الفصل 399 - مكافأة استغرقت ثماني سنوات
الفصل الثامن والثلاثون
«مكافأة استغرقت ثماني سنوات»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――«آبل يثير حنقي».
كان سوبارو يرى في هذا الشعار استراتيجية محكمة لاسترعاء اهتمام «المتألقة»، يورنا ميشيغوري؛
ففي نهاية المطاف، كان زكر —ذلك الرجل النبيل ذو الطبع الدمث— قد نعتها بأنها صاحبة «نزوع نحو التدمير»، وشخصية دأبت على إشعال فتيل التمرد مرة تلو الأخرى.
وكانت ذريعة سوبارو لالتماس المثول بين يديها هي أن «شخصية ذات بأس ونفوذ عظيم ترغب في التحدث إليها سرًا لتدبير تمرد ضد إمبراطور فولاكيا الحالي».
فوفد سوبارو الثلاثي كان يزور «قلعة اللازورد القرمزي» حاملًا رسالة من ذلك الرجل النافذ.
وفي واقع الأمر، لم يتفوه سوبارو بفرية واحدة؛
فـ «إمبراطور فولاكيا الحالي» لم يكن سوى الغاصب الذي أطاح بـ آبل واستولى على اسمه وعرشه؛ و«الشخصية ذات البأس» التي رغبت في محادثتها سرًا صادف أنها الإمبراطور الحقيقي بشحمه ولحمه، ذلك الذي يفترض به أن يتربع على سدة الحكم، لذا خلا كلامه من أي بهتان.
وكان مبتغى سوبارو الأوحد هو ضمان وصول رسالة آبل وقراءتها مهما كلف الثمن؛ وإن اقتضى بلوغ تلك الغاية نسج أرتال من الأكاذيب، فلن يترددوا في فعل ذلك.
سوبارو: [هذا هو جوهر خطة ناتسومي شوارتز…!]
وحصد في ختام خطته تلك تصفيقًا وإشادة من آل وميديوم على حنكته وذكائه.
غير أنه――
كافما: [――متمردون على صاحب السعادة، أتقولين؟]
ومع انكشاف ما أُسرّ إلى يورنا على رؤوس الأشهاد، ازداد صقيع القاعة برودةً وقسوة.
وكان كافما إيرولوكس، حارس فينسنت الشخصي وأكثر الجالسين غليانًا وحماسة منذ برهة، ينضح بعدائية قارصة كادت تُحسب صقيعًا يلف الأرجاء.
وأدرك سوبارو من صرامة نظراته وحدتها أن الخروج الآمن بسلام من هذا المأزق لم يعد في الحسبان؛
――«غرق الماكر في شباك مكيدته»، حكمة لم تكن قط أصدق وقعًا عليه مما هي عليه الآن.
سوبارو: [لكن أليس سوء التوقيت وانعدام تبادل المعلومات كلاهما من خطأ آبل…؟]
كافما: [الزم الصمت! ――جنرال الرتبة الأولى يورنا.]
أخرس كافما سوبارو الذي انبرى يلعن آبل لتوريطه في هذا الموقف العبثي؛ ثم صوب نظراته الفولاذية الصارمة نحو يورنا:
كافما: [أسمحتِ لصاحب السعادة وهؤلاء بالحضور في آنٍ واحد عن عمد ودراية؟]
يورنا: [――――]
كافما: [أريد منكِ جوابًا شافيًا!]
وحين رفع كافما عقيرته بالصياح، لم يكن سخطه موجهًا نحو سوبارو الذي يتفاقم توجسه ولا نحو رفاقه، بل انصب جام غضبه على يورنا لتسببها في خلق هذا الاحتقان الخانق.
ولم يكن ذلك لمجرد أن التبعة تقع على كاهل يورنا فحسب؛
بل بعبارة أوضح، كانت علامة صريحة على أنهم لا يقيمون لسوبارو ورفاقه وزنًا، ولا يرون فيهم أدنى تهديد.
وفي الحقيقة، فإن الزخم والروح القتالية المنبعثة من كافما المنتصب بقوة قد ولدت لدى سوبارو شعورًا بأنه يماثل في سطوته وخطورته أراكيا، تلك التي واجهوها في دار بلدية غوارال.
وعلى أقل تقدير، لم يساوره أدنى ريب في أنه مقاتل فذ يحوز من البأس ما يؤهله لمرافقة الإمبراطور وحمايته.
ومن منظوره، كان من البديهي ألا يرى في سوبارو —فضلًا عن آل وميديوم— ما يستدعي الحيطة أو الحذر.
آل: [نحن المعنيون بالأمر في الأصل ومع ذلك هُمشنا تمامًا؟ أهذا في صالحنا أم نذير شؤم يا صاح…؟]
مشاطرًا آل توجسه حيال تمتمته الخافتة تلك، تواصلت فصول المشادة المحتقنة بمعزل عن سوبارو ورفاقه؛ إذ تابع كافما استجواب يورنا، التي وضعت فوهة غليون «الكيسيرو» بين شفتيها ونفثت سحابة من الدخان البنفسجي.
ثم أمالت رأسها متمتمةً «يا ترى…؟» بينما تهتز حليات شعرها الزاهية:
يورنا: [وماذا تعني بـ «عن عمد ودراية»؟]
كافما: [يا للوقاحة والصَفَاقة…! وكما نصحتُ صاحب السعادة مرارًا وتكرارًا، ما زلتِ تشكلين خطرًا داهمًا.]
يورنا: [أنت تردد أمرًا بديهيًا؛ فمع كل تلك الفوضى التي أحدثتها… ألعلك تجهل ما اقترفتُه يداي؟]
كافما: [――هڪ.]
وإثر كلمات يورنا تلك —التي يستحيل تفسيرها بغير الاستفزاز الصريح— برز عرق نابض فوق جبين كافما حنقًا.
ورغم غرابة الموقف، وجد سوبارو نفسه يميل لتأييد كافما مما استشفه من سجالهما؛ فطِباع يورنا بدت بغيضة للغاية في نظره، حتى من زاوية سوبارو نفسه.
ورغم أنهم وطّنوا أنفسهم على مواجهة قدرٍ من الخبث والقسوة استنادًا إلى ما تناهى إليهم من ذائع صيتها، إلا أن ما عاينوه قد فاق كل توقعاتهم.
ومع ذلك، بدا أنها لم تكن تروم مجرد تسليم سوبارو ورفاقه —الذين وُسموا صراحةً بعناصر متمردة— إلى فينسنت ورجاله الذين تصادف وجودهم هناك في ذات اللحظة؛
فالأجواء كانت مشحونة باحتقان يفوق بكثير ما يتطلبه مشهد تقديم خونة مارقين بين يدي الإمبراطور.
وفوق هذا كله――
فينسنت: [――كعادتكِ دومًا، ذوقكِ يبعث على النفور والغثيان.]
وهكذا، ضاربًا بنوايا يورنا عرض الحائط، انطلق صوت فينسنت باردًا قاطعًا.
وإزاء كلمات فينسنت القاسية تلك، رفعت يورنا حاجبيها المنسقين برقة:
يورنا: [أوه، ألا يروق ذلك لذوق صاحب السعادة؟]
فينسنت: [سخفٌ وهراء؛ فالنزال إن كان محسومًا لطرف واحد إلى هذا الحد، فكأنما تطلقين أرنبًا ليصطاد كلبًا. لم أسأم من شؤون الإمبراطورية لدرجة تجعلني أتخذ من محض القسوة الفجة تسلية وترفيهًا.]
خرج كلام فينسنت مشوبًا بالبرود واللامبالاة، غير أنه نضح بهيبة وسلطة حاسمة لا تقبل الجدال.
وتقبلت يورنا كلماته تلك برباطة جأش، بينما ارتعشت أذناها الثعلبيتان من بين ثنايا شعرها المعقود؛ ولم يستبن سوبارو كنه المشاعر التي تفصح عنها تلك الحركة.
وينطبق الأمر ذاته على خفايا مشاعر فينسنت؛
سوبارو: [――――]
أي عاصفة عاتية يا ترى تضطرم في صدره وهو يجابه متمردين وجهًا لوجه؟
لقد كان سبر أغوار الإمبراطور الزائف أشد عسرًا بمراحل من التكهن بأفكار الإمبراطور الحقيقي، لا سيما مع يقينه بأن الجالس قبالته ليس سوى منتحل بديل.
فلا شك أن هذا البديل يضمر لـ آبل كل سوء وبغضاء طالما أنه هو من أقصاه عن عرشه، ولكن――
سوبارو: [يستحيل أن يبلغ به الغباء حد إظهار ذلك علانية…]
فينسنت: [――أنتِ.]
سوبارو: [――هڪ!]
وانحبست أنفاس سوبارو حين اخترقت عينا فينسنت الداكنتان سويداء قلبه مباشرة؛ وللحظة خاطفة، شُلّت قدرته حتى عن إشاحة بصره، ليجد نفسه على حين غرة يرنو في عيني ألد أعدائه وأعتى خصومه دون أدنى استعداد.
كان محياه نسخة طبق الأصل من الوجه الحقيقي، وإن جهل السبيل إلى اصطناع ذلك الشبه؛
فالأصيل والبديل كلاهما يحوزان ذات العينين الداكنتين الحادتين اللتين تحاولان سبر أغوار كل خلجة وإيماءة يبديها المرء؛ مما جعل فرائص سوبارو ترتعد وأحشاءه تتقبض――
فينسنت: [إن كان في جعبتكِ ما تودين قوله، فانبسي به الآن.]
سوبارو: […نظرات عينيكِ تثير حنقي وغيظي.]
كافما: [مـ-ماذا…؟! ]
سوبارو: [آه! كلا، كلا، كلا! لم أقصد الإساءة إطلاقًا! لقد أفلتت من لساني عن غير قصد فحسب!]
ففي أكثر الأوقات حرجًا ومجافاة للصواب، وافق استجواب الإمبراطور الزائف فلتة لسان نضحت بالحنق؛
وانعقد لسان كافما ذهولًا، وتجمدت على وجهه أمارات الصدمة التامة إثر تفوه سوبارو بتلك الكلمات الوقحة في وجه الإمبراطور مباشرة؛ فلوّح سوبارو بيديه على عجل متنصلًا، بينما أغمض فينسنت إحدى عينيه ولزم الصمت.
ورغم مباغتة الموقف، رمق فينسنت سوبارو بنظرة فاحصة وكأنه يزن قدره ويقيمه.
تلك النظرة ذاتها التي صوبها آبل الحقيقي نحو سوبارو في «غابة بودهايم»، وفي قرية «نساء شودراك»، وفي «دار بلدية غوارال»―― كانت نظرة هذا البديل من ذات الطينة والنسق.
سوبارو: [آه، على أية حال، نحن…]
وخلف ظهره، كان آل وميديوم يترقبان الموقف بأنفاس محبوسة؛
فلا شك أن فلتة لسان سوبارو الصادمة تلك قد وضعت أعصابهما تحت وطأة ضغط هائل؛ فالأجواء في القاعة باتت متجمدة ومحتقنة للغاية، وأي زلة لسان أخرى كفيلة بنسف الموقف وتفجيره في التو واللحظة.
فضلًا عن أن المأزق الذي حُشروا في خضمه كان شديد القسوة والوطأة منذ البداية؛
فليس يورنا وحدها، بل حتى كافما لم يكن من صنف الخصوم الذين يقوى سوبارو ورفاقه على مجاراتهم أو مقارعتهم بأي حال.
وإن كان الواقع كذلك، أفلن يكون من الحكمة التراجع عن دعواهم أمام يورنا، والتشديد على أن وسمهم بالمتمردين محض فرية شائنة، ثم طأطأة رؤوسهم والانصراف بهدوء؟ حتى وإن بدا هذا المخرج باهتًا وخاليًا من البطولة؟
واضعًا ذلك الخاطر في حسبانه، حاول سوبارو ترخية شفتيه متصنعًا ابتسامة ودودة ومسالمة؛
――غير أن سوبارو فطن حينها إلى أن نظرات يورنا قد تسمرت عليه مباشرة دون أدنى حراك.
يورنا: [――――]
وفي صمت مطبق، راقبت يورنا حركات سوبارو وهي تسحب نفسًا عميقًا من غليون «الكيسيرو»؛
نظرة غامضة ملتبسة، لا تنم عن فتور ولا تفصح عن لامبالاة؛ نظرة مبهمة كالدخان البنفسجي المتموج في الأرجاء، كطيفٍ يتلاشى كلما رام المرء الإمساك بتلابيبه.
ورأى أن التعويل على تلك النظرة ضربٌ من الحماقة المفرطة؛
غير أن حدسًا دفينًا راود سوبارو بأن هذه اللحظة بالذات هي نقطة التحول ومفترق الطرق الحاسم.
تلك النظرة، التي كادت تفقد اهتمامها بمجموعة سوبارو، لم تكن متقلبة لدرجة أن تعيد اهتمامها بشيء أهملته؛ فالفرصة التي تضيع هنا لا يمكن استعادتها أبدًا.
وبعبارة أخرى، كان ذلك يعني استحالة كسب تعاون يورنا ميشيغوري بعد الآن؛
وهو ما يعني سد الطريق أمام أي أمل ضعيف في تحقيق النصر وسط هذا الظلام.
ولهذا السبب――
فينسنت: [――أجيبي بحذر؛ ماذا كنتِ تنوين قوله لي؟]
سوبارو: [حسنًا، أمم――]
ومع سؤال فينسنت، تردد سوبارو للحظة قصيرة قبل أن يرفع رأسه.
ضيّق كافما، الواقف بجانب الإمبراطور المزيف، عينيه وركز انتباهه بالكامل على سوبارو. وخلفه، تصاعد التوتر لدى آل وميديوم، بينما كانت يورنا تحتفظ بالدخان البنفسجي في رئتيها.
لمح سوبارو كل ذلك بطرف عينه، ثم نظر في عيني فينسنت مباشرة، وأعلن:
سوبارو: [الأمر كما قالت يورنا-ساما تمامًا؛ نحن نعلن الحرب عليك.]
نعم، قالها وكأنه يتشبث بموقف لا يجوز له التراجع عنه، وبفرصة لا يمكنه التفريط فيها أبدًا.
فريم التي تنتظر عودته في غوارال، وآبل الغائب، وآل وميديوم المستعدان خلفه لأي طارئ، كلهم ائتمنوا سوبارو على هذا القرار؛
ولكي لا يسيء ناتسوكي سوبارو تقدير أهمية هذه اللحظة، ولكي لا يضيع كل شيء هباءً――
فينسنت: [――――]
تحركت عينا فينسنت الداكنتان قليلًا حين سمع هذا الإعلان الصريح للعداء.
ولم تسعف سوبارو فراسته في معرفة الشعور الذي تعبر عنه تلك النظرة؛ أكان غضبًا، أم دهشة، أم سرورًا. بل شعر بريقه يجف بسرعة من شدة التوتر وجرأة الكلمات التي نطق بها.
وهذا أمر طبيعي تمامًا؛ فعلى عكس آبل، الذي جُرد من سلطته الفعلية كإمبراطور لإمبراطورية فولاكيا مترامية الأطراف، كان هذا الإمبراطور المزيف أمامه هو من يقبض على زمام تلك القوة كورقة ضغط حقيقية.
ولو لم يرفع فينسنت يده ليوقف كافما بعد تلك الزلة السابقة، لانفجر كافما غضبًا ولانتهت حياة سوبارو في التو واللحظة؛
لكن ذلك لم يحدث، لأن فينسنت لم يسمح به.
يورنا: [كوهو…]
ومن مقعدها المرتفع، كانت يورنا تنظر إلى المواجهة بين سوبارو وفينسنت، فأفلتت همهمة خافتة من حلقها.
وخرجت ضحكة رقيقة من زاوية فمها مع تسرب الدخان، واهتز كتفاها تسليةً واستمتاعًا. ويبدو أن إعلان سوبارو الجريء، الذي خاطر فيه بحياته، قد نجح على الأقل في كسر مللها.
فينسنت: [ما الذي يضحككِ، يا يورنا ميشيغوري؟]
يورنا: [أولًا، هؤلاء الضيوف لم يتراجعوا عن كلامهم؛ وفوق ذلك، ربما يعرض هؤلاء الثلاثة حياة صاحب السعادة للخطر… فما رأيك؟]
فينسنت: [لا تستفزيني أيتها المرأة؛ فحتى أنتِ، برغم إصراركِ على عصياني، تدركين نواياي جيدًا.]
لم تتغير ملامح فينسنت وهو يرد على نظرات يورنا المستفزة؛
وعاد ليصوب عينيه الداكنتين نحو سوبارو، الذي أعلن عداوته للتو.
فينسنت: [هذه أرض «ذئب السيف»؛ ومن يملك الجرأة للتصويب نحو رأسي هو فقط من يستحق أن يُدعى مواطنًا في الإمبراطورية.]
سوبارو: […يا له من لطف كبير منك، أليس كذلك؟]
فينسنت: [همف.]
أطلق فينسنت همهمة ساخرة خفيفة، متجاهلًا تهكم سوبارو.
وكان تصرف فينسنت، بما في ذلك أسلوب رده، نسخة طبق الأصل من الشخص الحقيقي؛ فلو كان آبل هنا، لكان رد بالطريقة نفسها تمامًا.
حتى إن وجود آبل مع سوبارو والآخرين جعل سوبارو يشك للحظة في احتمال أن يكون آبل هو الإمبراطور المزيف!
مع أن هذا الاحتمال سيعني وصول سوبارو ورفاقه إلى طريق مسدود تمامًا، لذا تمنى من قلبه ألا يكون الأمر كذلك.
فينسنت: [لكن قيمة رأسي ليست رخيصة لدرجة أن أمنحكِ إياها بهذه السهولة.]
سوبارو: [――. إذن، ماذا تنوي أن تفعل بنا؟]
فينسنت: [حسنًا، هنا تكمن المشكلة.]
بهذه الكلمات، اعترف فينسنت بموقف سوبارو ورفاقه الذين أظهروا تحديًا واضحًا للإمبراطور، مهدئًا من روع كافما الذي كاد ينفجر غضبًا. غير أن ما تلا ذلك من كلام أثبت أن نظرة فينسنت الباردة لخصومه لم تتغير أبدًا.
حتى لو كان يقدّر شجاعتهم، فلا سبب يدفعه للتساهل مع من يريد إيذاءه.
التقت عينا سوبارو وفينسنت السوداوان، واشتعل جو الغرفة بتوتر شديد كأنه جحيم مستعر.
يورنا: [يا إلهي، كم أنا امرأة مذنبة ومؤذية؛ فرؤية الرجال يتنازعون لأجلي هكذا تشعرني بحماسة شديدة.]
كافما: [تتحدثين وكأن الأمر لا يعنيكِ إطلاقًا… أولًا، معظم من هناك نساء لا رجال، فقولكِ «رجال» غير دقيق.]
يورنا: [كوهو.]
أبدت يورنا تعليقها المستفز ذاك ببرود تام، وهي تشاهد تحديق سوبارو وفينسنت الحاد في بعضهما.
وفي المقابل، ازداد الغضب وضوحًا على وجه كافما.
كافما: [يا صاحب السعادة! أصدر أوامرك لي! هؤلاء القوم…]
؟؟؟: [――كافما، عدت إلى عادتك مجددًا… لقد أحدثت جلبة وضجة منذ فترة الآن.]
بعد أن ضاق ذرعًا بهذا الجمود، حاول كافما مناشدة فينسنت مباشرة؛ غير أن من قاطعه لم يكن فينسنت، ولا يورنا، بل كان شخصًا آخر تمامًا.
سوبارو: [آه…]
خرجت زفرة لا إرادية من فم سوبارو وهو يستدير نحو مصدر الصوت؛
فقد كان ذلك الصوت خارج حسابات سوبارو تمامًا لدرجة أن مجرد صدوره جعله ينتفض من مكانه.
كان الصوت لأحد الأشخاص الثلاثة الذين جلبهم فينسنت لحمايته―― جسد ضئيل يجلس متربعًا على الأرضية الخشبية، غير كافما.
؟؟؟: [أتعلم؟ تسير معظم الأمور بشكل أفضل عندما يتولى صاحب السعادة التفكير بدلًا منا؛ وسنكون مصدر إزعاج وعائقًا حقيقيًا إن واصلنا الثرثرة هكذا، حقًا.]
كان المتحدث رجلًا مسنًا تملأ التجاعيد وجهه، بشعر أبيض وحاجبين طويلين.
عجوز تفوح من نبرة صوته وكلامه هالة واضحة من التكاسل والضجر؛ وكان مظهره لافتًا لدرجة تجعل من الصعب استيعاب كيف لم ينتبهوا لوجوده من قبل.
――كلا، لقد كان في مرمى بصرهم طوال الوقت، لكنه ببساطة كان خارج نطاق تركيزهم وإدراكهم.
ولعل هذا بالتحديد هو المعنى الحقيقي للاختفاء التام عن الأنظار.
وحين لفت العجوز انتباهه إلى ذلك، التفت إليه كافما وقال: «لكن»،
كافما: [إزالة المتاعب عن صاحب السعادة واجب على كل تابع مخلص، يا سيد أولبارت!]
أولبارت: [حين تصف نفسك بالتابع المخلص، ألا يبدو ذلك مثل بداية لتصفية شخص يتصرف لمصلحته الشخصية؟ لا تروق لي أبدًا فكرة قطع رأس شاب واعد مثلك.]
كافما: [غـوه… هڪ.]
هز العجوز رأسه بتكاسل―― العجوز المدعو أولبارت، وهو ينظف أذنه بإصبعه. وتشنجت وجنتا كافما، مما يجعلك تتساءل عن حجم الضغط والرهبة التي شعر بها من هذه الحركة العادية.
ولم يكن كافما الوحيد الذي تجمدت ملامحه؛ فبمجرد سماع ذلك الاسم، تصلبت وجنتا سوبارو أيضًا.
سوبارو: [السيد… أولبارت…]
أولبارت: [أوه؟ أتعرفني؟ يبدو أنني مشهور إلى حد ما في النهاية.]
سوبارو: […طالما أنك تدرك شهرتك هذه، فنعم، أنا متأكد من هويتك تمامًا.]
ارتجفت شفتاه وهو يردد الاسم الذي تفاعل معه أولبارت.
وإن كان رد فعله هكذا عند رؤية الصدمة على وجه سوبارو، فلا مجال للشك إذًا؛ فقد تكرر سماعه لاسم أولبارت في دار بلدية غوارال، ثم خلال رحلتهم إلى مدينة الشياطين.
ومن الآن فصاعدًا، سيكون «الجنرالات التسعة الساميون» طرفًا لا مفر منه في خطة سوبارو للسيطرة على الإمبراطورية؛ إحداهم كانت يورنا، والآخر كان――
سوبارو: [«العجوز الخبيث»، أولبارت دونكيلكين…!]
أولبارت: [لا يعجبني هذا اللقب حقًا كما تعلم؛ فـ «العجوز الخبيث» لقب يبدو قبيحًا للغاية. فهل أبدو كعجوز خبيث إلى هذا الحد؟ حسنًا، لو سألني أحدكم مباشرة فلن أستطيع إنكار ذلك! لن أستطيع إنكاره، كاكاكاكا!]
ابتسم العجوز وهو يفتح فمه على مصراعيه، مظهرًا أسنانًا بيضاء ناصعة تبدو ممتازة بالنسبة لسنه.
غير أن سوبارو لم يكن في مزاج يسمح له بالضحك إطلاقًا؛ ――فبينما كانوا يسعون لكسب يورنا إلى صفهم، اصطدموا بفينسنت الإمبراطور المزيف، وفوق كل ذلك، أحضر أولبارت معه!
وهذا يعني بوضوح أن أولبارت يقف في صف الطرف المعادي الآن أيضًا.
سوبارو: [أراكيا، وتشيشا، والآن أولبارت أيضًا…]
شعر سوبارو وكأنه وصل إلى طريق مسدود؛ فالجنرالات الذين كانوا يسعون لكسبهم من «الجنرالات التسعة الساميين» يبدو أن العدو قد استمالهم بالفعل، وفوق ذلك، كان هؤلاء من أصحاب الرتب العليا تحديدًا.
والمشكلة لم تكن في المستقبل فحسب، بل إن الموقف الذي يواجهونه الآن كان يزداد سوءًا بسرعة مخيفة؛ فحتى لو كان كافما بمفرده لكان خصمًا يفوق قدرتهم بكثير، فكيف وقد انضم إليه أولبارت، أحد الجنرالات التسعة الساميين؟
لم يكن بمقدورهم جمع كل هذه الظروف السيئة معًا حتى لو خططوا لذلك تعمدًا――
آل: [――مهلًا يا أيها العجوز، أتتذكرني يا صاح؟]
أولبارت: [ماذا تقول؟]
كان العرق يتصبب من جبين سوبارو، ويسيل على وجنتيه ليتقاطر من طرف ذقنه.
ووسط هذا التوتر الخانق، جاء صوت غير متوقع جعل أولبارت يرفع حاجبيه؛ فقد كان آل هو من نادى من خلف ظهر سوبارو.
انحنى آل بجسده إلى الأمام، وسوبارو يرمقه باتساع عينيه من شدة المفاجأة.
سوبارو: [يا آل؟ ماذا… ماذا تفعل فجأة، وكل حركة نقوم بها الآن خاضعة للمراقبة والشك؟]
آل: [ناتسومي-تشان ما تزال تتحدث بنبرة أنثوية في هذا الموقف، لكني لم أتدخل دون تفكير يا صاح. حسنًا، في الحقيقة لم أفكر في الأمر، لكن… مهلًا يا أيها العجوز! هذا أنا، يا صاح، ألا تذكرني؟]
سوبارو: [حديثك بهذه الطريقة يجعلك تبدو تمامًا مثل المحتالين عبر الهاتف…] [1]
وكان من التسرع الظن بأنه سينجح في حيلة كهذه لمجرد أن خصمه رجل مسن؛ وبالفعل، انحنى أولبارت ردًا على نداء آل وأطلق همهمة متشككة: «همم؟».
أولبارت: [حسنًا، هيئتك غريبة ولافتة للنظر يا فتى؛ ورغم كوني رجلًا عجوزًا، لا أظنني أنسى شخصًا بمثل هذا المظهر. أتعرفنا حقًا؟]
آل: [ربما لا أعرفك جيدًا، وفي المرة الأخيرة التي رأيتك فيها لم أكن أرتدي هذه الخوذة. لكني كنت بذراع واحدة، وتبادلنا أطراف الحديث قليلًا يا صاح.]
أولبارت: [أنت ذلك الشخص بذراع واحدة الذي تحدث معي في…؟]
آل: [أجل، بالضبط. ――وكانت الآنسة الصغيرة أراكيا برفقتي أيضًا.]
خفّض آل نبرة صوته قليلًا ونطق باسم أراكيا؛ تلك الفتاة المرعبة التي أذاقت سوبارو ورفاقه الويلات، والتي تشغل مثل أولبارت رتبة في «الجنرالات التسعة الساميين».
ولم يفهم سوبارو مغزى كلام آل على الإطلاق، لكن ما إن سمع أولبارت ذلك الاسم حتى ارتفع حاجباه وهتف بصوت عالٍ: «أوه!».
أولبارت: [أنت ذلك الرجل! أنت من استعاد الجزيرة برفقة أراكي! الآن وقد ذكرتَ الأمر، أرى شبهًا كبيرًا بينك وبينه. كاكاكاكا، لا أصدق أنك ما زلت على قيد الحياة!]
آل: [أجل، ما زلتُ حيًا أتنفس يا صاح؛ ويبدو أن قدري قد دار دورته بطريقة ما.]
أولبارت: [وهكذا، وبمحض الصدفة، صرتَ عدوًا لصاحب السعادة! لعلني كان يجدر بي التحدث إليك في وقت أبكر لأحسن صورة صاحب السعادة في عينيك؛ يبدو أنني أخطأت الحساب، أخطأت الحساب!]
تبادل آل وأولبارت الحديث؛ آل بنبرته العفوية المعتادة، والآخر بابتسامة عريضة تملأ وجهه.
ولجهله بطبيعة العلاقة التي تربطهما، لم يسع سوبارو إلا التحديق فيهما بذهول؛ وحتى مسألة ما إذا كانت الأمور تسير نحو الأفضل أم لا، كان من العسير تقديرها في تلك اللحظة.
فينسنت: [――. أولبارت، أتعرف هذا الرجل؟]
وكان فينسنت هو من قاطع هذا الحوار ليضع حدًا لتلك الحيرة.
عقد أولبارت ذراعيه، ورد على استفسار الإمبراطور المزيف بحماسة: «أوه، أجل!»:
أولبارت: [قبل سنتين أو ثلاث سنوات، حين اعتليتَ العرش للتو، كانت الثورات تشتعل في كل مكان، أليس كذلك؟]
كافما: [سيد أولبارت، صاحب السعادة اعتلى العرش منذ ثماني سنوات…]
أولبارت: [هاه؟ ظننتها قبل ثلاث سنوات فقط؛ تبا لكبري وسني، مرت قرابة عشر سنوات وما تزال تبدو لي كأنها حدثت بالأمس! يبدو أنني أخطأت فحسب.]
فينسنت: [دعك من هذا وأكمل؛ ماذا حدث قبل ثماني سنوات؟]
وبينما خرج أولبارت عن الموضوع، أعاده فينسنت إلى المسار بصرامته المعتادة؛ وبناءً على ذلك التصحيح، أشار أولبارت نحو آل وقال: «حسنًا»:
أولبارت: [كان هناك تمرد في جزيرة «غينونهايف» آنذاك… ومن توليا إخماده كانا هذا الرجل بالخوذة وبرفقته أراكي.]
فينسنت: [هوه.]
وبعد سماع رواية أولبارت، تحول اهتمام فينسنت لأول مرة صوب آل.
كان من الصعب معرفة إلى أي جهة مال الميزان، لصالحهم أم ضدهم؛ غير أن مبادرة آل لم تؤدِّ على الفور إلى معاقبته على وقاحته وتطاوله.
وفوق ذلك، تقدم آل خطوة إلى الأمام ليقف بجوار سوبارو:
آل: [يا صاحب السعادة الإمبراطور المعظم، وكما يبدو أن العجوز أولبارت هناك يعلم بالأمر… في الحقيقة، خدمتُ صاحب السعادة قبل ثماني سنوات، ولم أنل مكافأتي حتى الآن يا صاح.]
أولبارت: [مع أنك قلتَ حينها إنك لا تريد أي شيء!]
فينسنت: [الزم الصمت يا أولبارت. ――أكمل كلامك، أيها المهرج.]
آل: [――كنتُ آمل أن أنال مكافأتي اليوم يا صاح.]
وتخيل سوبارو في ذهنه صوتًا يجمد هواء القاعة في صمت مطبق.
فجرأة آل في المطالبة بمكافأة على إنجاز مضى عليه أكثر من ثماني سنوات، مع وجود شاهد حاضر يعرف ما فعله، كانت بالتأكيد مجازفة تستحق الخوض.
فالإمبراطور المزيف الذي لم يعمد إلى إعدامهم فور سماع إعلان سوبارو للحرب―― كان فينسنت يملك الدوافع والعزم للتصرف كإمبراطور حقيقي لـ فولاكيا.
وإن صدق كلام آبل، فإن مبادئه تقوم دومًا على «حتمية الثواب والعقاب».
وحينها――
فينسنت: [وما الذي تطلبه؟ رأسي؟]
آل: [سيكون نصرًا ساحقًا لي لو وافقتَ على منحي إياه، لكن طلب أمر كهذا يحتاج جرأة لا أملكها يا صاح. لذا…]
ومع كلماته تلك، التفت آل برأسه لينظر إلى سوبارو؛ فأدرك سوبارو ما يرمي إليه فورًا، وسحب مظروف الرسالة من جيبه.
فغايتهم طوال الوقت كانت إيصال رسالة آبل فقط.
سوبارو: [مطلبنا هو تسليم هذه الرسالة إلى يورنا-ساما؛ فإن كنتَ ترغب في مكافأة رفيقي على خدمته، فنرجو أن تأذن لنا بذلك.]
فينسنت: [رسالة؟]
سوبارو: [رسالة حب من… سيدنا، إلى يورنا-ساما.]
ومع تردده في نعته بـ «سيدنا»، أخرج سوبارو لسانه حرجًا في سره وتابع كلامه.
وحين سمعت يورنا —الجالسة في صدر القاعة— عبارة «رسالة حب»، ضحكت وتنحنحت بـ «كوهو»، وبدا أن فضولها قد استُثير تمامًا؛ كما أن رد فعل فينسنت لم يكن سيئًا هو الآخر.
ضيّق فينسنت عينيه الداكنتين وفكر لبضع ثوانٍ فقط، ثم قال:
فينسنت: [رغم مرور أكثر من ثماني سنوات، إلا أن حادثة «جزيرة المصارعين» كانت معضلة مزعجة بحق.]
سوبارو: [أوه…]
فينسنت: [لك ما طلبتَ من مكافأة إن كنتَ ترغب في ذلك؛ يمكنك تسليم الرسالة إلى يورنا ميشيغوري.]
وأشار فينسنت بذقنه نحو يورنا.
استغرق سوبارو لحظة ليستوعب مغزى كلام فينسنت؛ لكن ما إن أدركوا أن آل قد كسب رهانه بنجاح، حتى تبادل سوبارو ورفاقه النظرات بفرح.
لقد كانت مقامرة بالغة الخطورة، وكان قرار آل بالمجازفة صائبًا تمامًا――
فينسنت: [――غير أن…]
سوبارو: [إيه؟]
وفي اللحظة التي كادوا يتهللون فيها فرحًا، رفع فينسنت إصبعًا واحدًا وتكلم.
ونظر سوبارو والآخرون إليه، فأغمض الإمبراطور المزيف عينيه السوداوين اللتين تشبهان الظلام الدامس، وقال:
فينسنت: [الأمر الوحيد الذي آذن لكم به، هو مجرد تسليمها الرسالة باليد؛ وتدركون ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟]
وهكذا، وصلهم المعنى الخطير وراء كلماته.
اتسعت عينا سوبارو عند سماع ذلك، واستدار بسرعة وهو يصر بأسنانه غيظًا، ووقع بصره على يورنا التي كانت تتابع المشهد بابتسامة عريضة.
فغاية جماعة سوبارو لم تكن مجرد رمي الرسالة في يدها، بل الحصول على رد وموافقة صريحة منها.
سوبارو: [إن سلمتُكِ الرسالة، فمتى يمكننا أن نتوقع ردًا من يورنا-ساما؟]
يورنا: [حسنًا، دعني أفكر…]
ومع سؤال سوبارو هذا، صوّبت يورنا نظرها نحو الفراغ.
ثم قلبت غليون «الكيسيرو»، وأسقطت رماده في إناء جهزته وصيفتها «الكامورو».
يورنا: [أنا امرأة في النهاية… ولا أريد أن ينظر إليّ أحد وأنا أفتح رسالة حب فور استلامها؛ لهذا السبب… سأقرأها بعناية وأرد على الضيوف بعد أن يغادروا القلعة.]
سوبارو: [――. إذن ستقرئينها بمجرد مغادرتنا للقلعة، أليس كذلك؟]
يورنا: [بصفتي حاكمة «مدينة الشياطين»، لن أكذب أبدًا أمام تابعيّ وخدمي.]
لم يستطع سوبارو أن يتبين ما إذا كان البريق في عينيها الزرقاوين نابعًا من صدق أم سذاجة، فهو لا يعرف طباعها جيدًا بعد؛ ومع ذلك، لم يعد أمامه أي خيار آخر.
فعلى سبيل المثال، لو طلب تعديل مكافأة آل واقترح أن تكون خروجهم سالمين من القلعة، لكان فينسنت قد وافق على ذلك على الأرجح؛
إلا أن هذا الخيار، كسابقه تمامًا، سينهي أي أمل في التحالف مع يورنا.
وهذا يعني――
سوبارو: [آل، ميديوم-سان.]
وقبل أن يحسم أمره تمامًا، نادى سوبارو باسمي رفيقيه؛
فما سيحدث تاليًا وما يجب فعله يتطلب تعاون ثلاثتهم، لذا كان من البديهي أخذ موافقتهما قبل الإقدام على أي خطوة.
استدار سوبارو والتقى بنظراتهما، فأومأ آل وميديوم لبعضهما بتفاهم:
آل: [حسنًا، لقد أخبرتكَ يا صاح أنني سأمد لك يد العون.]
ميديوم: [وأخي الأكبر أوصاني بالاعتناء بكِ أيضًا! قال لي أن أعتني بـ ناتسومي-تشان من أجله!]
أمال آل رأسه، بينما هتفت ميديوم بحماسة وكلمات واثقة.
وبتشجيع من رد هذين الاثنين، أومأ سوبارو برأسه نحوهما.
ثم تقدم سوبارو بتمهل نحو صدر القاعة―― نحو يورنا المتكئة على مسند الذراع في مقعد السيادة، وهي تنفث دخان غليون «الكيسيرو».
ومع اقترابه من جمالها الفاتن، قدم لها الرسالة وسط رائحة عطرية زكية:
سوبارو: [تفضلي، هذه رسالة من سيدنا.]
يورنا: [شكرًا على جهدكم؛ لكن الأمر سيزداد صعوبة ومشقة من الآن فصاعدًا.]
سوبارو: [أجل، أنا أدرك ذلك جيدًا.]
أخذت أصابعها الرشيقة الرسالة، ورسمت كلماتها المبتسمة نذير شؤم لمستقبل سوبارو ورفاقه؛
غير أن سوبارو واجه كلامها بثبات ووقار، ثم استدار.
وبعد ذلك――
سوبارو: [――يا جلالة الإمبراطور، يؤسفني أن أخبرك بأننا سننتزع منك عرشك.]
وهكذا، وأمام عينيه مباشرة، أعلن الحرب بصراحة ووضوح قاطع يفوق ما سبق.

△▼△▼△▼△
وكانت التطورات التي أعقبت ذلك درامية ومباغتة للغاية.
كافما: [كيف تجرؤين، أيتها الوقحة الصغير…――!!]
وفور سماع إعلان الحرب الصريح، جحظت عينا كافما غضبًا ودهشة؛
فأمام وقاحة سوبارو وتطاوله البالغ، أراد كافما إيرولوكس إثبات ولائه للإمبراطور بيده وقوته الخاصة.
――ونتيجة لذلك، تمزقت ملابس كافما وهو يمد ذراعيه، لتندفع أعداد هائلة لا حصر لها من الأشواك نحو سوبارو.
أشواك بلون أخضر داكن تندفع وتتلوى كالأفاعي الزاحفة نحو سوبارو، وحجبت كتلها الكثيفة مجاله البصري بالكامل؛ فكانت تلك الأغصان الشوكية —التي تماثل كل إبرة فيها سماكة ذراع سوبارو— سلاحًا فتاكًا كفيلًا بامتصاص آخر قطرة حياة من فريسته.
ضربة سريعة لم تمهل سوبارو أي فرصة لإبداء رد فعل، وكأفعى تبتلع فأرًا، كادت تلك الأشواك تلتف حول جسده وتبتلعه دون أدنى جهد.
آل: [――أحسنتَ القول يا صاح.]
توقع سوبارو أن تخترق الأشواك جسده، فشد عضلاته مستعدًا لألم مبرح؛
غير أن ما أصابه لم يكن الألم، بل صدمة سحبه بقوة إلى الخلف ليسقط جالسًا على الأرض؛ فقد تقدم آل أمامه —ذلك الذي جاء صوته من الجانب— ليتصدى للأشواك بسيفه العريض.
وقف آل وسوبارو خلفه، واستل نصله السميك يصد به ضربات العدو؛ ورغم عجزه عن حجبها بالكامل وتلطخ كتفه وجنبه بالدماء، إلا أنه نجح في حماية سوبارو من هذا الهجوم الكاسح.
سوبارو: [وماذا عن ميديوم-سان؟!]
ميديوم: [واااه! كان ذلك وشيكًا للغاية! لولا أنني نفذت ما قاله آل-تشين لكنتُ في عداد الموتى!]
استدار سوبارو في ذعر، فوجد ميديوم تجيب بصوت عالٍ إلى جواره مباشرة بعد أن استلت سيفيها المزدوجين؛
وحين ألقى نظرة سريعة عليها، وجدها تلوح بنصليها صعودًا وهبوطًا، تقطع تارة وتصد تارة أخرى أو تدوس بأقدامها، مانعة الأشواك التي تهاجمها من كل صوب.
تنفس سوبارو الصعداء حين رأى براعتها وتأكد من سلامتها؛ غير أن الارتياح كان سابقًا لأوانه، فهذه لم تكن سوى الموجة الأولى فحسب――
يورنا: [يا لها من حيلة استعراضية مبهرة.]
سوبارو: [――هڪ.]
خلف مجموعة سوبارو التي اتخذت وضعية التأهب والحذر، كانت يورنا تقف هي الأخرى ضمن نطاق وصول الأشواك؛ فضمت وصيفتها «الكامورو» بين ذراعيها ونفثت دخانًا بنفسجيًا، وظلت في نفس جلستها الهادئة منذ استلامها للرسالة.
وبدت الأشواك وكأنها تقترب منها من كل جانب، لكنها تحاشت مسها عمدًا، فالتوت الأغصان الشوكية بطريقة غير طبيعية وكأن ثمة هالة خالية تحيط بيورنا وحدها.
وكان من المستحيل الجزم بما إذا كان كافما هو من حرّف مسارها عمدًا، أم أن يورنا هي من تصدت لها، غير أن――
سوبارو: [أعتذر عن هذا الإزعاج؛ سنستأذن بالانصراف الآن.]
يورنا: [أتمنى لكم عودة آمنة؛ وإن عجز ثلاثتكم عن مغادرة القلعة…]
سوبارو: [فلن تقرئي الرسالة؛ فهمتُ شرطكِ تمامًا.]
وحين صِيغت المسألة بهذه البساطة والوضوح، باتت نوايا يورنا مفهومة دون أدنى شك مهما كانت صعبة المراس؛ كما أوضح فينسنت بدوره أن التحدي قد بدأ بالفعل――
سوبارو: [التحدي مستمر حتى نخرج من القلعة! ――يا آل، ميديوم-سان!]
آل: [علم يا صاح!]
ميديوم: [فهمت!]
سوبارو: [إلى اليمين!!]
وفور سماع استجابتهما الواثقة، صرخ سوبارو بأعلى صوته؛
فأدرك رفيقاه قراره في نفس اللحظة، وشُهرت ثلاثة نصال دفعة واحدة.
قطع سيف «الداو» بيد الرجل ذي الذراع الواحدة وزوج السيوف المرنة تلك الأشواك بضراوة، مطيحين بالكتلة التي كانت تسد رؤيتهم وتقطع طريقهم، ليندفع الثلاثة خارج ذلك الركام الأخضر؛
وضربت أقدامهم الأرضية الخشبية بقوة ليكتسبوا أقصى سرعة واندفاع.
كافما: [أتظنون أنني سأدعكم تفلتون بهذه السهولة؟! ]
لكن بعد خطوة واحدة فقط، كادت إبرة بحجم إبهام اليد أن تخدش طرف أنف سوبارو؛
وحين ومضت أمام عينيه، بدت له كقطعة من عظم أبيض وليست مجرد شوكة، ولم تكن ضربة تحذيرية لردعه، بل ضربة قاتلة موجهة لتخترق صدغه مباشرة؛
ولكان سوبارو في عداد الموتى لولا أن آل وضع نصل سيفه بسرعة خاطفة في مسار تلك الإبرة المنطلقة.
سوبارو: [أشواك وإبر، وما كل هذه الغرابة والتشوه؟! ]
آل: [إنها عشيرة «قفص الحشرات» يا صاح! يهاجمون بحشرات يحملونها داخل أجسادهم!]
سوبارو: [لسنا في عشيرة «أبورامي» هنا!] [2]
ورغم هذا الجدال حول أمر تافه، خفض سوبارو جسده وواصل التقدم بدعم وحماية من آل وميديوم؛ ولم تكن وجهتهم باب مخرج القاعة على الإطلاق.
فحتى لو اتجهوا نحو المخرج، لكان عليهم النزول في مسار طويل عبر برج القلعة، ومستحيل أن يصمدوا أمام هجمات كافما المتواصلة طوال تلك المسافة؛
وبعبارة أخرى، كان على سوبارو ورفاقه أن يسلكوا طريقًا مختصرًا وسريعًا.
ولهذا السبب――
سوبارو: [ميديوم-سان!]
ميديوم: [أجل!]
سوبارو: [أريهم ما عندكِ!]
ميديوم: [――سأبذل كل ما في وسعي!]
وفور تلقيها تلك الكلمات التشجيعية، ودون أدنى مبالغة، وثب جسد ميديوم بأكمله وزادت قوة اندفاعها؛
وشعرها الطويل يتطاير في الهواء، راحت تلوح بسيفيها المزدوجين بضراوة، لتقطع الأشواك التي تنهال عليها بمسارات ملتوية وغريبة.
وبالطبع، كان لمهارة ميديوم العالية دور كبير في ذلك، لكن فوق هذا:
آل: [يمينكِ! ركبتكِ اليمنى! خلف عنقكِ! عند خصركِ الجذاب يا صاحبة!]
ميديوم: [أوه! هاا! خذوا هذه!]
كانت تحذيرات آل السريعة بصوته المرتفع ترشد ميديوم إلى مواضع الخطر القادم بدقة، فتستجيب ميديوم على الفور وتتصدى للأشواك قبل أن تلمسها بلحظة.
وتعجب سوبارو من مدى اتساع مجال رؤية آل وقدرته على الاستبصار؛ فقدرة آل العالية على النجاة —والتي أثبتها سابقًا في قتال أراكيا— يبدو أنها لا تنفعه وحده، بل تمتد لحماية رفاقه أيضًا.
ومستفيدة من هذا الدعم، بلغت ميديوم نافذة القاعة؛ وبضربة واحدة حطمت الحاجز الخشبي، ثم قفزت بساقيها الطويلتين لتطيح بالجزء السفلي من الجدار.
وانفتحت أمام أنظارهم هوة سحيقة تطل من برج القلعة الشاهق، على ارتفاع يزيد عن ثلاثين مترًا فوق سطح الأرض؛ وبدت سماء «مدينة الشياطين» الزرقاء ممتدة على مد البصر، بينما هبت رياح عاتية تلطم وجوه سوبارو ورفاقه.
ولم يكن الأمر مجرد خيار متهور إما أن تصيب أو تخيب، ولكن――
سوبارو: [――المهم أن نخرج من القلعة!]
وضعت يورنا يدها على الرسالة.
وطالما أنهم وافقوا على هذا الشرط، فلن تتخذ جماعة فينسنت أي إجراء إضافي ضدهم؛ ومع أنه لم يكن وعدًا صريحًا ومباشرًا، إلا أنه لم يكن أمامهم أي خيار آخر للنجاة سوى تصديق ذلك――
ميديوم: [――ناتسومي-تشان!]
أشارت إليه ميديوم —التي حطمت الجدار للتو— ليلحق بها، فركض سوبارو بأقصى ما أوتي من سرعة.
وكان ممتنًا في سره لأنه لم يرتدِ تنورة تعيقه؛ فلو مات بسبب ملابس التنكر الأنثوية، لما استطاع مواجهة أرواح كل من سبقوه في هذا المجال.
وفي اللحظة الأخيرة، نسي سوبارو تمامًا الحفاظ على هيئته الأنثوية المصطنعة، ودفع الأرضية الخشبية بقدمه بكل ما يملك من قوة، ليلحق بميديوم ويقفز معها عبر فجوة الجدار――
أولبارت: [معذرة يا فتى، لكن لدي عمل عليّ إنجازه أنا أيضًا كما تعلم.]
سوبارو: [كاه… هڪ.]
وفي اللحظة ذاتها، اعترض العجوز طريقهما وظهر فجأة أمامهما وكأنه خرج من العدم، وضرب بكف يده الحادة صدر كل منهما ضربة مباشرة.
انحبس الهواء في حلقه من شدة الضربة؛ وشعر سوبارو بوعيه ينهار ويتلاشى بعد تلقيه تلك الضربة من أحد الجنرالات الساميين.
ومع ذلك――
ميديوم: [ناتسومي-تشان! لا تقلقي، الضربة لم تفعل شيئًا!]
سوبارو: [إيه؟! ]
نادى صوت ميديوم العالي بجواره، فاستعاد سوبارو وعيه الذي كاد يفقده؛ ونظر إلى صدره في فزع، فلم يجد أي أثر لأذى من ضربة يد أولبارت.
فلا أثر لأي دماء، ولا علامة تدل على أن قلبه قد انتُزع دون نزيف.
ميديوم: [هيا بنا يا ناتسومي-تشان! احذري أن تعضي لسانكِ، اتفقنا؟]
أمسكت ميديوم بياقة سوبارو وهو يتلفت مذهولًا؛ وبخطوة واسعة وثبت عبر فجوة الجدار، وألقت بنفسها خارج «قلعة اللازورد القرمزي» دون أدنى تردد.
وارتمى سوبارو وميديوم في الهواء معًا نحو السماء الزرقاء؛ واختفى شعور الصعود الخاطف الناتج عن القفزة في لحظة، ليتحول بعد ثانية واحدة إلى سقوط حر نحو الأسفل.
سوبارو: [وااه، كياااا――!]
ومع صراخه الحاد، جذب سوبارو ميديوم نحوه بإحكام وتلمس محيط خصره؛ ثم سحب بيده ذلك الملمس المألوف وشهر سلاحه في الهواء―― وكان سوطه المعتاد.
فلو قفز هكذا دون أي تدبير مسبق، لكان تصرفه انتحارًا صريحًا.
ومع أن تدابيره لرفع فرص نجاتهم لم تكن كثيرة، إلا أن استفزاز يورنا، وإعلان الحرب على فينسنت، والتصدي لهجمات كافما وأولبارت، كانت كلها سلسلة متواصلة من المجازفات الخطيرة؛ وقد تجاوز كل تلك العقبات بصعوبة، ولم يبق أمامه إلا أن يثق بنجاح هذه الخطوة الأخيرة أيضًا.
سوبارو: [أصِب الهدف ولا تخطئ!!]
وبينما يطوق خصر ميديوم بيده الأخرى، لوح سوبارو بذراعه وأطلق السوط بقوة؛ فلم ينطلق طرف السوط في الفراغ، بل صوب إحدى العوارض الخشبية الممتدة عبر أرجاء «مدينة الشياطين» كشبكة عنكبوت عملاقة، والتي تصل بدورها إلى أحد الجدران الخارجية لـ «قلعة اللازورد القرمزي».
تثبيت السوط في تلك العارضة واستخدامها كحبل ونقطة ارتكاز للابتعاد عن أسوار القلعة؛ كانت تلك أفضل خطة اهتدى إليها سوبارو وسط فوضى القاعة.
سوبارو: [――هڪ!]
وشعر بالشد المفاجئ يجذب ذراعه بقوة، فلف السوط حول معصمه بكل ما أوتي من عزم، ظنًا منه أن هذا سيحمل جسده حتى لو خانته قوة قبضته؛ وفي أسوأ الأحوال، قد يتحطم عظم معصمه من شدة الجذب.
وعندها――
سوبارو: [آل يـ… غياااك!]
آل: [العفو منك يا صاح!]
ففي اللحظة التي انشد فيها السوط تمامًا، ارتطم آل بظهر سوبارو بكل ثقله؛ ويبدو أنه تمكن من القفز خلفهما من القلعة بنفس الطريقة.
وإثر تصادمهم في الهواء، تشبث الثلاثة ببعضهم وتدلوا معًا، ليلقي ثقل يقارب مئة وخمسين كيلوغرامًا بحمله الكامل على ذراع واحدة لسوبارو!
سوبارو: [غـ-غوااااه――!]
رسمت أجساد سوبارو ورفيقيه قوسًا في الهواء حول إحدى العوارض الخشبية خارج «قلعة اللازورد القرمزي»، متخذين إياها نقطة ارتكاز؛ وفي تلك اللحظة، تحول الألم الصامت في ذراعه ومعصمه ومرفقه وكتفه —بل في كامل ذراعه اليمنى— إلى صرخات ألم حقيقية مسموعة.
وفي ظل هذا الوضع، كان أفضل ما يمكن فعله هو انتظار أن تهدأ حركة التأرجح، ثم يتسلق الجميع السوط صعودًا ليعودوا إلى العارضة واحدًا تلو الآخر. صرّ سوبارو على أسنانه بقوة، وهو يقارن بين الوقت اللازم لتحقيق ذلك والوقت المتبقي قبل أن تتلف عضلات ذراعه اليمنى وتفقد قدرتها على الحركة تمامًا――
آل وميديوم: [――آه.]
وبينما كان على وشك حشد كل ما تبقى له من قوة، تداخل صوتا آل وميديوم معًا في نفس اللحظة.
وقبل أن يتبين ما حدث، زال الثقل الضاغط على ذراع سوبارو اليمنى فجأة؛ ――كلا، للدقة، لم يتلاشَ الثقل من تلقاء نفسه، بل انكسرت العارضة الخشبية التي كان السوط ملتفًا حولها!
انكسرت بفعل الأشواك المندفعة بكثافة هائلة من الجدار المحطم لبرج القلعة.
سوبارو: [وااه، آآآآآه――!]
ومع دوي صرخاتهم المدوية في الفضاء، طار ثلاثتهم في الهواء كتلة واحدة متشابكة؛ فرسمت أجسادهم مسارًا منحنيًا إثر ارتداد السوط عن العارضة.
ورغم أن هذا السقوط أهون من القفز المباشر من قمة برج القلعة، إلا أن سوبارو وآل —لكونهما مجرد شخصين عاديين لا يملكان قدرات خارقة— يستحيل أن ينجوا من سقوط حر من ارتفاع يتجاوز عشرين مترًا.
وبينما كان يعتصر دماغه بحثًا عن أي مخرج وهو يصرخ بأعلى صوته، توالت وجوه إميليا، وبياتريس، وريم في مخيلة سوبارو واحدًا تلو الآخر――
الجميع: [――――]
――وبارتطام عنيف ومزلزل، اخترق الثلاثة السقف وسقطوا مباشرة داخل إسطبلات القلعة، ليتدحرجوا وهم متشابكون فوق أكوام من القش.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] الأسلوب الذي خاطب به آل العجوز أولبارت يماثل أسلوب احتيال هاتفي شهير وشائع في اليابان يُعرف باسم خدعة «أنا، أنا» (Ore-ore sagi)، وتعتمد على الاتصال بكبار السن والادعاء العفوي بأن المتصل هو ابنهم أو حفيدهم ويحتاج لمساعدة مالية عاجلة، مستغلين ضعف تمييز المسنين للأصوات.
[2] عشيرة «أبورامي» (Aburame): إشارة شهيرة إلى العشيرة المعروفة في سلسلة أنمي ومانغا «ناروتو»؛ حيث تُمنح أجساد أفراد هذه العشيرة عند ولادتهم لتستوطنها أنواع خاصة من الحشرات كأعشاش تحت جلودهم، لتعيش معهم في علاقة تعايش وتكافل، ويستخدمها المقاتلون كأسلحة حية في القتال.