في آبل المتلفع بـ «قناع الأوني» بذهول صريح؛ في حين نهض آبل من مقعده، ووقف هناك بهيبة ووقار.
سوبارو: [شعلة… سيف اليانغ…]
أما ما يعنيه ذلك، فلم يكن سوبارو يعرفه على وجه اليقين.
غير أن المؤكد هو أن وطأة الصدمة على أولبارت كانت كفيلة باختراق مشاعره الزائفة التي اصطنعها حتى اللحظة، كاشفةً عما وراء ذلك القناع.
واستنادًا إلى ما دار في الحديث، فقد كان ذلك ضربًا من الأسرار التي تحرس إمبراطور فولاكيا، وهو السبب وراء عجز طموح أولبارت عن التحقق حتى الآن.
وسيلة لكسر تلك القيود وتجاوزها؛ ذلك ما ادعى آبل امتلاكه.
أولبارت: [――كنتُ أحسبك مجرد شخص يخفي وجهه ولا يقيم وزنًا للمسنين؛ من تكون ماذا بحقك؟ لا يجدر بك المزاح في مثل هذه المسائل.]
آبل: [أتظن حقًا أن من يحيك السفسطة والمزاح في موضع كهذا قادرٌ على إشعال فتيل التمرد في وجه هذه الإمبراطورية العظيمة؟ إن كان الأمر كذلك، فلن يعدو كونه إما مجنونًا فاقدًا لصوابه، أو رجلًا عظيمًا يملك رباطة جأش لا تلين.]
أولبارت: [وأنت لستَ أيًا من هذين، أليس كذلك؟]
آبل: [بطبيعة الحال.]
رد آبل بإيجاز قاطع على سؤال أولبارت.
وسواء كان كلامه جادًا أم محض مراوغة وسفسطة، عجز سوبارو عن الجزم؛ أو لعل الرجل المدعو آبل كان هو الحقيقة ذاتها، أو مجنونًا، أو رجلًا عظيمًا، أو كان يجمع كل ذلك في آنٍ واحد.
أولبارت: [――――]
وإزاء رد آبل، لاذ أولبارت بالصمت لبرهة.
رفع حاجبيه الكثيفين وقرب فنجان الشاي —الذي بات باردًا تمامًا— من شفتيه؛ ثم ما إن وضع الفنجان الفارغ بهدوء فوق الطاولة المجاورة له حتى قال:
أولبارت: [أظنكم كنتم تتحدثون عن موعد قرع «جرس وقت النار».]
سوبارو: [إيه؟]
وأمام هذا السؤال المباغت، أطلق سوبارو صوتًا بدت فيه ملامح البلاهة والذهول.
غير أن ميديوم كانت هي من بادرت بالرد فورًا بهزة من رأسها قائلةً: «معك حق تمامًا~»؛ وبجسدها الذي بات أصغر حجمًا الآن، أشارت نحو النافذة ملوحةً بشموخ «قلعة اللازورد القرمزي»:
ميديوم: [يورنا-تشان في انتظارنا وتدعونا، لذا سنقع في ورطة حقيقية إن بقينا صغارًا هكذا.]
أولبارت: [يورنا-تشان! كاكاكاكا! يا لجرأتكِ الفائقة أيتها الفتاة!]
ميديوم: [――؟]
أمال العجوز رأسه دهشةً من جسارة ميديوم في مخاطبة يورنا باللاحقة «-تشان».
وفي الوقت ذاته، هدأ أولبارت وصوب نظره نحو «قلعة اللازورد القرمزي» التي أشارت إليها ميديوم، متمتمًا بـ: «صحيح»:
أولبارت: [بصرف النظر عما إن كنتُ أتربص بحياة جلالته أم لا، فإن فضولي يستعر لمعرفة سبيل اختراق «سيف اليانغ» الذي يحمي إمبراطور فولاكيا.]
سوبارو: [――هڪ! إن كان الأمر كذلك…]
أولبارت: [مهلًا، على رسلك، فمن المبكر جدًا الجزم بذلك؛ صحيح أنني علقتُ آمالكم، غير أن أمورًا شتى تشغل بالي. ――لذا، ما رأيكم أن نخوض لعبة معًا؟]
سوبارو: […لعبة؟]
أولبارت: [أجل، لعبة؛ فالألعاب تروق لك، أليس كذلك أيها الفتى؟]
صوب أولبارت إصبعه قبالة أرنبة أنف سوبارو مباشرةً بينما كان الأخير يميل للأمام، معلنًا ذلك التحدي؛
وعجزت عينا سوبارو تمامًا عن ملاحقة تلك الحركة الخاطفة، فتصلب في موضعه كالصنم.
طرح أولبارت شرطًا، أو «لعبة» كما مهد لها؛
ولم يكن سوبارو موقنًا إن كانت هذه هي الوسيلة المثلى لتفادي الإبادة المحتومة وكسر هذا الجمود الخانق، غير أن――
سوبارو: [وماذا إن رفضتُ؟]
أولبارت: [عندها لن تنال أي شيء ترجوه.]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [وفوق ذلك، وطالما أنكم تحوزون ما أبتغيه، فإن فنون الشينوبي وتقنياتهم ستنهال فوق رؤوسكم بلا هوادة ولا شفقة.]
أطلق أولبارت ذلك الإنذار القاسي وكأنه أمر بديهي لا نقاش فيه؛
وكان العجوز يبتسم، غير أن اختلاج المشاعر المظلمة في قاع عينيه الشاحبتين الغائمتين كان كفيلًا ببث القشعريرة والجمود في الأوصال.
فلئن بدا أنه يخوض حديثًا وديًا هادئًا في الظاهر، إلا أنه كان يُبطن في أعماقه نهج الشينوبي القائم على حصد الأرواح بلا أدنى رحمة.
آبل: [وما عسى تلك اللعبة أن تكون؟]
وبات تجنب الصدام مع أولبارت ضربًا من المستحيل بمجرد أن بسط شروطه؛ واستشعر آبل الأمر ذاته، فطرح السؤال نيابة عن سوبارو الذي عجز عن النطق.
أومأ أولبارت برأسه موافقًا على سؤاله، وقال: «حسنًا»:
أولبارت: [الوقت ضيق قبل أن تستدعيكم الفتاة الثعلبة، وقد نُبهتُ بألا أتعرض لكم بسوء، لذا وقعتُ في حيرة وأمر مربك بعض الشيء… أوه، تلك اللعبة ستكون مثالية تمامًا.]
سوبارو: [مثالية لمن يا أولبارت-سان؟ لنا نحن؟]
أولبارت: [لكلينا، لي أنا ولكم أنتم.]
وبابتسامة كشفت عن أسنانه ردًا على تساؤل سوبارو المتريث، بسط أولبارت كفيه أمامهم؛
ثم التفت نحو سوبارو ورفاقه الذين تحفزت حواسهم، وأعلن:
أولبارت: [――لعبة المطاردة.]
الجميع: [――――]
أولبارت: [أنا معتاد على خوضها وممارستها مع صغار قريتي؛ سهلة وبسيطة الفهم، أليس كذلك؟]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※