الفصل 398 - سيدة قلعة اللازورد القرمزي
الفصل السابع والثلاثون
«سيدة قلعة اللازورد القرمزي»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――تنتصب في سويداء «كايوسفليم، مدينة الشياطين»، «قلعة اللازورد القرمزي».
بدت المدينة أشبه بكعكة زفاف تفتقر لأي تناسق، خُلقت بتكديس الفوضى فوق العشوائية والاضطراب―― عوارض وسقالات من شتى المواد والأنماط وُصلت ببعضها اعتباطًا؛ وكانت القلعة، بظلالها الحمراء والزرقاء المتلألئة بالتعاقب، فريدة من نوعها في قلب «مدينة الشياطين»؛ تلك المدينة التي يستحيل فهم كنهها دون امتلاك حسٍ فني استثنائي.
ففي الأصل، تشير لفظة «اللازورد» إلى اللون الأزرق الصافي، لذا فإن اقترانها بصفة «القرمزي» يبدو للوهلة الأولى تناقضًا صريحًا؛ غير أن نظرة خاطفة على المظهر الخارجي لـ «قلعة اللازورد القرمزي» كفيلة بإقناع أي ناظر بأن هذا الوصف دقيق في محله.
إذ إن الحجر المستخدم بسخاء في أساسات القلعة وهيكلها كان، كما يوحي اسمها، حجر اللازورد بالمعنى الحرفي للكلمة.
كان ذلك الحجر النفيس يشع ببريق أزرق داكن، بينما يموج في جوفه لون قرمزي متدفق كقطرة دم تهوي بتمهل في صفحة الماء؛ ولذا كان هذا اللازورد —المفترض زرقته— يكتسي بين الفينة والأخرى وهجًا أحمر يحاكي قاني الدماء.
قلعة من الفوضى، تلتحف بألوان متقلبة لا تثبت على حال، وتأبى أن تقتصر على طيف لوني واحد.
تلك هي «قلعة اللازورد القرمزي» في «مدينة الشياطين»، مقر إقامة سيدتها، يورنا ميشيغوري.
سوبارو: [――――]
ومع استدعائه إلى الطابق الأعلى، حيث سيمثل بين يدي يورنا عما قليل، تبلل ظهر سوبارو بعرق بارد؛
ومردّ ذلك أنه لمح وفدًا ينتظر لقاء يورنا في ذات البهو―― وكان بين أفراد ذلك الوفد وجهٌ يستحيل أن يتواجد هنا إطلاقًا!
فبرفقة ثلاثة رجال يبدون كحرسه الخاص، كان يجلس هناك بمنتهى الهدوء ورباطة الجأش شخصٌ ذو شعر داكن وسحنة حادة مألوفة كالشيطان―― أي أنه لم يكن سوى نفس ملامح آبل، ذلك الشخص الذي يُفترض به أن ينتظرهم في النُزل الآن!
غير أنه يستحيل بأي منطق أن يصادفوه في هذا المكان؛ ولهذا السبب بالتحديد انطلق سوبارو ورفاقه إلى «قلعة اللازورد القرمزي» كرسلٍ من دونه.
وبعبارة أخرى، فإن تفسير وجوده هنا رغم استحالته هو――
سوبارو: [――إنه بديل مزيف يتنكر في هيئة الإمبراطور.]
شحب وجه سوبارو شحوبًا قاحلًا وهو يتمتم بتلك الحقيقة لنفسه.
فقد أُحيطوا علمًا مسبقًا بوجود شخص يطابق آبل في هيئته ويحاكيه في مسلكه؛ ورغم أن دقة الشبه ومباغتة اللقاء قد ألجمتاه صدمةً، إلا أن ذلك بالذات قطع لديه كل دابر للشك.
إنه أحد «الجنرالات التسعة الساميين»، الشبيه البديل للإمبراطور «فينسنت فولاكيا»――
ميديوم: [إيه، آبل-تشين؟ لمَ أنتَ هنا… مغـوه.]
آل: [على رسلكِ، كل شيء على ما يرام يا ميديوم-تشان؛ آل-تشين بجواركِ.]
وخلف ظهر سوبارو المتجمد من هول المفاجأة، كاد يقع تصرف في غاية الخطورة؛
إذ لمحت ميديوم وجهًا مألوفًا بين الحضور، فهمّت بالتقدم نحوه بعفويتها المعتادة؛ غير أن آل بادر على عجل بتكميم فمها وسحبها إلى الوراء. ورغم أن ميديوم تفوقه طولًا، إلا أنها انصاعت بهدوء وإن باغتتها تلك الحركة المفاجئة من الرجل ذي الذراع الواحدة.
كانت لحظة حرجة كادت تفضح أمرهم، غير أن رد فعل آل السريع قد أحبط اندفاع ميديوم في الوقت الحاسم.
؟؟؟: [――؟]
غير أن تلك الحركة بدت كافية لإثارة ريبة الطرف الآخر؛ فبصرف النظر عن الرجل الذي يحمل سحنة آبل، صوب رجل ذو شعر أصفر مخضر —يُرجح أنه أحد حراسه الشخصيين— نظرات حادة ومتربصة نحوهم.
ومع ذلك――
سوبارو: [كان تدخلكَ موفقًا وسريعًا يا آل.]
آل: [أجل، أود الإشادة برد فعلي الأسطوري الخاطف أنا أيضًا يا صاح… لكن وجود ذلك الرجل صدمة تفوق الاحتمال قليلًا، أليس كذلك؟]
سوبارو: […أجل، أوافقك الرأي تمامًا.]
وبينما كان آل يسحب ميديوم إلى الوراء، أومأ سوبارو برأسه بملامح جادة وصارمة إلى جواره؛
فمواجهة خصم غير متوقع كهذا تعد أسوأ صدام يمكن تصوره على الإطلاق؛ وفي ظل هذا المنعطف من الأحداث، كان عدم مرافقة آبل لهم في هذه اللحظة ضربًا من حسن الطالع.
فلو كان حاضرًا بينهم، لاشتعلت شرارة معركة حاسمة لتحديد الإمبراطور الحقيقي لـ فولاكيا هنا والآن.
سوبارو: [لعل هذا خيارٌ وارد أيضًا…]
استرق سوبارو النظر نحو الحراس الثلاثة الذين يحيطون بالرجل الحامل لوجه آبل، وشعورٌ بالإغراء يراوده في داخله.
لم يكن قوام الجند المحتشدين خفيةً داخل المدينة وخارجها معلومًا، غير أنه لم يرافقه هنا سوى ثلاثة حراس لا غير―― إمبراطور زائف تحرسه في العاصمة الإمبراطورية فيالق تعد بعشرات الآلاف من جنود الإمبراطورية، غير أن وجوده هنا والآن يمثل فرصة ذهبية لتعريته وكشف زيفه.
سوبارو: [――كلا، من السابق لأوانه التسرع بالجزم.]
وإن صح حديث آبل، فإن عرش الإمبراطور ليس مهدًا للدعة والسلام؛ فآبل لم يطبق كلتا عينيه في آن واحد أمام الملأ قط، بل يظل دومًا على أهبة الحذر ترقبًا لمن قد يغتاله في نومه. وبما أن هذا الحذر القاتل سلوك اعتيادي وحتمي لمن يتبوأ منصب الإمبراطور، فحتى لو كان هذا الجالس أمامه مجرد شبيه بديل، فمن المحال أن يظهر للعلن مجردًا من كل حماية ودفاع.
وبعبارة أخرى، فإما أن الحراس الثلاثة الذين جلبهم برفقته يملكون بأسًا وقوة خارقة، أو أنه قد أحكم تدابير أخرى خفية لحمايته.
آل: [أتريد أن نجرب حظنا لنرى ما سيحدث يا صاح؟]
سوبارو: [لو كان خيار «إعادة المحاولة» متاحًا وميسورًا، لربما كان ذلك واردًا؛ غير أن ما أخشاه حقًا هو الوقوع في منعطف مأساوي يستحيل تداركه بعد فوات الأوان. لذا أرجوك، إياك والإقدام على أي حماقة طائشة.] [1]
آل: [حسنًا، حسنًا يا صاح.]
ولم يتبين سوبارو مدى جديته في ذلك، غير أن آل لم يكترث لرفض مقترحه؛ فكثيرًا ما تُقابل آراء آل بالرفض نسبيًا، لكن ذلك مردّه في الغالب إلى كونه يطرحها بسرعة تفوق توارد أفكار سوبارو، مما يتيح لهما مهلة لتقييم الموقف بروية وهدوء.
وقد قلص ذلك من شتات تفكيره، مانحًا إياه متسعًا من الوقت لتمحيص الخيارات الأكثر صوابًا.
فعلى أقل تقدير، يتعين عليهم إيجاد مخرج يمرون به من هذا المأزق دون إثارة حفيظة الإمبراطور المزيف وحاشيته؛ كما أراد الوقوف على الغاية الحقيقية من زيارة هذا الطرف المقابل.
تُرى، ما الذي دفعه للظهور في كايوسفليم في هذا التوقيت بالذات؟
وفوق ذلك، ورغم أن باطن الأمر يناقض ظاهره تمامًا، إلا أن المشهد يبدو وكأن الإمبراطور بشحمه ولحمه قد شرف بنفسه.
ميديوم: [ممم~! ممفهن~!]
وفي خضم هواجسه تلك، أطلقت ميديوم المكممة الفم همهمات متذمرة.
فقد أُجبرت على التراجع إلى الخلف دون أدنى تفسير وفمها مطبق بإحكام، لذا كان سخطها مبررًا ومفهومًا. وسارع آل بإطلاق سراحها قائلًا: «معذرة، معذرة!».
ميديوم: [بفـهااا! كدتُ أختنق، كان ذلك قاسيًا!]
آل: [المعذرة، لم أنتبه يا صاحبة؛ فلم أكن أتعمد ذلك لمجرد أن وجنتي ميديوم-تشان ناعمتان وطريتان للغاية يا صاح.]
سوبارو: [كلما أسهبتَ في تبريرك، تراكمت فوقك شبهات التحرش أكثر فأكثر.]
ميديوم: [لستُ أفهم ما تقولانه بالضبط، لكن الأهم من هذا كله!]
وقابل سوبارو عذر آل بنظرة متبلدة، في حين استجمعت ميديوم أنفاسها بكل ما أوتيت من قوة، وصوبت سبابتي كلتا يديها نحوهما؛ فارتد سوبارو وآل خطوة إلى الوراء أمام اندفاعها الجارف ذاك، ثم استطردت:
ميديوم: [أتعلمان؟ ما زلتُ أجهل حقيقة ما يجري بدقة، ولكن… أيكون ذلك «آبل-تشين» شخصًا مختلفًا تمامًا عن «آبل-تشين» الذي نعرفه؟]
آل: [أوه أجل، أصبتِ كبد الحقيقة يا صاحبة؛ فالأصل أن آبل الحقيقي يقبع الآن في نُزلٍ بقلب المدينة بانتظار عودتنا، أليس كذلك؟ ولهذا السبب تحديدًا وقعنا في حيص بيص يا صاح…]
ميديوم: [أفلن تكون عاقبة هذا وخيمة؟ بالنظر إلى خطة ناتسومي؟]
سوبارو: [خطتي أنا؟ وما شأن ما فعلته بـ… آه!]
لقد أصابت ميديوم كبد الحقيقة؛ فرغم جهلها بالتفاصيل المعقدة، إلا أنها استوعبت جوهر المعضلة بدقة فطرية. وقطب سوبارو جبينه مستنكرًا أن يكون هو موضع إشارتها، غير أنه أدرك كنه مخاوفها على الفور.
فمرمى كلام ميديوم وما كانت ترمي إليه بدا جليًا كالشمس؛
وهو أمر كان حريًا بسوبارو وآل أن يفطنا إليه قبل أن تنطق به لسانها.
وبطبيعة الحال، لم يعد ثمة متسع من الوقت لاتخاذ أي تدبير بمجرد أن استيقظا على تلك الحقيقة الصادمة؛ ومع ذلك، كان ينبغي أن يكونا على أهبة الاستعداد للتداول في سبيل المضي قدمًا――
فتاة الأيائل: [――شرفت يورنا ميشيغوري-ساما بالحضور.]
ودون أن تترك لهما أدنى فسحة للتفكير، كانت تلك الفتاة من سلالة الأيائل التي أرشدتهم هي من أعلن نفاد الوقت المتاح أمامهما.
ومع ظهورها مجددًا، طأطأت الفتاة رأسها ذي القرنين المتشعبين الضخمين، وانحنت باحترام لسوبارو والإمبراطور المزيف وحاشيتيهما؛ ثم فتحت الباب الواقع في صدر القاعة، ونادت بصوت رصين: «تفضلي بالدخول».
وفي تلك اللحظة بالذات، خطت قامة رشيقة بتمهل داخل القاعة؛ وحين وقعت عينا سوبارو على هيئتها مباشرة، اهتدى أخيرًا إلى الكلمات التي تعبر عن ذلك الانطباع الغامض الذي شعر به تجاه فتاة الأيائل منذ البداية.
كان الانطباع الذي استقر في ذهن سوبارو تجاه فتاة الأيائل أنها تشبه فتيات «الكامورو».
وكانت فتيات «الكامورو» في اليابان القديمة وصيفات متدربات في دور الترفيه، يتعلمن أصول اللباقة والآداب والفنون، ويتولين رعاية محظيات النخبة وخدمتهن في تلك الأحياء الباذخة.
ولعل ثوب الكيمونو الأنيق على غير المتوقع وزينة شعرها هما ما أوحيا بهذه الصورة إلى مخيلة سوبارو.
غير أن العامل الأكبر والحاسم في ذلك كان الشخصية المهيبة التي دخلت الفتاة في ركابها――
سوبارو: [――――]
فالسر الحقيقي وراء اهتداء سوبارو إلى تشبيه الفتاة بـ «الكامورو» كان على وجه الدقة تلك الشخصية التي أطلت على المكان للتو.
وكان حبس أنفاسه والتحديق في تلك القادمة بعينين جاحظتين ردة فعل غريزية بحتة؛ فمن فرط الهيبة التي سلبت لبه، خضع وعيه بالكامل أمام كائن أنثوي يفيض بجمال آسر طاغٍ لا يُقاوم.
يورنا: [――أرى أن ضيوفنا كُثُر اليوم، أليس كذلك؟]
ومن نطقت بتلك الكلمات كانت امرأة فارعة الطول، ضيقت عينيها الزرقاوين اللوزيتين بدلال.
كان قوامها الممشوق والرشيق يلتف بثوب كيمونو زاهٍ مزدان بنقوش الأزهار، وشعرها —الذي يتدرج لونه برقة من البياض إلى البرتقالي كلما دنا من أطرافه— مصفف بعناية فائقة وجاذبية ساحرة.
وتزين شعرها بدبابيس «الكانزاشي» المصنوعة من عظام الحيوانات وقرونها، بينما تكفلت العديد من حليات الشعر الأخرى المنحوتة من الأنياب والحراشف بفتنة أعين كل من تقع أنظارهم عليها. [2]
بيد أنها لم تكن سوى زينة عابرة، وأشكالٍ من الجمال صنعتها أيدي البشر؛
ولكي يسطع سحرها الحقيقي، كان المعول الأهم على الشخص الذي يتزين بها، وعلى بهاء طبيعته الباطنة ونقائها؛
وفي هذا المقام، كان بهاء تلك السيدة التي ترتدي الكيمونو أرفع من أن يرقى إليه أدنى شك.
يورنا: [――――]
كان حسنها يخطف الألباب وهي تحرك جسدها الممشوق بليونة واسترخاء.
وتلك الإيماءات والحركات المصقولة بدقة، والتي بدت وكأنها خُلقت لتأسر أنظار الحاضرين عمدًا رغم مسحة الخمول والدلال التي تغلفها، لم تكن سوى التجسيد المثالي لفن استلاب الأنظار وسلب العقول.
وما زاد من سحر مشيتها المتهادية تلك ذيول ثعالب بدت أضخم من أن يحتملها قوامها النحيل الرشيق―― تسعة ذيول، يكسوها فراء كثيف مترف.
ومع تسريحة شعرها المعقود، ودبابيس الكانزاشي، وبين ثنايا تلك الحليات برزت أذنان حيوانيتان منتصبتان بحذر؛ فتسربت إلى عقل سوبارو —كرائحة الخمر المعتقة— حقيقة أنها امرأة ثعلب فاتنة تلتحف الكيمونو.
يورنا: [أهلًا بكم في رحاب قلعتي، لقد تكبدتم عناء القدوم من مكان بعيد.]
ومع كلماتها تلك، استقرت على المقعد في صدر القاعة ومدت ساقيها الطويلتين الرشيقتين باسترخاء، مسندةً ثقلها على مسند الذراع. ومدت يدها الرقيقة، فقدمت لها فتاة الكامورو التي تتبعها غليون «كيسيرو» دقيقًا مطليًا بالذهب بين أصابعها الشاحبة. [3]
وأشعلت الحسناء طرف الغليون في يدها وابتسمت ابتسامة ساحرة فاتنة، وهي تدع الدخان البنفسجي المتصاعد ينساب ليملأ رئتيها.
جلست في مقعد السيادة والصدارة، ترمق بنظرات استعلاء ضيفها―― إمبراطور فولاكيا الجالس في الأسفل منها.
يورنا: [――――]
إن مظهرها الباذخ والمهيب، وأسلوب حديثها المتهادي، وطريقة ارتدائها للكيمونو الذي يكشف عن كتفيها النحيلين، إلى جانب حضور وصيفتها الكامورو التي تلازمها، كل ذلك استدعى في ذهن سوبارو صورتي «الغانية» و«المحظية الراقية».
وبديهي أن سوبارو لم يرَ في حياته دار ترفيه أو محظية وجهًا لوجه؛ فما هي إلا معارف استقاها من المسلسلات التاريخية وتلك الأعمال التي تؤرخ للحقب الغابرة، غير أنه لم يجد في مخيلته وصفًا يفي المشهد حقه سواهما.
――كلا، بل إن الادعاء بقلة المفردات التي تنعتها هو مبالغة في غير محلها؛
ففي هذا المنعطف بالذات، ثمة مسمى حاسم آخر لا ريب فيه لوصف حقيقتها. فصحيحٌ أنها آية في الجمال، وصحيحٌ أنها تتصرف ككبيرات المحظيات؛ غير أن الأهم من ذلك كله أنها تتبوأ الرتبة السابعة بين «الجنرالات التسعة الساميين»――
؟؟؟: [――يورنا ميشيغوري.]
وتلك المرأة الفاتنة التي ظهرت للتو―― يورنا ميشيغوري، نُوديت باسمها الصريح، فصوبت بصرها نحو الرجل الذي نطق باسمها.
فوق تلك الأرضية الخشبية، وشاخصًا ببصره نحو زرقة عيني يورنا، انتصب الإمبراطور الزائف―― ولغرض التمييز بينه وبين آبل، سيُدعى هنا «فينسنت»، غير أنه كان يحمل ذات الهيئة حرفيًا.
سوبارو: [وبطبيعة الحال، نبرة الصوت ذاتها…]
فلم ينبس سوى ببضع كلمات مقتضبة، غير أن الصوت كان صوت آبل بلا أدنى ريب.
ويبدو أن التطابق لم ينحصر في الملامح الظاهرة فحسب، بل امتد ليشمل نبرة الصوت أيضًا. ومع ذلك، فطالما أن المظهر قد نُسخ بهذا الإتقان، فمن الطبيعي أن يُحاكى الصوت بالقدر ذاته؛ ولذا لم تصبه الدهشة من هذه الناحية.
بل على النقيض، حبس سوبارو أنفاسه مأخوذًا بمشهد فينسنت ويورنا وهما يتواجهان وجها لوجه؛
إذ تبادلا النظرات في صمت مطبق، وبدا مشهدهما في غاية الروعة كأنهما لوحة فنية بديعة.
حسناء فاتنة تفيض ألقًا ورونقًا، وإمبراطور ذو هيئة آسرة يمتزج فيها الوقار بالجلال في انسجام عجيب. أي أثر يا ترى سيتركه لقاء هذين الاثنين في تاريخ الإمبراطورية اليوم؟
وسواء أكان هذا اللقاء سيفضي إلى عشق وهيام أم إلى إراقة دماء ودمار، فإن ذلك رهنٌ بما ستتمخض عنه اللحظات القادمة.
سوبارو: […ما الغاية الحقيقية من زيارتهم هذه ماذا بحقك؟]
فمأرب وفد فينسنت من المجيء إلى «مدينة الشياطين» كان لغزًا يستعصي على الفهم في الوقت الراهن؛
ورغم أن صدمة اللقاء بهم ومقدم يورنا قد حازا الأولوية، إلا أن التساؤل الأهم حول مسعى فينسنت ظل يلح عليه―― ما مأربه من القدوم شخصيًا إلى واحدة من «الجنرالات التسعة الساميين» دأبت على التمرد وإعلان العصيان؟
فبافتراض أنه يتقمص دور الإمبراطور الحقيقي، فلا بد أنه يحوز شرعية ما؛ ولكن لمَ تفتح يورنا أبواب قلعتها مرحبةً بالإمبراطور في ظل تلك الضغائن والعداوة المتجذرة بينهما؟
وإن قيل إن يورنا، بحكم منصبها، لا تملك حق الرفض، لكان ذلك تفسيرًا كافيًا لحسم المسألة.
يورنا: [يا إلهي، صاحب السعادة، لقد طال أمد فراقنا.]
وبينما كان سوبارو يكابد تلك الهواجس في صدره، ارتسمت ابتسامة دافئة على محيا يورنا المقابلة له وأرخت جفنيها بدلال، واضعةً غليون «الكيسيرو» بين شفتيها. ثم نفثت سحابة من الدخان البنفسجي، وأطبقت إحدى عينيها بتحدٍ وجرأة وقالت:
يورنا: [يشرفني حقًا أن أحظى برؤية محياك البهي؛ فمهما كررتُ دعوتك للقدوم إلى «مدينة الشياطين»، لم تكلف نفسك عناء الحضور قط.]
فينسنت: [دعوة، أهكذا ترينها؟]
ودون أن يعرج على مظهري قلة الاحترام —جلستها المتراخية ونفثها للدخان في وجهه— قطب فينسنت حاجبيه امتعاضًا.
ثم عقد ذراعيه النحيلتين وراح ينقر بأطراف أصابعه على مرفقيه وهو يقلب الأمر في خلده:
فينسنت: [أكان حشدكِ للجيوش وإعلان التمرد ضدي بين الفينة والأخرى بمثابة دعوة؟ إن كان الأمر كذلك، فإن جوابي كان واضحًا وجليًا بلا ريب.]
يورنا: [أجل، أصبتَ كبد الحقيقة؛ غير أن عنقي لا يزال متصلًا بجسدي كما ترى. وفوق ذلك، يبدو أنك لم تجلب معك ذلك الفتى المشاكس المزعج اليوم.]
فينسنت: [――――]
يورنا: [أجل، فؤادي يخفق طربًا وحماسة لمجرد التفكير في أن مشاعري لعلها قد بلغت مسامع قلبك؛ فالمعذرة منك على هذا الانفعال.]
تنحنحت يورنا وأطلقت ضحكة رقيقة؛ غير أن نبرتها المغناج وابتسامتها الفاتنة لم تزحزح جمود ملامح فينسنت قيد أنملة.
كان إتقان فينسنت لدور الإمبراطور الزائف متقنًا ومذهلًا للغاية، غير أن ما أقلق سوبارو في الوقت ذاته كان مسلك يورنا―― ذلك الشغف الدفين الذي يفيض من نظراتها وكلماتها تجاه فينسنت.
فلم يتعد الأمر بضع عبارات مقتضبة، غير أن مشهدهما في عيني سوبارو كان يوحي بأن هذين الاثنين――
آل: [مستحيل يا صاح! أيعقل أن تلك الفتاة كانت تدبر التمرد تلو الآخر لمجرد لفت انتباه آبل-تشان؟]
سوبارو: […أتمنى من كل قلبي أن تكون مخطئًا فيما تقول.]
فقد بدا أن آل قد اهتدى إلى نفس الاستنتاج الصادم الذي جال بخاطر سوبارو، مما جعل الأخير يصر على أضراسه غيظًا وحرجًا.
فقد فضل ألا يكون أحد أعظم محاربي الإمبراطورية شخصًا يسير الجيوش بدافع نزوة عاطفية شخصية؛ فضلًا عن أنه كان من العسير تصور وجود شخص يكن مودة صادقة تجاه آبل، في حين أن الأخير لا يكاد يعد الآخرين بشرًا أصلًا.
وكان ذلك هو المبعث الرئيس لتشنج وجنتي سوبارو، غير أن ثمة ما هو أدهى وأخطر من ذلك بكثير؛
ألا وهو تلك الذريعة التي اتخذها سوبارو ورفاقه سبيلًا لالتماس المثول بين يدي يورنا منذ البداية.
لقد كانت محاولة لاسترعاء اهتمامها بشعار «آبل يثير حنقي»، على افتراض أن هذا الشعار لن يلقى قبولًا لدى أي شخص يوالي آبل أو يميل إليه.
ولو صدقت تلك الهواجس المزعجة التي راودت سوبارو ورفاقه، لكان الأمر برمته مجرد هراء ثقيل الظل بالنسبة ليورنا؛ ورغم ذلك، فقد سمحت لوفد سوبارو بدخول القلعة والمثول بين يديها. بل لعل هذا بالذات هو ما حدا بها إلى إجلاسهم جنبًا إلى جنب مع وفد فينسنت نفسه.
؟؟؟: [جنرال الرتبة الأولى يورنا، ألا يعد هذا المسلك قلة احترام واضحة؟ ما الذي يدور في خلدكِ بالضبط؟]
يورنا: [همم؟]
وفيما كان سوبارو ورفاقه يتوجسون قلقًا من هذا الموقف المريب، واصل وفد الإمبراطور حديثه؛
ونيابة عن فينسنت الذي التزم الصمت، كان ذلك الرجل ذو الشعر الأصفر المخضر —الذي يبدو أنه حارس فينسنت الشخصي— هو من جعل يورنا ترفع حاجبيها تعجبًا.
رجل قصير الشعر مصفف إلى الأعلى مع خصلات متدلية في ضفائر طويلة، ويبدو أنه في عمر فينسنت تقريبًا أو يكبره قليلًا.
يرتدي عباءة رملية اللون فوق درع خفيف أسود، وتوحي ملامحه وبنيته الجسدية بصرامة وحدة بالغة كالسلك المشدود؛ وصوب عينيه الثاقبتين نحو يورنا بنظرات تفيض استنكارًا وتنديدًا.
يورنا: [إذن أنت المرافق لحضرة صاحب السعادة… أنت تكون…]
كافما: [أنا كافما إيرولوكس؛ وقد كُلفت بمرافقة صاحب السعادة. ونويتُ أن أكتفي بدوري كحارس شخصي فحسب، غير أن… مسلككِ يثير الاشمئزاز.]
يورنا: [مسلكي، أتقول؟ وما الذي ترمي إليه بذلك؟]
كافما: [كل شيء دون استثناء!]
خرجت كلمات يورنا ببرود وهدوء مفرط، مما أجج حنق الرجل الذي يدعى كافما.
فرمق يورنا بنظرة غاضبة، مشيرًا بيده نحو سوبارو ورفاقه الذين كانوا يشهدون الموقف في صمت مطبق:
كافما: [ومن الأساس، لمَ تصرين على وجود غرباء هنا؟! صحيح أن هذه قلعتكِ، لكنها تظل أرضًا تابعة للإمبراطورية… أتناسيتِ تلك الحقيقة الصريحة؟!]
يورنا: [بالتأكيد لم أنسَ؛ فأنا ملكٌ لصاحب السعادة.]
كافما: [لستُ أقصد هذا الهراء! بل أعني أولئك الواقفين هناك… أنتم!]
سوبارو: [إيه؟! أنحن المقصودون؟! ]
ومع تحول غضب كافما صوبهم، ارتعش منكبَا سوبارو ذعرًا. وكان يفضل لو تُرِكوا وشأنهم بمنأى عن أنظار الجميع، غير أن ذلك كان أملًا بعيد المنال؛
ومع ذلك، فحين يوجه أحدهم إليك سؤالًا، ثمة سبيل دومًا لاستغلال الموقف:
سوبارو: [أممم، أنقطع أمرًا مهمًا بوجودنا؟ إن كان الأمر كذلك، فسنعود في يوم آخر…]
يورنا: [سيكون ذلك مدعاة للحرج؛ فساعات يومي معدودة ومحدودة، وإن فاتكم لقائي اليوم، فلستُ أدري متى ستسنح لكم فرصة أخرى.]
كافما: [لا تجبريهم على البقاء هنا! أولئك الفتيات يشعرن بالحرج الشديد أيضًا بلا ريب!]
سوبارو: [أجل، أجل، كلامك عين العقل!]
ولسبب مجهول، كانت يورنا تصر على إبقاء وفد سوبارو في المجلس، غير أن كافما اصطف في صف سوبارو بطريقة ما. وطالما أنه يقف في ركاب الإمبراطور الزائف، فإن كافما يعد عدوًا لا ريب فيه، غير أن صرامة مسلكه واستقامته جعلتاه يبدو كالحليف الوحيد لهم في خضم هذا الموقف المعقد.
غير أنه――
فينسنت: [يورنا ميشيغوري، ما الذي ترومينه من هذا؟]
وقطع فينسنت فولاكيا —الإمبراطور الزائف نفسه— حبل التوتر فجأة؛
وبمجرد أن نطق، تراجع كافما المحتد فورًا وانضبط في مكانه. ورغم ألفة ذلك الصوت وتقاطيع ذلك الوجه، استشعر سوبارو انقباضًا في أحشائه؛
فرغم يقينه التام بأنه بديل مزيف، إلا أن هيبته الطاغية وسطوته كانتا حقيقيتين لا ريب فيهما.
فينسنت: [أجيبي؛ ما الذي يدور في خلدكِ؟]
وبعد أن ألجم تابعه والضيوف غير المرغوب فيهم بالصمت، كرر فينسنت سؤاله إلى يورنا بحزم.
وإزاء ذلك السؤال الحاسم وتلك النبرة الصارمة، ضيقت يورنا عينيها برقة. وأدنت غليون «الكيسيرو» من شفتيها بتمهل، ودعت الدخان البنفسجي المتموج ينساب إلى رئتيها، ثم زفرته بنعومة ودلال، مضفية على ردها مسحة استعراضية مبالغًا فيها.
وتشنجت وجنتا كافما حنقًا من جسارتها وقلة احترامها في جعل الإمبراطور ينتظر جوابها مجددًا:
يورنا: [بالطبع، فؤادي مشغولٌ دومًا بالتفكير في صاحب السعادة… في جلالة إمبراطور فولاكيا.]
فينسنت: [――――]
يورنا: [هيهي، لا ترمقني بمثل هذه النظرات الجليدية القاسية؛ لكنني على يقين تام بأن صدر صاحب السعادة سينشرح أكثر إن قمتُ بتهذيب غطرسة أولئك الضيوف هناك وكسر شوكتهم قليلًا، أليس كذلك؟]
وبضحكة خافتة وهيئة تنضح بالثقة، أشارت يورنا بطرف ذقنها نحو سوبارو ورفاقه.
وحينها فقط، ولأول مرة، وجّه فينسنت كامل انتباهه صوب مجموعة سوبارو؛ إذ لا بد أنه استنتج أن ثمة مغزى حقيقيًا وراء ذلك الحوار المقتضب السابق، يتجاوز مجرد نزوة عابرة من نزوات يورنا.
وسعيًا لكبح هذا التطور السيئ في مجرى الأحداث، تنحنح سوبارو بصوت مسموع محاولًا استدراك الموقف:
سوبارو: [المعذرة منكم جميعًا، غير أن لدي اقتراحًا بديلًا؛ يبدو أننا ولجنا المكان الخطأ، وثمة أمور خطيرة لا يجدر بنا البتة سماعها؛ لذا نود الاستئذان والانسحاب بهدوء لنذهب إلى…]
يورنا: [يا إلهي، ما كل هذا الجبن والتردد؟]
وقُطعت كلمات سوبارو وهو يحني جذعه محاولًا التراجع ومغادرة المجلس بمنتهى الأدب والكياسة.
غير أنه لمح لوهلة عيني يورنا المتواريتين خلف سحابة الدخان البنفسجي، وتلك اللمعة الصبيانية العابثة التي تومض فيهما؛ فانحبست أنفاسه بهمهمة واهنة «أوه»، مدركًا أنه قد وقع في زلة فادحة وسوء تقدير جسيم.
فلو كان ينوي التراجع والفرار، لكان حريًا به حسم أمره فور أن وقع بصره على وجوه الحاضرين أمامه منذ البداية؛
لقد أخطأ الحساب، وها هو الآن يتجرع مرارة الندم بعد فوات الأوان.
لأن――
يورنا: [لقد بلغني الأمر من تانزا… جئتم إلى هنا لإغوائي وإغرائي بالانقلاب على جلالة صاحب السعادة الإمبراطور المعظم، أليس كذلك؟]
وهكذا، وبمنتهى الجرأة، كشفت يورنا عن مكنون نواياهم ومسعاهم السري دفعة واحدة على الملأ.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] يُقصد بالتعبير الذي استخدمه سوبارو هنا دلالة «إعادة المحاولة في ألعاب الفيديو انطلاقًا من نقطة الحفظ» (Continue / Restart from savepoint)؛ وبناءً عليه، فإن المعنى السياقي الدقيق للجملة يشير إلى: «لو كان بمقدورنا فقط إعادة المحاولة / الرجوع إلى نقطة حفظ سابقة، لكان ذلك خيارًا واردًا».
[2] الكانزاشي (簪): حليات ودبابيس تقليدية تُستخدم لتثبيت وتزيين تسريحات الشعر في الثقافة اليابانية الكلاسيكية، وتشمل طيفًا واسعًا ومتنوعًا من الإكسسوارات كدبابيس الشعر الصلبة والمزخرفة.
[3] الكيسيرو (煙管): غليون تدخين ياباني تقليدي، يُستخدم في الأصل لتدخين كميات ضئيلة من تبغ «الكيزامي» (تبغ مقطع لشرائح دقيقة ورفيعة تشبه خصلات الشعر)؛ وكانت النماذج الأطول والأكثر صلابة منه تُستخدم أحيانًا كأسلحة غير معلنة للدفاع عن النفس.