الفصل 400 - الخبيث
الفصل التاسع والثلاثون
«الخبيث»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ألقى كافما نظرة إلى الخارج عبر الفجوة الكبيرة في جدار القاعة، ولَوَى شفتيه باشمئزاز.
وتحت قدميه، وسط هبوب الرياح الشديدة، تصاعد الدخان في الأرجاء؛ وحدق بعينيه محاولًا تبين المبنى الذي توارى فيه الثلاثة بعد أن نجحوا في الفرار من القاعة. ――غير أنه لم يلمح أي أثر للهاربين في أي مكان.
كافما: [――――]
وتحطمت العارضة الخشبية التي تصدعت بصوت مدوٍ، غير أن بعدها الشديد جعل الأمل في أن يسحق حطامها أولئك الوقحين ضربًا من الحماقة.
لكن――
كافما: [لن أدعكم تفلتون أبدًا؛ وسأفعل كل ما يلزم للقصاص من إهانتكم لصاحب السعادة…]
أولبارت: [مهلًا، مهلًا، لا يصح أن نفعل ذلك يا فتى؛ ألم يراهنوا بكل ما لديهم على هذه الفرصة للهرب؟ فإذا طاردناهم الآن، ألن يضيع كل جهدهم هباءً؟]
كافما: [يا سيد أولبارت!]
وبعد أن مُنع من ملاحقة الهاربين، التفت كافما وأسنانه تصطك غيظًا؛ واستقبل العجوز الضئيل تلك النظرة الحانقة وهو يتمتم: «يا لهول هذا الرعب!»، متصنعًا الانكماش على نفسه.
وحين رأى كافما رد فعله ذلك، ازدادت عيناه حدة وغضبًا:
كافما: [ولماذا تركتَ أولئك الفتيات يفلتن منذ البداية؟ لو كنتَ أنت، يا سيدي، لتمكنتَ من الإمساك بهن في طرفة عين!]
أولبارت: [أوه؟ يمكنني أن أقول لك الشيء نفسه تمامًا؛ ولم أتساهل معهم كثيرًا بالمناسبة. ذلك الفتى بالخوذة لديه بعض الحيل الغريبة والمريبة في جعبته.]
كافما: […فتى؟ لقد انتابني انطباع بأنه لم يكن صغير السن إطلاقًا.]
أولبارت: [هذا ليس مهمًا على الإطلاق؛ ففي الحقيقة معظمكم يبدون في عيني كأطفال يتعثرون في خطاهم، فقد كنتُ رجلًا عجوزًا حتى من قبل أن تولدوا جميعًا.]
رسم أولبارت ابتسامة على وجهه المليء بالتجاعيد وأشار إلى نفسه؛ وهمّ كافما بالاعتراض على تهاونه واستهتاره هذا مجددًا، غير أن أولبارت استطرد قائلًا: «ثم إن»،
أولبارت: [لعل الأمر قد غاب عن بالك، لكن عليّ أن أراقب تلك الفتاة الثعلبة هناك، أليس كذلك؟ فلا أحد يدري متى قد تنقلب على صاحب السعادة.]
كافما: [جنرال الرتبة الأولى يورنا… معك حق، لقد تسرعتُ في غضبي.]
أولبارت: [كاكاكاكا، المهم أنك استوعبت الأمر!]
وعند سماع ذلك، هدأ كافما وكأنه خجل من فقدانه لصبره وهدوئه؛ وإزاء هذا الحوار بين الشاب والعجوز، وضعت يورنا —التي وُصفت لتوها بأنها مصدر خطر— يدها على عينيها وتحدثت:
يورنا: [يا لقسوة هذا الكلام وقلة ذوقه؛ كيف تتجرأ على التحدث عن امرأة رقيقة مثلي وكأنك تصف وحشًا خطيرًا؟… لم أتعرض لمثل هذه الإهانة في حياتي قط.]
كافما: [من تظنين نفسكِ…!]
كانت تسخر منهما وتتظاهر بالبكاء، فتحول غضب كافما نحو يورنا مباشرة؛ غير أن يورنا تنحنحت بهدوء تحت نظراته الحانقة، ثم أنزلت يدها برفق عن عينيها.
ورفعت غليون «الكيسيرو» إلى فمها، وملأت رئتيها بالدخان البنفسجي، ثم زفرت بعمق مطلقة سحابة كثيفة من الدخان. ――تماوج الدخان قليلًا وهو يشق طريقه نحو الفجوة الكبيرة في الجدار.
وما إن وصل الدخان البنفسجي المتطاير إلى الفجوة، حتى بدأ تحول مذهل يبعث على الدهشة؛
وفي مشهد سريالي أشبه بالوهم، بدأ الجدار المحطم يلتئم من جديد في عرض مدهش.
فالخشب في مواضع الانهيار والتلف في جدار «قلعة اللازورد القرمزي» أخذ يتحرك ويلتئم كما تلتئم جروح كائن حي؛ وكان المبنى يُرمم بطريقة غريبة وعجيبة، توحي بأنه كائن ينبض بالحياة أكثر من كونه مجرد بناء من جماد.
وجعل ذلك المشهد غير المألوف كافما —الذي كان يقف قرب الجدار مشدود الأعصاب— يتراجع خطوة إلى الوراء، ويلتفت لينظر إلى يورنا بدهشة.
يورنا: [وهكذا، عاد كل شيء إلى طبيعته… لذا، إن لم يكن في ذلك حرج، أرجو أن تعدل من مزاجك أنت أيضًا.]
كافما: [هذه هي قدرة… الجنرال يورنا…]
فينسنت: [لهذا السبب تحديدًا لا يمكن العبث مع «مدينة الشياطين» دون حذر شديد… غير أن هذا ليس الخطر الوحيد الذي تمثله هذه المرأة.]
وبعد أن أتمت ترميم الجدار الخارجي، أطلق كافما زفرة ذهول وهو ينظر إلى يورنا التي رسمت ابتسامة هادئة على محياها.
وقطع ارتعاشه تعليق فينسنت، ذلك الرجل الذي لم يتحرك له جفن طوال تلك الفوضى السابقة؛ وألقى حاكم الإمبراطورية نظرة عابرة على الجدار، ثم ركز بصره على يورنا――
فينسنت: [لقد خرجوا من القلعة، وبذلك تحققت الشروط التي اتفقنا عليها أنا وأنتِ.]
يورنا: [إذن، في هذه الحال، سيكون من المعيب أن نتجاهل جهودهم ونجاحهم؛ وآمل أن تتفهم ذلك يا صاحب السعادة.]
فينسنت: [――――]
يورنا: [بالطبع، لك حساباتك وتفكيرك الخاص يا صاحب السعادة، وأنا أحترم ذلك؛ لكن إياك أن تنسى.]
ابتسمت يورنا ميشيغوري، حاكمة «مدينة الشياطين»، التي لم تكلف نفسها عناء تعديل جلستها المتراخية أمام الإمبراطور منذ البداية وحتى الآن، وهي تنظر إلى فينسنت الصامت.
يورنا: [هذه هي مدينة الشياطين، مدينتي أنا. ――حتى سيف ذلك الفتى الأزرق لا يمكنه أن يطالني هنا.]
ومع أن هذا الإعلان يبدو ملائمًا تمامًا لمقام حاكمة مدينة الشياطين، إلا أنه تصريح غير لائق أبدًا أمام الإمبراطور؛
فبالنسبة لإمبراطور فولاكيا، الذي يبسط سلطته على أرجاء الإمبراطورية بأسرها، فإن تصرف يورنا وكأن سيادتها على مدينة واحدة تعلو سلطته يعد أكثر من مجرد قلة احترام.
ومع ذلك، لم يكن بمقدور أحد إنكار كلمات يورنا ميشيغوري؛
فالجميع يدرك صدق ما تقوله، بصرف النظر عما إذا كان يحق لها التلفظ به أم لا؛
ففي «كايوسفليم، مدينة الشياطين»، تمتلك يورنا ميشيغوري نفوذًا وقوة مطلقة.
ولهذا السبب――
فينسنت: [سأمنحكِ مهلة ليلة واحدة.]
واعتبار هذا القرار هزيمة لإمبراطور فولاكيا هو استخفاف ببعد نظره وحسن تدبيره؛ ومع ذلك، لم يكن من السهل حتى على أقرب المقربين من الإمبراطور معرفة ما يدور في أعماق عينيه الداكنتين من خطط ومكائد.
ولا يسعهم إلا الاطمئنان بأن كلمات فينسنت لم تكن عشوائية ولا خاطئة.
يورنا: [أشكرك جزيل الشكر؛ إذن سآخذ كامل وقتي في التفكير بالرد المناسب على الرسالة.]
هكذا ردت يورنا على إذن فينسنت؛ ورغم أن نبرة كلماتها بدت حيوية في الظاهر، إلا أن ملامحها وموقفها خلا تمامًا من أي ود أو لين.
وكان لحارسي فينسنت، كافما وأولبارت، رأيهما الخاص تجاه تصرفات يورنا؛ غير أن سبب سكوتهما وتغاضيهما عنها كان شعورهما بالذنب لتمكن أولئك الثلاثة من الإفلات.
فبعد موافقة فينسنت الصريحة، لم يعد للتراجع أي فائدة.
كافما: [لكن أسلوبكِ هذا غير مقبول بالمرة، وسأظل أكرر هذا القول دون تردد.]
يورنا: [كوهو. حين تنظر إليّ بهذه العينين المخيفتين، لا يسعني التوقف عن الارتجاف خوفًا ورعبًا. يا سيد أولبارت، ألا تجد لي حلًا معه؟]
أولبارت: [أتلقين بهذا الحمل عليّ فجأة؟ أنا رجل عجوز لم يتبقَ من عمره الكثير، والواجب يفرض على الشباب معاملة كبار السن بلطف. لحظة، لعلني عثرتُ للتو على أفضل طريقة لكسب ود الناس؟ أترى عصري الذهبي قد اقترب أخيرًا؟]
كافما: [يا سيد أولبارت!]
رفع كافما صوته مستنكرًا مزاح أولبارت العابث؛
بينما كانت يورنا تتابع المشهد بابتسامة وهي تنفض الدخان المتطاير من غليون «الكيسيرو». وضيّق فينسنت عينيه وهو ينظر إلى تصرفات هؤلاء الجنرالات، وأطلق همهمة استخفاف خفيفة من أنفه.
ثم استدار الإمبراطور ونظر نحو الشخص الأخير المرافق له―― ذلك الذي، على النقيض من كافما وأولبارت، لم يتحرك قيد أنملة تمامًا مثل فينسنت.
فينسنت: [كلامك قليل للغاية اليوم؛ وهذا ليس من طبعك.]
؟؟؟: […أليس كذلك؟ حسنًا، كان الموقف سيتعقد كثيرًا لو التقيت ببعض الوجوه هنا.]
أجاب صوت شاب يبتسم بسخرية؛
وكان الشاب يغطي رأسه برداء أزرق يحجب وجهه عن أعين الآخرين. وكان ذلك في حد ذاته أمرًا معتادًا منه، غير أن إحكام إغلاقه للياقة الرداء أكثر من العادة بدا وكأنه يرتبط بالضيوف الذين كانوا حاضرين للتو.
تنهد الشاب وهز كتفيه تحت أنظار الإمبراطور الصامت، ثم استطرد:
؟؟؟: [رأيتُ أن التزام الصمت هو الخيار الأمثل لي في «مدينة الشياطين» هذه. ――ويبدو أن النجوم ترغب في ذلك أيضًا.]
فينسنت: [أهذه مشيئة النجوم؟ محض هراء وترهات.]
؟؟؟: [أرجو ألا تصف الأمر بالهراء.]
هز الشاب كتفيه وابتسم ببرود أمام كلمات الاستخفاف الصادرة من فينسنت؛
ثم تابع بابتسامة مرة:
؟؟؟: [لو كان صاحب السعادة يأخذ مشيئة النجوم ورغباتها على محمل الجد، لما تكبدت عناء القدوم إلى هذا المكان البعيد أصلًا، أليس كذلك؟]
فينسنت: [أيها الأحمق، أتظن نفسك عالمًا بما يخفيه قلبي؟]
؟؟؟: [أرجوك، لا تقل كلامًا مستحيلًا.]
انكمش كتفا الرجل حين عقد فينسنت ذراعيه وخفض نبرة صوته قليلًا.
ثم أشاح فينسنت بنظره عن الرجل―― عن «متأمل النجوم»، وضيّق عينيه شاخصًا نحو السماء التي اختفى فيها المتمردون الثلاثة، خلف الجدار الذي التأم بالفعل.
ثم――
فينسنت: [――رغبات النجوم محض ترهات.]
بقيت تلك التمتمة التي عجز الجميع عن سماعها همسًا بينه وبين نفسه، ثم تلاشت.
△▼△▼△▼△
سوبارو: [كح! كح! آبتشوو!]
وراح يسعل وسط سحابة الغبار الكثيفة، محاولًا التقاط أنفاسه بصعوبة.
كان ظهره يؤلمه بشدة من أثر السقوط، فمرر سوبارو يده على موضع الألم ليتفقد إصاباته؛ ثم سحب يده بحذر وخوف ليرى أنها لم تتلطخ بالدماء، ويبدو أن الأمر اقتصر على مجرد كدمة عادية. لقد كانت معجزة حقيقية.
فاحتمال أن تخترق جسده مواد البناء من السقف المحطم أو شظايا العارضة المكسورة كان كبيرًا للغاية؛ فكم بلغ حجم الحظ الذي حالفه للنجاة؟
سوبارو: [ليس لدينا وقت لنضيعه… ميديوم-سان! آل!]
؟؟؟: [أ-أنا هنا… آخ آخ، يؤلمني.]
هز رأسه ونادى بسرعة على اسمي رفيقيه اللذين يفترض أن يكونا معه؛ ولما سمع ردًا قادمًا من تحت الركام بجانبه، سارع سوبارو لإزاحة الحطام باحثًا عنهما.
وسعلت ميديوم المدفونة تحت القش، ثم رمشت بعينيها:
ميديوم: [وااه، ظننتُ أنني سأموت! هل أنتِ بخير يا ناتسومي-تشان؟]
سوبارو: [نجوتُ بطريقة ما بفضل حمايتكِ وحماية آل… ميديوم-سان، هل أصبتِ بأذى؟ هل يؤلمكِ أي مكان؟]
ميديوم: [أوهياهياهيا، هذا يدغدغ~! لا بأس، لا بأس! أنا بألف خير!]
وبينما كان سوبارو يتفقد كتفي ميديوم وظهرها، تلوت ضاحكة ودفعته برفق عن صدرها.
ولم يكن ذلك ادعاءً أو كذبًا؛ فقد بدا أنها لم تصب بأي جروح تذكر هي الأخرى. ويبدو أن كليهما حظيا بقدر هائل من حسن الحظ.
سوبارو: [أين آل――]
وبحثًا عن آل الذي لم يصدر منه أي رد، أخذ سوبارو يتلفت في المكان حوله.
ومع استقرار سحب الغبار أخيرًا، أدرك سوبارو أنه ورفيقيه قد سقطوا داخل إسطبل مهجور؛ ويبدو أن المبنى المجاور لـ «قلعة اللازورد القرمزي» كان مستودعًا يُخزن فيه التبن الخاص بـ «خيول غاليويند».
وكان هذا التبن بالتحديد هو السبب الحقيقي وراء نجاة جماعة سوبارو من هذا السقوط الحر من ذلك الارتفاع الشاهق، بعدما امتص الصدمة كوسادة لينة؛ ولولاه، لكان سوبارو على الأقل قد لقي حتفه ميتة شنيعة كحبة طماطم سُحقت تمامًا.
وفي فولاكيا، حيث يندر سحر العلاج —باستثناء ريم— كان احتمال هلاك المصابين بجروح خطيرة مرتفعًا للغاية؛ ومن هذا المنطلق، كانت بيئة الإمبراطورية أسرع إلى الفتك والموت بكثير مقارنة بـ «لوغونيكا».
وبالطبع، يمكن القول إن مبدأ «البقاء للأقوى» الذي تتبناه الإمبراطورية هو أساس كل هذه المخاطر من الأصل.
ميديوم: [ها هو ذا! آل-تشين!]
وفيما كان سوبارو يتلفت في أرجاء المكان خافت الإضاءة، اندفعت ميديوم إلى جانبه وكأنها تقفز.
وانحنت بجوار عربة انقلبت من شدة السقوط؛ فتحت كومة القش الكثيفة التي هوى الثلاثة فوقها متشابكين، بدأ شيء ما يتحرك.
سارع سوبارو نحوها، وراح الاثنان —هو وميديوم— يزيحان القش بسرعة؛ حتى برزت أخيرًا ذراع غليظة فاقدة للحيل من تحت التبن، فسحباها إلى الأعلى.
وعندها――
آل: [آوتش! كادت ذراعي الأخرى أن تنخلع هي أيضًا يا صاح!]
سوبارو: [دعابتك ليست مضحكة أبدًا!]
ميديوم: [لكن آل-تشين على قيد الحياة أيضًا! هذا رائع حقًا!]
وبخ سوبارو آل على مزحته الثقيلة، غير أنه شعر بارتياح حقيقي لكلمات ميديوم.
سُحب آل من تحت كومة القش، وكان جسده في حالة يرثى لها؛ فعلى خلاف سوبارو وميديوم اللذين نجيا بأعجوبة دون أن يصيبهما سوى بعض الكدمات والخدوش، كان جسد آل مغطى بالجروح والرضوض في كل موضع.
فقد تصدى لأشواك كافما، ثم لعجوز الجنرالات أولبارت ولو للحظات؛ وفوق ذلك، فإن قفزته فوق سوبارو وميديوم في اللحظة الأخيرة جعلته في موضع مكشوف يسهل على العدو استهدافه مباشرة.
――فكل جرح من تلك الجروح التي أصابته، كان يفترض في الأصل أن يصيب سوبارو أو ميديوم.
سوبارو: [――――]
آل: [ما بك يا صاح؟… ترتسم على وجهك نظرة كئيبة.]
سوبارو: [حسنًا، في الحقيقة…]
آل: [إنها معجزة أننا نجونا جميعًا من قفزة الحبال دون حبل يا صاح؛ لكن التحديق بي هكذا لن يشفي الندوب على ظهري، وأنت تعلم أنها عار على أي سياف.]
حرّك آل كتفيه بتكاسل وواصل الثرثرة محاولًا تشجيع سوبارو ورفع معنوياته.
أثر هذا الموقف في نفس سوبارو حتى غص حلقه، لكنه أومأ برأسه سريعًا قائلًا: «معك حق».
كان آل يتصنع اللامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه، غير أن استبساله في الهجوم والدفاع حتى الآن كان نابعًا من إخلاصه الصادق لسوبارو؛ فقد تفهم أهداف سوبارو ووعده بمد يد العون.
ولتحقيق هذه الغاية، كان آل مستعدًا حتى للمخاطرة بحياته من أجل إنقاذ سوبارو.
سوبارو: [لقد أسأتُ تقديرك…]
آل: [إيه؟]
سوبارو: [ظننتك دومًا شخصًا غير مبالٍ وعديم المسؤولية، لا يمكن الاعتماد عليك وتتعامل باستهتار مع كل شيء.]
آل: [مهلًا، مهلًا يا صاح.]
سوبارو: [لكنك خاطرت بحياتك لإنقاذي؛ ――ولن أنسى لك هذا المعروف أبدًا.]
واضعًا يده على صدره الاصطناعي، عبّر سوبارو لـ آل عن امتنانه وعزمه الصادق؛ فلولاه، لما كان ناتسوكي سوبارو على قيد الحياة في هذه اللحظة. ولهذا، سيقاتل ناتسوكي سوبارو من الآن فصاعدًا دون أن ينسى فضل آل عليه أبدًا.
حتى وإن انتهت حياته في اللحظة التالية――
ميديوم: [ناتسومي-تشان، آل-تشين، إن واصلتما إضاعة الوقت هكذا…]
سوبارو: [أجل، أعلم، أعلم جيدًا؛ فلنخرج من هنا بأسرع ما يمكن، وإلا ستذهب تضحية آل سدى.]
آل: [إنها ليست تضحية يا صاح!]
واستجابة لحث ميديوم، مسح سوبارو وجهه بكمه وأجابها بحزم.
كانت نجاتهم ثلاثتهم ضربة حظ حقيقية، لكن الوقت ما يزال مبكرًا للشعور بالأمان؛ فالشروط التي طرحتها يورنا وفينسنت قد تحققت على الأقل، غير أنه لم يكن مؤكدًا ما إذا كان كافما وأولبارت سيتراجعان حقًا.
وحتى يتيقن من ذلك، كان عليهم النجاة والفرار.
سوبارو: [علينا المغادرة فورًا؛ سنختبئ وننتظر الرد هناك في…]
؟؟؟: [――لا داعي للقلق بشأن ذلك.]
سوبارو: [――هڪ!؟]
وبينما كان يهم بالخروج ساندًا آل على كتفه، ناداه ذلك الصوت المباغت.
ومن شدة المفاجأة، أفلت سوبارو يديه دون قصد، فانزلق آل المتكئ عليه وسقط صارخًا: «غـوه!». غير أن سوبارو لم يجد وقتًا للاطمئنان عليه؛
فقد بدأت مواجهة جديدة بين رفاق سوبارو وتلك الشخصية الواقفة عند مدخل الإسطبل.
سوبارو: [أنتِ…]
؟؟؟: [أعتذر عن تأخري في تحيتكم؛ أنا تابعة للسيدة يورنا ميشيغوري، واسمي تانزا.]
والشخصية التي نطقت بهذه الكلمات وهي تحني رأسها باحترام، كانت ترتدي كيمونو مميزًا ولها قرنا أيل―― إنها الفتاة الأيل التي كانت تقف بجوار يورنا.
رفعت الفتاة التي تدعى تانزا رأسها بتمهل، وواجهت ميديوم الواقفة أمامها كدرع لحماية سوبارو وآل، ثم هزت رأسها نافية:
تانزا: [لا داعي للذعر، فالأمور على ما يرام؛ ولا أنوي إلحاق أي أذى بكم.]
ميديوم: [حقًا؟ لكننا حطمنا جدران هذا الإسطبل وجدار قلعة سيدتكِ أيضًا، أليس كذلك؟]
تانزا: [ستتولى السيدة يورنا إصلاح القلعة والإسطبل؛ ――وقد قبلتكم السيدة يورنا كرسل رسميًا، ولن يعترض طريقكم أحد بعد الآن.]
تبدد قلق ميديوم بفضل الكلمات الأخيرة التي أضافتها تانزا؛ فارتاحت أساريرها، غير أن شعور سوبارو كان على النقيض من ذلك تمامًا.
فبغض النظر عن قدرة يورنا على إصلاح الجدران والإسطبل، كان السؤال الأهم: ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
سوبارو: [القول بأنه لن يعترض طريقنا أحد هو كلام كبير؛ فأنتِ تعلمين أن جلالة الإمبراطور كان حاضرًا هناك، أليس كذلك؟]
وقف سوبارو خلف ميديوم محتميًا بها، دون أن يكترث لمظهره. وركزت تانزا عينيها الرماديتين على سوبارو وهو يتقدم خطوة للأمام.
ورغم ملامح وجهها اللطيفة، إلا أنها كانت فتاة جامدة لا تظهر مشاعرها؛ وفي حين يفترض بالبشاشة واللطف أن يكونا صفة أساسية لوصيفات «الكامورو»، إلا أن تصرفاتها كانت تشبه الدمية.
سوبارو: [على أقل تقدير، نحن أناس أعلنوا نيتهم إيذاء جلالة الإمبراطور… فهل ستتغاضون عن ذلك حقًا؟ أهذا ما قالته السيدة يورنا؟]
تانزا: [نعم؛ فلا أحد يستطيع الوقوف في وجه يورنا-ساما هنا في مدينة الشياطين، وأعتقد أن فينسنت-ساما يدرك ذلك أيضًا.]
سوبارو: [أوه…]
جاء جواب تانزا طبيعيًا ومباشرًا، لكنه انطوى على يقين مطلق؛ ولدى سماع ذلك، ذُهل سوبارو وابتلع الكلمات التي كاد أن يواصل بها حديثه.
وبعد ذلك، نظر سوبارو ورفاقه نحو سقف الإسطبل الذي اخترقوه للتو وتأكدوا من انعدام أي حركة من جهة «قلعة اللازورد القرمزي»؛ فبناءً على انطباعه السريع عن كافما، كان يفترض أن يطاردهم فورًا.
سوبارو: [وحتى هذا لم يحدث… يبدو أن كلامكِ يُصدق حقًا.]
تانزا: [وسيعود فينسنت-ساما أيضًا؛ وسيصلكم الرد على رسالتكم غدًا.]
سوبارو: […فهمتُ ذلك.]
تانزا: [إذن، أتمنى لكم طريق عودة آمنًا.]
انحنت تانزا استجابة لتنهيدة سوبارو، ثم استدارت موليةً ظهرها لهم الثلاثة.
لقد أدت الحد الأدنى من مهمتها بدقة، وبدت في طريق عودتها للانضمام إلى يورنا-ساما. وفجأة، بينما كانت تبتعد، ناداها سوبارو مستوقفًا إياها: «تانزا-سان!».
توقفت تانزا واستدارت نحوه؛ وبينما كان يرنو إلى ملامح وجهها الجامدة التي تشبه الدمية، سألها:
سوبارو: [ما نوع الشخص الذي تمثله يورنا-ساما بالنسبة لكِ؟]
وكان الدافع وراء هذا السؤال هو تزاحم الانطباعات المتضاربة داخل سوبارو عن يورنا؛
فطالما أنها لا تعلم بأن فينسنت مجرد بديل مزيف، فإن أسلوب معاملتها له يفترض أن يماثل معاملتها للإمبراطور آبل.
ولم يرَ من الصواب التغاضي عن وقاحتها وسوء سلوكها لمجرد التذرع بكونها امرأة ذات نفوذ وقوة، لكنه عجز عن فهم سبب تصرفها بتلك الطريقة؛
فما الذي تكنه يورنا لـ آبل حقًا؟ أهو المودة أم العداء؟
وفوق ذلك، فإن حقيقة تشجيعها لسوبارو ورفاقه على المقاومة والنجاة جعلت أغوار قلبها مستعصية على الفهم تمامًا.
ولهذا السبب――
سوبارو: [أود أن أسمع من شخص يقف بجانبها عن انطباعه الحقيقي عن يورنا ميشيغوري-ساما.]
تانزا: [إنها امرأة تفيض بالحب؛ تحب حلفاءها وتبغض أعداءها. ――وتحب كل ما يعيش في مدينة الشياطين.]
سوبارو: [――――]
أجابت تانزا دون أدنى تردد، ولأول مرة ومضت لمحة من المشاعر في عينيها؛
ومع أنها تلاشت في طرفة عين، إلا أنها بدت في عيني سوبارو كعاطفة دافئة، فلم يستطع أن ينطق بأي كلمة أخرى؛
وعاجزًا عن متابعة الحديث، اكتفى بمراقبة ظهر الفتاة وهي تمضي في طريقها.
ولو سُئل عما إذا كان قد نال الجواب الذي يبتغيه، لقال إنه لم ينل شيئًا؛
بل على العكس، زاد غموض يورنا في عينيه؛ فرغم أنه لم يلمس أي زيف في كلمات تانزا، إلا أنه كان من الصعب عليه تصديق أن تلك المرأة شخص مفعم بالحب؛
فمنذ وطئت أقدامهم مدينة الشياطين، وسوبارو ورفاقه يتخبطون تحت رحمة تلاعبها ومزاجها.
آل: [يا للمصيبة، لقد غادرت… ما العمل الآن يا صاح؟]
سوبارو: […ليس أمامنا سوى العودة؛ وحاليًا، علينا أن نثق بكلام تانزا-سان وننتظر الرد غدًا.]
وفي الإسطبل الذي توارت منه تانزا، أسند سوبارو كتفه مجددًا إلى آل الذي كان جالسًا على الأرض؛
وبينما يسند ثقله، رفع سوبارو بصره نحو «قلعة اللازورد القرمزي» مرة أخرى.
سوبارو: [قلعة مبهرجة ولافتة للأنظار… أهذا ما كان يعنيه لقب «المتألقة» إذن؟]
وبينما كان يتمتم لنفسه، أدرك سوبارو صدق كلمات تانزا؛
فهذه القلعة الغريبة التي تجمع بين اللونين الأزرق والأحمر قد خلت تمامًا من الفجوة التي أحدثوها للتو؛ ومهما أجهد عينيه، لم يجد لها أثرًا، بل لم يبقَ لها حتى مجرد ظل.
△▼△▼△▼△
آبل: [فهمت، إذن فقد حضر إلى هناك.]
سوبارو: [أليس لديك شيء لتقوله لي؟ كأن تقول «أنا آسف»، أو «أعتذر منك»، أو «أرجوك سامحني» مثلًا؟! ]
وبعد أن عادوا مسرعين إلى النزل، استمع آبل إلى تقرير مفصل عما جرى أثناء تسليم الرسالة؛ وبمجرد أن سمع سوبارو رده الأول ذاك، قطب حاجبيه بشدة وطفح وجهه بالغيظ وهو يلح عليه في طلب اعتذار.
ورغم ذلك، مد آبل —المرتدي لقناع «الأوني»— راحة يده ودفع جبهة سوبارو بضجر وانزعاج――
آبل: [ولماذا عليّ أن أعتذر؟ لقد أبليتم بلاءً حسنًا؛ وكنتُ على وشك الثناء عليكم لإنجازكم المهمة.]
سوبارو: [ثناء؟! ثناء، أتقول؟! لا تعاملني بهذا الاستعلاء المقيت مع هذه العبارات! لستَ بحاجة إلى الثناء عليّ، فأنا أقوم بما يجب فعله فحسب. مهلًا، أنتما الاثنان!]
آل: [لا تقحمني في الأمر يا صاح.]
أخرج سوبارو لسانه في وجه آبل غير الراضي وهو يحتج بغضب مستنجدًا برفيقيه؛ غير أن آل مد ساقيه على الأرض ولوح بيده قائلًا: «دعني وشأني يا صاح».
وفي حقيقة الأمر، كان آل هو من بذل أكبر جهد وأشق تضحية في تلك المهمة؛ وبعد أن أوكل تضميد جسده المثخن بالإصابات إلى تاريتا-سان، أخذت هيئته تشبه المومياء من كثرة الضمادات التي تلفه.
ومع الجمع بين خوذته السوداء والضمادات التي تغطي جسده بالكامل، بدا مظهره غريبًا على نحو لا يُصدق.
تاريتا: [أنا سعيدة لأن ناتسومي وميديوم بخير؛ كان يجدر بي حقًا مرافقتكم، فقد كنتُ قلقة للغاية.]
سوبارو: [مهلًا، أسمعتَ هذا؟ هذا هو الرد الطبيعي والسليم! وبصفتك إمبراطورًا، لمَ لا تقتدي بـ تاريتا-سان التي ستتولى زعامة القبيلة؟]
تاريتا: [أرجوك توقف، سأموت رعبًا…]
وبعد أن اتخذها سوبارو مثالًا وقدوة وهو يوضح العقلية التي يفترض أن يتحلى بها أصحاب المناصب الرفيعة، هزت تاريتا رأسها وقد شحب لون وجهها فزعًا.
ورغم موقفها الخائف ذاك، لم يسع سوبارو إلا أن يشعر بخيبة أمل؛ ألا يوجد أحد في هذا العالم قادر على معاقبة آبل أو تأديبه؟
وفي أوقات كهذه، شعر بالخجل من اضطراره لاستغلال خوف الآخرين وترددهم.
لويس: [أوو! آوو!]
ميديوم: [آه! لويس-تشان، لا يمكنكِ فعل هذا! ألا ترين أن ناتسومي-تشان والآخرين في خضم حديث مهم؟]
لويس: [أوو! أوو!]
وقطع حبل أفكار سوبارو صراخٌ ذو نبرة حادة قادم من الغرفة المجاورة.
وألقى نظرة سريعة نحو باب الغرفة المجاورة، فرأى لويس وميديوم تتدافعان؛ وبطبيعة الحال، لم تكن لويس قادرة على مجاراة قوة ميديوم، فبدا المشهد أشبه بمبارزة سومو بين شخص بالغ وطفل صغير.
وسرعان ما حُملت لويس بعيدًا واختفت مجددًا داخل الغرفة الأخرى.
لويس: [آاووو!]
سوبارو: […يا إلهي، ما خطبها ماذا بحقك؟ منذ أن عدتُ وهي تحاول القفز نحوي باستمرار.]
آل: [لسبب ما، تبدو متعلقة بك أكثر من أي شخص آخر يا صاح؛ حتى إنها لا تكلف نفسها عناء النظر إليّ… ليس وكأنني أريدها أن تتعلق بي على أية حال.]
وعلى وقع تنهدات سوبارو، تذمر آل بهيئته النهائية التي جعلته يبدو كأنه يرتدي زي هالوين رخيص الثمن؛ وبجانبه، مسحت تاريتا جبينها برضا بعد أن فرغت من تضميده، فلم يكن ذوقها سيئًا على الإطلاق.
وقد وجد سوبارو في تعلق لويس به ما ينافس تعلق إميليا وبياتريس، مما أثار شوقه إليهما مجددًا؛ ――كلا، لم يكن شوقه مقتصرًا عليهما فحسب، بل امتد إلى الجميع خلف حدود البلاد.
فقريبًا، ستكتمل عشرون يومًا منذ أن نُقل سوبارو إلى فولاكيا.
وطالما أن بياتريس ورام هناك، فيفترض أنهما تطمئنان على سلامة سوبارو وريم، لكن هذا كل ما في الأمر؛ فعدم قدرتهما على نقل أي معلومات أبعد من ذلك كان أمرًا يثير الإحباط في نفسه.
وكان يتمنى من كل قلبه أن يجد سبيلًا للالتقاء بـ إميليا والآخرين في أقرب وقت ممكن.
سوبارو: [ومع ذلك، يصر هذا الرجل المقنع على إخفاء كل التفاصيل المهمة والجوهرية…]
آبل: [همم، أتشير إليّ قائلًا إنني المقنع؟ إن كنتُ أنا المقنع، فماذا تكون أنت إذن؟ أحمق ومهرج ربما؟]
آل: [في رأيي، كلنا نرتدي أزياء هالوين رخيصة، أليس كذلك يا صاح؟]
أصابت كلمات آل ما جال في خلد سوبارو قبل لحظات تحديدًا؛ وجعل هذا التعبير، مقترنًا بنقطة آبل المتهكمة، سوبارو يصر على أسنانه بغيظ وهو يطلق زمجرة خافتة: «غـرر».
وفي الواقع، كان سوبارو المتنكر بزي امرأة، وآبل المرتدي لـ قناع الأوني، وآل الملفوف بالضمادات واضعًا خوذته، يبدون جميعًا كحضور في حفلة تنكرية. وكان ذلك يعكس بطريقة ما طبيعة «كايوسفليم، مدينة الشياطين»؛ ففي هذا المكان الذي تختلط فيه شتى الأعراق، بدا وكأن كل واحد منهم يحاول جاهدًا التشبث بهويته كي لا تذوب وتندثر.
وبطبيعة الحال، كان تنكر سوبارو بزي امرأة لأسباب عملية بحتة، وأمرًا لا مفر منه.
سوبارو: [على أية حال! تمكنتُ من مقابلة يورنا-سان في القلعة، لكنني اصطدمتُ هناك بحاشية الإمبراطور أيضًا… ذلك كان شبيهك البديل، أليس كذلك؟]
صفق سوبارو بيديه ليغير مجرى الحديث قسرًا؛
وكان حريصًا على خفض صوته كي لا يسمعه أحد من الخارج، لكنه أراد إسماع الحاضرين أمامه بوضوح ما يجب قوله.
وردًا على ذلك، أومأ آبل برأسه المغطى بـ قناع الأوني قائلًا: «أجل»:
آبل: [حتى لو وُجد كثيرون يشبهون ملامحي، فليس هناك سوى شخص واحد في موقع يسمح له بانتحال شخصيتي. ――تشيشا غولد.]
سوبارو: [تشيشا غولد… أحد الجنرالات التسعة الساميين؛ وإن لم تخني الذاكرة، فهو «العنكبوت الأبيض»، أليس كذلك؟]
آبل: [هذا صحيح؛ إنه واسع الحيلة والدهاء، وفذ في قيادة الجيوش الجرارة. وفوق ذلك…]
آل: [أول شخص خان آبل-تشان يا صاح.]
وعقب تعليق آل الأخير، أكد آبل كلامه بصمت وهو جالس على السرير عاقدًا ذراعيه.
لقد كان أول الخائنين من «الجنرالات التسعة الساميين»، وشخصًا لا بد أن آبل وضع فيه ثقة مطلقة؛ ذلك هو بديل آبل―― كلا، بل هو من يتربع الآن على عرش الإمبراطور بدلًا من كونه مجرد بديل.
سوبارو: [تشيشا… ولماذا برأيك أتى هذا الإمبراطور المزيف إلى «مدينة الشياطين»؟]
آبل: [لأنه يدرك شروط النصر في صراعه ضدي.]
سوبارو: [الطرف الذي يستقطب عددًا أكبر من الجنرالات التسعة الساميين هو الفائز.]
فكسب ولاء «الجنرالات التسعة الساميين» —رمز القوة في إمبراطورية فولاكيا— كان هو المفتاح الحاسم للنصر؛
وللظفر بهذا المفتاح، تكبد سوبارو ورفاقه عناء القدوم إلى «كايوسفليم». ولكن بناءً على جواب آبل الأخير، لم يكن هناك سوى هدف واحد محتمل.
سوبارو: [إذن، هل يحاولون هم أيضًا كسب يورنا ميشيغوري إلى صفهم؟]
آبل: [هذا أمر مستبعد؛ فـ يورنا ميشيغوري… ليس متهورًا لدرجة أن يتوهم أنها ستنصاع للإقناع أو التفاوض.]
سوبارو: [――؟ إذن ما الذي يفعلونه هنا؟]
آبل: [الأمر في غاية الوضوح؛ ――كان يعلم يقينًا أنني سآتي إلى «مدينة الشياطين».]
وعند سماع جواب آبل دون أن يستوعب مغزاه، ارتسمت علامات الاستفهام فوق رأس سوبارو؛
وبنفس الحيرة، رفع آل يده مناديًا: «آبل-تشان»:
آل: [أتقول حقًا إن ذلك الإمبراطور المزيف كان قادرًا على توقع قدوم آبل-تشان إلى كايوسفليم؟ إن كان الأمر هكذا حقًا، ألسنا في ورطة حقيقية يا صاح؟]
آبل: [بوسعه قراءة أفكاري بدقة متناهية؛ ففي نهاية المطاف، وانطلاقًا من الموقع الذي سأظهر فيه بعد إقصائي عن العرش، ثم سقوط «مدينة الحصن (غوارال)»، فضلًا عن توزع «الجنرالات التسعة الساميين»… كان من الطبيعي أن ينحصر الخيار في «مدينة الشياطين» كموقع مصيري وحاسم.]
سوبارو: [رغم معرفتك بذلك كله… مهلًا، مستحيل!]
اتسعت عينا سوبارو وهو يستوعب كلام آبل الهادئ؛ ثم صوب سبابته المرتجفة نحو آبل، الذي كان يرمقه ببرود:
سوبارو: [كنتَ تتوقع أن نصطدم بالإمبراطور المزيف هناك، أليس كذلك؟! ولكي تتجنب مواجهته وجهًا لوجه، بقيتَ في النزل بمفردك…!]
آبل: [أحمق؛ ما الفائدة المرجوة من تصرف كهذا؟ فإن فرطتَ بقطعك ورجالك دون قتال، أفسدتَ طريقك إلى الفوز حتى في رقعة «شطرنج الشاترانج» المحسومة نتيجتها سلفًا.]
سوبارو: […حسنًا، كلامك منطقي، لكن…]
فالأمر الوحيد الذي لم يكن مستساغًا هو أن يُقدم آبل على خطوة تلحق الضرر بمصلحته؛
غير أن المشكلة تمثلت في عجز سوبارو عن إثبات العكس، وطالما ظل الأمر كذلك، فإن نظرية المؤامرة التي افترضها سوبارو —بأن آبل يدبر كل شيء بخبث من وراء الستار— ستظل مجرد نظرية مؤامرة واهية.
وعلى أية حال――
سوبارو: [دعنا من هذا الآن! ولنعد إلى صلب الموضوع؛ ماذا تقصد تحديدًا؟ الإمبراطور المزيف كان يعلم أنه عاجز عن إقناع يورنا-ساما بالانضمام إليه، ومع ذلك حضر إلى «مدينة الشياطين» فقط لأنك قادم إليها…]
آبل: [سيبادر بالتحرك لإفساد العلاقة بين فينسنت فولاكيا ويورنا ميشيغوري. وهل تظن أن بلوغ قمة برج «قلعة اللازورد القرمزي» سيكون سهلًا عليّ بعد حدوث أمر كهذا؟]
آل: [أوه، هذا حقًا… يا له من شخص ماكر يا صاح!]
وما إن أومأ آل برأسه موافقًا، حتى شعر سوبارو بالحنق ووافقه الرأي هو الآخر.
وأخيرًا، فهم سوبارو ما كان يرمي إليه آبل؛ وبعبارة أخرى، كان هدف فينسنت هو ألا تصبح يورنا صديقة ولا عدوة، بل إبقاؤها محيدة تمامًا كورقة ملغاة في هذا الصراع.
ولتحقيق ذلك، قصد القلعة بنفسه لتدبير انهيار حاسم ونهائي للمفاوضات مع الإمبراطور.
سوبارو: […إذن، لو تأخر وصولنا يومًا واحدًا فقط.]
آبل: [لكانت خطتهم قد تمت ونجحت؛ ولهذا السبب قلتُ لكم إنكم أديتم عملًا جيدًا.]
سوبارو: [――――]
وقف سوبارو متجمدًا وهو يرمق آبل بنظرات فاحصة دون أن يطرف له جفن؛
بعبارة أخرى، كان كلامه السابق مجرد طريقته الغريبة في التعبير عن الامتنان والتقدير. وإن كان الأمر كذلك، فليس هناك رئيس أسوأ منه في مدح أتباعه!
حتى التربيت على كتف نفسه سيكون أجدى بكثير من مديح آبل هذا.
سوبارو: [أحسنتَ يا أنا… وأنتما أيضًا يا آل ويا ميديوم-سان!]
آل: [أوه؟ أوه، أجل، أحسنا جميعًا يا صاح.]
ميديوم: [أجـل~؛ كانت ردود ناتسومي-تشان القاطعة واللاذعة مذهلة حقًا!]
وهكذا راح الثلاثة —الذين نجوا من الموت معًا وازدادوا ترابطًا— يثنون على بعضهم البعض. وعلى عكس آبل، شعر سوبارو بالشفقة تجاه تاريتا-سان التي انتابها شعور بالوحدة بعدما استُبعدت من دائرتهم.
سوبارو: [لكن هناك أمورًا كثيرة كنتُ أتمنى لو أطلعتني عليها مسبقًا؛ مثل حقيقة أن يورنا-سان تكنّ لك مشاعر خاصة مثلًا.]
آل: [أوه، هذا ما كنتُ أريد قوله أنا أيضًا يا صاح؛ أرجوك يا آبل-تشان، لا حيلة لنا في كونك ساحرًا للنساء بطبيعتك، لكن في هذه الحال عليك أن تدفع «ضريبة الإيكيمين»!] [1]
آبل: [أنا حقًا لا أفهم عما تهذي به أيها المهرج؛ وفوق ذلك، أنت تفهم الأمر بشكل خاطئ تمامًا.]
آل: [ماذا تعني بأفهمه بشكل خاطئ؟ أنا أصف ما رأيته بعيني فقط يا صاح.]
ورغم قوله «ما رأيته بعيني»، إلا أنه كان يشير إلى ما دار بين يورنا وفينسنت؛ غير أن الحقيقة هي أنها كانت توجه نظرات غزل وافتتان لـ آبل بالفعل.
ومع ذلك، تنهد آبل تنهيدة عميقة أمام إلحاح سوبارو وآل:
آبل: [لستُ أنا من تتجه نحوه مشاعر يورنا ميشيغوري؛ بل هو إمبراطور فولاكيا.]
سوبارو: […وهذا يعنيك أنت، أليس كذلك؟ لا تقل لي الآن إنك في الحقيقة هو المزيف، وإن الإمبراطور الآخر هو الحقيقي؟]
وللحظة خاطفة، تجددت الشكوك التي راودته في «قلعة اللازورد القرمزي»، وحدق سوبارو فيه شزرًا كأنه يمزح؛ غير أن آبل رد عليه مستخفًا بـ «هراء»:
آبل: [لا تأخذ الكلام بظاهره السطحي؛ صحيح أنني إمبراطور فولاكيا، غير أن مسمى «إمبراطور فولاكيا» لا يقتصر عليّ وحدي؛ فقد وُجد أباطرة لـ فولاكيا في الماضي، وسيوجد أباطرة لـ فولاكيا في المستقبل.]
سوبارو: [هذا…]
قلّب سوبارو عينيه بعد أن استوعب تفسير آبل المقتضب؛ وإلى جواره، أطلق آل استفسارًا بنبرة ساذجة: «هوووه~؟»:
آل: [أتقصد أن غاية يورنا-تشان هي ثروة آبل-تشان أو مكانته وسلطته يا صاح؟]
آبل: [لن أخوض في التفاصيل، لكني شبه واثق من أن الأمر يدور حول ذلك؛ فما ترنو إليه هو قمة الإمبراطورية… أن تكون المحظية المفضلة لدى إمبراطور فولاكيا، ولا يعني ذلك بالضرورة أن أكون أنا شخصيًا.]
سوبارو: […أشعر ببعض الشفقة نحوك صراحة.]
آبل: [لا تشفق عليّ بناءً على استنتاجاتك وتخيلاتك التي تسبق الأحداث.]
وبمعنى ما، كان ذلك شرطًا مسبقًا واضحًا ومحددًا للحب؛
المحظية المفضلة للإمبراطور―― وبعبارة أخرى، بدا أن غاية يورنا تكمن في أن تصبح زوجة الإمبراطور. ومما لا شك فيه أنها في تلك المكانة ستتمكن من حكم الإمبراطورية نفوذًا ومالًا دون أن تحتاج إلى الجلوس على العرش كإمبراطور بنفسها.
فحكم «كايوسفليم، مدينة الشياطين» لم يكن كافيًا لإشباع طموح ورغبات تلك المرأة الثعلبة الفاتنة.
تاريتا: [بمناسبة الحديث عن هذا، ماذا كتبتَ في رسالتك؟]
آل: [حسنًا، ربما وعدها بالزواج إن انضمت إلينا أو شيء من هذا القبيل يا صاح؛ أرى أن هذا أسرع حل، وفوق ذلك هي حسناء فاتنة.]
سوبارو: [أشك في أن جمالها كافٍ للتغطية على صعوبة مراسها والتعامل معها…]
كان سوبارو يرى أنه من الممكن التغاضي عن بعض الأنانية وسوء الطباع إن كانت المرأة جميلة، لكن إلى حد معين فقط؛
فـ بريسيلا ويورنا حسناوان لا شك في ذلك، لكن سوبارو لن يفكر في الزواج بأي منهما أبدًا؛ فمهما امتلك من أرواح وحيوات، لن يطيق العيش في حالة قلق ورعب دائم كهذه.
آبل: [لا نية لدي للكشف عن فحوى الرسالة؛ ومع ذلك، فلن تخيب توقعاتك، وأنا أضمن لك ذلك.]
سوبارو: [لا وجود للضمانات إلا عندما تتوفر الثقة… كلا، دعنا لا ندخل في هذا الجدال، فلا جدوى من قوله؛ توقف، كفى!]
صفق سوبارو بيديه لينهي الحديث عند هذا الحد.
ورمقه آبل بنظرة غير راضية أمام هذه الخاتمة الفجة، غير أن سوبارو التفت إلى آل واستهل كلامه بـ «على أية حال»، ليفتح موضوعًا جديدًا:
سوبارو: [كان هناك جنرال سامٍ، أطلقتَ عليه اسم أولبارت؛ «العجوز الخبيث»، أليس كذلك؟]
آل: [أجل، كان هناك يا صاح؛ ذلك العجوز نذير شؤم وبلاء حقيقي. قابلتُ الكثيرين في حياتي، لكنه من طينة أخرى تمامًا بين كل من صادفتهم.]
سوبارو: [أتظن أن ذلك العجوز قد انضم بالفعل إلى صف خصمنا؟ إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن أراكيا، وتشيشا، وشخصًا ثالثًا قد باتوا في قبضة العدو بالفعل.]
وللظفر بأغلبية «الجنرالات التسعة الساميين»، لا بد من حيازة خمسة منهم؛
ولكن في حين لا يزال سوبارو ورفاقه يكافحون لكسب الجنرال الأول إلى صفهم، كان هناك ثلاثة من الجنرالات التسعة الساميين يقفون في معسكر الخصم بالفعل.
آل: [وبالمناسبة، مما سمعتُه سابقًا، ذلك العجوز هو جنرال الرتبة الثالثة؛ ولديهم أيضًا جنرال الرتبة الثانية الآنسة الصغيرة أراكيا، وجنرال الرتبة الرابعة تشيشا يا صاح.]
سوبارو: [لقد استحوذوا على أصحاب الرتب العليا تقريبًا!]
صاح سوبارو بصوت مرتفع بعد سماع تقرير آل المحبط؛
فإن كانت الرتب موزعة بحسب القوة، فإن ميزان القوى يبدو خاسرًا وميئوسًا منه منذ الآن. وبما أن يورنا تحتل الرتبة السابعة فقط، كان قلق سوبارو وانزعاجه أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا.
آبل: [كف عن الصياح… من المرجح أن أولبارت لم يتحالف مع الفصيل الآخر بعد؛ فهو يكتفي حاليًا بإطاعة أوامر الإمبراطور بصفته أحد الجنرالات الساميين.]
سوبارو: […وما دليلك على ذلك؟]
آبل: [أولبارت دونكيلكن رجل يستحيل التنبؤ بنقلاته التالية هو الآخر؛ فإن أراد المرء تغيير مجريات الوضع الحالي، فعليه تعديل مسار النصر. قد يكون التأثير على أراكيا أمرًا هينًا، لكن الإيقاع بـ أولبارت ليس بالشيء السهل.]
سوبارو: [إذن ما تقوله هو أنه يستحيل إحكام السيطرة على الجنرالات التسعة الساميين في نهاية المطاف…؟]
وبعبارة أخرى، بما أن آبل عجز عن الإمساك بزمام سيطرتهم المطلقة، فإن البديل الذي احتل مكانه سيعجز بدوره عن السيطرة الكاملة عليهم.
وكان حديثًا لم يجد فيه سوبارو ما يبعث على الارتياح، بل زاده قلقًا وتوجسًا تجاه المستقبل القادم.
تاريتا: [إذن، فالعجوز المدعو أولبارت ما زال هناك أمل ومجال لكسبه إلى صفنا.]
آبل: [بطبيعة الحال، لا بد من تقديم ورقة ضغط ملائمة على طاولة المفاوضات؛ فهو عجوز داهية وله مطالبه وتطلعاته. وحين تتضح معالم الموقف أكثر، يمكننا تحديد ما سنقدمه.]
سوبارو: […أوه، بالمناسبة، أنت تعرفه يا آل، أليس كذلك؟ ما طبيعة علاقتك به؟]
فإن أرادوا التفاوض مع أولبارت، رأى سوبارو أن آل هو الخيار الأمثل لتولي الأمر؛
إذ كشف الحوار الذي دار بين آل وأولبارت في برج القلعة عن هذا الاحتمال.
سوبارو: [«جزيرة المصارعين»، أليس كذلك؟ إذن فقد أديتَ دورًا في حل حادثة وقعت هناك…]
آل: [أجل يا صاح؛ لكن ليس هناك الكثير لأضيفه، أتعلم؟ قبل ثماني سنوات، حين كنتُ ما أزال مصارعًا في فولاكيا، تورطتُ في تمرد اندلع في الجزيرة؛ حيث احتجز بعض المصارعين كونتيسة رفيعة المستوى كرهينة أثناء نزال حتى الموت، وقدموا مطالب مقابل إطلاق سراحها.]
سوبارو: [يبدو لي أن ذلك كان حادثًا جسيمًا… وأنت من قام بحله يا آل؟]
آل: [لتحديد الأمر بدقة، كنتُ أنا والآنسة الصغيرة أراكيا حين كانت لا تزال طفلة صغيرة يا صاح. ثم هناك تلك «الكونتيسة الرفيعة» التي يفترض أنها كانت محتجزة كرهينة… يمكننا الحديث عن هذه التفاصيل لاحقًا.]
وحك آل مؤخرة عنقه بحرج وهو يتستر على تفاصيل النصف الثاني من القصة؛ وبدا أنه موضوع يستثقل الخوض فيه، لكن حتى دون معرفة التفاصيل المكتومة، كان جوهر الأمر واضحًا ومفهومًا.
فقد أدى آل دورًا في حل حادثة وقعت في الإمبراطورية، وبعد ثماني سنوات طالب بمكافأة على إنجازه ذاك؛ وكان هذا بالتحديد ما مكّن سوبارو ورفاقه من تحقيق غايتهم والعودة سالمين بأرواحهم.
سوبارو: [وهل أردتَ حقًا استغلال تلك المكافأة بهذه الطريقة؟]
آل: [لا أظن أن فرصة استخدامها كانت ستسنح لي في أي مكان آخر غير هذا، فلمَ لا يا صاح؟ بصراحة، لم أكن أتوقع أن تكون تلميحًا وتمهيدًا مذهلًا إلى هذا الحد؛ وأود توجيه الشكر لنسختي الكسولة في ذلك الوقت.]
أطلق آل ضحكة مرحة، ساعيًا على ما يبدو إلى تجنيب سوبارو الشعور بمزيد من الذنب أو الحرج.
وفيما كان سوبارو يشعر بالامتنان لتقديره ولطفه، تمتم آبل بنبرة متفهمة: «أهكذا كان الأمر إذن؟»، وهز رأسه موافقًا.
ثم أمسك آبل بذقن «قناع الأوني» ورفعه برفق إلى الأعلى كاشفًا عن وجهه أمام آل، وتابع:
آبل: [وصلتني أنباء تفيد بأن أحد المصارعين في «جزيرة المصارعين» قد كابد وبذل جهدًا في خضم الاضطرابات التي أعقبت اعتلائي العرش مباشرة؛ وسمعتُ كذلك أنه لم يطلب أي مكافأة لقاء صنيعه… أكنتَ أنت ذلك الرجل، أيها المهرج؟]
آل: [يبدو أنه أنا بالفعل يا صاح؛ والمدهش في الأمر حقًا هو وصول الخبر إلى مسامع الإمبراطور وتذكره له حتى الآن. يراودني شعور بأنه سيتذكر لاحقًا كل الأحاديث التافهة التي تبادلناها أثناء رحلتنا أيضًا.]
آبل: [كان ذلك صنيعًا عظيمًا؛ ――وسأكافئك على خدمتك تلك مهما كلف الأمر.]
آل: [أوه…]
وجاءت كلمات آبل رصينة محفوفة بصدق لا يتزعزع وهو يظهر وجهه الحقيقي؛
فمبدأ آبل القائم على «حتمية الثواب والعقاب» أضفى عليه هيبة الإمبراطور من جديد؛ إذ لا تسمح له نشأته كإمبراطور بتجاهل من لا يطالبون بجزاء إنجازاتهم.
ولن يفلت آل هذه المرة دون أن ينال مكافأته المستحقة.
آبل: [على أية حال، ما دامت الرسالة قد باتت في قبضتها، فلا مفر لنا من انتظار رد الغد.]
سوبارو: [معك حق؛ فلم يعد بوسعنا فعل شيء آخر… وفي هذه الأثناء، أكدت الفتاة التابعة لـ يورنا-سان أن جماعة الإمبراطور المزيف لن يمسونا بأي أذى.]
آبل: [إن كان ذلك صادرًا عن يورنا ميشيغوري، فلا موجب للشك فيه إطلاقًا.]
لقد سلّم آبل بتطمينات تانزا دون أدنى تردد؛ وبدا أن هناك خفايا ما يزال آبل يكتمها، أمورًا لم يُطلع عليها سوبارو ورفاقه بعد.
ومع ذلك――
سوبارو: [حتى لو طلبتُ منك أن تطلعني عليها…]
آبل: [أنا وحدي من يقرر ما يُنقل إليكم من معلومات؛ وما ستتلقونه هو ما تستطيعون تحمله والتعامل معه فحسب. ――على الأقل في الوقت الراهن.]
سوبارو: [على الأقل في الوقت الراهن… هه.]
وللحظة خاطفة، عادت نبرة سوبارو في الحديث إلى طبيعتها الذكورية، ولام نفسه على ذلك التوتر الذي اعتمل في صدره.
وكان من السهل اتهام آبل بعدم التعاون، غير أن آبل نفسه يأبى الهزيمة؛ وتماما كما يبذل سوبارو قصارى جهده، كان آبل يبذل كل ما في وسعه أيضًا.
ولعل هذا المسعى هو ما يبتغيه سوبارو، غير أن خطواته لم تكن متوافقة مع خطوات آبل بعد.
آل: [إذن، انتهى أمر اليوم عند هذا الحد، أليس كذلك يا صاح؟ لحسن الحظ، خرجنا سالمين بأرواحنا لنواصل غدًا ما بدأناه؛ وفوق ذلك أحبطنا مساعي الخصم، لذا أرى أننا أدينا ما علينا على أكمل وجه.]
تحدث آل بصوت مسموع ليكسر ذلك التوتر المشحون بين سوبارو وآبل.
وتفهم سوبارو قصده، فأومأ برأسه موافقًا: «معك حق».
ورغم تلك الظروف العصيبة، فقد خُطيت الخطوة الأولى نحو استمالة يورنا ميشيغوري بفضل شجاعة آل وميديوم.
ولم يبقَ أمامهم خيار سوى انتظار رد يورنا في الغد.
سوبارو: […كما توقعتُ، أنا منهك للغاية.]
وما إن أدرك أنه لم يعد ثمة ما يمكن فعله اليوم، حتى شعر بثقل وإعياء يطبق على كامل جسده.
لا بد أن التوتر قد زال، فأخذ جسده يستشعر وطأة الإرهاق؛ فمنذ صعودهم إلى القلعة عقب رحلتهم الشاقة مباشرة، مرورًا بلقاء يورنا ومواجهة الإمبراطور البديل، كانت تلك نهاية جولة حاسمة ومصيرية.
وكانت ذراعه اليمنى تؤلمه من شدة الإجهاد الذي كابده، كما كان عليه الاعتناء بسوطه الذي استعمله بتهور بالغ.
فبعد إنجاز مهمة جسيمة، يغدو الاعتناء بالجسد والأدوات أمرًا بالغ الأهمية.
سوبارو: [ومع ذلك، يغالبني النعاس…]
ممسكًا برأسه المترنح، تمتم سوبارو بينه وبين نفسه في شبه غيبوبة.
وعندما رأت تاريتا حالته، ساندته قائلة: «ناتسومي»:
تاريتا: [لقد أنجزتِ مهمة عظيمة؛ سأتولى أنا الاعتناء بمعداتكِ، لذا أرجوكِ ارتاحي مبكرًا الليلة. وسأتولى الحراسة الليلية أيضًا.]
سوبارو: [الحذر والتحسب للغارات الليلية داخل المدينة يجعلك تشعر وكأننا في عالم ما بعد نهاية العالم…] [2]
وابتسم سوبارو ابتسامة خفيفة لاهتمام تاريتا، وقرر الاعتماد على كلماتها.
وتنفس الصعداء متوجهًا إلى الغرفة المخصصة له؛ غير أنه، وبينما كان يهم بالدخول――
؟؟؟: [أوو!]
سوبارو: [أنتِ مجددًا…]
فقد قفزت لويس —التي كان يفترض أنها معزولة في الغرفة المجاورة— نحو سوبارو وكأنها كانت تترقبه؛ وإزاء تصرفها ذاك وتشبثها بذراعه، وضع سوبارو يديه على رأسها بضجر وسأم تام.
ولولا أنها لويس، لما مانع تلك التوسلات الطفولية للفت الانتباه؛ غير أن خفض حذره أمام لويس تحديدًا كان أمرًا عسيرًا، لا سيما وهو في قمة إعيائه.
ودون أن ينبس ببنت شفة، وضع سوبارو إصبعه على جبهة لويس ونقر جبهتها البيضاء بخفة، لتطلق تأوهًا: «أوا».
سوبارو: [لستُ متفرغًا لكِ؛ والآن، تنحي جانبًا رجاءً.]
لويس: [آا، أوآا!]
؟؟؟: [أوه، غادرت الفراش مجددًا! معذرة منكِ يا ناتسومي-تشان؛ تعالي إلى هنا يا لويس-تشان! أنتِ معي!]
وحُمل جسد لويس —وهي ممسكة بجبهتها— بذراعي ميديوم الممتدتين من خلفها؛ وظلت لويس تركل بساقيها محاولةً باستماتة القفز نحو سوبارو، حتى توارت خلف الباب مرة أخرى، لتنتهي مشاغباتها نهائيًا هذه المرة.
سوبارو: [يا إلهي، ما خطبها…]
آل: [لقد ازدادت تعلقًا بك يا صاح، أليس كذلك؟ فحتى لو لم تستوعب مجريات ما حدث، يبدو أنها شعرت بأنك كنت قاب قوسين أو أدنى من الموت.]
سوبارو: [――――]
فإن أصاب آل في استنتاجه، فإن تصرف لويس نابع من قلقها على سوبارو؛ غير أنه كان من الصعب على سوبارو تقبل ذلك من الناحية العاطفية. فـ لويس تتصرف كطفلة بريئة، لكن في أعماقها يكمن شر وخبث لا يغتفر.
وكان هذا الإيمان القاطع هو الأساس الثابت الذي يحكم علاقة سوبارو بـ لويس.
سوبارو: [يا آبل، سأذهب إلى غرفتي لأرتاح؛ ويمكنك أنت…]
آبل: [لا تشغل بالك؛ فوجودك لن يقدم لنا نفعًا يُذكر عند وقوع أي طارئ.]
سوبارو: [إياك أن تلقي بالحمل كاملًا على تاريتا-سان وحدها؛ وابقَ يقظًا طوال الليل تحسبًا لأي غارة مباغتة.]
وبعد تلقيه ردًا جافًا مجردًا من أي اكتراث، رد سوبارو بتهكم لاذع.
ورغم أنه أشفق على تاريتا —التي ارتبكت وهي تقف وسيطة بينهما— إلا أنه شعر بالارتياح لأن كل ما تعين عليه إنجازه قبل الخلود إلى النوم قد تم أخيرًا.
سوبارو: [سأزيل مساحيق التجميل، وأخلع هذه الثياب… ثم أنام كالميت.]
وعند عودته إلى الغرفة المخصصة له، كان سوبارو يترنح برأسه وهو يخلع ملابسه.
فبعد أن غادر «قرية شودراك»، لم يعد إصلاح الشعر المستعار بالأمر الهين؛ إذ يتطلب عناية فائقة وتدقيقًا شديدًا، مما جعل التعامل معه عملية دقيقة وحذرة للغاية.
فغسل الشعر المستعار بضغطه داخل شبكة دقيقة، ثم غسل ثيابه وحذاءه بعناية بعد خلعها.
وبعد هذه العناية الأولية السريعة، ارتمى سوبارو فوق الفراش.
أغمض عينيه، وأخذ وعيه يغيب ببطء.
سوبارو: [غدًا إذن…]
فقد تغيرت الظروف مجددًا؛
وإن تبدل الموقف، تبدلت معه المعطيات التي يراها؛ وإن تبدلت المعطيات، فسيُفتح أمامه طريق جديد؛ وإن انفتح الطريق، استطاع الاقتراب خطوة أخرى من غايته… إلى حيث ينتظره كل من افترق عنهم.
سوبارو: [ريم… بياكو… إميليا، تان…]
وبقلب يعتصره الشوق والألم، نادى سوبارو بأسماء أحبائه في تلك البلاد البعيدة.
وبينما كان يحلم بأحبائه وبلقاء يجمعه بهم من جديد، غاب وعيه في سبات عميق――
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [――――]
وببطء وهدوء، أخذ وعيه يستيقظ شيئًا فشيئًا، ففتح سوبارو جفنيه وهو ممدد فوق السرير.
لم يكن سوبارو ممن يغلبهم النوم بسهولة في العادة، غير أنه بلغ من فرط الإنهاك في الليلة الماضية حدًا جعله يغط في نوم عميق؛ نوم هانئ لدرجة أنه لم يتذكر حتى إن كان قد رأى أي حلم.
وظن أن ذلك النوم كافٍ ليخلصه من وطأة التعب والإرهاق، لكن――
سوبارو: [ما هذا؟] [3]
غير أن ما أيقظ سوبارو لم يكن كفايته من الراحة، بل حركة صاخبة وجلبة قريبة؛
ففي غرفة النوم التي يرقد فيها، تسللت أصوات حيوية وحركة مريبة من وراء الباب، فعملت كمنبه مفاجئ انتزعه من غفوته.
――والاستيقاظ على جلبة وصخب ليس نذير خير على الإطلاق.
وخارج النافذة، كانت خيوط شمس الصباح تتسلل عبر الستائر المغلقة، مشيرة إلى أن الوقت لا يزال باكرًا نوعًا ما.
ومستشعرًا الصخب الذي يملأ «مدينة الشياطين» من الصباح الباكر، رمق سوبارو الشعر المستعار المتروك ليجف في الظل، محتارًا في أمره؛
فبناءً على ما فعلوه حتى الآن، يجدر به ارتداء ملابس التنكر الأنثوية بشخصية «ناتسومي شوارتز».
ولكن إن كان الوضع خلف الباب خطيرًا وعاجلًا، فلن يتسع الوقت للتنكر والتجمل. وبعد تفكير وجيز، قرر أن الأولوية تقتضي استطلاع ما يجري أولًا.
فثمة احتمال كبير بأنه يتعجل الحكم ويسيء فهم الأمور؛ فلو كان هناك خطب جلل حقًا، لبادر آل، أو ميديوم، أو تاريتا، أو أي أحد غير آبل بإيقاظه فورًا.
ولهذا السبب――
سوبارو: [آه؟! ]
وبهذا الخاطر في ذهنه، همّ سوبارو بالنزول من السرير، فهوى وسقط على كتفه مباشرة نحو الأرض!
وجعلت قوة الارتطام الشرر يتطاير أمام عينيه، مذهولًا مما أصابه للتو؛ فلم يكن الأمر وعكة صحية، ولا تعثرًا في الثياب التي خلعها.
بل لأن قدمه لم تلمس الأرض إطلاقًا، وكأنه أخطأ في تقدير المسافة والارتفاع تمامًا.
――فساقا سوبارو عجزتا عن بلوغ المسافة الفاصلة بين السرير والأرض!
سوبارو: [هذا مستحيل وغير معقول…]
صحيح أن سوبارو كان يشعر بالحرج أحيانًا من قصر ساقيه، لكن ليس لدرجة أن يعيقه ذلك في حياته اليومية بأي شكل؛ فحتى مع قصر ساقيه، فقد تعايش مع هذا الجسد طوال ثمانية عشر عامًا.
واعتدل جالسًا، ليدرك في الحال أنه يستحيل أن يخطئ تقديرًا بديهيًا كهذا.
――والغريب في الأمر، أن كل شيء في الغرفة بدا أكبر حجمًا مما كان عليه البارحة!
سوبارو: [مهلًا، مهلًا، أي مزاح سخيف هذا…]
تشنجت وجنتاه وارتجف صوته وهو يتحسس ملامح وجهه؛ وتلاحقت أنفاسه مع دقات قلبه المتسارعة والعالية، فأخذ يزحف وذراعاه وساقاه تغرقان وتتعثران في ثيابه الفضفاضة والواسعة للغاية.
ومضى يزحف نحو المرآة الموضوعة في حقيبته؛ فالمرآة كانت أداة أساسية لوضع مساحيق التجميل وارتداء الثياب، فنظر إلى انعكاسه ليرى ما حل به، وعندها――
سوبارو: [ما هذا ماذا بحقك…؟]
تمتم سوبارو بذهول وذعر وهو يحدق في صورته المنعكسة في المرآة.
وكانت المرآة ترتجف بين يديه، والانعكاس فيها لم يكن لأحد سوى ناتسوكي سوبارو نفسه؛
غير أن――
سوبارو: [――――]
――غير أن الظاهر في المرآة كان ناتسوكي سوبارو الصغير، كصبي في العاشرة من عمره تقريبًا!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] «إيكيمين» (Ikemen): مصطلح ياباني معاصر يُطلق على الرجل الوسيم أو الجذاب.
[2] التعبير المستخدم في الأصل الياباني هو «نهاية القرن / نهاية العالم» (Seikimatsu)، وهي عبارة شهيرة يُرجح أن سوبارو اقتبسها من سلسلة الأنمي والمانغا «سيف النار / قبضة نجم الشمال» (Hokuto no Ken) التي تدور أحداثها في عالم ما بعد الكارثة.
[3] يتخلى سوبارو هنا عن أسلوب كلام «ناتسومي» المؤنث والأكثر تهذيبًا، مستأنفًا أسلوبه المعتاد في الحديث لمعظم الوقت بعد هذه الحادثة.