الفصل 401 - ناتشوكي سوباوو
الفصل الأربعون
«ناتشوكي سوباوو»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
سوبارو: [――――]
تجمد حلق سوبارو وهو يحدق في وجهه المنعكس في المرآة؛
وجه يعرفه حق المعرفة، غير أنه يعجز عن القول إنه معتاد على رؤيته؛ ――وهو أمر لا عجب فيه، فالوجه المنعكس في المرآة لم يكن سوى أثر من الماضي، مجرد ذكرى باهتة لا أكثر.
――إذ إن ما انعكس هناك كان وجه ناتسوكي سوبارو الصغير.
سوبارو: [ما… هذا…؟]
ارتجفت اليد الممسكة بالمرآة، واهتز وجه الصبي الشاحب اهتزازات طفيفة متلاحقة.
ومدّ يده الأخرى —التي لا تحمل المرآة— نحو وجهه كأنه يتلمسه ليتأكد، فبرزت في المرآة أصابع أصغر بكثير من تلك العالقة في ذاكرته، أصابع تناسب تمامًا ذلك الوجه الصغير.
وبالنظر إلى تقاسيم الوجه وقامته، كان ذلك ناتسوكي سوبارو في سن العاشرة تقريبًا.
كان سوبارو صبيًا شقيًا يفوق طوله المتوسط قليلًا، ولم يبلغ متوسط طول اليابانيين إلا بعد أن اكتمل نمو أطرافه؛ ومن المؤكد أنه كان مجرد فتى ضئيل الحجم في ذلك الوقت، أيام دراسته الابتدائية.
وإن تذكر نظرته للأمور حينها، فقد كان يتمنى أن يكبر ويغدو بالغًا بأسرع ما يمكن――
سوبارو: [ما هذا ماذا بحقك―― هڪ!؟]
وفي المرآة، بدت شفتاه وعيناه ترتعدان، ولم يكن ذلك لمجرد ارتجاف يديه فحسب؛
بل كان أيضًا دلالة قاطعة على أن روحه ترفض تمامًا هذا المشهد الشاذ المنعكس أمام عينيه.
لقد كان منظرًا يستحق بحق أن يُوصف بـ «الكابوس».
ولو كان الأمر مجرد «استعادة للشباب»، لكان ثمة كثيرون يحلمون بأمر كهذا؛ غير أنه لسوء الحظ، وبصفة سوبارو فتى في ريعان مراهقته، لم يكن له أدنى صلة بمثل هذه الرغبات.
وحتى لو كانت تلك أمنية غالية لديه، لكان على الأرجح سيشترط اختيار الوقت والمكان المناسبين لحدوثها؛
إلى هذا الحد كان هذا الموقف الطارئ سخيفًا ومثيرًا للذهول.
سوبارو: [لا… لا يمكنني البقاء هكذا… هڪ.]
وبعد لحظات طويلة من الصدمة، استعاد سوبارو وعيه واندفع مسرعًا نحو باب غرفته.
فمستحيل أن توفر غرف النزل ميزة سحرية مثل «استعادة الشباب»؛ وكان من البديهي الاعتقاد بأن هذا هجوم غادر من عدو ما.
وكان عليه الإسراع ومشاركة ما حدث مع رفاقه المقيمين في النزل نفسه، لتدبير خطة لتجاوز هذه المعضلة――
سوبارو: [يا رفاق، نحن في ورطة حقيقية! قد تفاجئكم مباغتة هذا الأمر…]
؟؟؟: [أوه، كنتُ أعلم ذلك! سوبارو-تشين صار صغير الحجم هو أيضًا!]
سوبارو: [إيه؟]
ففي اللحظة التي أدار فيها مقبض الباب —الذي بدا أعلى مكانًا وأثقل وزنًا من المعتاد— وفتحه بقوة، استقبله مشهد غير متوقع؛ ――كلا، بل مشهد كان يجدر به توقعه تمامًا.
فخارج غرفة نومه، وفي غرفة الجلوس حيث تجمع رفاقه، استقبلت سوبارو فتاة بملامح حسناء وابتسامة مبهجة وهي تلوح بيدها.
عيناها الزرقاوان الصافيتان وشعرها الذهبي بضفائره المميزة؛ ――ذلك الإشراق والوضوح الذي لا لبس فيه مكّن سوبارو من ربط صورة هذه الفتاة بالمرأة العالقة في ذاكرته على الفور.
سوبارو: [مـ-ميديوم-سان…؟]
ميديوم: [صحيح تمامًا~! حين استيقظتُ، فوجئتُ جدًا برؤية كم صرتُ ضئيلة الحجم! لكنني ارتحتُ حين رأيتُ أن سوبارو-تشين صار ضئيلًا هو الآخر؛ صرنا رفيقين، رفيقين!]
والتي تفوهت بهذه الكلمات وهي تلوح بيديها في الهواء فرحًا، كانت فتاة في نحو الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، تلف قطعة قماش رقيقة حول جسدها العاري؛ ――وهي التي أعلنت عن نفسها بأنها ميديوم أوكونيل.
ورغم أنها كانت فارعة الطول بالنسبة لامرأة بالغة، إلا أن إصابتها بذات الظاهرة التي حلت بـ سوبارو جعلت قامتها تتقلص بدرجة ملحوظة؛ ومع ذلك، ظلت أطول بنصف رأس من سوبارو المنكمش.
وعلى أية حال――
سوبارو: [ليس هذا موقفًا يدعو للابتهاج بمجرد أنكِ وجدتِ رفيقًا يشارككِ الورطة… واااه!؟]
؟؟؟: [أووك!]
وبينما كان سوبارو يحاول استيعاب صدمته الأولى، طار جسده إثر ضربة مباغتة في خاصرته، ليرتمي على ظهره ويثبت شخص ما ثقله فوق صدره.
وتحت وطأة هذا الضغط المباغت، أطلق سوبارو دون وعي صرخة مخنوقة كصوت ضفدع سُحق تمامًا.
ميديوم: [آاه! يا لويس-تشان، لا يمكنكِ فعل هذا! لأن سوبارو-تشين صار ضئيلًا للغاية!]
لويس: [آا، أوو!]
ميديوم: [كياا! لا أقوى على حمل لويس-تشان لأنني صرتُ صغيرة جدًا~!]
حاولت ميديوم باستماتة إبعاد ذلك الوحش الشرس الذي كان يتخبط فوق صدر سوبارو؛ غير أن ذراعيها الصغيرتين المنكمشتين لم تقويا على كبح جماح هذا الكائن الشرير والمستبد.
وهكذا، كان ناتسوكي سوبارو الصغير على وشك أن يُسحق تمامًا دون أن يملك حيلة لدفع ذلك――
؟؟؟: [توقفي يا لويس! سوبارو سيُسحق تحتكِ!]
لويس: [آاهڪ.]
ومع صوت تأنيب حازم، رُفع ذلك الوحش الثقيل عن صدره؛ وحين نظر سوبارو إلى لويس —التي ابتعدت عنه وهو ممدد على ظهره— وجد ملامح الحزن ترتسم على وجهها لسبب ما.
وكانت تاريتا هي من وضعت يديها تحت إبطي لويس ورفعتها؛ ولم يختلف مظهرها المعتاد، بشعرها الأسود المصبوغ بالأزرق، عما عهده سوبارو تمامًا.
ميديوم: [هااه~، شكرًا لكِ يا تاريتا-تشان! لم تكن لدي القوة الكافية لحملها~.]
تاريتا: [كـ-كلا، لم أفعل شيئًا يُذكر… يا سوبارو، هل أنت بخير؟]
سوبارو: [أجل، أنقذتِ حياتي… أنا سعيد حقًا لأنكِ لم تتغيري يا تاريتا-سان؛ و…]
أمسك باليد التي مدتها له ميديوم لينهض، ثم نظر نحو صدر الغرفة؛
وهناك، جالسًا فوق الأريكة يراقب بصمت مطبق تلك الفوضى التي حدثت للتو، كان الرجل ذو الشعر الداكن المغطى وجهه بـ «قناع الأوني»―― آبل.
شعر سوبارو بالراحة لرؤيته دون أي تغيير، غير أنه عتب عليه في سره لعدم محاولته المساعدة إطلاقًا.
سوبارو: [لم يصب آبل أي مكروه إذن…]
فمظهره، بما في ذلك إخفاء وجهه، لم يطرأ عليه أي تغيير منذ الأمس؛
ولم يكن بوسعه في هذه اللحظة الجزم بما إذا كان ينبغي اعتبار ذلك نعمة أم نقمة.
ومع ذلك، ورغم تعذر رؤية ملامح وجه آبل، كان جليًا أنه لا يرحب بهذا الوضع إطلاقًا من هالة الاستياء الواضحة المنبعثة من وراء قناع الأوني؛
ودليلًا على انزعاجه واضطراب مزاجه، رمق سوبارو بنظرة باردة وقال:
آبل: [يا له من منظر مخزٍ.]
وبجملة واحدة مقتضبة، لخص موقفه المستخف والمتجاهل لما يجري.
سوبارو: […أرى أنني لطيف وجذاب للغاية في الواقع.]
وبعد أن تلقى ذلك التعليق الفج، كانت ردة فعل سوبارو العفوية هي الرد بتهكم؛ غير أن سوبارو نفسه كان يدرك تمامًا أن كلامه ليس سوى مجرد رد ساخر.
فهذا الوضع الشاذ الذي أصابه وأصاب ميديوم، والذي لم يمس آبل وتاريتا ولويس على ما يبدو――
سوبارو: [إن كان الأمر كذلك، فماذا عن الشخص الآخر…]
؟؟؟: [――أوه، يسرني أنك تذكرتني يا صاح؛ خشيتُ أن تسقطني من حساباتك تمامًا.]
سوبارو: [――هڪ!]
وفور أن تساءل سوبارو عن آخر رفاقه المقيمين في النزل، جاءه الجواب في التو؛
اتسعت عينا سوبارو وهو يستدير ليرى أمامه فتى ذا شعر داكن خرج لتوّه من غرفة النوم الأخرى؛ صبيًا في مثل عمر سوبارو تقريبًا، في العاشرة من عمره―― وكان مظهره الغريب يثير الدهشة ويلفت الأنظار بلا شك؛
فقد كان الصبي يلف قطعة قماش ممزقة حول وجهه بطريقة محكمة ليخفي ملامحه.
سوبارو: [أنتَ آل، أليس كذلك…؟ ما خطب هذا اللثام؟]
آل: […خوذتي لم تعد مناسبة لحجم رأسي يا صاح؛ ولم يخطر ببالي سوى لف قطعة قماش حول رأسي بدلًا منها. فلا تدقق في الأمر كثيرًا.]
سوبارو: [حتى لو طلبتَ مني ألا أدقق، فمن المستحيل ألا يشغل بالي…]
ثم لوح آل الصغير —المخفي وجهه— بيده اليمنى نحو سوبارو؛
ولأن المساحة المغطاة من رأسه كانت أقل مقارنة بالخوذة التي اعتاد ارتداءها، فقد برز شعره الأسود المربوط الذي كان يحتجب عن الأنظار عادةً. وذكّر ذلك سوبارو بالطريقة التي كان آبل يغطي بها وجهه بقطعة قماش قبل أن يرتدي «قناع الأوني»، غير أن طريقة لف آل للقماش كانت أكثر ارتخاءً؛
فبدا تمامًا كقاتل مأجور رخيص الهيئة في أحد الأفلام المبتذلة.
سوبارو: […أعلم أنك تعجز عن ارتداء خوذتك، لكن هل كان من الضروري أن تغطي وجهك؟]
آل: [أوه، كلامك هذا يفتقر إلى اللباقة ومراعاة المشاعر يا صاح؛ فأنا لا أرتدي الخوذة تأنقًا أو لمجرد نزوة، بل تعبيرًا عن عقدة نفسية. وحتى لو صرتُ الآن بمظهر طفل يحمل عقل شخص بالغ، فهذا لا يغير من واقع الأمر شيئًا. ――فذراعي المبتورة لم تنبت من جديد كما ترى، وهذا يعني أن الندوب على وجهي لم تختفِ هي الأخرى. والأمر سيان بالنسبة لك يا صاح، أليس كذلك؟]
سوبارو: [هذا…]
وبينما كان آل يقول ذلك، كشف عن ذراعه اليسرى―― التي لم يطرأ عليها أي تغيير؛ فما يزال الجزء العلوي منها مبتورًا ومقطوعًا، مما يؤكد صحة استنتاج آل وفهمه الدقيق للموقف الراهن.
فأولئك الثلاثة —سوبارو وآل وميديوم— قد تقلصت أعمارهم واستعادوا طفولتهم دون إرادة منهم؛ ولم يكن الأمر عودةً بالزمن إلى الوراء، بل كان تبدلًا وتحولًا طرأ على أجسادهم بوضوح.
سوبارو: [――――]
واستجابة لكلمات آل، رفع سوبارو بدوره قميصه الفضفاض، وتأكد من أن الندوب القديمة المنتشرة في أنحاء جسده لم تختفِ؛ فقد كان جسده الطفولي الصغير مغطى بشتى أنواع الندوب التي تجعل المرء يشيح بنظره عنها. ――فالسنوات التي قضاها في هذا العالم الموازي لم تتبدد هباءً.
ولم يخطر بباله أبدًا أن يأتي يوم يشعر فيه بالارتياح والاطمئنان لوجود تلك الندوب بالذات؛
ورغم ذلك، فقد علمته تلك الندوب حقيقة قاطعة: أن ما حدث لم يكن سوى مجرد تقلص وانكماش في أطرافه وأعضاء جسده.
غير أن――
آل: [مصير بائس كهذا بتقلص أطرافنا وأجسادنا لا يحدث اعتباطًا هكذا من فراغ يا صاح.]
ميديوم: [صحيـح~؛ همم، قد يعني هذا أنني لن أقوى على مساعدة أخي الأكبر في عمله وتجارته؛ فهو ضعيف للغاية، وهذه ورطة حقيقية!]
سوبارو: [لا شك أن هذه ضربة قاصمة لأعمال وتجارة الأخوين أوكونيل، لكن…]
وكان ذلك ينذر بمصاعب وعقبات في خططهما التجارية طويلة المدى بلا ريب، غير أن ثمة أكوامًا من المتاعب العاجلة على المدى القريب أيضًا.
ففي الوقت الراهن، كانت ورطة سوبارو تكمن في صغر بنيته المفاجئ، فلم تكن لديه أي ثياب تناسب حجمه الجديد؛ في حين لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لـ آل وميديوم اللذين وجدا ما يرتديانه.
سوبارو: [يا آل، ذكرتَ أن خوذتك لم تعد تناسبك، فماذا عن سلاحك؟]
آل: [أحسنتَ الملاحظة يا صاح؛ فذراعي الصغيرة اللطيفة هذه تعجز عن التلويح بسيف في الوقت الحالي.]
ميديوم: [قد يستعصي عليّ حمل كلا السيفين معًا؛ لكني أظنني قادرة على تدبر أمر سيف واحد… آاه!]
سوبارو: [احذري!]
استلت ميديوم أحد سيفيها التوأمين من غمده المعلق عند خاصرتها، غير أن المقبض أفلت من يدها وكاد نصل السيف أن يصيب ركبة سوبارو.
وبفارق شعرة، كاد طرف النصل يخدش سوبارو قبل أن ينغرس في الأرضية الخشبية، مما ألقى الرعب في قلبه.
ميديوم: [وااه، سوبارو-تشين، أعتذر منكِ بشدة…!]
سوبارو: [لـ-لم أُصب بأذى على أية حال… لكن الوضع سيئ للغاية بالفعل.]
ومع تنهيدة محبطة، انتزعت ميديوم السيف المغروس وأعادته بحذر إلى غمده.
فتلك الأسلحة التي كانت تلوح بها بخفة وبراعة بالأمس فقط باتت الآن غير قابلة للاستعمال إطلاقًا؛ وبالنسبة لـ ميديوم، التي كان يُعول عليها كمقاتلة أساسية، مثّل هذا الأمر أزمة زلزلت ثقتها بنفسها.
وكان الأمر ذاته ينطبق على آل، وإن لم يكن ذلك بالنظر إلى براعته القتالية.
سوبارو: [هذا يعني أن تاريتا-سان هي الوحيدة بيننا التي تملك قوة قتالية حقيقية في الوقت الراهن، أليس كذلك؟]
ميديوم: [إيه؟ سأبذل كل ما في وسعي حتى وإن صرتُ صغيرة، أتعلم ذلك؟! ]
سوبارو: [أقدر فيكِ هذا الحماس والروح العالية، لكنكِ لا تطابقين معايير وقوانين العمل يا فتاة…]
كانت معنويات ميديوم العالية وحيويتها أمرًا يبعث على الراحة، غير أن تقييم الموقف بعين الواقعية كان ضرورة لا بد منها؛
فمع عجز كل من آل وميديوم في حالتهما هذه، بقيت تاريتا وحدها القادرة على القتال كما ينبغي. ――وحتى مع الثقة في كفاءتها وقدراتها، فستكون مهمة شاقة وموحشة وهي وحيدة في قلب أراضي العدو.
تاريتا: [أنا وحدي فحسب…؟]
وفي الواقع، كان واضحًا أن تاريتا تستشعر وطأة هذا الضغط الثقيل؛
والسبب في ذلك هو أن المهام التي كان يفترض تقاسمها بين الجميع لم تعد قابلة للتوزيع، وبات لزامًا عليها أن تحملها وحدها على عاتقها.
وشعر سوبارو بالذنب نحوها إزاء ذلك، غير أن――
سوبارو: [سيكون هذا عبئًا ثقيلًا لا شك؛ لكن ما خطوتنا التالية من الآن؟ يبدو أن أعينهم ترصدنا، فهل يجدر بنا الفرار من «كايوسفليم»؟]
آل: […إذن، أتظن أن صاحبة القلعة الفاتنة تلك هي من دبرت هذا يا صاح؟]
سوبارو: [نحن الثلاثة تحديدًا من طالهم هذا الأثر دون غيرنا.]
وعقب سؤال آل، أومأ سوبارو برأسه في هدوء.
وغني عن البيان أن قاسمًا مشتركًا وحيدًا كان يجمع بين سوبارو وآل وميديوم: فجميعهم توجهوا إلى «قلعة اللازورد القرمزي» كرسل في اليوم السابق؛ وبناءً على ذلك، كان من المنطقي تمامًا الاشتباه في ضلوع يورنا وتورطها في هذا التقلص الذي أصاب أجسادهم.
آبل: [يبدو أنك لم تفقد صوابك وجلدك بالقدر الذي توقعته.]
قاطعهم آبل، الذي كان يفكر بروية وهدوء في فحوى المحادثة التي دارت بين سوبارو وآل.
صحيح أن سوبارو كان في قمة اضطرابه وذهوله فور استيقاظه، غير أن مصادفته لـ آل وميديوم في الموقف ذاته خففت من حدة توتره بدرجة كبيرة؛
وبشكل ما، يصح القول إن وجود «رفقاء في الورطة» —كما أسمتهم ميديوم— كان له أثر مهدئ بالفعل.
ومع ذلك――
سوبارو: [لعل اللحظة المناسبة للذعر والهلع قد فاتتني فحسب؛ وربما حين أكتشف مزيدًا من المتاعب التي يسببها هذا الجسد، سأدرك حينها فداحة خسارتي لطولي ووزني المفقودين.]
آبل: [رغم انكماش جسدك، إلا أنك رجل لا يكف عن الثرثرة أبدًا.]
سوبارو: [سرعة التكيف والدهاء هما من ميزاتي القليلة التي أتباهى بها، ولهذا السبب تحديدًا!]
ورغم تزايد الازدراء نحوه بسبب ثرثرته المتواصلة، إلا أن سوبارو واصل الرد دون مبالاة؛ وكما كان متوقعًا، ازدادت نظرات آبل من خلف «قناع الأوني» حدة، وتمتم بنفاد صبر واضح: «أنت تكثر الكلام».
غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل تابع حديثه:
آبل: [يمكنك إسقاط شكوكك تجاه يورنا ميشيغوري؛ فالتحول الذي أصابكم يختلف تمامًا عن المبدأ الذي تستند إليه تقنيات ذلك الكائن.]
سوبارو: [أأنت متأكد من ذلك…؟]
آبل: [هذا ما أرجحه وفق تقديري؛ ويعود إليك أمر تصديق ذلك من عدمه.]
نفى آبل بصورة قاطعة ومباشرة الشكوك التي راودت سوبارو قبل لحظات؛
غير أن أسس هذا النفي بدت مستندة إلى تقدير آبل وحده دون غيره؛ ولَوَى سوبارو فمه بإحباط بعدما قيل له إنه حر في تصديق الأمر أو تكذيبه.
ومع ذلك، لم يستغرق وقتًا طويلًا في التفكير والتردد:
سوبارو: [――فهمتُ؛ لكن إن لم تكن يورنا، فمن الفاعل إذن؟]
آبل: [لعل أولبارت دونكيلكن هو من تسبب في ذلك.]
سوبارو: [أولبارت… ذلك العجوز الذي التقيناه بالأمس؟! ]
ذكر آبل اسم مدبر هذه الورطة لـ سوبارو، الذي ابتلع استياءه واختار الثقة في حدسه وتخمينه؛
وما تفوه به آبل لم يكن سوى اسم رفيق الإمبراطور المزيف الذي صادفوه في «قلعة اللازورد القرمزي» في اليوم السابق؛ ذلك العجوز الضئيل القامة الذي يُعد واحدًا من «الجنرالات التسعة الساميين».
وبصفته من بين أعتى مقاتلي الإمبراطورية، وحاملًا للقب «جنرال الرتبة الأولى» ويحتل الرتبة الثالثة من القمة؛ كان من الطبيعي أن يتوقع سوبارو امتلاكه لقوة هائلة لا يُستهان بها، ولكن――
سوبارو: [لم أتوقع أبدًا أن يكون شخصًا غريب الأطوار إلى هذا الحد، قادرًا على تدبير مواقف سخيفة وغير منطقية كهذه…]
آبل: [لا أعلم المدى الحقيقي لقدراته، لكن لا يمكنك إنكار ما وقع… وثمة احتمالات أخرى غير أولبارت حين يتعلق الأمر بتبديل المظهر الخارجي للمرء وتزويره.]
سوبارو: […ولسوء الحظ، لا يبدو الأمر مجرد هلوسة أو وهم عابر.]
فقد جرب بالفعل قرص وجنتيه محاولًا الاستيقاظ مما بدا كابوسًا؛
واحتمال أن يكون السحر أو العقاقير قد تلاعبت بإدراكه وحواسه مسببة له الهلوسة كان منعدمًا تمامًا؛ فحقيقة أن ذراعيه وساقيه قصرتا بالفعل، وعجزه التام عن مقاومة وزن لويس وقوتها، كانت خير دليل ملموس على ذلك.
كما لا يمكن التغاضي عن الآثار المادية الواقعية على جسده، مثل اتساع ملابس سوبارو وعدم ملاءمة الخوذة لرأس آل.
ولعل آبل كان يرى استبعاد الوهم بدوره، إذ لم يبذل أي جهد للاعتراض على إصرار سوبارو بأن ما حدث هو أثر مادي وواقعي حقيقي.
سوبارو: [بادئ ذي بدء، من الجيد أننا لسنا مضطرين للفرار جارّين أذيال الخيبة… يا له من أمر مزعج ومربك؛ فحتى الإمبراطور آبل لا يعلم أسلوب قتال ذلك العجوز؟! من يكون ماذا بحقك؟]
آبل: [إنه زعيم جماعة تُدعى «الشينوبي»، وهم أسياد يتقنون فنونًا وتقنيات فريدة وغريبة.]
سوبارو: [شينوبي… أتقصد النينجا؟]
آبل: [――وما هذا؟]
تساءل آبل وهو يرفع حاجبيه مستنكرًا، بعدما أفلتت تلك الكلمة من لسان سوبارو دون قصد منه.
فعندما يسمع المرء كلمة «شينوبي»، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه تلقائيًا هو كلمة «النينجا»، إذ تحملان المعنى ذاته؛ غير أنه بدا واضحًا أن الكلمة الأخيرة كانت غريبة وجديدة تمامًا على مسامع آبل.
لكن بالنسبة لـ سوبارو، وتمامًا كما حدث حين علم أول مرة بـ «لهجة كاراراغي» و«العمارة على طراز وافو الياباني»، بدا له أن هذا الأمر جزء من معارف العالم الذي يعرفه، أو كأنه أثر طفيف متبقٍ منه.
سوبارو: [هؤلاء الشينوبي، هل يستعملون «النينجوتسو»، أم يتخفون تحت جنح الظلام للتجسس واغتيال الناس؟]
آبل: [لم أسمع بـ «النينجوتسو» قط، لكنك تدرك الوظيفة الأساسية للشينوبي… وذلك بحد ذاته أمر لا يفترض أن يصل إلى مسامع العامة بسهولة.]
سوبارو: [ثمة ما يشبههم في مسقط رأسي، ويطلق عليهم اسم النينجا؛ أليس كذلك يا آل؟]
آل: [همم؟ أجل، معك حق يا صاح؛ إنهم رباعي من السلاحف يتمتعون بروح دعابة استثنائية.]
ولعله شعر بالحنين ذاته الذي خامر سوبارو، غير أن إجابة آل حادت عن القصد قليلًا في نظر سوبارو؛ فقد كان يشير إلى شخصيات كرتونية شهيرة من زمن مضى، ورغم ذلك لم يكن سوبارو يكرههم. [1]
وعلى أية حال، حتى لو خاض في التفاصيل، فلن يستوعبها آبل؛ وبدا أن الأخير اعتبر الموضوع مجرد ثرثرة لا طائل من ورائها، فلم يكلف نفسه عناء الاستفسار عنها.
وبدلًا من ذلك، أطلقت ميديوم شهقة دهشة: «أوه!» واتسعت عيناها الواسعتان:
ميديوم: [إن كان ذلك العجوز من الأمس هو الفاعل، فلعلها تلك الضربة! أتعلمون، حين فررنا من القلعة…]
سوبارو: [حين فررنا…؟ آه.]
ميديوم: [حين تلقينا كلانا ضربة في الصدر!]
كان صراخ ميديوم مريبًا ويوحي بمعنى آخر، غير أن سوبارو أدرك ما تلمح إليه؛
فقد وقع ذلك بالأمس أثناء هروبهم من «قلعة اللازورد القرمزي»―― في خضم معركة حامية هددت حياتهم لتحقيق شروط يورنا القاسية.
إذ أفلت سوبارو ورفاقه من أشواك كافما —حارس الإمبراطور البديل— وحطموا جدار القلعة محاولين الفرار، ليتلقى كل منهم ضربة سريعة من أولبارت الذي طاردهم.
غير أن هجوم ذلك الجنرال السامي لم يُلحق أي ضرر مادي بجماعة سوبارو حينها.
――في تلك اللحظة بدا أنهم نجوا بسلام، لكن استحال أن تكون تلك الضربة خالية من العواقب.
سوبارو: [ومع ذلك، فمن الطبيعي ألا يتوقع أحد أمرًا كهذا…! أعني، هذا يفسر ما حدث لي ولـ ميديوم-سان، لكن ماذا عنك يا آل؟ لمَ انكمش جسدك أنت أيضًا؟]
آل: [معذرة منك يا صاح؛ فقد اشتبكتُ مع العجوز في عدة جولات قبل أن أقفز، ولن يكون غريبًا إن كان قد أصابني في غفلة مني. وظننتُ أنه طالما لم يقتلني الجرح، فالأمر لا يعدو كونه خدشًا بسيطًا.] [2]
وبنبرة خفيضة―― أو بأقصى ما يستطيع صبي لم يخشوشن صوته بعد إخراجه، ألقى آل باللائمة على نفسه وهو يتذمر من هفوته.
لكن لوم آل لنفسه لم يكن في محله؛ فقد أدى واجبه على أكمل وجه وفسح المجال لـ سوبارو وميديوم للنجاة في ذلك الموقف الحرج، والأمر عينه ينطبق على ميديوم.
لذا، كان يجدر بـ سوبارو أن يكون أكثر وعيًا وفطنة؛
فإن كان عاجزًا عن تقديم فائدة في القتال، فكان لزامًا عليه توقع كل الاحتمالات.
وكانت عاقبة تقصيره في ذلك هذا المظهر «المخزي»، تمامًا كما قال آبل.
سوبارو: [يستحيل أن أدع ريم تراني هكذا… وإن صرتُ في حجم بياكو، فستعاملني إميليا كطفل أصغر منها سنًا أكثر من أي وقت مضى!]
آل: [وحتى مع انكماش جسدي هكذا، لا أظن أن الأميرة ستعاملني بلطف ودلال كما تعامل شولت-تشان يا صاح؛ لذا بتُ أتساءل من المستفيد بحق من هذا التحول؟]
تاريتا: [يعتريني الذهول من هدوئكم جميعًا… فأنا لا أزال في حيرة وارتباك تام…]
باحت تاريتا بما يجول في صدرها بوجه شاحب، بينما كان سوبارو وآل يتجاذبان أطراف الحديث عن جسديهما المنكمشين.
ومع تخبط لويس بين ذراعيها، بدا ارتباك تاريتا وحيرتها جليين، لكونها القوة القتالية الوحيدة المتبقية؛ وكأنها تستشعر الذنب لنجاتها دون أن يمسها أي مكروه.
وبطبيعة الحال، كانت تاريتا هي الوحيدة السوية جسديًا ونفسيًا في خضم هذا المشهد.
سوبارو: [بصراحة، أشعر أنني سأشرع في الصراخ إن لم أتعامل مع الأمر بشيء من السخرية والمزاح.]
تاريتا: [أ-أحقًا ما تقول؟]
سوبارو: [أجل… فالأمر مثير للاشمئزاز إلى هذا الحد.]
فلم يكن هذا مجرد جسد فتى صغير؛
بل كان جسده هو وقد أُعيدت صياغته وتشوهت معالمه رُغمًا عنه؛ وإن انهيار تعريف المرء لذاته لهو أمر يبعث على الغثيان حقًا.
سوبارو: [――――]
وكان سوبارو يشعر بشيء من الفخر والاعتزاز بنفسه لخوضه تجارب شتى ومحنًا قاسية في هذا العالم الموازي حتى اللحظة.
ورغم أن تجربة الموت كانت الأقسى والأعنف على الإطلاق، إلا أنه يمكن القول باطمئنان إن التجارب العاصفة التي خاضها طوال عام ونصف مضت كانت تفوق تجارب أي إنسان عادي ألوانًا وطعمًا وكثافة بمراحل.
ومقارنة بكل تلك التجارب مجتمعة، برز ذلك الاشمئزاز العارم الذي يعجز اللسان عن وصفه جراء إحساسه بإعادة تشكيل جسده وتبديله قسرًا.
سوبارو: [أهذا هو الشعور إذن… شعور من وقعوا ضحايا لـ «سلطة الشهوة»…]
وتردد صوت طنين الأجنحة في ذهن سوبارو وهو يضم كتفيه الصغيرتين النحيلتين ويصر على أسنانه؛
كان ذلك صوت أجنحة أولئك الذين سقطوا ضحايا لـ «سلطة مطران خطيئة الشهوة» في «مدينة السدود المائية»―― ذكرى الضحايا الذين مُسخت أجسادهم إلى ذباب، وما زالوا يقبعون هناك في انتظار من يخلصهم وينقذهم.
إن مأساة أولئك البشر الذين حُوِّلوا إلى كائنات أخرى كانت تفوق بمراحل فهم سوبارو المتواضع لمعاناتهم؛
والفعل الذي ولد في نفسه هذا الإحساس بالذات لم يكن سوى――
آبل: [――عمل خبيث، هكذا أصفه.]
عاقدًا ذراعيه، قرأ آبل بدقة ما يدور في أعماق سوبارو، مما حبس أنفاس الأخير في صدره لبرهة.
وملتقيًا بنظرات سوبارو المضطربة بنظرة ثابتة من عينيه، تابع:
آبل: [لقب أولبارت هو «العجوز الخبيث»… وتماشيًا مع لقبه، فإنه يوظف فنون الشينوبي لتنفيذ شتى أنواع المهام الخاصة، الخبيثة منها وغيرها.]
آل: [مهمات خاصة إذن؟ وهل يتلقى طلبات سخيفة من قبيل «اذهب وحوّل الهدف إلى طفل رضيع» يا صاح؟]
آبل: [أي توجيهات بلهاء هذه؟ ――لكن بالنظر إلى هذا المشهد الكارثي، يبدو أن أمرًا كهذا ليس بالمستحيل عليه.]
آل: [――――]
غير أن رد آبل على آل حوى ثقلًا وجدية لا يمكن تجاوزها بالمزاح؛
ففي واقع الأمر، وطالما أن سوبارو وآل وميديوم قد أُعيدوا إلى هذه السن الصغيرة، فقد بات من المستحيل حتى التكهن بمدى قدرات تقنيات أولبارت وحدود قوتها.
وانطلاقًا من هذا الإدراك لموقفهم، كان أكثر ما يقلقهم ويثير جزعهم في هذه اللحظة هو――
سوبارو: [يمكن إبطال هذا التأثير والعودة لطبيعتنا، أليس كذلك…؟]
آبل: [لا أستطيع الجزم بيقين، غير أنني أرى من المنطقي افتراض وجود وسيلة لإعادتكم إلى حالتكم السابقة.]
سوبارو: [مـ-ما الذي يدفعك لقول ذلك؟]
آبل: [الدافع الوحيد لدس السم لشخص ما دون قتله في الحال، هو الرغبة في التفاوض معه.]
ولدى سماع تخمين آبل وحجته المنطقية، اقتنع سوبارو دون حاجة لمزيد من الجدال؛
فهذه الظاهرة ――التي يمكن تسميتها «التحول إلى أطفال» تيسيرًا للأمر―― تشبه تمامًا تجريع السم، وكانت نية الطرف الآخر هي تجنب الإجهاز عليهم فورًا.
فقد كانت حيلة واستراتيجية لانتزاع تنازلات معينة.
تاريتا: [إذن، إن بادر الطرف الآخر بالتواصل معنا…]
آبل: [سأعيد ما قلت؛ لستُ جازمًا بالأمر على وجه اليقين، ولكن――]
رمق آبل تاريتا —التي كانت تحبس أنفاسها ترقبًا— بنظرة تحذرها من أن الإفراط في الأمل هو سم بحد ذاته؛ وفي اللحظة التي همّ فيها آبل باستئناف حديثه――
――طُرق باب الغرفة من الخارج.
سوبارو: [――هڪ.]
وبسبب ما كان يدور في حوارهم قبل لحظة، انصب انتباه الجميع وتحفزت أعصابهم شطر الباب.
وتصلب سوبارو هو الآخر، ظنًا منه أن هذه قد تكون بادرة تواصل من أولبارت، مدبر ظاهرة «التحول إلى أطفال» هذه؛ غير أن――
؟؟؟: [――أعتذر عن إزعاجكم في هذا الصباح الباكر؛ أنا مبعوثة من قِبل يورنا ميشيغوري-ساما.]
كان الصوت الآتي من خلف الباب مخيبًا للتوقعات في تلك اللحظة بالذات؛
وكانت تلك الخيبة هي السبب وراء تراخي التوتر المشحون ببطء وتثاقل. ومن جهة أخرى، أدرك سوبارو متأخرًا أن مجيء مبعوث من طرف يورنا يعني وصول الرد على رسالة الأمس.
وفوق ذلك، انتبه أيضًا إلى هوية صاحبة الصوت التي تحمل الرد.
ميديوم: [هذا صوت الفتاة الأيل من الأمس، أليس كذلك؟ انظروا، إنها تانزا-تشان!]
سوبارو: [يبدو ذلك؛ حسنًا، هل آذن لها بالدخول… أليس كذلك؟]
وبإيماءة نحو ميديوم التي رفعت سبابتها، سأل سوبارو آبل عما إذا كان يوافقه على إدخالها إلى الغرفة؛ وتحت نظرات سوبارو، تريث آبل لبرهة وجيزة، ثم أومأ برأسه ببطء بالموافقة.
تلقى سوبارو تلك الإشارة، فاستدار متوجهًا نحو الباب ليستقبل الطارق.
تاريتا: [كلا، سأتولى أنا ذلك.]
وقاطعت تاريتا سوبارو آخذةً زمام المبادرة وتقدمت خطوة للأمام؛ فتركت لويس في عهدة ميديوم، ودفعت سوبارو ورفاقه إلى الخلف بعيدًا عن الباب.
وفيما يخص هذا الأمر، لا بد من القول إن سوبارو هو من افتقر إلى حس الحذر؛ فحتى وإن غفل عن ذلك، لم يكن يجدر به فتح الباب دون أدنى حماية.
وفي الوقت الراهن، لم يكن حذر سوبارو المنكمش يختلف في شيء عن كونه عاجزًا عن الدفاع عن نفسه تمامًا.
تانزا: [أعتذر عن إزعاجكم؛ لقد جئتُ لأنقل إليكم رد يورنا-ساما.]
والتي انحنت بخفة وخطت عبر عتبة الباب لتطل برأسها كانت —تمامًا كما توقعوا— تانزا، الفتاة الأيل.
وكما حدث بالأمس، ما إن خطت الفتاة المرتدية للكيمونو داخل الغرفة حتى التقت بنظرات المستقبلين لها وتوقفت برهة.
ولم يكن واضحًا ما جال في خاطر تلك الفتاة عديمة الملامح حيال هذا العدد غير المعتاد من الأطفال في الغرفة؛ غير أنه يجدر بالذكر أن نظراتها قد استقرت لأطول مدة على ذلك الرجل المريب المرتدي لـ «قناع الأوني».
وعلى أية حال، وبعد أن جالت الفتاة ببصرها في أرجاء الغرفة:
تانزا: [ماذا حل برسل الأمس؟]
سوبارو: [آه… لقد خرجوا لبرهة، فهل أذهب لمناداتهم؟]
تانزا: [――كلا، لا بأس إن أبلغتموهم لاحقًا.]
وبين الحين والآخر، كانت أنظار تانزا تنجذب نحو آبل في صدر الغرفة.
ورغم أنه رأى أنها —وهي لا تزال طفلة— خادمة بارعة ونموذجية تفوق سنها، إلا أن تصرفاتها حوت بعض الجوانب اللطيفة غير المتوقعة، كعجزها عن صرف عينيها عما يثير فضولها.
ومع ذلك، كان للخبر الذي حملته أثر بالغ في تقرير مصير سوبارو ورفاقه.
وفي ترقب مشوب بتوتر صامت، انتظر الجميع ما ستنطق به تانزا.
وعندها――
تانزا: [بعد اطلاعها على الرسالة، ستقدم يورنا-ساما ردها رسميًا؛ لذا، أرجو منكم جميعًا الحضور إلى «قلعة اللازورد القرمزي».]
سوبارو: [لقد قرأتها إذن…؟]
شعر سوبارو بالراحة والاطمئنان عقب كلمات تانزا التي نطقتها مع انحناءة مهذبة.
ورغم فجاجة الظن، إلا أنه —بعد كل ما جرى— كان يخشى ألا يكون تمزيق يورنا للرسالة بدافع من نزواتها أمرًا مستبعدًا؛
فقد كان الأمر أشبه بنفس الشعور بعدم الأمان الذي يخالج المرء عند التعامل مع قطة متقلبة المزاج، أو مع بريسيلا؛ كأنه يعجز عن إيجاد المدخل السليم للتعامل معها، ذلك هو الانطباع الذي انطبع في نفسه.
آل: [لا أنكر أن التعامل مع الأميرة شاق وعسير يا صاح، لكنها تدرك على الأقل قواعد مراعاة الزمان والمكان والمقام… حسنًا، لستُ واثقًا تمامًا من ذلك في الحقيقة يا صاح.] [3]
وبعد أن استشف آل ما يجول في خاطر سوبارو من ملامح وجهه، حاول الدفاع عن بريسيلا، لكنه استسلم في منتصف حديثه؛ فكان ذلك دلالة على أنه يجد هو الآخر مشقة في التعامل مع بريسيلا التي يعرفها منذ أمد بعيد.
وعلى أية حال، فقد ارتاح لكون أحد جوانب هذا الموقف الحرج يمضي بسلاسة على ما يبدو؛
وبذلك، لم تعد هناك سوى معضلة واحدة رئيسية لا تزال قائمة: تحول سوبارو ورفاقه إلى أطفال――
تانزا: [وآمل أن يحضر السيد كاتب الرسالة وجميع رسل الأمس إلى برج القلعة.]
سوبارو: [――غـيـه.]
تانزا: [――؟]
ولدى سماعها ذلك الأنين العفوي الذي أفلت من فمه، خفضت تانزا حاجبيها المستديرين وأمالت رأسها في حيرة.
وكي لا يدعها تلحظ اضطرابه الداخلي، ابتسم سوبارو بودّ وهز رأسه قائلًا: «لا شيء، لا شيء»، مبددًا شكوك تانزا قسرًا.
وسواء اقتنعت أم لا، اعتدلت تانزا بعد إمالة رأسها وقالت:
تانزا: [سنكون في انتظاركم في «قلعة اللازورد القرمزي»، عند قرع «جرس وقت النار».]
آبل: [فهمتُ التفاصيل؛ أحسنتِ صنعًا، ويمكنكِ الانصراف.]
تانزا: [――حاضر، عن إذنكم.]
وكان الموعد المحدد ――قرع «جرس وقت النار»―― يُفهم منه حلول وقت الظهيرة تقريبًا.
وبعد أن أبلغتهم بتفاصيل اللقاء مع يورنا، أدت تانزا انحناءة مهذبة واستدارت لتغادر الغرفة؛ ونادى سوبارو مستوقفًا إياها من الخلف: «معذرة منكِ!»:
تانزا: [نعم، ما الأمر؟]
سوبارو: [أود التأكد تحسبًا لأي ظرف، غير أن المدعو الرئيسي هو كاتب الرسالة، أما رسل الأمس فهم مجرد تابعين، أليس كذلك؟ وبعبارة أخرى، إن تعذر على الرسل الحضور لظروف طارئة شتى…]
تانزا: [لقد أمرت يورنا-ساما بدعوة الرسل أيضًا.]
سوبارو: [――――]
تانزا: [آمل ألا تخالفوا أوامر يورنا-ساما في «مدينة الشياطين» هذه.]
جاء صوت تانزا هادئًا وعاديًا، غير أنه كان تذكيرًا قاطعًا بعزيمتها المطلقة التي لا تتزعزع.
وتاركًا وقع تلك الكلمات في نفسه، راقب الفتاة المبعوثة وهي تمضي في طريقها ثم أوصد الباب خلفها؛ وبعدها، تنفس سوبارو الصعداء واستدار نحو رفاقه.
وعندها――
سوبارو: […أتظنون أننا، بحالتنا وهيئتنا هذه، نستوفي الشروط التي ذكرتها للتو؟]
مدّ ذراعيه الصغيرتين المتبدلتين، وطرح ذلك التساؤل المربك.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] إشارة ساخرة من آل إلى السلسلة الشهيرة «سلاحف النينجا» (Teenage Mutant Ninja Turtles).
[2] الكلمة الدخيلة التي استخدمها آل في الأصل مأخوذة من المصطلحات الرياضية الشائعة (No-count)، وتُطلق عند إلغاء النقطة أو عدم احتسابها كإصابة مؤثرة.
[3] اختصار مقتبس من الإنجليزية (TPO)، ويشيع استخدامه في الثقافة اليابانية للإشارة إلى ضرورة مراعاة «الزمان، والمكان، والمناسبة» (Time, Place, Occasion).