الفصل 397 - مدينة الشياطين الفوضوية
الفصل السادس والثلاثون
«مدينة الشياطين الفوضوية»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
لويس: [آاه! أووه!]
أشارت لويس بيدها نحو معالم المدينة الممتدة أمامهم، وهي تقفز بحماسة في مقعد القيادة.
وكاد سوبارو أن ينبهها إلى أن حركتها تلك تشوش على قيادة «حصان الرياح العاتية»، غير أن ميديوم الممسكة باللجام ربتت على منكبي لويس وجذبتها قائلة بضحكة مرحة وعفوية: «أعلم، أعلم ذلك!».
وفوق ذلك، وجد سوبارو نفسه —وهو يرمق المشهد ذاته— مأخوذًا بذهول طاغٍ.
سوبارو: [إذن هذه هي «كايوسفليم، مدينة الشياطين»…]
وابتلع سوبارو ريقه، عاجزًا عن مداراة دهشته التي ارتسمت على كامل جسده.
ففي لوغونيكا، أُخذ بروعة وسحر «مدينة البوابة المائية، بريستيلا»، وفي فولاكيا، أُعجب بتباين الطرز المعمارية واختلافها. غير أن مشهد «مدينة الشياطين» المنتصبة أمامه قد ترك في نفسه أثرًا ووقعًا مختلفًا تمامًا عن كل ما شاهده في المدينتين.
ففي منظور سوبارو، المدينة هي تجمع حضري يستوعب أعدادًا غفيرة من البشر، ولذا تفترض البديهة وجود نسق موحد ومعايير معمارية تضبط عمرانها؛
غير أن شوارع كايوسفليم لم تكن توحي بأدنى إحساس بالانسجام أو التناسق،
بل كانت، بلا ريب، بوتقة انصهرت فيها فوضى من المفاهيم الهجينة والاعتباطية، بما يليق تمامًا بمدينة تتوج اسمها بكلمة «الفوضى».
وتربعت في قلب المدينة ميزتها الأكثر لفتًا للأنظار: قلعة مهيبة كُسيت بطلاء قرمزي براق، تمتد حولها الشوارع في دوائر متسعة تطوق القلعة من كل جانب. وللوهلة الأولى، بدا تخطيطها شبيهًا بهيكلية «العاصمة الملكية للوغونيكا»، غير أنه حتى في العاصمة كان المرء يستبين فوارق طبقية حاسمة بين أحياء النبلاء، والعامة، ومناطق الفقراء المعدمين.
أما كايوسفليم، فقد انعدم فيها أي أثر لمثل هذا التمايز؛
أطلال دارسة جاثمة بجوار مبانٍ شاهقة تلتمع بالحياة، وأزقة تصطف فيها منازل قصيرة تباغتها أبراج مدببة تتجاوز ضعف علوها، ومساحات رملية قاحلة تحاذي حدائق خضراء غناء.
وعلاوة على ذلك، شُيدت فوق تلك الشوارع جسور وسقالات خشبية لا حصر لها، متداخلة بلا أدنى نظام، حتى خُيل للناظر إليها من بعيد كأن المدينة برمتها تتلفع بشبكة عنكبوت هائلة.
مدينة لا تمت بصلة للنظام أو التناسق أو الذوق العام―― ولا يليق بها سوى مسمى واحد: «مدينة الشياطين».
وأدرك سوبارو بنظرة واحدة خاطفة أنها مرتع لا ريب فيه لسيادة الفوضى المطلقة.
آل: [――تبدو كمدينة سهلة الانهيار بمجرد أن تتلقى «دكة عملاق»، أليس كذلك يا صاح؟]
نادى آل على سوبارو قائلًا ذلك وهو يضيق عينيه متأملًا تلك الفوضى العارمة، واضعًا كفه كالمظلة فوق عينيه ليحجب وهج الضوء، باثًا خواطره عن ذلك المشهد المهيب لمدينة الشياطين.
ورغم أنها مسألة ثانوية، لكن ما الجدوى أصلًا من وضع كفه على جبين خوذته الحديدية؟
آل: [عشتُ في فولاكيا ردحًا طويلًا من الزمن، غير أن هذه أول مرة أطأ فيها أراضي الشرق، لذا فالأمر يبعث على التجدد والانتعاش يا صاح.]
سوبارو: [أهذه أول زيارة لك لـ كايوسفليم أيضًا؟ إذن قضيت كل تلك السنين في الجانب الغربي من فولاكيا؟]
آل: [بل الأصح أنني مكثتُ في بقعة واحدة هناك ليس إلا؛ حلبة كولوسيوم ضخمة تقبع في قلب بحيرة تُدعى «جزيرة المصارعين»؛ وظللت أقاتل كمصارع هناك لسنوات طويلة.]
سوبارو: [مصارع في حلبة كولوسيوم…]
وذهل سوبارو أمام عظمة ماضي آل المضطرب والمليء بالأهوال، وهو ماضٍ تناهت إلى مسامعه بعض أطرافه من قبل.
ففقدانه لذراعه، والعديد من الوقائع التي سردها آل دون مواربة، كانت أمورًا في غاية الخطورة والقتامة. ولفرط جسامة تلك المآسي، كان آل يتعمد التحدث عنها بكل تلك العفوية واللامبالاة حتى لا يثقل كاهل محدثه بالحرج، ولكن――
سوبارو: [هذا الأسلوب لا يخفف من وطأة عبئي النفسي قيد أنملة…]
آل: [مم؟ أتقول شيئًا يا صاح؟]
سوبارو: [لا، لا شيء على الإطلاق… بالمناسبة، ما الذي تعنيه بـ «دكة عملاق» هذه؟]
آل: [هاه؟ ألم تكونوا تستخدمون هذا التعبير في مسقط رأسك؟ أعني الزلازل والهزات الأرضية وما شابهها يا صاح؟]
وعندما استفسر سوبارو عن ذلك التعبير الغريب، أمال آل رأسه مجيبًا بسؤال مضاد.
ورغم أن سوبارو وآل ينحدران من نفس «مسقط الرأس»، إلا أن مسقط الرأس هنا كان يشير بالمعنى الأوسع إلى عالمهما الأصلي، لذا فمن البديهي أن تختلف بيئتهما ومسقط رأسهما الفعلي داخل ذلك العالم.
ومع ذلك، فرغم كثرة الأمثال الشعبية المرتبطة بالشياطين، لم تسعفه الذاكرة بالكثير مما يتعلق بالعمالقة.
سوبارو: [لعل الأمر متعلق بفريق بيسبول؟ لا علم لي بالكثير عن هذا بصراحة.]
آل: [أوه، لا، لستُ متأكدًا يا صاح. لا أذكر من أين علقت هذه الكلمة برأسي، ولا أذكر أنني كنت مولعًا بالبيسبول على وجه الخصوص، ولكن…]
سوبارو: [فهمت. مع أن مظهرك يوحي تمامًا بأنك شخص يقضي وقته باحتساء الجعة ومتابعة مباريات البيسبول.]
آل: [في واقع الأمر، لم أحتسِ قط أي شيء من هذا القبيل.]
تبادل سوبارو ابتسامة باهتة مع آل إثر كلماته تلك، متذكرًا السن التي استُدعي فيها آل إلى هذا العالم الآخر، فأومأ في سره مؤيدًا: «أجل، هذا منطقي».
وعلى أية حال، وفي غمار حديثهما المقتضب، اقتربت العربة التي تقل الرفاق من واجهة «مدينة الشياطين»، مدخل مدينة الفوضى تلك.
وإذا ما تطرق الأمر إلى إجراءات الدخول والخروج من المدن، فإن أول ما قفز إلى ذهنه هي نقاط التفتيش في غوارال.
فقد نُصبت نقاط التفتيش عند البوابات الرئيسية للمدينة، واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب، ويُستجوب فيها القادمون والمغادرون عن هوياتهم والغرض من إقامتهم.
وفي نهاية المطاف، قد يثير التساؤل مدى كفاءة عمل نقاط التفتيش تلك بعد أن سمحت لسوبارو ورفاقه بالتسلل، غير أن كلمات زكر تفرض نفسها هنا: «لا ريب أن أعين الجنود قد خُطفت بسحر وجمال ناتسومي ورفيقاتها الفاتن». لذا ينبغي اعتبار الأمر نجاحًا لبراعتهم هم.
وبصرف النظر عن ذلك، فإن وجود مثل تلك النقاط التفتيشية لم يكن مختلفًا بين المملكة والإمبراطورية.
فكافة مدن لوغونيكا تفرض تدقيقًا مماثلًا؛ ولذا ظن سوبارو أن هذه لحظة حاسمة لا تحتمل الخطأ، فتقمص دور ناتسومي شوارتز مجددًا――
الحارس: [――تفضلوا بالدخول.]
ميديوم: [عُلممم! شكرًا جزيلًا!]
لويس: [أووه!]
ألقى الرجل نظرة سريعة خاطفة على العربة ومنحهم الإذن بالمرور على الفور؛ ويُفترض أنه ينتمي لحامية المدينة، وعضو في «قبيلة السيكلوب»―― عرق يتميز أفراده بامتلاك عين وحيدة ضخمة تتوسط وجوههم.
وبالنسبة لسوبارو، كان نيل إذن العبور بمجرد لمحة عابرة أمرًا يدعو للإحباط ويبعث على خيبة الأمل؛ وتساءل عما إذا كان الحارس يحوز، لعل وعسى، قدرة فريدة تمكنه من كشف الأمور الخفية بتلك العين الوحيدة المميزة.
سوبارو: [لعل هذا هو سر تعيينه حارسًا للبوابة، أليس كذلك؟]
آبل: [يبدو أنك تشطح بخيالك وتفرط في التفسير؛ فقبيلة السيكلوب لا تحوز قدرات من هذا القبيل. كل ما سمعته عنهم أن مدى رؤيتهم أبعد قليلًا من البشر العاديين، غير أن وظيفة أعينهم لا تختلف في جوهرها عن سائر الناس.]
سوبارو: [معك حق! وإلا فكيف سمح لمركبة مريبة كهذه بالمرور هكذا ببساطة!]
صاح سوبارو مغتاظًا ردًا على تلك الكلمات الجافة، بعد أن وضع يده على ذقنه محاولًا إقناع نفسه على طريقته.
وإثر سماع شكوى سوبارو الصادرة بنبرة حادة، زفر الطرف الآخر همهمة ساخرة «هڪ»، وهو يعدل وضعية القناع المستقر على وجهه―― قناع أوني أحمر؛ ثم استند إلى مقعده مسترخيًا.
فبمجرد مشارفة «مدينة الشياطين»، ارتدى آبل القناع الذي جلبه معه. وكان سوبارو قد اعترض بشدة، محذرًا إياه من أن هذا الصنيع سيثير ريبة الحراس والجنود من حوله حتمًا.
غير أن آبل لم يتنازل عن قناعه، وجاءت ردة فعل الحراس مطابقة تمامًا لما تنبأ به، مما ضاعف شعور سوبارو بالحنق والغيظ.
وبطبيعة الحال، كان عدم الارتياب في أمر آبل نبأً سارًا يخفف من وطأة الأمر.
سوبارو: [المسألة خطيرة بحق! أي نوع من القوانين والأنظمة يحكم هذه المدينة حتى يغدو خط دفاعها الأول، حراس البوابات، بهذا المستوى من التسيب والإهمال؟]
تاريتا: [أنا أشاطر ناتسومي الرأي؛ فأنا أرتدي ثيابًا ذات أكمام، ومع ذلك لم يعلقوا بشيء على الإطلاق.]
سوبارو: [همم… يبدو أن مبعث استغرابكِ يختلف بعض الشيء عن مبعث دهشتي…]
أيدته تاريتا بملامح متصلبة، غير أن الهوة الثقافية التي لمستها كانت مغايرة تمامًا لما استشعره سوبارو؛
فبينما ارتبط استغراب سوبارو بنظام المدينة وأسلوب إدارتها، انحصرت دهشة تاريتا في اعتزازها بهويتها كامرأة من نساء شودراك.
سوبارو: [――――]
وذكره ذلك بالحديث الذي دار بينه وبين تاريتا حول نار المخيم قبل وصولهما إلى «مدينة الشياطين».
فعقب تلك المحادثة، لم تعد تاريتا أبدًا للحديث عن مخاوفها وقلقها مجددًا، غير أن ذلك لم يكن يعني بحال أنها تحررت من قيود تلك الهواجس؛ إذ كان همًا قد لا يبارحها حتى وإن حسمت أمرها وخاضت ذلك الاستحقاق المصيري لتولي زعامة القبيلة.
وتمنى سوبارو صادقًا لو تظفر بقرار يريح بالها إن أمكن، ومع ذلك――
سوبارو: [حسنًا، فلنركز الآن على معضلة مدينة الشياطين.]
وبعد اجتياز نقطة التفتيش المتساهلة تلك، ابتلعت المدينة الفوضوية الصاخبة العربة في جوفها.
وتعالت صيحات البهجة بنبرة رنانة من مقعد القيادة من ميديوم ولويس اللتين كانتا تنبهران مع كل خطوة، في حين شهد سوبارو بدوره ذلك المشهد المذهل لما تحتضنه «مدينة الشياطين»، وهو ما تعذر لمحه من الخارج بمفرده.
وكان أول ما لفت انتباهه فور ولوج المدينة هو ذلك التنوع العرقي غير المسبوق؛
فقد كان الأثر الذي تركه الحارس ذو العين الواحدة عند البوابة صادمًا بحق، غير أنه ما إن توغل داخل المدينة حتى أدرك أن هيئة ذلك الحارس لم تكن بالشيء اللافت أو الغريب على الإطلاق.
فبصورة عامة، كان هناك طيف هائل ومتنوع من «البشر-الوحوش»―― ولم يقتصر الأمر على أشباه القطط أو الكلاب فحسب، بل شمل أيضًا أشباه الأرانب والأسود، مع تمايز جلي بين الصغار والضخام البنية منهم وهم يجوبون الشوارع.
كما نصبت فئة من «البشر-السحالي» ذوي المظهر الزاحف متجرًا لهم، إلى جانب فرد من «قبيلة متعددي الأذرع» بأطرافه الكثيرة، وطائفة من أناس ذوي شعور بالغة الطول، لم يتضح إن كانت مجرد صيحة زينة أم سمة عرقية مميزة.
وما إن جال ذلك في خاطره، حتى لمح عرقًا يبدو كأنه منحوت من الحجر الصافي يتهادى في الطرقات، بل وحتى كائنات من نوع «الكيميرا» بدت أجسادها مزيجًا هجينًا من أعراق شتى.
سوبارو: [――――]
وعقد هذا الامتزاج العبثي للأعراق لسان سوبارو ذهولًا.
وبطبيعة الحال، شهدت العاصمة الملكية للوغونيكا مشاهد تركت أثرًا مماثلًا في نفس سوبارو في أول الأمر، وجعلته يدرك على الفور أنه قُذف إلى عالم آخر؛ غير أنه لاحقًا، ومع اكتسابه المعارف اللازمة للعيش في هذا العالم، فقه أيضًا بعضًا من تلك التعقيدات الشائكة التي تحيط بـ «أنصاف البشر».
فبما لاقته إميليا من نبذ واضطهاد لمجرد كونها «نصف إلف» على سبيل المثال، لم تكن بيئة هذا العالم لتُوصف بالمواتية أو المنصفة لأنصاف البشر على الإطلاق؛
وسواء كان ذلك للأفضل أم للأسوأ، فإن النزعة إلى إقصاء كل من هو مختلف لم تتغير حتى باختلاف العوالم.
ونتيجة لذلك، فإن العديد من أنصاف البشر الذين تنطق أشكالهم بخصائصهم العرقية قد هجروا تجمعات البشر واعتزلوا في مجتمعات منغلقة لتجنب المتاعب والاضطهاد، حسبما سمع.
وكان «الملاذ» الذي عدّه غارفيل ورفاقه موطنًا لهم نموذجًا حيًا لتلك البقاع.
ولكن ما بال «كايوسفليم» الماثلة أمام عيني سوبارو الآن؟
فبصرف النظر عن تعايش شتى الأجناس جنبًا إلى جنب بلا تمييز ولا أحكام مسبقة، فإن أكثر ما استوقف سوبارو وأدهشه كان شموخ هيئتهم واعتدادهم بأنفسهم؛
إذ كان الجميع يمشون بقامات منتصبة تفصح بفخر عن أعراقهم.
بشر-وحوش لا يكفون مخالبهم ولا أنيابهم، وبشر-سحالي لا يكلفون أنفسهم عناء صقل حراشفهم لتبدو مألوفة، وأولئك الذين تُعد أشكالهم شاذة أو غير اعتيادية لم يحجبوا وجوههم وأجسادهم بالأردية. ――فبدا هذا المشهد في عيني سوبارو أمرًا بديعًا وجديدًا تمامًا.
آبل: [أكنتَ تتساءل عن نوع القوانين المعمول بها هنا؟]
انطلق هذا الصوت فجأة من آبل الذي يرتدي قناع الأوني، وهو لا يزال جالسًا في مقعده.
وبينما كان الجميع يتلفتون بفضول بالغ —ليس ميديوم عند منصة القيادة فحسب، بل سوبارو وآل وحتى تاريتا— استرعى الإمبراطور المتخفي بكلماته انتباه سوبارو وتابع قائلًا:
آبل: [كما ترى بأم عينك، ما يسود هنا هو شريعة الفوضى وانعدام القانون؛ وإن سألتَ عن الضابط الحاكم، فليس سوى قانون معنوي لا يُرى بالعين. إنها سخرية صريحة من مفهوم النظام، بل هي مدينة الموبقات والرذائل إن جاز التعبير.]
سوبارو: [رذائل وموبقات…؟ الناس في غاية الانبهار، ومع ذلك تأبى إلا أن تعكر صفو الأجواء.]
آبل: [انبهار؟ أترك ذلك انطباعًا عميقًا في نفسك؟ أظن أن هذا لائق ومتوقع من دخيل غريب مثلك.]
هز آبل منكبيه النحيلين ردًا على تعليق سوبارو، وملامح وجهه تنم عن استياء طفيف.
وأعادت كلمة «دخيل» شعوره بالغربة وعدم الانتماء، مما ذكّر سوبارو بدوره بتلك المشادة التي نشبت بينهما في العربة قبل بضعة أيام. ورغم ذلك، وبما أن سوبارو كان الطرف الوحيد الذي انفعل واحتد في ذلك الجدال، فالأرجح أن الطرف الآخر سيسخر منه إن وصف الأمر بأنه «مشادة».
آل: [ولكن، أليس المبدأ الراسخ في أرجاء هذه المدينة هو أن الفوضى ذاتها قد استحالت نظامًا؟ ما رأيك يا آبل-تشان؟]
آبل: [إن تساءلتَ عن حقيقة النظام، فستعلم حينها إن كانت هذه المدينة فوضوية حقًا أم لا. ――أين يكمن جوهر النظام في نظرك من الأساس؟]
آل: [بدأتَ تتفلسف عليّ يا صاح… أحيل السؤال إليه!]
غمز سوبارو بعين واحدة في وجه آل الذي نفض يديه من التفكير بتلك السرعة؛
غير أنه، على النقيض من آل المجرد من الكبرياء، لم يكن سوبارو مستعدًا لرفع الراية البيضاء بمثل هذه السهولة؛ فعقد ذراعيه ومال برقبته ليدع خصلات شعره الطويل تنسدل على كتفيه، ثم صرح قائلًا:
سوبارو: [جوهر النظام ليس بتلك الصعوبة كما تعلم؛ أن يتعايش الجميع بوفاق! الانسجام والوئام!]
آبل: [――جوهر النظام هو التماثل.]
كان هذا تصريح آبل القاطع، دون أن يلقي بالًا لرأي سوبارو الذي بدا وكأنه صادر عن تلميذ في بواكير المرحلة الابتدائية.
وعاقدًا حاجبيه إثر كلماته، استطرد آبل موضحًا:
آبل: [هو أن يشترك جمعٌ غفير من الكائنات في ذات القيم؛ سواء كانت عقائد أو مبادئ، أهدافًا أو مصالح مشتركة. فحين تلتقي الجماعة —لا الأفراد— على هوية لا يحيد فيها طرفٌ عن الآخر، فهذا هو ما يُدعى بالنظام. وما يُشيد فوق مداميك ذلك النظام، ليس سوى ذلك الحلم الواهي الذي أسهبتَ في وصفه.]
سوبارو: [حلم واهٍ…؟ أترى أن السلام سخيف ومستحيل إلى هذا الحد؟]
آبل: [الصراع غريزة بشرية حتمية لا فكاك منها؛ وحتى وإن لم يكن السلاح فيها نصلًا وسيفًا، بل كان لسانًا أو دولة، فإن الجوهر يظل ثابتًا لا يتغير. غير أن النظام هو الآلية المثلى لخلق بيئة بمنأى عن الانهيار والدمار. ――انظروا.]
أشار آبل بطرف ذقنه، حاثًا سوبارو ورفاقه على إلقاء نظرة عبر النافذة.
فبينما كان جالسًا في موضعه، دلهم على معلمٍ يستيقنون من وجوده دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التطلع من النافذة―― القلعة القرمزية، رمز مدينة الشياطين.
آبل: [تمامًا كما ذكر المهرج، ثمة نظام يُدعى الفوضى يسود هذه المدينة؛ وهذا بالتحديد هو السر وراء صمودها وتفاديها الانهيار، رغم كونها مرجلًا تنصهر فيه أعراقٌ شتى لا حصر لها.]
سوبارو: [تلك القلعة… كلا، بل من يقبع داخل القلعة…]
آبل: [――يورنا ميشيغوري.]
وارتطمت نبرة صوت آبل بمسامع سوبارو، فارتعدت طبلة أذنه خافتًا.
نطق آبل بذلك الاسم وقسمات وجهه محجوبة خلف ذلك القناع. ولكن تُرى، كيف ينظر إلى وجود أكثر الشخصيات إثارة للجدل والمتاعب بين الجنرالات التسعة الساميين؟ تلك التي قد تكون ركيزة لا غنى عنها في استرداده لعرشه السليب؟
مدينة الشياطين التي تتلاصق فيها المعالم طولًا وعرضًا، ويتقاطر إليها ويغادرها أناس لا يجمع بينهم أدنى رباط من الانسجام.
وبدت القلعة الرابضة في سويداء المدينة وكأنها ترمق موكب الإمبراطور الذي بلغ عتباتها بنظرة استعلاء، وجدرانها الخارجية المصقولة تلتمع بضياء غامض.
△▼△▼△▼△
――كانت المعلومات المتاحة مسبقًا حول «يورنا ميشيغوري» شحيحة للغاية.
إحدى «الجنرالات التسعة الساميين»، الأقوى على الإطلاق في إمبراطورية فولاكيا، وامرأة تتبوأ المرتبة السابعة بينهم.
ورغم أنها تحظى برتبة جنرال في الإمبراطورية وتُعد نصلًا من سيوف الإمبراطور، إلا أنها كانت شخصية جامحة لا يمكن التنبؤ بأفعالها، وقد جلبت فوضى لا مبرر لها على البلاد بتمرداتها المتكررة.
وكان زكر هو من زود سوبارو بالمعلومات عن الجنرالات التسعة الساميين نيابة عن الإمبراطور العاجز عن التواصل والتفاهم مع الآخرين، غير أن الشخصين الوحيدين اللذين ألمح إلى طبيعتهما الإنسانية بحديث مبهم كانا يورنا وسيسيليوس، جنرال الرتبة الأولى.
وبإيجاز شديد――
سوبارو: [من بين أعتى رجال الإمبراطورية ونسائها جنونًا وطيشًا، هل تلك المرأة هي التي يُجمع الكل على جنونها…؟]
وبهذه الكلمات، وفيما كان يقلب في خلده ما ينتظرهم من أهوال، استشعر سوبارو ثقلًا جاسمًا فوق صدره المزيف.
كان التفاوض مع تلك المرأة هو التحدي الماثل أمامه في الوقت الراهن، غير أنه سيضطر عاجلًا أم آجلًا لمواجهة ذلك الرجل أيضًا؛ علاوة على إجماعهم التام على أن عدم كسبه كحليف في صفهم يعني هزيمتهم المحققة دون أدنى شك.
وحين شرع سوبارو في ترديد الفكرة ذاتها، قفز إلى ذهنه حديث آبل عن ماهية النظام:
سوبارو: [المفارقة أن من يتعين علينا التعامل معهم هم أبعد الناس عن النظام والاتزان، أليس كذلك…؟]
تمتم سوبارو بذلك وهو يعاني من صداع خفيف، ممررًا أصابعه ليزيح خصلة شعر تمردت على جبهته.
لقد كان منطق آبل وتحليله بالغ الإثارة للاهتمام كما هو متوقع من إمبراطور، غير أن جدوى هذا المنطق في استمالة يورنا والظفر بها في القريب العاجل ظلت مسألة محل شك ونقاش.
ومع ذلك، لم يكن آبل يستعرض فطنته ليفرض هيبته على سوبارو فحسب، بل أراد إيصال فكرة جوهرية أخرى: ――نظام مدينة الشياطين.
فقد بدت كايوسفليم مرجلًا يفيض بالبشر والركام في فوضى عارمة واضطراب صاخب، غير أنه حتى داخل هذا القدر الذي يغلي بتلك العشوائية المطبقة، كان ثمة «نظام» عصيٌ على الانهيار؛
وقد جزم آبل بأن ذلك النظام المتماسك ليس سوى يورنا ميشيغوري نفسها.
وبعبارة أخرى، حازت يورنا من الحنكة والقدرة ما يكفي لضبط هذا الشتات برمته، والحيلولة دون فوران المرجل وانسكابه.
ولهذا السبب بالتحديد، لم يصدر آبل أمرًا بعزلها من صفوف «الجنرالات التسعة الساميين»، أو حتى بإعدامها، رغم كونها متمردة خطيرة تملك سجلًا حافلًا بالانقلابات والتمرد المتكرر.
آل: [لكنني واثق من أنها تملك عقلًا طائشًا ومفوتًا، ولا رغبة لدي في أن أكون كبش الفداء الذي يدفع الثمن يا صاح.]
وبينما كان سوبارو غارقًا في خواطره، أطلق آل —الجالس على سجيته متربعًا فوق الأرضية الخشبية— ضحكة ساخرة.
تنهد سوبارو بخفة وهو يرمق آل الجالس في تلك الوضعية المتراخية؛ ورغم أن رباطة جأش آل وهدوءه كانا ينقذانه في أحلك المواقف أحيانًا، إلا أن الأمر يتوقف على الظرف وطبيعة الحال.
سوبارو: [يا آل، هلا هذبت سلوكك قليلًا؟ فلن تدري أبدًا متى أو أين أو من قد يراقبك هنا؛ وفوق ذلك، كف عن مناداتي بـ «يا صاح» رجاءً!]
آل: [لا ضير في تقبل ملاحظاتك حول وضعيتي وسلوكي، لكن بعيدًا عن… «يا صاح»، بماذا يجدر بي مناداتك إذن؟ ماذا عن مناداتك بـ «يا صاح» لكن برسم كلمة «أختاه»؟] [1]
سوبارو: [أليس هذا تلاعبًا يستحيل إيصاله دون حروف الكانجي اليابانية؟]
لقد كان سحر التنوع والتلاعب التعبيري في اللغة اليابانية مبهرًا بحق، غير أنه في الوقت الراهن، لم تكن هناك أدنى جدوى من الإكثار من تلك الألغاز اللغوية المشتركة التي لا يفقه سرها سواهما.
فكل ما كانا بحاجة ماسة إليه هو صيغة نداء ملائمة أمام الآخرين.
سوبارو: [بما أنك تنادي ميديوم-سان، وتاريتا-سان، وآبل بإلحاق اللاحقة «تشان»، أفلن يكون من الطبيعي واللائق أن تناديني بها أنا أيضًا؟]
آل: [إذن… «ناتسومي-تشان»؟ وااه، هذا يبعث القشعريرة في بدني يا صاح!]
سوبارو: [أرجوك قاوم هذه القشعريرة! كم تفتقر إلى الثبات ورباطة الجأش…]
وبصفته قائد هذه المجموعة، وبخ سوبارو رفيقه آل الذي راح يستعرض شعر ذراعه المتبقية وهو يقف من شدة الاشمئزاز.
ورغم غرابة هذا التوبيخ، إلا أنه كان ضرورة حتمية؛ فالأقدمية لم تكن المعيار في اختيار أفراد هذه المهمة، ونظرًا للدور الجسيم الملقى على عاتقه، تعين على سوبارو ضبط سلوك الرفاق بحزم.
وعلى أية حال――
سوبارو: [――ها نحن ذا داخل «قلعة اللازورد القرمزي».]
ودون أن يبارح هذا الهمس شفتيه، شرع سوبارو في ترتيب شتات أفكاره؛
أجل، لقد دُعي سوبارو ورفاقه بالفعل لدخول «قلعة اللازورد القرمزي» الرابضة في سويداء «مدينة الشياطين»، بعد أن التمسوا مقابلة حاكمة المدينة وسيدتها، يورنا ميشيغوري.
――فما إن تمت خطوة دخول «مدينة الشياطين»، حتى سارت الخطوات التالية بسرعة خاطفة؛
إذ استأجروا نُزُلًا يأوي عربتهم مع «حصان الرياح العاتية»، وحجزوا غرفة، ثم شرعوا في التحرك الحاسم لتحقيق غايتهم في استمالة يورنا.
ولما كانوا قد حددوا خطواتهم مسبقًا في طريقهم إلى هنا، لم يشُب تصرفاتهم أي تردد أو إبطاء.
وكانت الخطوة الأولى التي تعين عليهم خوضها هي――
آبل: [سلمي هذه الرسالة إلى سيدة القلعة، يورنا ميشيغوري؛ ومن المفترض أن تستجيب لكِ.]
وبهذه الكلمات المقتضبة، سلم آبل سوبارو رسالة خطها بيده.
كان الظرف الذي يحوي الرسالة موثقًا بشمع الختم بإحكام يتعذر معه فتحه دون فضّه. وجرت العادة في الوثائق البالغة الأهمية أن تُمهَر بخاتم أو نحوه يحمل شعار العائلة قبل أن يجف الشمع ويتصلب، دلالةً على صحة نسبها ومصدرها.
غير أن الشمع الأحمر على الرسالة التي تسلمها سوبارو كان خاليًا من أي أثر لمثل هذا الختم.
آبل: [كلا رمزي الإمبراطور اللذين جلبتهما معي قد تحطما بالفعل؛ أحدهما على يدك، والآخر في دار بلدية غوارال.]
سوبارو: [أوه… «طقوس شريان الحياة» وفوضى أراكيا، أجل. لكن إن كنا لا نملك ما يثبت مصدرها، فأتساءل إن كانت ستكلف نفسها عناء قراءتها أصلًا؟ وحتى لو قرأتها، فهل ستصدقنا حقًا؟]
آبل: [لا داعي لهذا القلق الزائد؛ لن أفصح عن فحوى الرسالة، لكنني صغتها بأسلوب يجعلها تستيقن بمجرد قراءتها أنني كاتبها.]
سوبارو: [فهمت… بالمناسبة، ألن تكون النتيجة مضمونة وموثوقة أكثر لو ذهبتَ بنفسك إلى هناك؟]
تساءل سوبارو بصراحة وهو يدس الرسالة التي تسلمها في جيبه.
فسبب تكليفه بتسليم الرسالة نيابة عنه هو أن آبل لن يرافقه إلى القلعة؛ مع أن الأمر بدا لسوبارو معضلة يمكن حسمها بضربة واحدة لو ذهب آبل بنفسه، سواء لإثبات هويته أو لشرح موقفه.
ومن الأساس، ألم يرافقهم آبل في هذه الرحلة ليفاوض يورنا وجهًا لوجه؟
ومن الناحية المنطقية، طالما أنه لن يدخل القلعة، فما الفرق بين مجيئه إلى هنا وبين بقائه في غوارال؟
سوبارو: [بل لو بقيتَ هناك، لكانت رحلتنا أهدأ وأخف وطأة بمراحل، دون الحاجة للارتجاف قلقًا من نقاط التفتيش طوال الطريق…]
آبل: [يبدو أن وقاحتك وتطاولك لا يعرفان حدًا، أليس كذلك؟]
سوبارو: [لأنك تتكفل بتعكير صفو أجوائنا بمفردك يا هذا…]
ولدقة القول، لم يقتصر تعكير الأجواء على آبل وحده، بل كان وجود لويس عامل إرباك لا يقل شأنًا؛
غير أنه، ولرغبته في تسديد رمية لاذعة إلى آبل في هذه اللحظة بالذات، آثر تنحية أمر لويس جانبًا، وهي المتمرسة في تشتيت ذهن سوبارو وإقلاق راحته.
آبل: [من نافلة القول إنني سأخوض محادثة مباشرة مع يورنا ميشيغوري؛ غير أنه ليس من الحكمة أن أقتحم المشهد في هذا التوقيت المبكر. وأنت نفسك ينبغي أن تستوعب ذلك.]
سوبارو: [أستوعب ذلك… أوه، أجل، معك حق.]
أقنعت كلمات آبل الفظة والمنبعثة من خلف قناع الأوني سوبارو بسلاسة؛
فإذا أمعن النظر، وجد أمامه طرفًا خاض غمار التمرد مرات عدة في الماضي. ومن منظور يورنا، فالأرجح أن تلك التمردات لم تندلع إلا سخطًا على أسلوب آبل في الحكم.
وبطبيعة الحال، كانت العلاقة بين آبل ويورنا كالزيت والماء، أو في أحسن الأحوال كبرميل بارود يوشك على الانفجار؛ ويكفي أصلًا أنه تكبد عناء المجيء بنفسه حتى مشارف «مدينة الشياطين».
آبل: [مهمتك في الوقت الراهن تنحصر في إيصال هذه الرسالة إلى يورنا ميشيغوري؛ غير أنه يتعين عليك كتمان كونها رسالة واردة مني… من الإمبراطور.]
سوبارو: [إيه، ولماذا هذا الكتمان؟ إن لم أفصح عن ذلك، أفلن يطردوني من عند الباب؟]
آبل: [هذا إجراء احترازي؛ فلن يمسك أي مكروه إن جعلتَها تقرأ الرسالة، غير أنني أعجز عن سبر أغوار نواياها قبل أن تسلمها لها. لذا، عليك بالابتكار والمناورة.]
سوبارو: [الابتكار والمناورة…]
رمق سوبارو آبل بدهشة إثر إلقاء هذا التحدي غير المتوقع على كاهله.
عقد آبل ذراعيه، وملامحه ما تزال متوارية خلف قناع الأوني، واستطرد:
آبل: [إن أمعنت النظر في هذه المدينة، فستكون فكرة عامة عن طباعها وموازين ما تحبه وما تمقته. سخّر كل ما أوتيت من دهاء وحيلة لاسترعاء اهتمامها.]
سوبارو: [في نبرة كلامك هذه خبثٌ صريح!]
آبل: [أملك خطة بديلة، غير أنني أؤثر عدم اللجوء إليها؛ فهي لن تصمد طويلًا. وبالنظر إلى غايتي المنشودة، فأمامنا درب طويل وشاق. أتعي ذلك؟]
سوبارو: [أنت رجل مفرط في الغطرسة بحق، أليس كذلك…؟]
انعقدت شفتا سوبارو في ابتسامة ممتعضة من الأسلوب الاستعلائي الذي أصدر به آبل أوامره.
فلم يعد يرى بأسًا في الاصطفاف إلى جانب يورنا وإعلان التمرد ضد آبل الآن! ومع توارد هذا الهاجس في ذهنه، شعر أنه قد يجد أرضية مشتركة ويتوافق مع يورنا بسهولة.
لو تسنى لهما تبادل الشكاوى والفضفضة حول مظالمهما من جلالة الإمبراطور، لغديا صديقين حميمين لا محالة.
سوبارو: […حسنًا، أظنني سأسلك هذا السبيل إذن.]
آبل: [يبدو أن بارقة إلهام قد لاحت في ذهنك، غير أنها لا تنبئ بأي خير أو تصرف سليم.]
وبالنسبة لسوبارو، لم يكن هناك أدنى إقناع في تلقي مثل هذا اللوم ممن كان هو نفسه البادئ بالتصرفات غير اللائقة.
――وهكذا، بعد تسوية هذا الأمر، شق سوبارو ورفاقه طريقهم صوب سويداء «مدينة الشياطين»، إلى «قلعة اللازورد القرمزي»، مقر إقامة يورنا ميشيغوري.
ونزولًا عند توجيهات آبل، قِيدوا إلى القلعة دون أن ينبسوا باسمه؛ ورغم غرابة هذا المسعى، إلا أن حرس يورنا الخاصين —الذين اتسموا بذات اللامبالاة التي بدت على حراس البوابات— أذنوا لسوبارو ورفاقه بولوج القلعة، وأمروهم بالانتظار ريثما يُتاح لهم المثول بين يدي يورنا.
وخلاصة القول، كان سوبارو والرفاق يمضون وقتهم الآن في جوف القلعة، داخل قاعة انتظار فسيحة ذات أرضية خشبية، ريثما تستعد سيدة القلعة، يورنا، لمقابلتهم.
ولم يكن ثمة حراس داخل قاعة الانتظار، وكان بوسعهم الانصراف في أي لحظة إن راودتهم الرغبة في ذلك.
وكان ذلك التراخي والإهمال الفادح في التدابير الأمنية كافيًا لبث التوجس في نفس سوبارو بصفته غريبًا عن الديار؛ فضلًا عن أن الأمور سارت بسلاسة مفرطة أصابته بالحيرة والذهول.
سوبارو: [لا شك أن الأمر مريح وميسر، لكن… إن كانوا يسمحون للغرباء بالدخول إلى القلعة هكذا، فسواء أكان صاحب القلعة جنرالًا من الطراز الرفيع أم لا، ألا يفتح هذا الباب على مصراعيه لمحاولات الاغتيال؟]
آل: [بل في الواقع، لم يجردونا من أسلحتنا حتى يا صاح! دهشتُ حقًا حين أذنوا لنا بالدخول بها.]
ميديوم: [حسنًا، لسنا ننوي إثارة الشغب أو القتال على أية حال، فلن يغضبوا منا!]
وبهت سوبارو وآل أمام هذا التساهل الذي تفوح منه رائحة التهاون وانعدام الحيطة أكثر من كونه كرمًا وحسن ضيافة؛ غير أن ميديوم، الجالسة بوداعة إلى جوارهما، أطلقت ضحكة صاخبة إثر حوارهما ذاك.
وكان سوبارو وآل وميديوم هم الثلاثة الذين توجهوا إلى «قلعة اللازورد القرمزي» كرسل؛ بينما مكث البقية —آبل وتاريتا ولويس— في النزل بانتظار عودتهم.
ولما كان يتعذر على آبل القدوم إلى القلعة، تعين على أحدهم البقاء لحراسته؛ وبما أن سوبارو رغب في تفادي تبديد جهودهم في مراقبة لويس —التي يستحيل أن تقدم أي نفع في هذا الموقف— فقد استقر الرأي على هذا التقسيم.
سوبارو: [خطرت لي فكرة عابرة أيضًا باحتمال أن تكون سيدة هذه القلعة من هواة الأشياء الغريبة والنوادر.]
فإن صح هذا الاحتمال، فقد يثير وجود إحدى «نساء شودراك» —اللواتي قلما يغادرن الغابة— فضول يورنا واهتمامها، لذا فكر في اصطحاب تاريتا معهم في بادئ الأمر.
غير أن ترك آبل ولويس بمفردهما في النزل لم يكن واردًا بأي حال، فكانت النتيجة إلقاء عبء ثقيل ومضنٍ على عاتق تاريتا هناك.
آل: [حتى لو كانت تهوى النوادر يا صاح، فمع كل تلك الأجناس العجيبة المحتشدة في المدينة، أفلن يبدو وجود شخص أو شخصين من أمثال تاريتا-تشان أمرًا عاديًا لا يلفت النظر؟]
سوبارو: [أجل، راودتني الفكرة ذاتها؛ ولهذا السبب بالتحديد استقر رأينا على هذه الخطة.]
ميديوم: [ناتسومي-تشان، أنتِ في غاية الجرأة والجسارة! لقد دهشتُ حقًا، وكذلك آل-تشين!]
آل: [أجل، دهش آل-تشين أيما دهشة يا صاح.]
ورغم تحفظ سوبارو على مسايرة آل لميديوم وترديد نداءها الصبياني دون ذرة حياء، إلا أن ميديوم أضافت: «أرأيت؟» بمسحة من التباهي والاعتزاز.
فقد لاحت لسوبارو فكرة بارعة حين طُلب منه تسليم رسالة آبل كرسول مع حظر الإفصاح عن اسمه؛
بل في واقع الأمر، كان نجاح تلك الحيلة الذكية هو السبب المباشر الذي فتح أمامهم أبواب القلعة على مصراعيها بهذه البساطة.
سوبارو: [المفتاح السري لخطتنا هذه هو: «آبل يثير حنقي وغيظي».]
ميديوم: [هاها! ناتسومي-تشان، أنتِ لا تترددين أبدًا في مجابهة آبل وتوبيخه، أليس كذلك؟ أرى أن هذا مذهل حقًا!]
سوبارو: [مذهل؟ أتقصدينني أنا؟ أم تقصدين طباع آبل البغيضة؟]
ميديوم: [كلاهما معًا!]
سوبارو: [وأنتِ لا تقلّين جرأة وجسارة عنه يا ميديوم-تشان.]
ورفعت ميديوم يدها بمرح وتلقائية، ملمحةً إلى طبيعة العلاقة الفريدة التي تجمع بين سوبارو وآبل.
لم تكن العلاقة بين سوبارو وآبل كعلاقة الماء بالزيت تمامًا، غير أنه لم تكن أمامهما مندوحة عن السير في الاتجاه ذاته؛ لذا كانا يتدافعان بالمناكب وهما يتقدمان.
ومن زاوية التماثل والتقارب، لجاز تشبيهها بتلك الرابطة التي جمعت بين سوبارو وجوليوس في سالف الأيام.
غير أنه، واضعًا في حسبانه كل ما كابداه سويًا في «برج مراقبة الثريا»، بات سوبارو يضع في جوليوس ثقة عميقة مطلقة. ――وإن كان يستحيل أن يفصح له عن ذلك بلسانه، أو يبديه في مسلكه وتصرفاته.
سوبارو: [لكن الأمر ليس بتلك البساطة أيضًا كما تعلم.]
فبصريح العبارة، قد يخال للمرء أن جذوة التنافس والخصومة قد خبت وأنهما توصلا إلى وفاق؛
غير أن ذلك كان ثمرة درب طويل وشاق، وحصاد تجاوز العديد من المنعطفات الحادة والعثرات القاسية.
فإصلاح العلاقات وترميمها ليس بالأمر الهين على الإطلاق؛
والطريق الوعر لن يستوي أبدًا ما لم تبدُ الرغبة الصادقة من كلا الطرفين في تمهيده على أقل تقدير؛
فحتى لو سعى أحدهما لتسويته، فطالما أن الآخر يدوسه ويخربه، فلن يستقيم له حال أبدًا.
؟؟؟: [――شكرًا لرحابة صدركم وطول أَناتكم. أيها الرسل الكرام، تفضلوا من هذا الاتجاه.]
وقطعت تلك الخواطر المشحونة بالشجن كلماتُ خادمة أطلت على قاعة الانتظار؛
وكانت الفتاة التي ظهرت هي عينها التي أرشدتهم إلى هنا منذ البداية―― فتاة من سلالة الأيائل، تعلو رأسها قرون متشعبة ضخمة. وكانت من جنس أنصاف البشر الذين، لولا القرون النابتة فوق رؤوسهم، لتماثلوا في مظهرهم مع البشر العاديين تمامًا.
تلف الفتاة —التي ما زالت في مقتبل ربيعها الخامس عشر تقريبًا— قوامها النحيل بزي يحاكي ثوب «الكيمونو»، وتجر أطراف ذيل ثوبها الطويل فوق الأرضية برقة وهي تقود سوبارو ورفاقه.
وقد أثارت رشاقة قوامها وأناقة حركاتها وميضًا في ذاكرة سوبارو ومعارفه، إذ استرجع في ذهنه مشهدًا مشابهًا.
وعجز سوبارو عن الجزم بمصدر ذلك التشابه، بينما واصلت الفتاة إرشادهم صعودًا نحو أروقة «قلعة اللازورد القرمزي» العليا―― حتى الطابق الأخير في قمتها.
وكان طراز بناء «قلعة اللازورد القرمزي» يوحي بأنه أقرب إلى القلاع اليابانية الأثرية الراسخة في ذاكرة سوبارو، منه إلى القلاع ذات الطابع الغربي التي اعتاد رؤيتها في هذا العالم. وبطبيعة الحال، اختلفت المواد المستخدمة ونمط العمارة، غير أن التقسيمات الداخلية والأرضيات المفتوحة على مساحات رحبة وفسيحة ولّدت لديه ذلك الانطباع بقوة.
ولعل أحد أسباب ذلك الشعور يرجع إلى مشهد الخدم والقاطنين وهم يرتدون أثواب الكيمونو هنا وهناك، أسوة بالفتاة التي تتقدمهم.
وعلى أية حال، سار سوبارو ورفاقه في أثر المرشدة بكياسة وهدوء، حتى قِيدوا أخيرًا إلى القاعة التي سيحظون فيها بمقابلة يورنا.
؟؟؟: [تفضلوا بالانتظار هنا؛ ――ستشرفنا يورنا-ساما بحضورها عما قليل.]
سوبارو: [حسنًا، شكرًا لكِ… أوه؟]
وبعد أن أسدى شكره للفتاة على إرشادها، ولج سوبارو رحاب القاعة، فأمال رأسه متعجبًا؛
ومرد ذلك التعجب هو وجود ضيوف آخرين يسبقونهم في القاعة. ――ففي صحن البهو، انتصبت ظلال شخصيات أخرى غير ثلاثتهم ممن استُقبلوا في الداخل، وجميعهم قد ولّوا ظهورهم بينما كانت مجموعة سوبارو تلج من مؤخرة القاعة.
وكان جليًا أن أيًا من تلك الشخصيات لم تكن يورنا، سيدة القلعة؛ بدلالة أن المقعد الوثير المنصوب في صدر القاعة وأقصاها كان لا يزال شاغرًا.
سوبارو: [أولئك الواقفون هناك هم…]
؟؟؟: [هؤلاء وفود التمسوا مقابلة يورنا-ساما أسوة بكم تمامًا؛ ولما كانت يورنا-ساما سيدة متقلبة المزاج بطبعها، فقد ارتأت مقابلتكم جميعًا في آن واحد دفعة واحدة.]
سوبارو: [أجل…]
وأطلق سوبارو أنينًا خافتًا لعجزه عن مجاراة كلمات الفتاة الصادرة بتلك اللامبالاة والتلقائية.
فقد كانت فكرة تفتقر إلى المعقولية فضلًا عن مجافاتها للمنطق؛ ومن الأساس، حتى وإن رُتب لقاء كهذا، فسيكون موقفًا في غاية الحرج والارتباك لأناس غرباء لا يعرف أحدهم الآخر؛
فثمة مواقف يتمنى فيها المرء ألا تتناهى فحوى كلماته ومطالبه السرية إلى أسماع الأجانب والغرباء.
آل: [وهذا هو شأننا نحن تحديدًا يا ناتسومي-تشان، يا صاح.]
سوبارو: […إن ناديتني بهذا اللقب، فستصيبني القشعريرة أنا أيضًا.]
ورد سوبارو ممتعضًا على آل بعد أن استقرأ الأخير مكنونات صدره، وخاطبه بذلك اللقب المزعج الذي اتفقا عليه للتو.
في واقع الأمر، ورغم أن تفاصيل الرسالة التي جلبها معه لم تكن جلية تمامًا، إلا أنها بلا ريب تسرد ملابسات إجبار آبل على التنازل عن عرشه، وتلتمس مؤازرة يورنا كحجر زاوية ووثبة لاسترداده.
ولما كانوا يجهلون طباع يورنا تمامًا، فقد ظل رد فعلها حيال الرسالة مجهولًا بدوره؛ غير أن آبل أكد على الأقل أنها لن تلحق بهم أي أذى متى ما تسنى لها الاطلاع على فحواها.
الخادمة: [تفضلوا بالانتظار في الداخل؛ يورنا-ساما ستشرفكم بحضورها عما قريب.]
ومتجاهلةً همسات سوبارو وآل فيما بينهما، انحنت الفتاة المرشدة بأدب وتراجعت إلى الخلف خطوتين.
وبديهي أن استيقافها لن يبدل من واقع الأمر شيئًا؛ فإن كانت سيدتها يورنا هي من أصدرت إليها هذه الأوامر، فمن العبث لومها على ذلك.
ميديوم: [حسنًا، وماذا سنفعل الآن؟]
أمالت ميديوم رأسها وهي تهز شعرها المربوط على سجيتها، وتتحسس نصلي سيفيها المزدوجين خلف خصرها.
فقد كانت تساير خطط سوبارو ورفاقه في هدوء، مما أظهر منها جانبًا عقلانيًا على غير المتوقع؛ فميديوم، التي تنضح تصرفاتها بالعفوية والاندفاع العاطفي، كانت مع ذلك شديدة الانضباط والامتثال للتوجيهات التي تُملى عليها.
ولعل هذا كان ثمرة توزيع الأدوار المتوارث بينها وبين فلوب في رحلتهما كثنائي متلازم.
فرك سوبارو عينيه ردًا على سؤال ميديوم العفوي الصادق، وهز رأسه قائلًا: «ما باليد حيلة أمام هذا الواقع»، ثم تقدم ليلج القاعة.
سوبارو: [تحسبًا لأي طارئ، فلنطلب منها إخلاء القاعة من الحضور قبل تسليمها الرسالة؛ صحيح أن طلبنا قد يُقابل بالرفض، لكن هذا هو المتاح حاليًا، ولا ضير من المحاولة على أية حال.]
آل: [لو كانت الأميرة، فالأرجح أنها كانت ستطير رأسك بدعوى أن طلبك هذا لا يوافق مزاجها يا صاح، أتعلم؟]
سوبارو: [أرجوك لا تضرب لي مثل هذه الأمثلة المرعبة…]
فقد جعله استحضار هذا النموذج الأقصى من الاستبداد أشد توجسًا من يورنا، إذ يُحتمل أن تكون شخصية لا تقل جموحًا وتطرفًا عن الأميرة.
وبينما تردد سوبارو قليلًا قبل أن يخطو داخل القاعة، ربت آل على كتفه قائلًا:
آل: [لا تقلق يا صاح، ألم أخبرك أنني سأمد لك يد العون؟ اليوم لن أسمح لأي مكروه بأن يمس يا صـ… ناتسومي-تشان.]
سوبارو: [يا آل… أنت بالذات من يوتر أعصابي.]
ومع كلماته تلك، رمق سوبارو يد آل المستقرة على كتفه بنظرة حادة، فسارع آل إلى سحب يده على عجل؛ غير أن منكبَي سوبارو قد استرخيا من التوتر في نهاية المطاف، سواء أكان ذلك للأفضل أم للأسوأ.
وتقبل سوبارو بادرة آل تلك بامتنان في سره، ثم ولج ثلاثتهم إلى صحن القاعة.
وكانت أجواء تلك القاعة الفسيحة —باستثناء خلوها من حصائر «التاتامي»— تماثل تمامًا غرف مجالس الحكام في المسلسلات التاريخية القديمة، حيث يجتمع سيد القلعة بأتباعه وأمرائه؛ وينطبق المشهد ذاته على الوفود والرسل المصطفين في الجانب الأسفل من المجلس، بانتظار إطلالة سيد القلعة على مقعده المرتفع في صدر القاعة.
سوبارو: [فلنستقر هنا في الوقت الراهن، ما رأيكما؟]
وتقدم سوبارو عبر القاعة، ثم اتخذ مجلسًا في الجهة المقابلة للوفد السابق.
فقد بدا من غير اللائق الجلوس مباشرة أمام أولئك الضيوف أو خلفهم، فآثر شغل أحد جانبي القاعة مع الحفاظ على مسافة فاصلة عنهم. ففي الدراما التاريخية، جرت العادة بنمط مألوف يقضي باصطفاف التابعين على ميمنة وميسرة سيد القلعة، تاركين الممر الأوسط خاليًا أمامه؛ وانتهى بهم المطاف في توزيع يطابق ذلك المشهد تمامًا.
وفيما كان سوبارو يتعجب في سره من غرابة هذه المصادفة، استرق نظرة فاحصة نحو أولئك الضيوف الذين سبقوهم إلى القاعة.
كان الوفد الآخر مؤلفًا من أربعة أشخاص، ومثل جماعة سوبارو، لم يُجردوا من أسلحتهم وظلت معلقة بأجسادهم؛ وكان من بينهم شخص أعزل من السلاح، يجلس متقدمًا بخطوة عن الثلاثة الآخرين.
والأرجح أن ذلك الشخص هو مبعوثهم وممثلهم، بينما الثلاثة الآخرون هم حرسه الشخصي.
سوبارو: [يبدو كل واحد منهم أكثر هيبة وموثوقية من آل…]
همس سوبارو بذلك وهو يرمق الحراس الثلاثة بطرف عينه، دايسًا بكل خفة على مشاعر القلق التي أبداها آل قبل قليل.
ثم حول بصره متجاوزًا الحراس ليركز انتباهه على ذلك الشخص المحمي في مقدمتهم، وإن رأى في ذلك مسلكًا ينافي اللباقة؛
تُرى أي نوع من الناس ذاك الذي تجشم عناء التماس اللقاء مع يورنا، ولأي مأرب يا ترى――
سوبارو: [――هڪ.]
وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض حلق سوبارو من هول الصدمة، وتصلبت وجنتاه وعنقه في جمود تام.
وأفلتت منه تمتمة مكتومة بالكاد تُسمع؛ وحين أطرق برأسه إلى الأسفل ذعرًا بردة فعل غريزية، التقط ذلك الشخص الصوت، وصوّب أنظاره نحوه.
غير أنه، برؤيته لوجه سوبارو المطأطئ نحو الأرض بمحاذاة المنصة المرتفعة أمامهما، أشاح ببصره عنه ببرود وكأنه غير مكترث، وانصرف انتباهه إلى جهة أخرى.
ومستشعرًا ذلك التحول، زفر سوبارو أنفاسه برفق وهو يهدئ من روع ضربات قلبه التي كادت تنفجر في صدره.
وبدا أن آل وميديوم الواقفين خلفه قد استغربا هيئة سوبارو تلك، غير أنهما سرعان ما سيتجرعان الصدمة المزلزلة عينها التي باغتته؛
لأنه――
سوبارو: […أيمزح هذا العالم معي ماذا بحقك؟]
كانت تلك شكوى سوبارو المفعمة بالمرارة والغيظ؛ فعلى بعد خمسة أمتار لا غير إلى جواره، وبانتظار إطلالة يورنا ميشيغوري――
――انتصب رجلٌ يحمل نفس ملامح وجه آبل؛ رجلٌ يستحيل أن يتواجد في هذا المكان بأي حال من الأحوال!
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] تُعنى هذه الإشارة بالتورية اليابانية السابقة (Kyoudai / 兄弟) التي تعني «أخ / يا صاح»، وتُطلق عمومًا على الأخوة، حيث يمكن كتابتها بالكانجي المخصص للإناث (Shimai / 姉妹) وقراءتها صوتيًا بنفس النطق لتعني الأخوة من الإناث؛ وهي النكتة التي تلاعب بها آل ودعت سوبارو للتعليق على استحالة فهمها سمعيًا دون قراءة رسم الكانجي.