الفصل 402 - حوار على الشاي
الفصل الحادي والأربعون
«حوار على الشاي»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
سوبارو: [――اجتماع طارئ للخطة!]
وفي غرفة سادها سكون مطبق لدرجة تسمح بسماع صوت سقوط إبرة، رفع سوبارو ذراعه القصيرة مقترحًا ذلك.
ولم يلقَ اقتراحه أي اعتراض؛ فالجميع استشعروا الحاجة الماسة للتباحث حول مأزقهم الراهن.
وكان محور النقاش بطبيعة الحال يدور حول مسألة الحضور إلى «قلعة اللازورد القرمزي».
سوبارو: [آبل، كاتب الرسالة، ونحن الذين توجهنا إلى القلعة بالأمس، لا غنى عن حضورنا إطلاقًا…]
رمق سوبارو ثيابه الفضفاضة ذات الأكمام والأطراف المتثنية، متأملًا في طلب يورنا الذي نقلته تانزا المبعوثة؛ وقطب ما بين حاجبيه بقلق.
وكان مستعدًا لتقبل المخاطرة الكامنة في إرسال آبل مباشرة إلى القلعة، غير أن أكثر ما أقلقه هو ذلك الشرط القاضي بأن يرافقه رسل الأمس بالذات.
فتساءل في سره: هل ستتقبل يورنا الأمر بصدر رحب إن اصطحب معه سوبارو المنكمش وآل وميديوم؟ وفي أسوأ الاحتمالات، ثمة فرصة كبيرة أن تعدّ ذلك مجرد مزحة سمجة أو استخفافًا بها.
أو بدلًا من ذلك، ثمة خيار بمصارحة يورنا بحقيقة مأزقهم واستمالة عاطفتها بكل صدق، غير أن――
آبل: [من قلة العقل والتدبير أن تكشف أوراقك وأنت تجهل تحركات خصمك القادمة.]
سوبارو: [معك حق… ولا أستطيع الجزم حتى بما إذا كانت يورنا ستنصت إلينا، بالنظر إلى ما دار بيننا بالأمس…]
رفض آبل كشف كامل أوراقه، ووافقه سوبارو في هذه النقطة تمامًا.
ورغم أنه تحاشى البوح بذلك بالأمس، إلا أن سوبارو لو أراد وصف انطباعه الحقيقي عن يورنا، لكان نعتها بـ «المرأة اللعوب» خيارًا صائبًا؛ فطريقتها في الحديث وتصرفاتها بدت في عينيه كامتداد لغانية فاتنة تتقن مهارة التلاعب بالرجال والتحكم بهم في راحة كفها بحرفية عالية.
والخطر الذي تمثله يورنا غني عن البيان؛ فبالإضافة إلى مكانتها كحاكمة «مدينة الشياطين»، فهي تملك الجدارة والمكانة لنيل لقب «الجنرال السامي».
فقد كانت هي الأولى التي صوّبوا أنظارهم نحوها كحليف محتمل من بين «الجنرالات التسعة الساميين»؛ ومع ذلك، وكما حذر آبل، لم تكن من الشخصيات التي يسهل على المرء البوح بمأزقه أمامها بهذه البساطة.
آل: [إن أغرقناها بتفاصيل وضعنا ومأزقنا ثم سألت عنك، فسنقع في ورطة حقيقية يا صاح. وبالنظر إلى تنكرك بزي النساء وما شابه، ماذا سنفعل إن باغتتنا بسؤال مثل «أتجرؤ على الكذب في وجهي؟».]
سوبارو: [لا أود أن أتخيل وقوعي في ملامة كهذه، لكن إن كان الأمر كذلك، فلمَ لا أدّعي ببساطة أنني ناتسومي شوارتز في هيئة طفلة صغيرة…؟]
تاريتا: [تمهل، أرجوك تمهل؛ أخشى أن يزداد ارتباكي وحيرتي أنا أيضًا…]
كانت معضلة اختلاق كذبة للتستر على كذبة أخرى أمرًا شائعًا ومعروفًا، غير أن معضلة التستر على التنكر بزي امرأة عبر الاستمرار في التنكر كطفلة بعد التعرض لـ «التحول إلى أطفال» هي سابقة لا مثيل لها على الأرجح.
وعلى خلاف خوذة آل، كان بالإمكان تعديل مقاس الشعر المستعار، مما يجعل التنكر ممكنًا في حد ذاته؛ غير أن ضرورة التمادي إلى هذا الحد كانت تعتمد على مجريات الأحداث وتطورها.
ميديوم: [إذن، ما العمل الآن؟ قرع «جرس وقت النار» سيحين بعد ثلاث ساعات تقريبًا، أتتذكرون؟]
سوبارو: […أكاد أجزم بأن علينا الذهاب إلى «قلعة اللازورد القرمزي».]
سألت ميديوم وهي تميل رأسها، محتضنةً لويس بين ذراعيها أثناء الإنصات؛
وبينما تساوت الفتاتان في الحجم، راحت لويس تميل رأسها تقليدًا لإمالة ميديوم، في حين كان سوبارو يزن الأمور في ميزان عقله بدقة.
تاريتا: [بادئ ذي بدء، نحن لا نملك خيار رفض دعوة يورنا، أليس كذلك؟]
آل: [حسنًا، لقد تجشمنا عناءً هائلًا حتى تُقرأ تلك الرسالة يا صاح؛ فإن لم نلبِّ الدعوة، فستذهب كل جهود الأمس ومصيبتنا في هذا الانكماش سدى بلا أي معنى.]
تاريتا: [وإن بقي شيء، فلن يكون سوى الخسائر والأضرار التي تكبدناها فحسب…]
أومأ سوبارو برأسه مؤيدًا كلمات آل وتاريتا، مع أنه كان يرى أن الانسحاب والتراجع ليس خيارًا مستبعدًا تمامًا؛
فالإصرار على عدم مغادرة المقامرة حتى تعويض كل الأموال المهدورة كان عقلية نمطية شائعة لدى المفلسين الذين يخسرون كل شيء. والحد من الخسائر والتراجع في الوقت المناسب أمر بالغ الأهمية في بعض المواقف.
غير أن ما سيضيع في عملية «الحد من الخسائر» هذه، هو قامات سوبارو ورفاقه وبنيتهم الجسدية.
سوبارو: [هل يجدر بنا اعتبار هذا الأمر خطيرًا أم هينًا…؟]
؟؟؟: [أن تصغر في السن خيرٌ من أن تشيخ وتهرم؛ أليس هذا بمثابة سر الخلود والحياة الأبدية؟]
سوبارو: [أجل، معك حق تمامًا――]
فبمعنى ما، كان «التحول إلى أطفال» واستعادة الصبا يعني تضاعف الفرص المتاحة، تمامًا مثل «الرجوع بالموت»؛
فلو تمكن المرء من العودة إلى طفولته وهو متسلح بخبرة البالغين ومعارفهم، لاستطاع تدريب جسده وبنائه بأفضل شكل ممكن بمرور الوقت، وبذلك تتسنى له إعادة المحاولة لبلوغ الغايات التي استسلم عنها في السابق.
وفي ظل هذه المعطيات، بدا وكأنهم وجدوا ما يمكن توظيفه كنقطة قوة ومكسب، غير أن――
؟؟؟: [――هذا ما قد يخطر ببالك، أليس كذلك؟ لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فليس بالشيء الذي يسهل عليك استغلاله، أتعلم ذلك؟]
وفي تلك اللحظة بالذات، قاطع طرف ثالث النقاش، فانقطعت أنفاس سوبارو في صدره.
――كلا، لم يكن سوبارو وحده من انقطعت أنفاسه؛ بل تصلب كل من في الغرفة وعجزوا عن الحراك، وتجمدت أطرافهم لهول حضور صاحب ذلك الصوت.
ومع ذلك، لم يكترث الشخص المعني بالتوتر الخانق الذي خيّم على أرجاء الغرفة:
؟؟؟: [أخذتُ راحتي وأعددتُ الشاي لنفسي، فهل يرغب أحدكم في فنجان؟]
وطرح سؤاله هذا بنبرة تنضح بالعفوية واللامبالاة، رافعًا فنجان شاي يتصاعد منه البخار.
تاريتا: [――هڪ!]
وعلى الفور، وثبت تاريتا بحركة سريعة مباغتة، كدمية دُفعت بنابض؛
ووترت قوسها في طرفة عين مصوبةً سهمها نحو الشخص الذي ظهر للتو―― أولبارت دونكيلكن.
وكان هدفها على مسافة قريبة للغاية، بحيث انعدمت فرصة أن تخطئه أو أن يملك هو سبيلًا للمراوغة.
لكن أولبارت هز كتفيه ببرود وتمتم مستهترًا: «مهلًا، على رسلكِ»:
أولبارت: [إياكِ وفعل ذلك، إياكِ؛ فأنا أكره توجيه الأشياء المدببة نحوي. تعلمين أن العجائز يترددون على دورة المياه كثيرًا، فهل تريدين إفزاعي حتى أتبول في ثيابي؟ ها أنا ذا أرتعد فرقًا هنا، أرأيتِ؟]
تاريتا: [أتسخر مني وتمازحني في هذا الموقف…؟! من تكون أنت…]
آبل: [――أولبارت دونكيلكن.]
تاريتا: [――――]
وجعل موقف هذا العجوز المريب واللامبالي وجه تاريتا يحتقن غضبًا؛ غير أن رد الرجل المرتدي لقناع الأوني —الذي نطق باسم أولبارت حاسمًا— كان بمثابة إيعاز بكبح جماحها وتهدئتها.
وكان آبل هو الوحيد الذي لم يتحرك قيد أنملة، جالسًا فوق الأريكة يرتدي «قناع الأوني»، وتبادل النظرات مع ذلك الرجل؛ وإزاء ذلك، ضيق أولبارت عينيه المتواريتين خلف حاجبيه الكثيفين:
أولبارت: [حسنًا، لقد تأكدتُ بالأمس أنني ذائع الصيت، لذا لستُ متفاجئًا؛ لكن وجهك هذا يثير الإعجاب حقًا، أتدري؟ من أين ابتعتَ هذه التحفة التذكارية؟]
آبل: [كف عن هراءك وترهاتك، أيها الجذع اليابس؛ ما الذي أتى بك إلى هنا؟]
أولبارت: [أشعر بالوحشة هذه الأيام لأن الشباب لا يطيقون الاستماع إلى ثرثرة العجائز الفارغة؛ وأهل قريتي باتوا يتفننون في تجاهلي يومًا بعد يوم… كاكاكاكا!]
وبينما كان يتحدث عن شجون وحدته في خريف عمره، فغر أولبارت فاهه الكبير وقهقه بمرح.
ومع تدفق الحوار بين آبل وأولبارت، تبدد الارتباك والذهول الذي سيطر على سوبارو ورفاقه الواقفين على الحياد شيئًا فشيئًا؛ ومع ذلك، كان من المستحيل عليهم خفض حذرهم بالكامل.
ميديوم: [لكن يا جدي، كيف تسللتَ إلى هنا؟ لم نكن مهملين في الحراسة إطلاقًا…]
أولبارت: [أوه، ألا تبدو هذه الصغيرونة شبيهة بالراقصة التي رأيناها بالأمس؟ حسنًا، إن كان لزامًا على الجد أن يجيب، فالأمر هكذا ببساطة: لقد سمحتم للفتاة الأيل بالدخول، أليس كذلك؟ وقد دخلتُ معها.]
ميديوم: [معًا؟ برفقة تانزا-تشان؟]
أولبارت: [كاكاكاكا! طريقة تسللي إلى هنا سر من الأسرار؛ ففنون الشينوبي هي صنعة كفي ورأس مالي.]
تجاهل أولبارت تساؤل ميديوم البسيط بضحكة ساخرة ليزيد من حيرتهم وارتباكهم.
ولم يكن واضحًا مدى جديته في ذلك، غير أنه على أية حال ذكر كلمة «الشينوبي» بلسانه، وبدا أنه لا ينوي إخفاء هويته الحقيقية أبدًا.
وفي هذه الحال، فإن سؤاله مباشرة عن نواياه الحقيقية من وراء مجيئه إلى معسكرهم بمفرده سيكون أجدى وأسرع من المراوغة وجس النبض.
سوبارو: [إذن…]
أولبارت: [همم؟]
سوبارو: [إذن، ما خطبك وما الذي تريده بحق من مجيئك إلى هنا؟]
تحولت نظرات أولبارت نحو سوبارو بعد أن سأله الأخير عن الغاية من زيارته؛ وعندها، قطب العجوز حاجبيه وكأنه يستغرق في التفكير لبرهة:
أولبارت: [آه، أأنتَ هو إذن؟ أكنتَ أنت تلك الفتاة التي ترتدي الأحمر بالأمس؟ كان يستحيل عليّ أن أخطئ الفتاة الشبيهة بالراقصة وذلك الرجل ذا الذراع الواحدة، لذا انتابتني الحيرة والريبة حقًا.]
وهكذا اعترف بأنه وجد صعوبة بالغة في تبين هوية سوبارو.
ولدى سماع ذلك، اتسعت عينا سوبارو دهشة، في حين ابتسم آل ساخرًا وهو يعدل وقفته بعفوية؛ وتنحنح من خلف لثامه متحدثًا بنبرة أكثر خفوتًا من المعتاد:
آل: […هذا هو رفيقي بحق يا صاح؛ حتى زعيم الشينوبي عجز عن كشف هويتك.]
أولبارت: [أوه، يا له من أمر باهر ومثير للإعجاب! ليت أهل قريتي يتعلمون شيئًا من فن التحول والتنكر هذا؛ ما رأيك أن تغدو معلمًا ومحاضرًا لدينا؟ ستكون مرحبًا بك على الرحب والسعة.]
سوبارو: [لسوء الحظ، جدول مواعيد ناتسومي شوارتز مزدحم للغاية… ومع ذلك، قد أفرغ لك بعض الوقت إن لزم الأمر.]
أولبارت: [هوهو، وماذا تعني بـ «قد أفرغ لك» هذه؟]
بلل سوبارو شفتيه وهو يرى كيف أفلح تنكره بزي امرأة في اصطياد صيد ثمين على نحو غير متوقع، ثم ضيق عينيه مستشعرًا جفافًا في حلقه.
ومهما بلغ عدم اكتراثه بتلك الترهات، تعين عليه استغلال فرصة التحدث وجهًا لوجه مع أولبارت على أكمل وجه؛ وبادئ ذي بدء، بشأن ذلك الوضع الشاذ الذي ألمّ به وبرفاقه.
فوفقًا لتخمين آبل، لم يكن العقل المدبر وراء هذه الظاهرة سوى ذلك العجوز الرابض أمامه.
سوبارو: [إن كان لديك أي علم بالسبب الذي صيرنا إلى هذه الحال، فكن صريحًا معنا…]
أولبارت: [أوه، ذاك الأمر؟ أنا من فعل ذلك بيديّ هاتين؛ إنها مثيرة للاهتمام حقًا، أليست كذلك فنون الشينوبي؟]
سوبارو: [――――]
ودون أدنى مراوغة أو مساومة، أقر أولبارت بأنه هو الفاعل بنفسه.
ألجم هذا الاعتراف ما تبقى من كلمات في حلق سوبارو، فابتلع ريقه بصعوبة؛ وضحك العجوز بخبث وهو يرى سوبارو يتجمد في موضعه:
أولبارت: [لو أنني أرديتكم قتلى عن طريق الخطأ، لما استطعتُ سماع أي كلمة منكم، ولجر ذلك عليّ الكثير من المتاعب، أتعلم؟ وبما أن الأمر كذلك، فثمة طرق لا حصر لها لانتزاع المعلومات من المرء دون الحاجة إلى إزهاق روحه. ――أمر مثير للاهتمام، أليس كذلك؟]
تفوه أولبارت بتلك الكلمات بكل فجاجة وصراحة، ثم ارتشف جرعة من شايه الدافئ.
△▼△▼△▼△
――ظاهرة «التحول إلى أطفال» التي أصابت سوبارو، وآل، وميديوم.
فبناءً على شهادة آبل العليم بـ «الجنرالات التسعة الساميين»، كان من شبه المؤكد أن الجاني هو أولبارت.
غير أن تأكيد الأمر على لسان الجاني نفسه كان مفاجأة من طراز مختلف؛ لا سيما وأن الطرف الآخر لم يبدِ أي اكتراث أو حرج، بل كان يتيه فخرًا بصنيعه.
الجميع: [――――]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لا داعي لأن نرمق بعضنا بنظرات مخيفة ومرعبة كهذه؛ ألم تتعلموا أن كبار السن يجب الإحسان إليهم ورعايتهم، لا تعذيبهم وترويعهم؟]
وأخذ التوتر يتصاعد في الغرفة من جديد؛ وراح كل من آل وميديوم، فضلًا عن تاريتا التي لم تنزل قوسها منذ اللحظة الأولى، يغيرون مواقعهم وتأهبهم تدريجيًا.
وعلى وجه الخصوص، تأهب آل ليسد باب المدخل ويقطع على أولبارت طريق الفرار.
غير أن آل —بجسده المنكمش ذاك— كان عاجزًا عن التحكم بسيفه المفضل ببراعة وسلاسة، ولذا لم يكن بوسعه أن يعول كثيرًا على إيقاف زعيم الشينوبي الذي يتحين الفرص دائمًا.
لويس: [أوو…]
أولبارت: [أنتِ طفلة صغيرة لا شأن لكِ بي، أليس كذلك؟ إذن فنظراتكِ تلك نحوي تجرح مشاعري؛ ألا تروق لكِ رائحة العجائز الزكية؟]
آبل: [كف عن مراوغتك وألاعيبك يا أولبارت؛ وسأسألك لمرة أخيرة: ما الذي جاء بك إلى هنا؟]
ألقى آبل كلماته تلك نحو أولبارت، الذي كان يحاول ملاطفة لويس واستمالتها بينما كانت تزمجر نحوه؛ ورمق آبل أولبارت —الذي التفت ناظرًا من فوق كتفه— بنظرة حادة تنضح بهيبة صارمة اخترقت حتى «قناع الأوني»:
آبل: [لقد تناهت إلى مسامعك إرادة يورنا ميشيغوري، حاكمة «مدينة الشياطين» هذه؛ وقد أقرت بكونهم رسلًا، وأوضحت بجلاء أنه لا يجوز المساس بهم.]
سوبارو: [هـ-هذا صحيح تمامًا! عدم المساس بنا كان هو شرط رهان وتحدي الأمس! وقد خاطرنا بأرواحنا في سبيل ذلك! ومع ذلك، فإن هذه المعاملة تناقض ما قُطع لنا من عهود!] [1]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، لقد ثارت ثائرتك واختلطت عليك الأمور كما أرى.]
مستغلًا مبادرة آبل الهجومية، شدد سوبارو بدوره على ما صرحت به يورنا في اليوم السابق؛ وكان الأمر كما قال أولبارت، إذ استعاد سوبارو الحالة الذهنية المشحونة ذاتها التي عاشها بالأمس، غير أن ذلك لم يغير من الحقيقة في شيء.
فقد أقرت يورنا بجماعة سوبارو كرسل رسميًا، وأوضحت تانزا بجلاء أنها لن تسمح لأحد بالتعرض لهم؛ والضرب بتلك الأوامر عرض الحائط يُعد إعلانًا صريحًا للعداء ضد يورنا.
آبل: [وبطبيعة الحال، إن كانت غايتك هي تدمير «مدينة الشياطين»، فلن تقيم لأمرها أدنى وزن أو اعتبار.]
سوبارو: […بما أنك ذكرتَ ذلك الآن.]
ومع تعقيب آبل، تجمدت الدماء الحامية في عروق سوبارو؛
ففي واقع الأمر، كان فصيل الإمبراطور المزيف —الذي ينتمي إليه أولبارت— قد خسر حق التفاوض مع يورنا لصالح سوبارو ورفاقه؛ وإن رأوا في ذلك خطوة خاسرة، فإن قلب الطاولة رأسًا على عقب بدافع الغيظ يظل احتمالًا واردًا تمامًا.
وفي تلك الحال، سيكون الاصطدام المباشر بـ يورنا —التي تحظى بالمهابة كإحدى «الجنرالات التسعة الساميين»— أمرًا محتومًا على أكثر من صعيد――
آبل: [إن أقدمتَ على مواجهتها بنية السحق والإبادة، فقد تتفادى الهلاك؛ وإن كان خروجك منها دون خسائر فادحة أمرًا مستحيلًا.]
أولبارت: […حسنًا، تلك الفتاة الثعلبة يصعب مراسها والتعامل معها؛ غير أنه ليس من الممتع أبدًا أن يقرأ هذا الفتى المقنع أفكاري بدقة هكذا.]
سوبارو: [فتى… مقنع…]
حك أولبارت ذقنه بأصابعه متصنعًا الألم والانزعاج؛ وإثر التقاطه لبعض كلماته، رمق سوبارو آبل بطرف عينه.
لم يطرأ أي تغيير على هدوء آبل، غير أن سوبارو كان يجلس على أحر من الجمر مع كل كلمة تُقال في هذا الحوار؛ ――ففي نهاية المطاف، أولبارت هو أحد «الجنرالات التسعة الساميين».
ومما لا شك فيه أنه قد عاين فينسنت فولاكيا —المدعو آبل— مرات ومرات.
ومع أنه يخفي وجهه خلف قناع، فإن تبادل أطراف الحديث مع آبل —الذي لم يغير طريقة كلامه ولا نبرة صوته المعتادة— قد يجعل كشف أولبارت لهويته الحقيقية أمرًا غير مستغرب بالمرة.
أولبارت: [――――]
ومع ذلك، فإن آبل الذي واجهه بوقار وهيبة لم يُظهر أي بادرة من بوادر القلق أو التردد؛
كما لم تبدُ على أولبارت أي علامة تشير إلى أنه فطن لهوية آبل الحقيقية. وأمام هذا الواقع، عجز سوبارو عن الجزم بحقيقة علمه، ولم يكن أمامه سوى مجاراة الموقف وهو يكتم مخاوفه وتوجسه في صدره.
وعلى أية حال――
سوبارو: [ما زلتُ أنتظر جوابك يا أولبارت-سان.]
أولبارت: [――أشعر أنني ألقى معاملة لائقة هكذا مقارنة بمناداتي بالعجوز فحسب؛ لذا سأتغاضى عن تنكرك بزي الفتيات وأعفيك من اللوم.]
سوبارو: [يا أولبارت-سان!]
ازدادت نظرات سوبارو حدة نحو ذلك العجوز الذي راوغ وتملص من السؤال؛ وعند رؤيته لذلك، رفع أولبارت يديه قائلًا: «على رسلك، على رسلك»:
أولبارت: [العهد والجزاء على صنيعكم هو كما ذكرتَ تمامًا؛ فالفتاة الثعلبة وجلالته كلاهما أمراني بعدم التعرض لكم والابتعاد عنكم.]
سوبارو: [إن كان الأمر كذلك…]
أولبارت: [المسألة تكمن في التالي: لقد نغزتكم وضربتكم قبل أن ينتهي رهان وتحدي الأمس، أليس كذلك؟ والآن أتعلم ماذا؟ تمامًا كما أنه لا يحق لكم التذمر والشكوى إن متم إثر طعنة سيف أُصبتم بها أثناء القتال، فلا يحق لكم الشكوى من تقنية الانكماش التي أُصبتم بها أثناء قتالكم ضدي.]
سوبارو: [هذه سفسطة ومراوغة محضة…!]
أولبارت: [وهل تراها سفسطة حقًا؟ ――لكنكم تعجزون عن تغيير الواقع، أليس كذلك؟]
رفع سوبارو حاجبيه في وجه أولبارت الذي كان يضحك مستمتعًا بمكره ودهائه، وقد أُلجم لسانه عن الرد.
فحجة أولبارت كانت سفسطة وتلاعبًا كما أقر هو بنفسه، غير أنها من جانب آخر كانت صحيحة منطقيًا؛ فحتى لو فارق المرء الحياة جراء جرح أُصيب به أثناء المعركة، وطالما أن الجرح قد وقع قبل إعلان الهدنة ووقف إطلاق النار، فليس من المنطقي تحميل أحد مسؤولية تلك الفاجعة بعد سريان الهدنة.
غير أن سوبارو كان يشعر في داخله بفارق هائل بين جرح عادي، وبين «التحول إلى أطفال».
أولبارت: [ولهذا أرى أن إعادتكم إلى طبيعتكم وأوامر الفتاة الثعلبة أمران منفصلان تمامًا؛ أفهمتم قصدي؟]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [كاكاكاكا! لا تحدق بي بهذه الصرامة والتجهم؛ فهذا يفسد ملامح وجهك اللطيفة… مع أن ذلك الوجه الفاتن لم يكن سوى خدعة بمساحيق التجميل! لقد انطلت عليّ حيلتك تمامًا وابتلعتُ الطعم.]
راح أولبارت يداعب فنجان الشاي بأطراف أصابعه، مظهرًا مهارات بهلوانية خفيفة حالت دون انسكاب قطرة واحدة منه؛ أما كلماته بحد ذاتها، فلم يكن من الهين دحضها، إذ انتقاها بعناية فائقة ثمرة خبرة طويلة مديدة.
ومع ذلك، فحتى لو بذلت تاريتا —التي كانت تزداد توترًا وحنقًا— وآل والآخرون الذين يحاولون سد مسار الهروب أقصى ما في وسعهم، فإن إخضاع أولبارت بالقوة كان أمرًا بعيد المنال تمامًا.
وإن وجد بين الحاضرين من يقوى على مجابهة هذا الدهاء والمكر، فلن يكون سوى――
آبل: [لا تتمادَ في غيك، يا أولبارت.]
وبالفعل، كان الرجل المرتدي لـ «قناع الأوني» هو الوحيد القادر على التصدي لخبثه ومكره الفائض.
ودون أن يغير آبل جلسته، رمق أولبارت بنظرة أشد حدة وبرودًا، ألجمته وأجبرته على الكف عن العبث بفنجانه.
آبل: [لقد استفسرتُ منك عن غايتك بالفعل؛ فكم مرة عليّ أن أعيد السؤال حتى يروق لك الجواب؟]
أولبارت: [كلما صادفتُ فتى يافعًا يعجزني تبين ملامح وجهه، يغالبني الفضول لرؤية التجاعيد تشتد بين حاجبيه؛ فلا تؤاخذني على ذلك.]
وبعين واحدة مغمضة، رد أولبارت بخبث ودعابة على هيبة آبل الطاغية؛ وحك العجوز رأسه متمتمًا: «يا لك من رجل لا متسع لديه من الوقت»:
أولبارت: [دعك من الفتاة الثعلبة، فـ جلالته أمرني كذلك بألا أمد يدي بسوء إليكم، لذا لم آتِ إلى هنا لتصفية الحساب معكم؛ غير أننا إن كنا سنصير أعداءً في نهاية المطاف، فلن يضيرنا إضعافكم قليلًا، أليس كذلك؟]
آل: […لعل هذا كان دافعك لتقليص أجسادنا، لكنك لم تقطع كل هذه المسافة لمجرد شرب الشاي يا صاح.]
أولبارت: [يبدو أنك تعاني الأمرين بعدما ضاقت خوذتك على رأسك أيها الفتى؛ وعلى أية حال، أراك محقًا في ذلك. حسنًا، الغاية الحقيقية من مجيئي إلى هنا هي الاستماع إلى ما في جعبتكم، بكل صراحة ووضوح.]
سوبارو: […ما في جعبتنا؟]
وبينما كان يعبث بأذنه بيده الحرة التي لا تحمل الفنجان، أومأ أولبارت برأسه نحو سوبارو الذي ردد سؤاله في حيرة، ثم أردف: «صحيح تمامًا».
ثم أشار نحو النافذة بنفس الإصبع الذي كان ينكث به أذنه:
أولبارت: [ذلك الاستعراض الذي جرى في القلعة بالأمس، تباً، لقد جعلني أكاد أطير من الحماس والذهول! غير أن كثيرين حاولوا من قبل العبث والتطاول على جلالته، وباءت مساعيهم جميعًا بالفشل حتى اللحظة؛ لذا، أود أن أسألكم: ما الذي دفعكم لخوض هذه المغامرة وركوب هذا المركب الخشن أنتم أيضًا؟]
سوبارو: […وماذا ستفعل بعد أن تسمع جوابنا؟]
أولبارت: [إيه؟ بديهي أنني سأتخذ قراري بعد سماع ما عندكم؛ وسأفعل ما يضمن لي عجزكم عن الكذب.]
وبينما فغر أولبارت فاهه على مصراعيه ليتطاير رذاذ لعابه مع قهقهته العالية الصاخبة، تقطبت ملامح سوبارو في تكشيرة مشمئزة.
وكان من السهل نبذ مسلكه هذا —كما بدا منذ قليل— واعتباره مجرد ذوق رديء؛ غير أنه كان جليًا أن هذا الحوار لا يمكن قطعه وإغلاقه في وجهه بهذه البساطة.
فهو أحد «الجنرالات التسعة الساميين» الذين تقتضي الضرورة كسبهم لمساعدة آبل في استعادة عرشه، أو لإبطال فن الشينوبي الذي صير سوبارو ورفاقه أطفالًا.
بل بالأحرى――
سوبارو: […أهذه فرصة سانحة إذن؟]
فمكانة «الجنرالات التسعة الساميين» كانت تجعل من مجرد التواصل معهم أمرًا عسير المنال، فضلًا عن استمالتهم وكسب ولائهم.
غير أنه في الوقت الراهن، ولسبب ما، لم تكن «كايوسفليم، مدينة الشياطين» تضم حاكمتها يورنا فحسب، بل اجتمع فيها أيضًا أولبارت الواقف أمامه، و«تشيشا» الذي بدا وكأنه ينتحل صفة الإمبراطور المزيف.
وبطبيعة الحال، حتى لو كان استمالة خصمهم المتمثل في تشيشا —الذي بادر بالتحرك— أمرًا مستحيلًا――
سوبارو: [إن كان استنتاج آبل بالأمس صائبًا، فهذا لا يعني بالضرورة أن أولبارت-سان قد حُسم أمره كعدو مؤكد.]
فقد كانت رؤية آبل تقضي ببقاء بصيص من الأمل حيال أولبارت، الذي يُعد أحد الجنرالات الساميين الذين يُظن أن العدو قد استحوذ عليهم كبيادق في قبضته؛ وفي تلك اللحظة، كان لزامًا على سوبارو الإقرار بأن تقدير آبل كان سليمًا، إذ تمكن من قيادتهم لبلوغ مرحلة التفاوض مع يورنا بالفعل.
فإن صدقوا حدسه وتخمينه، فلا بد أن ثمة متسعًا للتفاوض حول موقف أولبارت.
ومع ذلك، فمن أجل كسب أولبارت إلى صفهم هنا――
سوبارو: [――――]
وفي صمت مطبق، رمق سوبارو ملامح وجه آبل بنظرة جانبية خاطفة.
الكشف عن هوية ذلك الرجل الذي يرتدي «قناع الأوني» محافظًا على وقاره وهيبته، آبل―― كان ذلك أهم ورقة ومعلومة على الإطلاق يتعين عليهم البوح بها لإخضاع أولبارت واستمالته.
وبصراحة، لم يكن لدى سوبارو أي ورقة رابحة أخرى قد تلقى صدى أو تأثيرًا لدى أولبارت.
سوبارو: [――――]
ولم يطرف لـ آبل المقنع جفن، وهو يلتقي بنظرة سوبارو الجانبية الموجهة نحوه؛
كان وجهه متواريًا خلف القناع، مما جعل قراءة مشاعره أمرًا مستحيلًا؛ غير أنه استحال على رجل فطن مثله ألا تخطر بباله الفكرة ذاتها التي دارت في خلد سوبارو.
وفي هذا المنعطف الحرج، إلى أي مدى يقوى على كشف حقيقة أمره وإظهار ما في صدره للطرف الآخر، أولبارت؟
رأى سوبارو أن هذا هو بيت القصيد ومحور الأمر، لكن بما أن آبل لم يحرك ساكنًا، فهل كان تفكيره ذاك سابقًا لأوانه؟ أم تراه يتريث ليرى ما ستتمخض عنه الأمور؟
وعلى أية حال، إن تمكنوا من كسب أولبارت إلى صفهم، فسيجدون مخرجًا يحل معضلة «التحول إلى أطفال»، وضعف قوتهم القتالية، وصراع استمالة «الجنرالات التسعة الساميين».
إذن، هذا هو التوقيت الأمثل لرمي تلك الورقة――
أولبارت: [――أتعلم، المثير للسخرية في الأمر هو أن ملامح وجوه البشر تفضح أكثر بكثير مما تظنون، أليس كذلك؟]
سوبارو: [همم…؟]
أولبارت: [نظرات عينيك، توتر ملامح وجهك، وانقباض عضلاتك الطفيف… في الواقع، لستَ بحاجة إلى تحريك شفتيك لتبوح بالكثير.]
نقر أولبارت بإصبعين على صدغه وهو يتحدث؛ وأومأ العجوز برأسه وهو يرمق سوبارو الذي انحبست أنفاسه في صدره:
أولبارت: [على سبيل المثال، الفتاة الشبيهة بالراقصة تعول على الفتاة حاملة القوس، وذلك الفتى اليافع الذي يلف قطعة قماش حول رأسه وتلك الطفلة يعولان عليك أنت؛ أما الفتاة حاملة القوس وأنت… حسنًا، فكلاكما تعولان على ذلك الفتى المقنع.]
سوبارو: [――هڪ.]
أولبارت: [بمقدور المرء قراءة الوجهة العامة التي تصوب إليها كل عين… ――وحين تكون في موقف ضعف، يتجلى ذلك بوضوح أشد، أليس كذلك؟]
اخترقت كلمات أولبارت —الذي كشّر عن أسنانه البيضاء وهو ينطقها— أعماق عقل سوبارو.
وأدرك سوبارو متأخرًا كم أخطأ وأساء تقدير الجوهر الحقيقي لـ أولبارت؛ ذلك الرجل الذي بدا في ظاهره مجرد عجوز دمث الخلق طيب المعشر.
لقد أوضح أولبارت بجلاء أنه هو من أوقع بهم ظاهرة «التحول إلى أطفال»، وأنه فعل ذلك ليتحدث إلى سوبارو ورفاقه.
――غير أنه لم يقل أبدًا إن غايته هي «التفاوض» مع سوبارو ورفاقه.
سوبارو: [ألم تأتِ إلى هنا من أجل… التحدث…]
أولبارت: [المجيء إلى هنا من أجل «الحديث» والمجيء من أجل «الاستماع» أمران متشابهان لكنهما يختلفان قليلًا، أليس كذلك؟ لا أمانع تبادل أطراف الحديث هكذا، أتعلم ذلك؟ ولكن…]
سوبارو: [――――]
أولبارت: [كما ترى، فأنا زعيم الشينوبي كذلك، وأكرس وقتي ممثلًا لأهل قريتي؛ ولهذا السبب… لا يسعني الوثوق بكلام شخص لم أذقه طعم التعذيب بعد، فالأمر ينطوي على خطر داهم.]
ودون أن يفقد وقار شيخ خبير يدرك تمامًا ما ينطق به، أفصح أولبارت عما يضمره وفقًا لأعراف الشينوبي وقوانينهم غير المكتوبة.
وقسوة هذا العالم وكآبته تشبهان بلا ريب عالم «النينجا» الذي يألفه سوبارو؛ غير أن الاستمتاع بذلك كعمل خيالي يختلف كل الاختلاف عن معايشته واختباره على أرض الواقع بهذه الطريقة المباشرة.
وتابع――
أولبارت: [إذن، بوقفته المتعالية تلك التي توحي بأنه لا يعول على أحد، يكون ذلك الفتى المقنع هو الزعيم، أليس كذلك؟ دعني أسألك إذن: ما الذي دفعك للمجيء واستمالة تلك الفتاة الثعلبة؟]
آبل: [――وإن لم يجدِ ذلك نفعًا، فما الذي سيجدي؟]
أولبارت: [عندها لن يكون أمامك سوى البحث عن وسيلة أخرى، أليس كذلك؟ ولكن بما أنني مجبر على البقاء بعيدًا وعدم التدخل، فليس بيدي حيلة حيال الأمر.]
هز أولبارت كتفيه، منصرفًا بنظراته واهتمامه شطر آبل؛ وبطبيعة الحال، كان من الصعب تصديق أن أولبارت —زعيم الشينوبي— سيغفل عن مراقبة بقية الحاضرين.
فحتى دون أن يلتفت برأسه، لم يحد تركيزه وحواسه قيد أنملة عن آل أو تاريتا.
ورغم أن قوسًا كان مسددًا نحوه، فإن إبداء أي بادرة للهجوم على أولبارت سيكون تصرفًا في غاية الحماقة من جانب سوبارو ورفاقه المحيطين به.
فبناءً على أوامر يورنا، كان من المفترض استقبالهم في «كايوسفليم» كرسل رسميين؛
أما بقاء هذا الاستقبال ساريًا بعد إثارة أي فوضى داخل «كايوسفليم»، وكيف سيكون تعاملها مع ضيوف أساؤوا الأدب، فأمر يكتنفه الغموض تمامًا.
وبعبارة أخرى، كان الموقف الراهن يمثل طريقًا مسدودًا ومأزقًا لكلا الطرفين، سوبارو وأولبارت على حد سواء؛
إذ لم يكن أمام كليهما سوى أن يتبادلا نظرات التحدي، معلنين تأهبهما لإلحاق الأذى بالطرف الآخر.
وفي خضم هذا المأزق الخانق والمصير المعلق――
سوبارو: […لكن من جهة أخرى، وفي ظل هذه الظروف، كيف ومتى يسعني تدبير ذلك حتى؟]
ومتأملًا في تفاصيل الموقف القائم، طرح سوبارو سؤاله مجددًا في ذلك الفراغ الذي اعتمل في ذهنه؛
وللمرة الثانية، راودته الفكرة ذاتها: «أليست هذه فرصة سانحة؟».
فـ أولبارت مقيد بأوامر يورنا والإمبراطور البديل، مما يمنعه من الإقدام على أي تصرف عدائي إضافي؛
وكان سوبارو يزن في عقله الكفة التي يميل إليها أولبارت؛ فبافتراض أنه أقرب لمعسكر الخصم، فإن التحرك في هذا التوقيت بالذات هو خيارهم الوحيد، إذ لن تسنح لهم فرصة مثل التي بين أيديهم الآن مرة أخرى.
الجميع: [――――]
ومضت الثواني ببطء وتثاقل.
وفوق هذا الموقف المحموم، كان موعد قرع «جرس وقت النار» —الذي حددته يورنا— يقترب شيئًا فشيئًا؛
والوقت في غاية النفاسة، ――فكلما أهدر منه ثانية، انفرطت حبات حياته أكثر.
وفي صمت مطبق، ارتجفت أصابع تاريتا وهي تشد قبضتها على قوسها، بينما حبس آل وميديوم أنفاسهما؛ وحتى لويس —بأعجوبة ما— لم تكن تطلق سوى زمجرة خافتة، وكأنها استشعرت بغريزتها الخطر الداهم الذي ينضح به أولبارت.
ولعلهم جميعًا ترددوا وعجزوا عن المبادرة بأي حركة؛ وإن كان ثمة من يملك زمام المبادرة الآن، فلن يكون سوى――
سوبارو: [――يا آبل.]
آبل: [――――]
نادى سوبارو باسم آبل بصوت هادئ وخفيض؛
وكان جليًا أن وعي آبل وتركيزه قد تحولا نحوه من خلف «قناع الأوني» فور سماعه؛ ورغم تعذر رؤية عينيه لحجب القناع لهما، إلا أن انتباهه بات مسلطًا على سوبارو بالكامل.
ولم يكن بالإمكان استشفاف ما يعتمل في صدره، ――غير أن سوبارو استطاع التكهن بمقصده وموافقته الضمنية، إذ شعر بها بوضوح.
سوبارو: [هذا الرجل هو الإمبراطور الحق، فينسنت فولاكيا.]
أولبارت: […هااه؟]
وردًا على نظرة آبل، أطلق سوبارو ذلك الإعلان الحاسم، مما دفع أولبارت لرفع حاجبيه دهشة؛
واتسعت عيناه المتواريتان خلف حاجبيه الكثيفين الطويلين، وامتزجت ملامح العجوز بالريبة والشك إزاء كلام سوبارو. وكان ذلك رد فعل طبيعي ومتوقع، غير أنه بعيد كل البعد عما يبتغيه سوبارو؛
ولانتزاع رد الفعل المنشود، كان عليهم الذهاب إلى أبعد من ذلك:
سوبارو: [كنتَ تسأل عن هوية ذلك الفتى مجهول الملامح، وعن سبب وجودنا هنا؛ وعن دافعنا للمجيء ولقاء يورنا… والجواب ببساطة هو…]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، هذه ليست دعابة لطيفة على الإطلاق، أليس كذلك؟]
سوبارو: [لم أقصد المزاح إطلاقًا. ――يا آبل.]
ولبرهة خاطفة، ألجمت الدهشة لسان أولبارت، واختلطت نبرته بنفحة واضحة من المفاجأة؛
ولاحظ سوبارو ذلك بوضوح تام، فنادى آبل القابع في صدر الغرفة. وفي هذا المنعطف من اللعبة، لم يحاول آبل تفنيد كلمات سوبارو أو لجم أفعاله؛
بل دون أي جلبة، امتدت أصابعه الرشيقة نحو وجهه. وعندها――
أولبارت: [――يا له من أمر جلل ومهول.]
انكشفت الملامح المحتجبة أمام عيني أولبارت، لتفلت منه نبرة تنضح بالذهول والاستنكار؛ إذ كان من يرمق أولبارت بنظرة صارمة ثابتة وملامح مشدودة، صاحب ملامح فائقة الوسامة والجمال بشعر داكن―― ليس سوى الإمبراطور الحقيقي، فينسنت فولاكيا.
أولبارت: [جلالتكم؟ لكن هذا غريب ومريب للغاية، أليس كذلك؟ إذن، مع من أتيتُ أنـ――]
آبل: [أعمل حنكتك وخبرتك العتيقة يا أولبارت دونكيلكن؛ فأنت تملك الإجابات بالفعل، وما بقي سوى أن تستحضرها.]
أولبارت: [تحمل وجه جلالتكم، وتنطق بكلام لا يصدر إلا عن جلالتكم… آه، أهكذا الأمر إذن.]
ورغم مباغتته في الوهلة الأولى، إلا أن الشينوبي العجوز سرعان ما استعاد رباطة جأشه المعهودة؛
وبعد أن كشف آبل عن وجهه، خاطبه بأمر إمبراطوري صارم، وامتثالًا لكلماته، بدا أن أولبارت قد استجمع خيوط الموقف استنادًا إلى ما لديه من معطيات، وخلص إلى الحقيقة؛
وضع أولبارت يده على ذقنه وتمتم:
أولبارت: [إذن، ذلك الشخص هو تشيشا… لقد أحكم قبضته على كل شيء… غير أن ثمة أمرًا آخر يشغل بالي: فليس من شيم جلالتكم أن تدع أمرًا كهذا يقع لك، أليس كذلك؟]
آبل: [أتظن أن عينيك قادرتان على سبر أغوار عقلي؟]
أولبارت: [أوه، أمر مرعب حقًا، مرعب للغاية.]
وملوّحًا بكلتا يديه في الهواء، أطلق صوتًا جافًا وساخرًا تعقيبًا على جواب آبل.
وفي واقع الأمر، وكما أشار أولبارت، كان موقف آبل حرجًا ومتزعزعًا بلا شك، غير أن رباطة جأشه الطاغية واعتداده بنفسه لم يُظهرا أي أثر لذلك الضعف.
ولكن مع تبدل تعابير وجه أولبارت، تراخى التوتر عن عاتق سوبارو هو الآخر؛
فقد أدرك أولبارت حقيقة الموقف:
أن آبل قد أُطيح به من عرش الإمبراطورية، وأن فينسنت —الرجل الذي يرافقه أولبارت— ليس سوى إمبراطور مزيف.
أولبارت: [باتت أمور كثيرة كانت تحيرني جلية الآن؛ فقد كنتُ أتساءل لمَ جئتَ فجأة لزيارة الفتاة الثعلبة بنفسك.]
سوبارو: [كل ذلك… كان بغرض كبح تحركاتنا وشل أيدينا.]
أولبارت: [هاهاا، في الحقيقة يصعب على العجائز مجاراة أفكاركم أنتم معشر الأذكياء؛ شاب، وذكي، ووسيم… أرى أن هذا طمع وجشع مفرط! ألا ترى ذلك أنت أيضًا؟ ألا تظن هذا؟ بما أنك صغير السن للغاية أنت الآخر… أوه، نسيتُ أن هذا بفضل صنيعي أنا! كاكاكاكا!]
وقهقه أولبارت بضحكته المدوية محاولًا انتزاع ضحكة منهم بما تفوه به، رغم أن الموقف لم يكن مضحكًا على الإطلاق.
تشنجت وجنتا سوبارو أمام هذا المشهد، وأطلق تنهيدة زفير طويلة، ثم رمق تاريتا فجأة؛
فقد كانت «محاربة شودراك» لا تزال ترصده بعينين حذرتين، وقوسها مشدود ومصوب نحو أولبارت؛ وحاول سوبارو حثها على خفض سلاحها وإنهاء حالة الاستنفار لتهدئة الموقف:
سوبارو: [تاريتا-سان، يسعكِ خفض قوسكِ الآن؛ فـ أولبارت-سان…]
أولبارت: [إيه؟ كلا، لستِ مضطرة لخفضه أبدًا، أليس كذلك؟ أرى أنه يستحيل على تلك الفتاة أن ترخي دفاعاتها أمام شخص لم تتأكد بعد من أنه ليس عدوًا لها.]
سوبارو: [إيه؟]
كان أولبارت نفسه —وهو الهدف الذي يصوب نحوه سهم تاريتا— هو من كبح مسعى سوبارو لتهدئتها وخفض حذرها والتحدث معه.
إذ تعامل العجوز مع حذر تاريتا وتوجسها كأمر بديهي وطبيعي تمامًا، وفوق ذلك لم يبذل أي جهد لتبديد تلك «البديهية» التي استعصت على فهم سوبارو. ――وبعبارة أخرى، فإن الخطر المنبعث منه لم يتبدد ولم ينقص قيد أنملة.
غير أن الأمر بدا عندئذ وكأنه――
سوبارو: [فلنتحدث في هذا الأمر بروية…]
أولبارت: [ألم تسمع ما قلتُه لك؟ أخبرتكم أنني سأتخذ قراري بعد أن أستمع إلى ما لديكم؛ وها قد حسمتُ أمري بالفعل.]
سوبارو: [――――]
غص حلق سوبارو وعجز عن النطق، وأمام ذلك لم يتبدل مسلك أولبارت قيد شعرة؛
ولم يُسمع سوى صوت طقطقة هادئة بلسان آبل، ثم قال:
آبل: [كانت هذه إحدى الأوراق التي لم أكن أعلم أي كفة سترجح بها، لكن يبدو أن هذا هو خيارك وقرارك النهائي إذن.]
أولبارت: [هذا لا يشبه عهدنا بك يا جلالتكم؛ كلا، بل الكارثة تكمن في نفاد كل أوراقك حقًا… وفوق ذلك، خانك الحظ في السحب هذه المرة. أتعلم؟ لطالما راودتني رغبة عارمة في تجربة هذا الأمر.]
آبل: [هووه، وما عساه يكون؟]
حسم أولبارت أمره وخياره، وضحك زعيم الشينوبي في وجه الإمبراطور المخلوع؛
ضحكة تليق تمامًا برجل يحمل لقب «العجوز الخبيث»:
أولبارت: [بما أنني عجوز لم يتبقَ لي في هذه الدنيا الكثير لأعيشه، فقد تمنيتُ من أعماق قلبي أن أخوض تجربة قتل الإمبراطور، لأحظى بميتة مهيبة ومجيدة!]
الجميع: [――هڪ!]
وفي اللحظة التي نُطقت فيها تلك الرغبة الخبيثة والمشؤومة، تفجرت الحركة في أرجاء ذلك المكان المشحون بأقصى درجات التوتر؛
وفي تلك اللحظة بالذات، اندفعت تاريتا وآل وميديوم معًا لإحباط مراد أولبارت، ضاربين عرض الحائط بقاعدة «حظر القتال» المفروضة على كل منهم.
غير أن――
أولبارت: [بالأمس عجزتُ عن إدراك الحيلة التي كنتَ تستعملها أيها الأقطع؛ غير أنها كفت عن العمل منذ أن صرتَ صغير الحجم، أليس كذلك؟]
آل: [كا… هڪ!]
أولبارت: [فلا يسعك استعمال مهارات اكتسبتها في سن متقدمة وأنت في جسد صبي صغير!]
وفور أن لفظ تلك الكلمات، لوى أولبارت عنقه ولوّح بيديه؛
فتطايرت الدماء من أطراف أصابعه، وتكشفت فاجعة مروعة أمام ناظري سوبارو اللذين اتسعا إلى أقصى حد؛
فـ ميديوم وآل اللذان اقتحما المسافة محاولين إخضاع أولبارت، تمزقت أعناقهما وغارت فيها جراح عميقة تفجرت منها شلالات من الدماء؛ وتناثر الدم في أرجاء الغرفة كنافورة هادرة، حتى تساءل المرء في ذهول: كيف يمكن لجسد طفل صغير أن يحوي كل هذا السيل الجارف من الدماء؟!
آل: [تشه، آاه… هڪ!]
أولبارت: [بالنظر إلى هذا، يبدو أنك عاجز عن استعمال آخر بصيص أمل لديك؛ ومع ذلك، انتهى بي المطاف بالإجهاز عليك قبل أن أعرف سر حيلتك وكيف تعمل؛ أهكذا كان الأمر إذن؟ لقد أفسدتُ الأمر، لقد زللتُ حقًا.]
وجثا آل في موضعه متشبثًا بجرحه الذي تتدفق منه الدماء بغزارة؛ وشخصت عينا ميديوم وهوت إلى الخلف جثة هامدة بلا حراك.
وكان جليًا أن ما أصابهما جرح غائر مميت يستحيل النجاة منه والتعافي منه.
أما تاريتا، الوحيدة التي كانت متأهبة لمجابهة أولبارت وجهًا لوجه――
سوبارو: [――آه.]
وكان سوبارو يتساءل في نفسه لمَ لم ينطلق سهمها من القوس بعد؛
غير أن ريبته من تخلف الهجوم المفترض دفعت سوبارو إلى توجيه بصره شطرها.
فإذا بـ تاريتا مسمرة إلى الجدار؛
فجسد تاريتا النحيل الفارع —بالنسبة لامرأة— كان مسندًا إلى الحائط وقد شُلّت حركتها تمامًا؛ وكان سبب تسميرها وشل حركتها سلاحًا مقذوفًا برز من منتصف صدرها―― نجمة «الشوريكين». [2]
وكأن الأمر مزحة سمجة؛ إذ اخترق ذلك السلاح النجمي صدر تاريتا لينفذ من ظهرها مسمرًا إياها في الجدار؛ وقد تمزق قلبها، فكان جليًا أنها فارقت الحياة على الفور.
آبل: [――رغم التنبيه عليك بألا تتدخل، عجزتَ عن كبح جماح نفسك.]
وفجأة، تردد صدى صوت رجل في أرجاء تلك الغرفة الغارقة في الموت؛
صوت انبعث من آبل، الواقف في غرفة تكدست بالجثث بسرعة مروعة؛ وبعد أن غادر مقعده، صوب الرجل نظرة ثاقبة نحو الأسفل شطر أولبارت، صانع كل هذا الهلاك.
وتحت وطأة تلك النظرة الصارمة، مسح أولبارت الدم المتناثر على خده بإصبعه:
أولبارت: [أجل؛ أود إطلاق ألعاب نارية هائلة وصاخبة قبل أن ألقى حتفي؛ وسأبلغ قمة الرضا إن اغتلتُ أعظم إمبراطور على مر العصور، ثم أُعدمتُ جزاء ذلك.]
آبل: [عجزتُ عن توقع نزعتك التدميرية؛ كان ذلك تقصيرًا وسهوًا مني.]
أولبارت: [كاكاكاكا! كلا، كلا، كلا؛ فلو فُضحت أمنياتي وخفايا شيخوختي، لمِتُّ خجلًا وعجزتُ عن مواصلة العيش بعدها!]
سكن آل عن الحراك، وتوقف نبض ميديوم وتاريتا وانقطع أنفاسهما؛
وفي ظل هذه المأساة، بدا ذلك الحوار بين الإمبراطور وتابعه في عيني سوبارو كأنه مشهد من عالم آخر؛ غير أنه لم يكن من عالم آخر، بل واقع ملموس، واقع ساحق لا ريب فيه.
وكان هذا هو الواقع المظلم الذي آل إليه سوبارو، بعد أن أخطأ في اتخاذ قراره واختياره.
أولبارت: [فور أن أفرغ من أمر جلالتكم، سأعود أدراجي إلى تشيشا؛ وأنا على يقين من أنه سيتدبر أمر إعدامي وموتي على أكمل وجه.]
سوبارو: [أنـا… هڪ.]
أولبارت: [إيه؟ أوه، ما زلتَ واقفًا هناك إذن.]
استدار أولبارت نحو سوبارو —الذي نطق بعد فوات الأوان— وقد خيمت على الأجواء حتمية النهاية المحتومة؛
ولوّى العجوز عنقه بفرقعة مباغتة ليشل حركة سوبارو المتصلب رعبًا؛ ثم أشار بإصبعه شطر الصرعى، آل، وميديوم، وتاريتا على التوالي:
أولبارت: [هكذا انتهى أمرهم؛ حاول هؤلاء قتلي، فبادرتهم بالقتل، غير أنه لا يوجد مسوغ حقيقي لموتك أنت، أليس كذلك؟ فلا نية لديّ لأصير طريدًا هاربًا، ولذا لا موجب لإسكاتك والتخلص منك أنت أيضًا.]
سوبارو: [تـ… تبًا، آاه…]
أولبارت: [أوه، يبدو أنني استرسلتُ في الحديث وأكثرتُ من الثرثرة مجددًا؛ فمن الجلي أن في جعبتك ما تود قوله، فانطق به؛ غير أنني عجوز لم يتبقَ لي من العمر إلا القليل، لذا لا طاقة لي بالانتظار طويلًا، أتدري ذلك؟]
وفيما واصل أولبارت حديثه بتمهل وبرود على سجيته، ابيضّت أفكار سوبارو وتلاشت―― كلا، بل صُبغت أفكاره بحمرة قانية؛ وسواء كان ذلك من فيض الغضب أم بلون الدماء التي أراقها آل ورفاقه، عجز سوبارو نفسه عن التمييز.
ومع ذلك، ومهما يكن، وعلى أية حال، يستحيل، هاهنا――
آبل: [――أيها الأحمق.]
وهكذا، انطلقت تلك الكلمة المشحونة بالازدراء والتقريع من فم آبل؛
وفي هذه اللحظة، لا بد أن نظراته تخترق مؤخرة رأس سوبارو؛ ومستشعرًا وطأة تلك النظرة الحادة، أدرك سوبارو بمرارة مدى صحة كلمته؛
فلم يعد ثمة طائل من الذود عن آبل أو الوقوف إلى جانبه بعد الآن وسط هذه الفاجعة؛
فلو أنه أقدم على التحرك بهذا النحو قبل أن يسقط آل وميديوم وتاريتا صرعى، لربما كان بالإمكان تبديل مجرى الأمور――
لويس: [أوو…!]
أولبارت: [مهلًا مهلًا، أتتدرع حتى بطفلة صغيرة لا ناقة لها ولا جمل فيما بيننا؟ لا ريب أن نهج جلالتكم في تصريف الأمور كان ممقوتًا من النساء والأطفال الصغار بلا شك.]
وأمام أولبارت —الذي وضع يده على جبهته— وقفت لويس؛ ――كلا، لم تكن لويس تقف في مواجهة أولبارت مباشرة، بل وقفت أمام سوبارو.
فقد كان سوبارو يحمي آبل، ولويس تحمي سوبارو، ليصطف ثلاثتهم على خط مستقيم واحد؛
فكان ذلك مجرد هيئة عبثية وسخيفة لدرع بشري.
أولبارت: [كنتُ أحسب أن جلالتكم سيلقى حتفه وحيدًا.]
آبل: [――لا تسير كل الأمور وفق حسابات المرء وتدبيره دائمًا.]
أولبارت: [كاكاكاكا!]
وقوبل عجز آبل عن كتم حديثه وكبريائه في هذه اللحظة بابتسامة ساخرة وقهقهة مدوية من أولبارت؛
وفي عيني الشينوبي العجوز، لم يكن لوجود سوبارو ولا لويس أي وزن أو اعتبار، غير أنه لم يكن بالرجل الرحيم الذي يتغاضى عمن يقف أمامه بعداء واستفزاز.
وهكذا――
سوبارو: [――لن أسامحك أبدًا.]
وتفجرت الدماء من جسد ناتسوكي سوبارو الصغير ليرتمي غارقًا في بركة باردة من دمائه، وقد انطبع في وجدانه وجه الشينوبي وهو يقهقه بخبث جامح سعيًا لإشباع طموحه ونزعته التدميرية.
وهكذا――
△▼△▼△▼△
تدفقت الدماء وانبثق إحساس بحرارة لافحة من جرحه؛
غير أن تلك الحرارة التي تدفقت بلا انقطاع، سلبت جسده حرارته وحيويته في طرفة عين.
وما انبثق منه سرعان ما ابتلعه، وأغرقه، وحجبه عن الوجود، وبعد أن هوى إلى قاع سحيق كأعماق المحيط، كان على وشك، كان على وشك أن――
سوبارو: [――――]
وفي لحظة خاطفة، سرت الدماء المفقودة في عروق سوبارو من جديد، مسببة دويًا صاخبًا وطنينًا في أذنيه.
وترافق مع هذا الإحساس شحذ حاسة سمعه إلى أقصى حد، لتتردد جلجلة تدفق الدماء في جسده داخل المكان الساكن؛ وتحت وطأة تلك الصدمة التي هزت كامل بدنه، أطلق سوبارو زفيرًا متقطعًا ولاهثًا.
وأطبق على نواجذه بعنف، بينما كانت رؤيته تتأرجح وتومض جراء ألم بعيد وإحساس ساحق بالفقدان والضياع؛
وتمنى من كل قلبه أن يتبين النقطة التي عاد إليها――
؟؟؟: [أخذتُ راحتي وأعددتُ الشاي لنفسي، فهل يرغب أحدكم في فنجان؟]
وبعد لحظة وجيزة، أعلن ذلك الصوت الخبيث الذي لا يُنسى افتتاحية معركة جديدة لـ ناتسوكي سوبارو.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] انزلق سوبارو هنا لبرهة خاطفة إلى أسلوب حديث شخصيته التنكرية (ناتسومي شوارتز).
[2] «الشوريكين» (Shuriken): سلاح قذف خفي في الثقافة اليابانية وفنون الشينوبي/النينجا، كان يُستعمل كخناجر رمي أو أداة للإلهاء وتشتيت الانتباه، ويُعد سلاحًا تكميليًا مساندًا.