الفصل 395 - شجار في العربة
الفصل الرابع والثلاثون
«شجار في العربة»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
كانت العربة تسير ببطء على الطريق، لكن دون أن تبلغ حد الشاعرية أو الهدوء التام.
وكان «حصان الرياح العاتية» ذو الفرو الكستنائي يتهادى بجسده الضخم برشاقة تناقض بنيته القوية، وهو يجر العربة التي تقل سوبارو ورفاقه بحذر واعتناء.
سوبارو: [كم هو متوقع منه حقًا؛ لدينا «ليدي» التي لا تشبه السيدة في شيء… لا عجب طالما أنها فرس زكر-سان المحبوبة.]
استرجع سوبارو هذه الخاطرة وهو يرقب حصان الرياح العاتية في عدوه، وصورة مالكها تتبادر إلى ذهنه.
ففرس زكر المحبوبة التي استعاروها كانت تُدعى «ليدي»―― وهو اسم يماثل في نطقه ومعناه كلمة “سيدة”، ويبدو وكأنه قدر محتوم لشخص لُقب بـ «زير النساء».
وعلى أية حال، وبفضل جهود ليدي، كانت رحلة المجموعة صوب «كايوسفليم، مدينة الشياطين» تمضي بسلاسة؛ وإن سارت الأمور على هذه الوتيرة، فتوقعوا الوصول في غضون أربعة أيام تقريبًا.
سوبارو: [لكن القضية لا تقتصر على مجرد الوصول، كما تعلم؛ فليست سمعة عضو «الجنرالات التسعة الساميين» الذي سنلتقي به وحدها هي المقلقة، بل إن رنين اسم «مدينة الشياطين» بحد ذاته يبعث على الرهبة منذ البداية.]
«مدينة الشياطين»؛ مدينة تحمل كلمة “شياطين” في صلب اسمها، ولا يبدو أن أمرها سيكون هينًا على الإطلاق.
لقد تناهى إلى مسامعه أنها بوتقة ينصهر فيها خليط متنوع من الأعراق، لكن هل كان هذا كافيًا لتوسم المدينة بكلمتي «الفوضى» و«الشياطين»؟
ومع حقيقة أن إحدى قادة «الجنرالات التسعة الساميين» —وهي شخصية دأبت على التمرد والعصيان— هي من تحكم تلك المدينة، تولد انطباع وكأن كل الظروف تتضافر فقط لإثارة مشاعر الخطر في نفس سوبارو. ――وكان ذلك أحد الأسباب الجوهرية التي منعته من اصطحاب ريم برفقته.
سوبارو: [أتساءل أي فوضى عارمة تنتظرنا هناك…]
آل: [مهما بدت تلك الفوضى، فالأمر الأكثر إرباكًا لي هو أنت؛ فهذا الزي وصاحبي الذي أعرفه لا يجتمعان معًا إطلاقًا، وبات المنظر يبدو وكأنه خلل برمجي مزعج يا صاح.]
سوبارو: [هاه؟ أما زلت تعيد نفس الأسطوانة؟]
استدار سوبارو -الذي كان يجلس في المقعد الأمامي للعربة الواسعة يتطلع من النافذة إلى قوام ليدي وهي تعدو برشاقة- وهو يمرر يده برقة على شعره الأسود الطويل المتطاير مع نسائم الرياح.
وكان آل، الجالس في مؤخرة العربة، يرفع ذقنه بنفاذ صبر وضجر.
كان آل يتمدد باسترخاء مستحوذًا على مقعد يسع ثلاثة ركاب، ثم شبك أصابعه تحت ذقن خوذته، خافضًا رأسه المرفوع لينظر نحو الأسفل.
آل: [أنت تتعمد فعل هذه الحركات بالتأكيد يا صاح.]
تمتم آل بتلك الكلمات بنبرة لاذعة وهو يرمق حركات سوبارو المتصنعة.
هز سوبارو كتفيه شاعرًا بخيبة أمل أمام استنكار آل الشديد. والمثير للدهشة أن آل كان الشخص الثاني بعد ريم الذي ينتقد تنكر سوبارو بزي النساء.
فآبل، ونساء شودراك، والشقيقان أوكونيل، وزكر، تعاملوا جميعًا مع الأمر بسلاسة وتغاضوا عنه بمجرد تقبلهم له، باستثناء آل الذي لم يكف عن التذمر والانتقاد.
سوبارو: [نفس الفم الذي تعهد بدعمي للتو هو من يشتكي ويتذمر الآن… أكان ذلك الحوار المؤثر برُمته مجرد كذبة؟]
آل: [لم يكن كذبًا، وعزمي على مساندتك حقيقي وصادق يا صاح، لكن هذا شأن وذاك شأن آخر تمامًا. وأنا واثق من أنك ستتفهم سر استيائي من ارتدائك لملابس النساء يا صاح.]
سوبارو: [إن كنت في صفي حقًا، فعليك أن تتقبلني بحالي هذه في الوقت الراهن.]
آل: [أأنت واثق حقًا من رغبتك في أن أواصل مناداتك بـ «يا صاح» وأنت في هذا الزي؟ أجادٌ أنت فيما تقول؟]
وحين أعاد آل طرح المسألة على هذا النحو، شعر سوبارو نفسه بغرابة الأمر وعدم منطقيته قليلًا.
فـ ناتسوكي سوبارو وناتسومي شوارتز―― ورغم أنهما يشتركان في الجسد ذاته، إلا أن ثمة بونًا شاسعًا وفارقًا جليًا في طباع كل منهما وحضوره.
بعبارة أخرى، كان ناتسوكي سوبارو يمثل ذاته الواقعية الرصينة، بينما كانت ناتسومي شوارتز تجسد الصورة المثالية لذاته المتحررة والجامحة.
سوبارو: [بالطبع لست راغبًا في التحول إلى امرأة؛ المسألة ترتبط بتعزيز الثقة بالنفس وكل هذه الأمور.]
آل: [لم أسألك عن تبريراتك يا صاح!]
ورغم صده الحاد له، ألقى سوبارو نظرة على هيئته وجدد نظرته للأمر.
فقد أُعيد بعث ناتسومي شوارتز الآن بالاستعانة بالشعر المستعار ومساحيق التجميل، لكن على النقيض من مرحلة تظاهره بأنه راقصة، سيكون دوره القادم أكثر ذكاءً ورصانة بصفته استراتيجيًا عسكريًا.
لذلك، جرى تنسيق الملابس ومساحيق التجميل بعناية لتعكس هذا الطابع بالتحديد.
كان الزي ذو الياقة بلونه الأحمر تصميمًا فريدًا مستوحى من بزّات ضباط إمبراطورية فولاكيا―― وكان الزي الذي يرتديه زكر شبيهًا به في التصميم. وعادةً لم يكن سوبارو ليرتدي عباءة إلا لضرورة قصوى لأنها تعيق حركته، غير أنه شعر بالفخر لأن هذه الحيلة انطلت عليهم وكانت تؤتي ثمارها.
أما الجزء السفلي فكان بنطالًا، وفي قدميه حذاء متين، بينما استقرت على رأسه قبعة عسكرية تعلوها ريشة طائر.
كانت هذه هي الهيئة المكتملة لـ «الاستراتيجية العسكرية»، ناتسومي شوارتز.
سوبارو: [حسنًا، أظنني أقرب إلى جندية مقاتلة مني إلى استراتيجية عسكرية؛ فعندما يخطر ببالك مشهد امرأة ترتدي بزة عسكرية، تتوقع تلقائيًا أن ترتدي زي الرجال، أليس كذلك؟]
آل: [حتى وأنا أعاين الواقع بعيني؛ وهو أنك يا صاح تتنكر كامرأة، تتنكر بدورها كرجل، فإن حيرتي تزداد تخبطًا ولا تزيدني إلا ارتباكًا.]
سوبارو: [لم أشأ لفت الأنظار، لذا نسقته على طراز الإمبراطورية. وبما أنه مظهر ذكوري، فقد استلهمت بعض اللمسات من ذوق كروش-سان.]
آل: [لست واثقًا إن كانت الدوقة ستسعد بوصفك هذا، وبأنك استلهمت منها بناءً على لقاءاتك السابقة معها… أأنا الوحيد الذي يرى في هذا غرابة لا تطاق؟ ما رأيك أنت في هذا يا سيادة الإمبراطور-سان؟]
رفع آل ذراعه الوحيدة بنفاذ صبر وهو يستمع لسوبارو يشرح فكرته، ثم وجه ذراعه المرفوعة تلك نحو الأمام، مشيرًا إلى الجالس قبالته.
ففي المقعد الأوسط للعربة، أي في الموضع الذي جعله محشورًا بلا انقطاع بين طرفي حديثهما، كان يجلس آبل وهو يرمق ما وراء النافذة بملامح صارمة.
بدا وكأنه غارق في التفكير بأمر جلل وجدية بادية على محياه. وقد قطب حاجبيه استنكارًا للاسم غير اللائق الذي تفوه به آل، ودون أن يلتفت نحوه، ألقى ببرود كلمة واحدة: «أيها البهلوان».
آبل: [لا أذكر أنني أذنت لك بمخاطبتي بهذا اللقب. واعلم جيدًا أن كلمة طائشة واحدة قد تودي بكيان الإمبراطورية برمتها. وإن لم تدرك ذلك، فستخسر ما هو أثمن بكثير من ذراعك الأخرى.]
آل: [أووغـ، ارحمنا قليلًا يا صاح. صحيح أنني تأقلمت مع الأمر، لكن العاهة تظل عاهة مزعجة؛ ولو خسرتُ ذراعًا أخرى، فلن يعود الأمر مجرد إزعاج عابر.]
آبل: [إذن فلتضع ذلك نصب عينيك.]
آل: [مهلًا، مهلًا، أسلوب الحكم الإمبراطوري الصارم هذا لا مجال للمزاح معه إطلاقًا! الحياة قاسية على الكوميديين أمثالنا، أليس كذلك يا صاح؟]
سوبارو: [لا تورطني وتطلب موافقتي معك.]
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، ولا متسع فيها للدعابات أو الأحاديث العابرة، غير أن سوبارو لم تكن لديه أدنى نية لانتقاد الإمبراطورية، أو الزعم بأن المشكلة نابعة من طبيعة هذا البلد.
فعلى أقصى تقدير، وعلى المستوى الشخصي، رأى أن الطباع الحادة لـ آبل تجعل التعامل معه أمرًا شاقًا. أما رده فكان بطبيعة هازلة، لذا ظل استياؤه مجرد تذمر لم يطفُ على السطح أبدًا.
وبطبيعة الحال، حين يصل الأمر إلى قضايا المبادئ والقناعات، فلن يقف الخلاف عند هذا الحد البسيط.
آل: [إذن، ما رأيك في هيئة صاحبي وزيه، يا آبل-تشان؟]
آبل: [――――]
وللحظة خاطفة، تجعد جبين آبل عند سماع هذا اللقب المبتذل الجديد.
وذُهل سوبارو من جرأة آل المتهورة، غير أنه بعد برهة وجيزة من الصمت، شخر آبل بحدة إزاء تلك الوقاحة وتجاهله تمامًا.
أكان هذا اللقب أهون عنده من «الإمبراطور-سان»؟ ولم يدرِ سوبارو ما دار في خلد آبل حيال ذلك، فكتم قشعريرة باردة سرت بداخله وأطلق تنهيدة خافتة.
وفي تلك الأثناء، عاد آبل بنظره نحو سوبارو ليجيب عن تساؤل آل:
آبل: [أجل، إنه مظهر مثير للسخرية، بيد أنني لا أبالي طالما أنه يؤتي أكله. وعليك أن تفصل بين كفاءتك وهواياتك الشخصية.]
سوبارو: [إياك وأن تطعنني في الظهر متظاهرًا بتأييدي! كم مرة عليّ أن أكرر لك أن المسألة ليست هواية، بل ضرورة حتمية؟ أتظن أنني أرتدي ملابس النساء رغبةً مني أو حبًا في ذلك؟]
آبل: [――――]
سوبارو: [لا تصمت هكذا وكأن سكوتك علامة رضا!]
وبسبب هذا الصمت المريب، تأكدت ظنون سوبارو وشكوكه الظالمة أكثر فأكثر.
وبطبيعة الحال، كان هذا سوء فهم بالغ الإزعاج لسوبارو؛ فلم تكن لديه أدنى رغبة في ارتداء ملابس النساء على الإطلاق لولا أن الظروف فرضت ذلك عليه.
ومع ذلك، لو وُجد أدنى احتمال بأن يحل هذا الأمر الموقف المعقد، فلن يستبعد خيار التنكر بزي النساء إطلاقًا. هذه هي المسألة ببساطة.
سوبارو: [اسمعاني، كل شخص يملك حجة… حجة وجيهة ومنطقية يدافع بها عن نفسه.]
آل: [تقول إنك مسلح بحجة، ها؟ على أية حال، أنا واثق تمامًا من أنها فكرة مبتذلة ومستهلكة؛ إمبراطور طُرد من عرشه يجمع الحلفاء لاسترداده… وفي مثل هذه الحالة، من الطبيعي جدًا أن تحجز امرأة غامضة مكانًا لمرافقته يا صاح.]
سوبارو: [أجل، بالضبط! كأن تكون استراتيجية أو ساحرة. وعادةً في تلك القصص يجعلون هذا الدور مخصصًا للبطلة… مهلًا، لستُ أنا البطلة!]
آل: [لا تغضب هكذا وأنت من تفوه بالأمر بنفسك! لو كنت البطلة لصدمت الجميع يا صاح، ناهيك عني أنا شخصيًا.]
استشاط سوبارو غضبًا، غير أن أحدًا لم يفهم مقصده سوى ابن موطنه، آل.
ففي الأساس، ثمة عبارات ومصطلحات كثيرة لا يفهمها حتى الجميع في موطنهم الأصلي. غير أن ثقافة آل ومعارفه كانت متقاربة جدًا مع ثقافة سوبارو، والدليل أنه كان قادرًا على مجاراته واستخدامها بسلاسة.
سوبارو: […لم أسأله أبدًا عن الحقبة الزمنية التي أتى منها، أو أي تفاصيل أعمق عن ماضيه.]
فحتى اللحظة، ورغم معرفة سوبارو بأنهما قادمان من المكان ذاته، إلا أنهما لم يتطرقا قط إلى الفترة الزمنية المحددة التي انطلقا منها.
فقد أخبر آل سوبارو ذات مرة أنه استُدعي إلى هذا العالم الآخر قبل قرابة عشرين عامًا.
وفوق ذلك، كانت تجربته مأساوية وقاسية لدرجة أنه فقد إحدى ذراعيه.
ورغم أن آل باح بهذا الاعتراف باستهتار ودون اكتراث، إلا أن حقيقة الأمر لم تكن قط بتلك الخفة؛ فلا ريب في أن الألم واليأس اللذين تجرعهما آل كانا رفيقين دائمين لحياته اليومية. كان آل رجلًا ذاق من قسوة هذا العالم الآخر أضعاف ما كابده سوبارو.
والآن بعد أن خطر له ذلك، أدرك سوبارو مدى الحظ والنعمة اللذين حظي بهما مقارنة بآل.
وفي الوقت نفسه، راوده التساؤل عما يميزه حقًا عن آل ويصنع هذا الفارق بينهما.
وبدافع من هذا التوجس والخوف، تحاشى سوبارو الخوض في أحاديث عميقة مع آل، كما لم يحاول آل بدوره التوغل أكثر في الأمر.
ومع ذلك، بالنظر إلى الأسلوب اللغوي والمراجع الثقافية التي يدركانها معًا، لا بد أن العالم الأصلي الذي عاش فيه كلاهما كان في نفس الحقبة الزمنية تقريبًا―― فإن كان آل قد استُدعي قبل عشرين عامًا، فلا بد أنه كان في نفس عمر سوبارو ومن نفس العصر حينها.
فالفارق العمري الحالي بين سوبارو وآل لم يكن سوى نتاج للسنوات التي قضاها في هذا العالم الآخر بعد استدعائه. ولهذا، ورغم فارق السن الظاهر، كانا على نفس الموجة ويتحدثان بالانسجام ذاته.
――وبدا أن هذا هو السر وراء ذلك الشعور الغامض بالريبة والوخز الذي ينتاب سوبارو كلما تعامل معه.
آل: [――أمقت الكليشيهات المكررة يا صاح.]
سوبارو: [هاه؟]
آل: [وجود ساحر مريب إلى جوار الإمبراطور… أليس هذا عين الكليشيه المستهلك؟ ما رأيك في ذلك؟]
أعاد تعليق آل العفوي سوبارو —الذي شردت أفكاره بعيدًا— إلى أرض الواقع.
طرف سوبارو بعينيه وأومأ برأسه مؤيدًا فكرة أنه «كليشيه مستهلك»، قائلًا: «أجل».
سوبارو: [إنه كليشيه شائع بحق؛ ساحرة فاتنة تغوي الإمبراطور وتسلبه إرادته تدريجيًا ليغدو دمية بين يديها… ثم تنهار تلك الدولة المزدهرة.]
آبل: [لن أدعها تنهار هباءً، بل سأستردها مهما كلفني الثمن. غير أنه――]
سوبارو: [غير ماذا؟]
آبل: [لم يكن ساحرًا ولا امرأة، لكن من الصحيح وجود شخص يُلقب بـ «راصد النجوم».]
سوبارو وآل: [――راصد النجوم؟]
قوبلت الكلمات التي نطق بها آبل بارتياب مشترك طفا على شفتي سوبارو وآل في آن واحد.
كانت كلمة لم تطرق مسامعهما من قبل، وبدت لهما غريبة ومثيرة للفضول.
لم يسمع سوبارو بهذا المصطلح سابقًا، لكن لغرابة الأمر، تخيل رسم حروف الكلمة اليابانية ومعناها في ذهنه فور سماعها. وبمجرد أن ترابطت الحروف في عقله، تبادر إلى ذهنه دور تلك التسمية بشكل تقريبي.
سوبارو: [أهو أشبه بخبير في الـ «فنغ شوي» أو شيء من هذا القبيل… يعني كأنه منجم أو عراف؟]
آل: [أقرب إلى متنبئ، أليس كذلك يا صاح؟ أعني، هذا هو نفس دور ذلك اللوح الحجري في المملكة.]
سوبارو: [أجل، «لوح تاريخ التنين»، هكذا يسمونه…]
مقتنعًا بكلام آل، استرجع سوبارو من ذاكرته ما يعرفه عن لوح النبوءة المتوارث في المملكة.
ورغم أن سوبارو لم يرَ ذلك الأثر بعينيه، إلا أنه علم بأن اللوح ينبئ بالأحداث المستقبلية التي ستقع في مملكة لوغونيكا، وقيل إنه أثر سحري نافع يرشدهم أيضًا إلى حلول لتلك المعضلات.
غير أنه بعد أن تنبأ بهلاك العائلة المالكة في لوغونيكا إثر تفشي المرض، طرح اللوح طريقة لاختيار الحاكم التالي―― وبعبارة أخرى، «الانتخابات الملكية» التي تخوض غمارها إميليا وبريسيلا.
وبصراحة، كانت هذه نتيجة تدفعه للتساؤل بحيرة: هل يستحق ذلك اللوح النبوئي أي امتنان حقًا؟
سوبارو: [لو كان اللوح جادًا في إرشادهم لكيفية إنقاذ المملكة، لأخبرهم منذ البداية بكيفية علاج ذلك الوباء أو وقفه…]
ومع تعمق معرفته بصفته فارسًا لإحدى المرشحات للعرش، أدرك أن العائلة المالكة في لوغونيكا لم تكن ظالمة ولا حمقاء، بل كانت على أقل تقدير محبوبة من رعاياها.
وقد حزن جلّ رعايا المملكة ومواطنيها على رحيلهم، ولم يبهج ذلك أحدًا. ――لذا ظل تخلي «لوح تاريخ التنين» عنهم لغزًا محيرًا.
سوبارو: [وطالما أن الطرف الآخر مجرد لوح حجري أصم، فانتظار أي إجابة منه أشبه بضرب من الخيال.]
آل: [إن كان لوحًا حجريًا فالأمر مفهوم، لكن «راصد النجوم» ليس حجرًا صلبًا، أليس كذلك يا صاح؟ فما الدور الذي كان يلعبه في البلاط يا آبل-تشان؟]
آبل: [――. ليس ببعيد عما يدور في مخيلتكما؛ فقوة «راصد النجوم» تكمن في استشراف المستقبل بهدف الحفاظ على بقاء الإمبراطورية.]
توافق رد آبل عمومًا مع الانطباع الذي استشفه سوبارو من مسمى «راصد النجوم». ومع ذلك، برزت معضلة واحدة:
سوبارو: […لكنه عجز عن التنبؤ بما جرى؛ فقد انتُزع منك العرش وطُردت في نهاية المطاف.]
آبل: [كما أسلفتُ القول؛ قوة «راصد النجوم» مسخرة لحفظ بقاء الإمبراطورية، ――ولا يعني ذلك بالضرورة سلامتي الشخصية.]
سوبارو: [وهذا يعني… أن مصلحة الإمبراطورية تقتضي طردك ونفيك.]
آبل: [على الأقل، أظن أن هذا هو ما استقر عليه رأي «راصد النجوم».]
عقد آبل ذراعيه بهدوء وهو يجيب ببرود وعدم اكتراث.
ويمكن القول إن «اللوح» و«راصد النجوم»، رغم تشابه دورهما، قد تجاهلا معًا محنة من يشغل أرفع منصب في كلا البلدين.
وكان من المغري التفكير في وجود رابط خفي بين المملكة والإمبراطورية، غير أن――
سوبارو: [قبل كل هذا، بدأت أشك في أن الخلل يكمن فيك أنت شخصيًا؛ فقد تخلى عنك رئيس وزرائك، ويدك اليمنى، وهذا المتنبئ أيضًا! أأنت واثق من أنه من الصواب إعادتك إلى سدة العرش الإمبراطوري؟]
آل: [مهلًا مهلًا، رميت كرة لهب مباشرة وصادمة في وجهه يا صاح!]
سوبارو: [كلا، ألا يساورك القلق أنت أيضًا حين تسمع بهذه الظروف المريبة المحيطة به!؟]
آل: [لكن دعنا من هذا، ألم يوافق الجنرال الأفرو على مساندة آبل-تشان؟]
سوبارو: [أجل، هذا صحيح… إذن أظن أن الأمر مقبول…]
وبمجرد ذكر «الجنرال الأفرو»، زكر، اقتنع سوبارو وهدأ بسامي.
كان وقوف زكر إلى جانب آبل مبعث طمأنينة وراحة، وإن كان قد فتح الباب أمام مخاوف أخرى؛ فمن جهة ثانية، لولا وجود زكر، لكان من المستبعد جدًا أن يساير سوبارو آبل وسط كل هذه الشكوك التي تساوره.
فمهما بلغت رغبته في العودة مع ريم إلى المملكة بسلام، لم يكن ذلك يعني أنه لا يكترث بما قد يحل بالإمبراطورية.
وللإنصاف، حمل سوبارو ذكريات سيئة عن الإمبراطورية تفوق بكثير الذكريات الطيبة، لكن ثمة أشخاص كثر تمنى لهم السلامة والسعادة، ومن بينهم نساء شودراك والشقيقان أوكونيل.
سوبارو: [بدأت أقلق كثيرًا بشأن شملك أنت في تلك القائمة، ولكن…]
آبل: [قل ما تشاء، فمهما رأى «راصد النجوم» بشأن المستقبل، فإن جوابي حاضرٌ لا يتزعزع.]
سوبارو: [――――]
آبل: [إن قضى «راصد النجوم» بأنني لا أصلح للبقاء على العرش، فلن أذعن لمشيئته؛ وإن زعم أن وجودي سيقود الإمبراطورية إلى الهلاك، فسأبطل نبوءته تلك بيديّ هاتين.]
كان إعلان آبل مشحونًا بحماسة زائدة تمنع اعتباره مجرد كلام عابر.
فقد عادلت تلك الحماسة في صدقها نفس الشغف والحرارة التي أعلن بها مرارًا عن عزمه استرداد عرشه؛ كان هذا هو موقف آبل الراسخ وقلبه الذي لا يتزعزع.
ولم يشكك سوبارو في عبارة آبل الأخيرة، لأنه استشعر بوضوح أنها لم تكن نابعة من مجرد رغبة في الانتقام أو التمرد، بل من عقيدة أسمى وأنقى.
وفيما عدا ذلك، تمنى بصدق لو أن بقية الظروف المحيطة تحظى ببعض الترتيب والتنميق لتجعل خطته أكثر قابلية للتصديق.
؟؟؟: [――آه! يا جماعة! انظروا أمامكم قليلًا، انظروا هناك~!]
سوبارو: [همم؟]
ومع اقتراب الحديث من نهايته، انطلق فجأة من مقدمة العربة――تحديدًا من مقعد السائق――صوت مفعم بالصخب والحيوية، فالتفت سوبارو والآخرون نحوه.
كانت ميديوم، الممسكة بزمام ليدي على مقعد القيادة، هي صاحبة ذلك الصوت المرح.
ويبدو أنها حُرمت من تولي القيادة أثناء سفرها السابق مع فلوب، لذا بادرت هذه المرة بحماس قائلة: «أريد أنا أن أقود!».
جلست ميديوم بقامتها الطويلة الرشيقة في مقعدها، ممسكة باللجام بإحدى يديها بينما أشارت بالأخرى نحو الطريق أمامهم.
ميديوم: [أرى حركة مريبة وزحمة في الأمام! أترينها أنتِ أيضًا يا ناتسومي-تشان؟]
سوبارو: [آه… في الحقيقة لا أكاد أميز شيئًا.]
أطل سوبارو برأسه من نافذة العربة، لكنه عجز عن تمييز ما قصدته ميديوم بـ «الحركة والزحمة»؛ فربما كان السبب زاوية الرؤية، أو ربما كان العيب في قوة بصره فحسب.
لطالما ظن سوبارو أنه يتمتع ببصر حاد، لكن هذا الظن تبدد في هذا العالم الآخر؛
فسكان هذا العالم يملكون حاسة بصر تفوق المألوف بمراحل، ولعل حدة بصر إميليا تبلغ 5.0 مثلًا. وتذكر سوبارو برنامجًا تلفزيونيًا شاهده في عالمه القديم يذكر أن بعض القبائل في إفريقيا تتمتع بحدة بصر استثنائية.
ومن هذا المنطلق، كانت حدة بصر تاريتا، بصفتها إحدى مقاتلات نساء شودراك في هذا العالم الآخر، أمرًا خارقًا بالفعل.
سوبارو: [إذن، ماذا عنكِ يا تاريتا-سان؟ أترين شيئًا؟]
تاريتا: [انتظر لحظة، هذا…]
أجابت تاريتا نداء سوبارو، لكنها لم تكن داخل العربة ولا حتى على مقعد القيادة بجوار ميديوم؛
بل حين أطل سوبارو من النافذة وناداها، وجدها تستقر فوق سطح العربة تحديدًا! كانت تتربص على سقف العربة وهي تسير، متخذة موقع الحارس الراصد لمراقبة شتى الاتجاهات.
آل: [أهو مجرد شعور يراودني وحدي، أم أن ركوب شخص فوق السقف بهذا الشكل يبعث على عدم الارتياح حقًا يا صاح؟]
سوبارو: [لا أعلم بخصوص آبل، لكنني اعتدت على هذه الحركات مع غارفيل عندنا.]
علق آل على تمركز تاريتا فوق سطح العربة، غير أن سوبارو —المعتاد على غارفيل الذي لطالما تطوع بنفس الدور— لم يجد في الأمر أي حرج أو غرابة؛
ففي هذا العالم الآخر، كان توخي الحذر الشديد أثناء السفر أمرًا جوهريًا، مما يجعل صنيعها تصرفًا عمليًا ومجديًا وليس مجرد استعراض مراهقين (تشونيبيو). وحقيقة أن آبل لم يمنعها كانت خير دليل على ذلك. [1]
تاريتا: […يبدو أن جنود الإمبراطورية يحتشدون في الأمام، ويوقفون عربة يجرها ثور أو ما شابه قادمة قبلنا.]
سوبارو: [هذا يعني…]
آبل: [――نقطة تفتيش.]
تمتم آبل بذلك في سره بعد أن استمع إلى تقرير تاريتا واستوعب الموقف.
كانت نقطة التفتيش التي قفزت إلى ذهن سوبارو هي تلك المنصوبة عند بوابة غوارال الرئيسية؛ بيد أن ما استرعى انتباهه حقًا هو أن نقطة التفتيش هذه لم تكن عند مدخل مدينة ما، بل نُصبت فجأة في عرض الطريق.
فمن الطبيعي تفتيش القادمين والمغادرين عند بوابات المدن، غير أن نقاط التفتيش العارضة في منتصف الطرق السفرية تعطي انطباعًا مغايرًا؛ إذ تُقام عادةً للتعامل مع طارئ غير مألوف.
وباختصار، فالأرجح أنهم يبحثون عن هدف محدد بعينه.
سوبارو: [أيعقل أنهم يبحثون عنا؟ هل أفلتت أراكييا وسرّبت الخبر بهذه السرعة؟]
آبل: [بطبيعة الحال، لا مفر من تسرب الأخبار عن طريق أراكييا عاجلًا أم آجلًا، غير أنني أستبعد انتقال المعلومات بهذه السرعة والدقة الفائقة. أضف إلى ذلك أن مدينة الشياطين تقع في اتجاه معاكس تمامًا للعاصمة الإمبراطورية.]
سوبارو: [إذن، من حيث الموقع الجغرافي، يُفترض ألا يكون قد وصلهم أي بلاغ عنا؟]
آبل: [أجل. ――مع أن هناك مسألة رفيقها أيضًا، أليس كذلك؟]
عقد آبل ذراعيه مفكرًا؛ ولم يكن قلقه منصبًا على أراكييا، بل على رفيقها ذاك.
فرفيق أراكييا هو الشخص الذي أنقذها وسحبها بعيدًا من غوارال.
آل: [الرجل الذي سحب الآنسة الصغيرة أراكييا بعيدًا؟ إنه من ذلك الصنف الذي يقتحم قلب أراضي العدو بجرأة ودون تردد في ظرف كهذا، فالأرجح أنه شخص فطن ومحنك للغاية يا صاح.]
سوبارو: [شخص فطن ومحنك…]
أثار قلق آبل وملاحظة آل صورة مزعجة ومقلقة في مخيلة سوبارو؛
ففيما يتعلق بجنود الإمبراطورية في المدينة الحصينة، كان لدى سوبارو فكرة واضحة عمن تنطبق عليه صفة «الفطنة والحنكة». ولم يكن الشخص الذي يخشاه سوبارو موجودًا بين الجنود الإمبراطوريين الذين استسلموا بعد سقوط دار البلدية.
فلعله اندس بين أولئك الجنود الذين فروا وتخلوا عن المدينة.
سوبارو: [مستحيل…]
لم يشأ أبدًا أن يصدق أن ذلك الرجل بالذات هو من أخذ أراكييا بعيدًا؛
وتمنى من أعماق قلبه ألا تتشابك خيوط قدرهما أكثر من ذلك.
سوبارو: [――. في الوقت الحالي، يجب أن نركز على المعضلة التي أمامنا. ما العمل؟ أتعتقدين أنه يمكننا الالتفاف وتجاوز نقطة التفتيش؟]
تاريتا: [في هذه اللحظة، لا أظن أنهم انتبهوا لوجودنا بعد…]
كانت ميديوم وتاريتا، بفضل بصرهما الحاد، أول من رصد النقطة.
وقبل أن يلمحهم الجنود في الأمام، بمقدورهم الخروج عن الطريق وتفادي نقطة التفتيش؛ فلو لم يكن لديهم ما يريب، لمروا بكل جرأة واطمئنان، لكن في ظل وضعهم المريب وما يحملونه، لم يكن أمامهم مفر من التفادي والمراوغة.
غير أن――
آبل: [――مهلًا، لا تسلكوا أي طرق جانبية.]
سوبارو: [هاه؟]
وقبيل أن يصدر سوبارو أمره بالانعطاف عن الطريق، أوقفه آبل بالتحديد!
ورداً على أمره هذا، صوب سوبارو نظرات ملؤها الشك نحو آبل.
سوبارو: [تأمرنا بألا نلتف، فماذا تريدنا أن نفعل إذن؟ إن كشفوا أمرك، فسنقع في ورطة حقيقية!]
آبل: [أريد معرفة غايتهم ومبتغاهم؛ فإن كان الأمر متعلقًا بسقوط غوارال، فالأحداث تتلاحق بسرعة غير معقولة. وإن كانوا يبحثون عن مكاني، فأود أن أسمع من الجنود عما يزعمون أنهم يبحثون عنه.]
سوبارو: [وهل فكرت فيما سيحدث إن اكتشفوا أمرك؟ ستنكش عش الدبابير وينتهي بنا المطاف في مطاردة سيارات جنونية!]
وبطبيعة الحال، كان احتمال وقوعهم في الأسر على الفور قائمًا وبشدة.
فمن بين الأشخاص الخمسة المستقلين للعربة، ثلاثة فقط —باستثناء سوبارو وآبل— قادرون على خوض القتال، غير أن قوتهم الإجمالية لم تكن لتختلف كثيرًا عن فرقة الراقصات التي اقتحمت غوارال سابقًا. وفي حال اضطروا للهرب بالعربة، فسيكون التخلص من مطاردة العدو في طريق مكشوف ومفتوح أمرًا في غاية الصعوبة.
سوبارو: [المعطيات سيئة للغاية… أم أن في جعبتك خطة أفضل؟]
آبل: [بالتأكيد، ――وهي أنت.]
سوبارو: [إيه؟]
تجمد سوبارو في مكانه مذهولًا؛ فبعد أن وزن المخاطر والمكاسب، رأى أن كفة الحظوظ ليست في صالحهم إطلاقًا.
وكان يُفترض بهم الآن مناقشة احتمالات خوض مغامرة خطيرة كهذه.
سوبارو: [ماذا تقصد؟ أتريد مني أن أكون أنا في الواجهة؟]
آبل: [ثمة سابقة ناجحة لهذا في المدينة الحصينة بالفعل. كما أن العربة مموهة ومعدلة بحيث لا يُشتبه في تبعيتها للجيش. وسنمضي وفق ما اتفقنا عليه مسبقًا.]
سوبارو: [ألم يكن ذلك الاتفاق مجرد تدريب على أحاديث عابرة نسلي بها وقتنا أثناء الطريق!؟]
فما رتبه آبل بجرأة كان محض سيناريو لتبادل أطراف الحديث مع الباعة والمسافرين في الدرب، وليس خطة محكمة لخداع جنود الإمبراطورية المتربصين بدقة!
ومع ذلك، صمّ آبل أذنيه تمامًا عن اعتراضات سوبارو التي كادت تشبه الصراخ:
آبل: [سأختبئ أنا في قاع العربة، وأنت استدرج الجنود في الحديث واكتشف ما لديهم.]
سوبارو: [مهلًا، مهلًا، أأنت جاد فيما تقول؟]
آبل: [إياك وأن تدع الجنود يفتشون قاع العربة، وإلا فقد تفقد حياتك أنت أيضًا.]
سوبارو: [لا أدري سر هذه الغطرسة والتعالي وأنت تختبئ في الأسفل…!]
وما إن قال ذلك، حتى نهض آبل من مقعده ووضع يديه على الأرضية؛ كانت هناك فجوة دقيقة أسفل المقاعد، فارتفعت ألواح الخشب إلى الأعلى، مما أتاح له النزول والاختباء في التجويف السفلي للعربة.
وكانت هذه العربة مخصصة في الأصل ليجرها «حصان الرياح العاتية» التابع لجنرال الرتبة الثانية زكر.
ورغم تغيير مظهر العربة الخارجي للتمويه وإخفاء أي صلة لها بالجيش الإمبراطوري، إلا أن ذلك لم يعطل أياً من مزاياها؛ فالعربة التي صُممت لركوب كبار الشخصيات كانت مزودة بآلية سرية تتيح رفع ألواح الأرضية ليتمكن الركاب من التواري في حالات الطوارئ.
وكان سوبارو على يقين تام بأن صانع تلك العربة لم يخطر بباله يومًا أن الإمبراطور بشحمه ولحمه هو من سيختبئ في قاعها!
وعلى أية حال، رفع آبل الألواح بسرعة ودس جسده النحيل داخل تلك المساحة الضيقة، تاركًا الباقي على عاتق سوبارو بكل ثقة. ولم يكن تصرفه هذا نابعًا من الشجاعة بقدر ما كان تعبيرًا عن كبريائه وثقته المفرطة.
آل: [يا للهول، آبل-تشان هذا متسلط ومزعج للغاية! لكن ما باليد حيلة، ليس أمامنا سوى خوض الأمر يا صاح.]
كان هذا تعليق آل على آبل الذي فرض رأيه واختفى على الفور. أما كلماته التالية فجاءت بناءً على حركة نقطة التفتيش الواقعة في مسار العربة؛ إذ بدا أن الجنود قد انتبهوا لاقترابهم أيضًا.
تاريتا: [ناتسومي، لقد انتبهوا لوجودنا.]
ميديوم: [إذن لا مفر من التقدم! حسنًااا~، اعتمد عليكِ وبالتوفيق يا ناتسومي-تشان~!]
وبكل عفوية، قضت صيحات تاريتا وميديوم على أي فرصة للالتفاف والهرب؛ إذ إن تغيير مسار العربة في هذه اللحظة سيبدو تمامًا كمن يرفع لافتة تقول: «لدينا ما نخشى تفتيشه هنا!».
ولهذا، لم يبقَ أمامهم إلا المضي قدمًا كما رغب جلالة الإمبراطور تمامًا، رغم ما يثيره ذلك من انزعاج.
آل: [يا صاح، أأنت جاهز؟]
سوبارو: [――أجل، أجل، بالتأكيد! تشرفت وسررت بلقائكم جميعًا~!]
آل: […يا له من تحول خاطف في الشخصية يا صاح.]
ربت سوبارو برفق على خديه بكلتا يديه، ليفعل زر التحول في داخله؛ فلو صفع خديه بقوة لأفسد مساحيق التجميل، ولو حك رأسه لتبعثرت تسريحة شعره، وإن لم ينحِّ غيظه الداخلي جانبًا فستخرج نبرته خشنة وجافة. ――وبهذا لن يفلح أبدًا في خداع جنود الإمبراطورية.
كان عليه أن يتقمص الدور المطلوب منه بدقة، وينجز المهمة المتوقعة منه على أكمل وجه؛ فهذه هي الخطوة الأولى لـ ناتسوكي سوبارو في سبيل استعادة الثقة التي خسرها.
سوبارو: [أوه، طاب يومكم وقواكم الله يا حماة الوطن الأعزاء! ما الذي يمكنني تقديمه لخدمتكم؟]
قال سوبارو ذلك وهو يطل من النافذة برقة ودلال، وابتسامة ساحرة تعلو محياه، ملوحًا بلطف ومرح لجنود الإمبراطورية الذين أوقفوا العربة.
△▼△▼△▼△
――لم يعر جنود الإمبراطورية الذين أوقفوا العربة أي شكوك أو ريبة لعربة لا تقل سوى آل، برفقة «ثلاث نساء» هن: ميديوم، وتاريتا، وسوبارو.
وكان جل ما طلبوه هو التحقق من هوية الركاب والغرض من الرحلة.
ووفقًا لما اتفقوا عليه مسبقًا، كانت الخطة تقضي بأن آل وميديوم قد استُؤجرا لحراسة سوبارو —بصفتها ابنة كونت من رتبة دنيا— بينما تلعب تاريتا دور خادمة سوبارو الخاصة.
وقبل مغادرة غوارال، خضعت هيئة تاريتا لعدة تجارب وتعديلات؛ حيث جُردت من مظهر مقاتلات نساء شودراك الذي يسهل التعرف عليه فورًا، وباتت ترتدي الآن زي رئيس خدم ذكوري أنيق وفقًا لذوق سوبارو الخاص. وكان آل قد علق على ذلك بتهكم ساخر قائلًا: «صاحبي يتنكر كامرأة متنكرة كرجل، وتاريتا-تشان تتنكر كرجل… لم أعد أفهم شيئًا في هذه الدنيا يا صاح!».
وعلى أية حال، لم يثر تصرف سوبارو ورفاقه أي شبهة لدى جنود الإمبراطورية عند نقطة التفتيش.
غير أنهم ترددوا وبدا عليهم القلق حين علموا أن وجهتهم هي «كايوسفليم»، متمتمين: «حسنًا، هذا مقلق…». فيبدو أن سمعة «مدينة الشياطين» كانت سيئة ومرعبة حتى بين صفوف الجنود أنفسهم.
الجندي: [في الحقيقة، لا أنصحكِ أبدًا بزيارة «مدينة الشياطين» يا آنستي الشابة.]
سوبارو: [حتى لو تفضلتَ بالقول، فأخشى أن يغضب والدي مني؛ فرغم انتمائي لطبقة النبلاء، إلا أن هذه ليست رفاهية تملكها عائلة كونت متواضع الحال…]
الجندي: [همم، فهمت ما تعنينه. حسنًا، تبدين فتاة رزينة وواعية، لذا أظن أنه لا داعي للقلق.]
سوبارو: [يا للخجل، أنت تبالغ في مجاملتي بلطف شديد.]
وابتسم سوبارو واضعًا ظهر يده على فمه برقة، ليتفادى شكوك الجندي بأسلوب أنثوي أنيق.
وعمومًا، بدا أن عبور نقطة التفتيش لن يواجه أي عائق، ولم يتبقَ سوى أمر واحد――
سوبارو: [معذرةً، أرى أن الإجراءات الأمنية مشددة للغاية هنا… هل وقع خطبٌ ما؟]
الجندي: [أوه لا، ليس بالأمر الخطير؛ مجرد جنود فارين من مناوشة وقعت مؤخرًا في الشمال قرب غابة بودهايم، ونحن نمشط المكان بحثًا عنهم… كما نبحث أيضًا عن مجرم مطلوب للعدالة.]
سوبارو: [مجرم مطلوب، أهذا صحيح؟]
قطب سوبارو حاجبيه بقلق فور سماعه ذلك، حريصًا على ألا ترتجف نبرة صوته.
ولحسن الحظ، لم ينتبه الجندي لما يموج في صدر سوبارو من اضطراب، وأومأ مؤكدًا: «أجل».
الجندي: [ترددت أنباء عن مشاهدة رجل مطلوب من العاصمة الإمبراطورية في هذه الأنحاء؛ ويُقال إنه رجل خمسيني ذو شعر أزرق، فهل صادفتِ أي شخص بهذه الأوصاف؟]
سوبارو: [――. لا، لم أصادف أحدًا كهذا للأسف. لكن مجرد وجود فارين من صفوف جنود الإمبراطورية المشهود لهم بالبسالة، يجعلني أخشى أن تضطرب مبادئ الإمبراطورية وقيمها.]
ميديوم: [لا تقلقي يا ناتسومي-تشان! نحن هنا بجواركِ لحمايتكِ، فلا داعي للخوف أبدًا، لا تخافي! دعينا نمضي ورؤوسنا مرفوعة بكل ثقة!]
سوبارو: [حسنًا، هذا يبعث على الطمأنينة حقًا يا ميديوم-سان، أوهوهوهو.]
لم يكن سوبارو يخطط لتدخلها، غير أن كلمات ميديوم الصريحة والعفوية أربكت جنود الإمبراطورية وشتتت تركيزهم.
ورغم احتمال أن يثير استفساره ريبتهم، إلا أنه نجح على ما يبدو في تبديد تلك المخاوف. كما لزمت تاريتا الصمت التام، متقنةً دور الخادم المطيع الذي لا يقاطع سيده دون إذن.
ومع أنها تميل إلى الخجل بطبيعتها، فقد بدا صمتها في هذا الموقف طبيعيًا ومقنعًا للغاية.
وباستثناء النساء، كان الشخص الأكثر إثارة للشبهات هو آل بمظهره الغريب المريب――
آل: [يا سلام! شكرًا جزيلًا لكم أيها الجنود على كل هذه الجهود المضنية؛ فبفضل سهركم وتعبكم، يُتاح لأبله ومغفل مثلي أن يعمل بكل كسل واسترخاء يا صاح.]
الجندي: […نحن نؤدي واجبنا لخدمة مصلحة الإمبراطورية ورخائها فقط، وليس بالتأكيد من أجل شخص ضعيف ومتكاسل مثلك.]
آل: [أعلم ذلك، أعلم تمامًا، وأعرف قدري ومكانتي جيدًا.]
ونجح آل بدوره في امتصاص وقاحة الجندي وازدرائه ببراعة ودون أدنى انفعال.
ورغم صعوبة الجزم بما إذا كان يتصنع ذلك أم يتصرف على سجيته، إلا أن ردوده كانت في محلها تمامًا؛ حتى أن ريبة استئجار رجل بذراع واحدة كحارس شخصي قد أحبطها سوبارو مسبقًا بحنكته:
سوبارو: [ألا يبدو تعييني له كحارس شخصي تصرفًا لائقًا ومبررًا؟ فمع وضعه هذا، أنا واثقة من أنه كان جنديًا يخدم هذا الوطن في السابق.]
الجندي: […إن كان قد تقاعد من الخدمة بسبب جراحه، فلا اعتراض لدينا على ذلك. لكن توخي الحذر الشديد فحسب، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يخلو من النوايا الخبيثة.]
إن تقديم وضع ذراع آل كدليل على الشرف والخدمة العسكرية السابقة بدلًا من اعتباره عاهة أو نقطة ضعف، عزز من منطقية استخدامه وشتت الأنظار عن سلوكه اللامبالي.
فجنود الإمبراطورية، رغم نفورهم من الضعف وتبجيلهم للأقوياء، يراعون كذلك من تقاعدوا من الخطوط الأمامية متأثرين بجراح لا تبرأ.
――وهكذا، تسنى لهم اجتياز نقطة التفتيش بسلام ودون أي معضلات تُذكر.
ميديوم: [يا سلام، لقد كان أداؤكِ رائعًا حقًا يا ناتسومي-تشان! أبهرتِني بذكائكِ!]
أثنت ميديوم عليه وهي تلوح بيدها من مقعد السائق مودعةً جنود الإمبراطورية الذين باتوا يتضاءلون في الأفق البعيد؛ فهز سوبارو رأسه نفيًا قائلاً: «لا، الأمر بسيط».
سوبارو: [لم يكن إنجازًا كبيرًا؛ فلو كانت نقطة التفتيش قد نُصبت لسبب أكثر خطورة وإلحاحًا، لاضطررنا لبذل الكثير من الدهاء والحيل للمرور… ومن هذه الناحية، يمكننا القول إن الحظ قد حالفنا.]
ميديوم: [أحقًا تظنين ذلك؟ إذن فالأمر كذلك! فأخي يخبرني دومًا أنني محظوظة للغاية، وأنا أشعر بهذا أيضًا!]
سوبارو: [ههه، أنتِ وفلوب-سان موهوبان حقًا بالفطرة في التماس أسباب السعادة، أليس كذلك؟]
وضع سوبارو يده على خده وهو يبتسم لرد ميديوم اللطيف.
وإثر هذا الحوار العفوي بين سوبارو وميديوم، التفتت تاريتا الجالسة في المقعد الأمامي للعربة وملامح الإرهاق بادية على محياها. أمال سوبارو رأسه مستغربًا من نظراتها ذات المغزى، بينما أخذت تتنفس الصعداء بعد انقشاع التوتر، وربتت على صدرها بارتياح.
سوبارو: [ما خطبكِ يا تاريتا-سان؟ أهناك مشكلة؟]
تاريتا: [لا، ليست هناك مشكلة، ولكن… يا ناتسومي، كيف يسعكِ التحلي بكل هذه الجرأة والجسارة؟ ظل هذا السؤال يراودني منذ أن خططتِ للتنكر في زي راقصة.]
سوبارو: […أجل، أفهم ما تقصدينه.]
فقد وجدت تاريتا صعوبة بالغة في الاعتياد على تحول سوبارو إلى هيئة امرأة؛
فالوقت الذي قضته تاريتا معه وهو في هذا الزي النسائي يماثل تمامًا الوقت الذي قضاه آبل برفقته، أي منذ لحظة دخولهما إلى غوارال. ومع ذلك، بدا الأمر شديد الغرابة في عينيها.
فبوجهٍ ما، تمكن آبل وفلوب من إنجاح تنكرهما دون أدنى جهد يُذكر―― إذ استطاعت «بيانكا» و«فلورا» التغلب على كافة العقبات بفضل وسامتهما الطبيعية وجاذبيتهما الفطرية.
أما شخصية سوبارو، ناتسومي شوارتز، فلم تحظَ بمثل هذا الأساس الجمالي الفطري بالطبع؛
فهناك جوهر أنثوي أصيل تعجز الثياب ومساحيق التجميل وحدها عن محاكاته، وهي معضلة تواجه حتمًا من يفتقر إلى تلك الهبة. ――لذا تطلب الأمر بذل جهد حقيقي لتعويض هذا الفارق.
سوبارو: [لذا، بذلتُ قصارى جهدي فحسب، هذا كل ما في الأمر.]
فالهيئة المتقنة لـ ناتسومي شوارتز كانت ثمرة من ثمار سعي البشرية المتراكم وراء معايير الجمال عبر الأجيال؛
ولولا أولئك الرواد السابقون، لما قُبل تنكر سوبارو حتى في مهرجان مدرسي بسيط. فوراء هذا النجاح كمنت رغبات وجهود مضنية بذلها السابقون، ولهذا السبب تحديدًا، شعر سوبارو بأنه لا يملك حق الاستهانة بما تأسس ورُسخ من خبرات.
تاريتا: [أنا أغبطكِ على ثقتكِ بنفسكِ… فأنا لا أملك ذرة منها.]
سوبارو: [ثقة بالنفس…؟ ما أملكه في الواقع هو ثقتي بـ ناتسومي شوارتز، أما الثقة بالنفس فشأنٌ آخر تمامًا.]
تاريتا: [إيه؟ إيه؟ إيه؟]
آل: [مهلًا مهلًا يا صاح، لا تعقد الأمر! ستربك تاريتا-تشان وتشتت ذهنها. هذا المستوى من التفلسف المعقد يفوق قدرتنا على الاستيعاب يا صاح، أتعلم ذلك؟]
ونيابة عن تاريتا التي كانت تطرف بعينيها متخبطة في حيرة، قاطع آل استرسال سوبارو في إبراز فلسفته الخاصة.
ولم يكن سوبارو مدركًا أنه يتحدث عن فكرة معقدة لدرجة أنها قد تربك كليهما؛ فكل ما كان يرمي إليه هو أنه، رغم صعوبة إيمانه بذاته الحقيقية، بمقدوره الإيمان بالصورة المثالية التي نسجها في خياله لنفسه―― صورة يستطيع الوثوق بها حقًا.
سوبارو: [أنا أتخيل نفسي دومًا في أفضل صورة ممكنة يمكن أن أكون عليها―― أتعلمين؟]
تاريتا: [أ-أجد صعوبة في استيعاب هذا المفهوم…]
سوبارو: [لكنني أنصحكِ بتجربة هذا الأسلوب من التفكير؛ فمقارنة نفسكِ بالشخص الذي تتطلعين إليه وتقتدين به قد تكون أمرًا مؤلمًا وقاسيًا، ولكن… بمقدوركِ تخيل نسختكِ المثالية المنشودة.]
تاريتا: [――――]
اتسعت عينا تاريتا قليلًا بينما كان سوبارو يضع يده على صدره وهو يتحدث؛
وبدا أن شيئًا في كلماته قد لامس وترًا حساسًا في أعماقها إلى حد بعيد.
تاريتا: [تخيل… النسخة المثالية من نفسي…]
لامسها ذلك الصدى بعمق، لدرجة بدا معها أنها حفظت تلك الفكرة في سويداء قلبها بصمت.
آل: [دعنا من أمر الفارين الآن، لا أدري ما الذي ارتكبه ذلك المطلوب للعدالة بالضبط. فرغم أنه من حسن حظنا أن أنباء آبل-تشان لم تنتشر بعد، إلا أن تلك الاستنفارات أمر كبير وجلل يا صاح.]
سوبارو: [حسنًا… رجل ذو شعر أزرق في الخمسين من عمره تقريبًا، أنا واثق من وجود العديد من الرجال الذين تنطبق عليهم هذه الأوصاف، بل يخطر ببالي شخص محدد في ذاكرتي، أتعلم؟]
ففي عالمه الأصلي، لم يكن الشعر الأزرق موجودًا بصورة طبيعية، لكن في هذا العالم الآخر، لم يكن لونًا نادرًا أو غريبًا إطلاقًا، وريم خير دليل على ذلك في مقدمتهم.
كما أن ذلك المطلوب للعدالة عند نقطة التفتيش طابق تلك الأوصاف، تمامًا كحال ذلك الرجل المدمن على الشراب الذي ساعده ذات مرة في مدينة غوارال―― المرتزق المدعو روان كان يمتلك ذات السمة أيضًا.
ولسوء الحظ، أُحبط استعراض روان لمهاراته بسبب هجوم تود المباغت، غير أن سوبارو كان يرى أنه مقاتل بارع بحق لو أتيحت له فرصة خوض القتال بالطريقة الصحيحة.
ومع ذلك، لم يرجح سوبارو أن يكون روان هو ذلك المطلوب الذي يستدعي استنفار كل هؤلاء الجنود الإمبراطوريين للبحث عنه؛ فالأرجح إذن أن ثمة شخصًا آخر يحمل نفس الصفات هو المطلوب للعدالة.
سوبارو: [على أية حال، يبدو أن خبر وضع آبل لم يصل إلى الجنود العاديين بعد… وطالما أنه لا توجد اضطرابات في العاصمة الإمبراطورية، فالأرجح أن ثمة شبيهًا بديلًا ينتحل دور الإمبراطور هناك.]
آل: [لا أدري إن كان هذا أمرًا طيبًا أم سيئًا يا صاح. بصراحة، أرى أنه كان سيكون أسهل وأنسب لنا لو كان غياب الإمبراطور معلنًا وعمت الفوضى والضجة هناك.]
سوبارو: [أشعر أن للأمر ميزاته وعيوبه؛ وبغض النظر عن كيفية تصريف الأمور في حال كُشف أمره، فإن خطورة العثور على آبل تظل على حالها دون تغيير.]
فلو شاع نبأ غياب الإمبراطور ودخلت الإمبراطورية في دوامة من الاضطرابات، فلن يكون معلومًا حينها ما إذا كان سوبارو ورفاقه قادرين على مواجهة الموقف بحنكة. وعلى أقل تقدير، رأى آبل أنهم ما زالوا يفتقرون إلى القوة الكافية للمطالبة بالعرش، وكان سوبارو يشاركه وجهة النظر ذاتها.
ومع ذلك، فإن الإصرار على عبور نقطة التفتيش تلك قد جعله على أعصابه من شدة التوتر.
آل: [على أية حال، بما أننا اجتزنا نقطة التفتيش بسلام، فلنخرج آبل-تشان من مخبئه يا صاح.]
سوبارو: [معك حق. وفوق ذلك، لدي بعض الشكاوى التي أريد صب جام غضبي بشأنها.]
أومأ سوبارو برأسه موافقًا على اقتراح آل، ثم عقد ذراعيه فوق صدره المزيف معبرًا عن سخطه وامتعاضه.
ولم يكن سبب استياء سوبارو هو تلك الذريعة غير المنطقية التي فُرضت عليهم لخوض نقطة التفتيش فحسب؛ بل كان الأمر أبعد من ذلك، إذ تمثل في تلك التخبطات والحركات الرعناء التي صدرت من آبل أثناء التفتيش.
فبينما كان سوبارو يتبادل الحديث مع الجنود، ترددت أصوات ضجة وحركة من قاع العربة عدة مرات، وكابد سوبارو مشقة هائلة لتمويهها وصرف انتباه الجنود عنها.
وفي نهاية المطاف، سُوي الموقف بزعم أن سوبارو —المتنكر بهيئة امرأة نبيلة— يعاني من مغص في معدته، مدعيًا: «ليس من السهل أن تكون ابنة كونت متواضع الحال…». غير أن هذا كان موقفًا محرجًا شوه السمعة الراقية للأنيقة ناتسومي شوارتز!
سوبارو: [يبدو أن جلالة الإمبراطور لا يدرك حقيقة موقفه وحساسية وضعه إطلاقًا.]
آل: [أوه، تبدو هائجًا من الغيظ يا صاح! حسنًا، أظن أنه يحق لي أن أستشيط غضبًا أنا أيضًا.]
أيد آل كلام سوبارو الذي كان يتوق لمحاسبة ذلك الإمبراطور المتهور وتوبيخه.
ثم رفع آل ألواح الأرضية، فأطل سوبارو برأسه إلى قاع العربة المتأرجحة ليصب جام غضبه على الوجه الذي سيطل عليه――
سوبارو: [مهلًا يا آبل، ما خطبك ماذا بحقك؟ لا تتخيل كم عانينا للتستر عليك بعد كل تلك الحركات التي افتعلتها في الأسفل――]
؟؟؟: [أوو――!]
سوبارو: [أوهيااا―― هكـ!؟]
ابتلع سوبارو بقية عباراته ونصائحه الصريحة إثر تلك الصيحة المفاجئة، وقفز مذعورًا إلى الخلف ليرتمي في أحضان تاريتا! وفجأة، وجدت تاريتا نفسها تحمله بين ذراعيها كمن يحمل عروسًا، لكن لم يكن لديه أدنى متسع من الوقت ليعجب بقوة بنيتها الجسدية.
فما انبثق من الأسفل لم يكن آبل وهو يبتسم ببرود أو سخرية―― بل فتاة صغيرة ذات شعر أشقر ذهبي.
فتاة يعرف ملامحها أكثر مما ينبغي، وتختزن ذاكرته فيضًا من الذكريات المريرة عنها.
إنها لويس؛ الفتاة التي يستحيل أن تتواجد هنا بأي حال!
لويس أرنيب، المتسللة والمفاجأة غير المحسوبة في الإمبراطورية، اندفعت بمرح وحيوية من تحت أرضية العربة.
سوبارو: [مـ-مـ-مـ-ماذا…]
لويس: [آآ، أوو؟]
سوبارو: [لماذا! ما الذي تفعلينه في العربة…؟]
؟؟؟: [――يبدو أنها كانت تتوارى في القاع طوال الوقت؛ ومما يثير العجب حقًا ألا يتنبه أحد لوجودها حتى هذه اللحظة. والأرجح أن هذا من تدبير أوتاكاتا.]
اتسعت عينا سوبارو وارتجفت نبرة صوته ذهولًا. وعقب تساؤل سوبارو، برزت هيئة آبل وهو يخرج من القاع خلف لويس.
نفض آبل الغبار عن ثياب سفره المتسخة، ومشط بأصابعه خصلات شعره الأسود المشعث، ثم رمق لويس التي كانت تتمايل مقتربة من سوبارو —الذي ما زالت تاريتا تحمله بين ذراعيها— وقال:
آبل: [همم، يبدو أنها اشتاقت إليك كثيرًا؛ لدرجة أنها آثرت مرافقتك على البقاء مع أوتاكاتا أو امرأتك تلك.]
سوبارو: [لـ-لماذا تحتفظ بكل هذا البرود والهدوء…؟ أكنت مرتاحًا لوجودك معها تحت الأرضية طوال الوقت؟]
آبل: [وكيف يمكن أن أكون مرتاحًا؟ لقد كانت تتخبط وتحدث جلبة لا داعي لها في الأسفل، حتى كادت تجمد الدماء في عروقي من شدة التوتر؛ وظللت أفكر مليًا في الحجة التي سأبرر بها الأمر حين يكتشف الجنود وجودي بسبب حركتها تلك.]
أعاد آبل إطباق ألواح الأرضية وعاد ليستقر في مقعده، بينما بدت كلماته وتفسيره منطقيين لسوبارو أخيرًا.
تبين أن مصدر تلك الجلبة التي شتتت ذهن سوبارو وأقلقته بشدة أثناء تفتيش جنود الإمبراطورية للعربة لم يكن سوى لويس.
ولعل لويس، أثناء اختبائها في قاع العربة، قد تشاحنت وتدافعت مع آبل حين نزل للاختباء هناك. ورغم أنه لم يتضح كيف عامل آبل لويس تحديدًا، إلا أنه لا يبدو من ذلك النوع الذي يملك أي دراية أو مهارة في التعامل مع الأطفال.
سوبارو: [وما الذي تجيده ماذا بحقك إذن…؟]
آبل: [ظللت تثرثر بوقاحة عني دون توقف، لكن ما الذي تنوي فعله مع هذا الكائن؟]
سوبارو: [ما الذي أنوي فعله…؟]
آبل: [أخبرك من الآن؛ يستحيل علينا الالتفاف والعودة أدراجنا بأي حال من الأحوال. فنقطة التفتيش تلك وضيق الوقت لا يسمحان بذلك مطلقًا.]
آل: [حسنًا، آبل-تشان محق في هذه النقطة تمامًا، أليس كذلك يا صاح؟]
لمس آل مشبك خوذته وهو يومئ برأسه تأييدًا لكلام آبل.
وفي تلك الأثناء، طلب سوبارو البائس من تاريتا أن تنزله على الأرضية، ثم وضع كفه على جبهة لويس ليدفعها برفق بينما كانت تضحك قائلة: «آوو»، وتتودد إليه متشبثةً به.
سوبارو: [لماذا حدثت هذه الورطة…؟]
وعصفت الحيرة والتخبط في رأسه؛
ومن جهة أخرى، كان هناك جانب في داخله يشعر بنوع من الارتياح لوجود لويس هنا―― لكونه تخلص من عبء القلق والريبة لو ظلت بقرب ريم التي تركها خلفه في غوارال.
غير أن ملاحقة لويس لسوبارو لم تخفف قيد أنملة من حذره تجاه حقيقتها وما قد تدبره من مخططات.
تاريتا: [سوبارو، ما باليد حيلة، سنأخذ لويس معنا.]
سوبارو: [حتى أنتِ تقولين هذا يا تاريتا-سان؟]
تاريتا: [آبل على حق؛ فليس أمامنا سوى مواصلة التقدم الآن، لكن لا يسعنا كذلك التخلي عن لويس وتركها في العراء. أعلم أن علاقتكِ بلويس معقدة ومضطربة…]
سوبارو: [――――]
رمقت تاريتا سوبارو ولويس بالتناوب، وطرحت رأيًا محايدًا بتردد وحذر.
فإلى جانب مهمة التسلل إلى غوارال، أمضوا معًا وقتًا في مستوطنة نساء شودراك؛ وكان جل نساء شودراك —وإن لم يكن بنفس قدر ريم— على دراية بتوجس سوبارو وعدائه الواضح تجاه لويس ووجودها.
ورغم علمها بذلك، أكدت تاريتا أن ترك لويس خلفهم ليس خيارًا مطروحًا.
ولشدة غيظه وخيبة أمله، وجد سوبارو نفسه يوافقها الرأي.
سوبارو: [لا يسعنا ببساطة أن نتركها هنا لتجر المشاكل على أناس يجهلون حقيقتها تمامًا…]
لويس: [أوو؟]
أمالت لويس رأسها ببراءة وكأنها لا تفقه شيئًا.
ففي الوضع الراهن، ومنذ أن قُذفوا إلى فولاكيا، لم تُظهر لويس قط وجهها الحقيقي بصفتها مطران الخطيئة الخبيث لـ «الشراهة». غير أن هذا لا يعني ألا يحدث ذلك في المستقبل، وسيتحمل سوبارو وزر أي كارثة قد تقع حين تكشف عن حقيقتها المفترسة.
كان لدى سوبارو يقين جازم بمدى خطورتها، وتوفرت له فرص لا تُحصى لدرء الكثير من المفاسد والدمار قبل وقوعه.
ولهذا السبب بالتحديد، راوده شعور بأنه ينبغي له أن يطبق على عنقها النحيل في هذه اللحظة بالذات، ويقطع دابر مستقبلها نهائيًا.
فبهذا الفعل، وبه وحده، ستذبل بذور قلق لا حصر لها وتندثر دون أن تنبت براعمها.
ومع ذلك――
سوبارو: [――――]
آل: [يا رجل… لست أدري ما الذي يجري بينكما بالضبط، لكن تلك الصغيرة متعلقة بك يا صاح، أليس كذلك؟ وأنا واثق من أنك تدرك أنها قد تعطلنا أو تبطئ مسيرتنا في قادم الأيام، لكن علينا أن نفكر في كيفية استغلال وجودها أيضًا.]
سوبارو: [آل…]
قال آل ذلك محاولًا مساعدة سوبارو الحائر على حسم أمره.
وتقدم نحو لويس الواقفة إلى جوار سوبارو، متهاديًا بخطوات متمهلة على أرضية العربة. ثم مد يده محاولًا مداعبة شعر الصغيرة الأشقر برفق――
آل: [وجود طفلة قد يسهل علينا تشتيت الانتباه وصرف الأنظار إن صادفتنا نقطة تفتيش أخرى كهذه. فالسفر برفقة طفلة ليس أمرًا سيئًا على أية حال… آي!]
لويس: [غاووكـ!]
وقبل أن تلامس يد آل رأسها، كشرت لويس فجأة عن أنيابها بكل ما تعنيه الكلمة.
فتحت لويس فمها على مصراعيه وأطبقت بأسنانها على يد آل الممدودة بأقصى قوتها! صرخ آل وسحب يده متألمًا، بينما اندست لويس خلف سوبارو وهي تزمجر بحنق كحيوان شرس.
لقد كان تصرفًا جاحدًا، أشبه بقطة شاردة غير مرغوب فيها تعض يد الشخص الذي حاول إطعامها.
آل: [مهلًا، تلك العضة مؤلمة بحق! أردتُ مساعدتكِ فحسب، لكن يبدو أن تصرفي كان غلطة يا صاح!]
سوبارو: [لـ-لقد فعلتِها مجددًا، أليس كذلك…! كنتُ أعلم أن هذا هو ديدنكِ في افتراس الآخرين!]
لويس: [أوو! آآ! آووو!]
سوبارو: [لا أفهم شيئًا من تمتماتكِ وصراخكِ هذا!]
كانت لويس تتشبث بخصر سوبارو بقوة وهي تهز رأسها نفيًا. وحاول سوبارو جاهدًا انتزاعها عنه، لكن قبضتها كانت محكمة لدرجة عجز معها عن الإفلات والتملص منها.
ولحسن الحظ، كان سوبارو يعرف «اسم» آل وهويته الحقيقية، كما لم يبدُ على آل أنه فقد رشده جراء التهام «ذكرياته». غير أن حجم الضرر لم يتأكد بعد بالكامل――
تاريتا: [――أرجوكم، اهدؤوا قليلًا!]
سوبارو: [هياان!؟]
لويس: [أوو!؟]
فما إن بدأ سوبارو وآل في إثارة تلك الجلبة، حتى شرعت لويس تصرخ كطفلة تنتابها نوبة غضب عارمة.
ولوضع حد لهما، تدخلت تاريتا رافعةً صوتها بحزم.
وضعت يديها تحت إبطي لويس ورفعتها إلى الأعلى، ثم رمقت سوبارو وآل بنظرة قاطعة، نظرة تحاكي نظرات أختها الكبرى بحضورها المهيب والصارم.
تاريتا: [رجلان بالغان وتتصرفان كالأطفال! وفوق ذلك، ألا يجدر بكما التصرف كراشدين هادئين؟ فالصغار يقلدون الكبار.]
سوبارو: [أوه، ڪـ… لـ-لكن يا تاريتا-سان، هذه الفتاة…]
تاريتا: [بلا لكن يا ناتسومي! أعلم أن علاقتكِ بهذه الفتاة معقدة، لكن حتى وإن كان الأمر كذلك، فما الذي ستجنينه من إثارة هذه الفوضى؟]
لقد وُبخ سوبارو توبيخًا مباشرًا، وكانت بساطة هذا اللوم أكثر الردود إحراجًا وإفحامًا له؛
فمن ذا الذي يستطيع مجادلة حجة تصفه بالنزق وقلة النضج أمام طفلة صغيرة؟ غير أن هذا المنطق الساذج لا ينطبق إطلاقًا على مطران خطيئة.
فلو كانت تاريتا مدركة لحجم الخطر الذي تشكله لويس أرنيب، لتبدلت نظرتها حتمًا――
――إذن، ما الذي يمنعه من إخبار الجميع بحقيقة لويس هنا والآن؟
سوبارو: [――――]
عصفت المشاعر المظلمة في أعماق قلبه لدرجة عقدت لسانه وخنقت حلقه.
تشنجت أسارير وجه سوبارو، ونظر إليه كل من تاريتا وآل بحيرة واستغراب.
ففي نهاية المطاف، لم تكن هذه الورطة برمتها سوى نتاج لتردده الدائم وعجزه عن الحسم.
والسبيل الوحيد لجعلهم يستوعبون سر حذره الشديد من لويس هو كشف حقيقة كونها مطران الخطيئة لـ «الشراهة». فعلى النقيض من ريم التي فقدت توجسها من «طائفة الساحرة» مع ذكرياتها المفقودة، فإن رفاقه في هذه العربة سيدركون حجم الخطر المحدق بلا ريب.
وحين يستوعبون فداحة الموقف، فلن يعاملوا لويس كطفلة بريئة كما تبدو في الظاهر؛ ومن أجل استئصال هذا التهديد المقلق――
――ما الذي يمكن فعله للتخلص منها؟
سوبارو: [――――]
لويس: [أوو؟]
أمالت لويس رأسها مستغربةً من ملامح سوبارو وهي بين يدي تاريتا.
فبمجرد أن كف سوبارو وآل عن الصياح، استعادت لويس هدوءها هي الأخرى. وكما تبين لهم طوال الفترة الماضية، فإن لويس لا تثير الجلبة إلا إذا كان محيطها صاخبًا؛
فإن ساد الهدوء حولها، فلن تنبس لويس ببنت شفة إن بقيت بمفردها. وكان هذا هو السبب في توافق أوتاكاتا التام مع لويس؛ لكونها طفلة هادئة ورزينة بطبعها.
ولعل هذا النمط من السلوك لم يكن سوى حيلة أخرى تتبعها لويس أرنيب للاندماج والتخفي وسط محيطها.
تلك الفتاة الخبيثة، المتجردة من الإنسانية والتي يستحيل إصلاحها، والتي واجهها سوبارو في ذلك الفضاء الأبيض داخل «برج مراقبة الثريا»؛ أيعقل أن هذا المظهر البريء ليس سوى قناع تنكرت به؟
كان يدرك جيدًا أن عليه التعامل معها على هذا الأساس وتوخي الحذر التام؛ ومع ذلك――
آبل: [――دعني أوضح لك أمرًا؛ مقصدنا من هذه الرحلة ليس النزهة ولا التسلية.]
قالها آبل ببرود وهو جالس بمفرده في مقعده، موجهًا حديثه إلى سوبارو الذي لا يزال يكابد صراعه الداخلي المرير.
وللحظة خاطفة، لم يفهم سوبارو المقصد الحقيقي وراء كلامه، غير أنه سرعان ما أدرك أن ذلك يعبر عن رؤية آبل الصارمة لكيفية التعامل مع لويس.
لقد أكد آبل أن هذه الرحلة ليست لهوًا وعبثًا؛ وما إن نطق بذلك ورمق لويس بعينيه الداكنتين، حتى حبس سوبارو أنفاسه من شدة البرود القاسي الذي لمحه فيهما.
فقد كانت نظرات آبل المصوبة نحو لويس خالية تمامًا من أي ذرة من الدفء أو الرحمة.
كان ذلك دليلًا جليًا على أن آبل لا يرى أي جدوى من إظهار أدنى تعاطف أو اهتمام بلويس؛ فلم تكن في عينيه تختلف عن حجر ملقى على قارعة الطريق أو نبتة برية عابرة.
وجعلت برودة عينيه الخالية من أي دفء سوبارو يدرك تمامًا عواقب الكشف عن هوية لويس الحقيقية.
سوبارو: [――سنأخذها معنا.]
آبل: [――――]
وفور حسم قراره، تحولت تلك المقلتان الداكنتان اللتان كانتا ترمقان لويس لتستقرا على سوبارو. وشعر سوبارو بحدة تلك النظرات وكأنها تنغرز في صدره، غير أنه أطبق على أضراسه وطرد ذلك التوجس من ذهنه.
سوبارو: [طالما أن هذه الرحلة ليست نزهة ترفيهية، فعليكِ إثبات فائدتكِ… هكذا تجري الأمور هنا، أليس كذلك؟]
آبل: [أجل، لا ضير في ذلك إذن. ――وكان يراودني حدس بأنك ستقول أمرًا كهذا.]
سوبارو: […هذا تقييم يصعب عليّ تفسير مغزاه.]
وسواء كان ذلك تعبيرًا عن خيبة أمل أو شعور آخر، فقد تعذر تبينه. وبطبيعة الحال، حرص آبل على ألا يفصح عن مقاصده الحقيقية، بينما خشي سوبارو أن يؤدي النبش في الأمر إلى تغيير موقفه والتراجع عن قراره.
ميديوم: [مهلًا، مهلًا، أفرغتم من حديثكم؟ لويس-تشان، تعالي إلى هنا متى انتهوا من الكلام!]
تاريتا: […أيمكننا ذلك حقًا؟]
مستشعرةً الأجواء المشحونة بالتوتر بين سوبارو وآبل، استأذنت تاريتا قبل أن تلبي نداء ميديوم الصادر من مقعد القيادة. أما آبل فلم يعد يكترث للأمر؛ ورغم أنه قرر اصطحاب سوبارو برفقته، إلا أنه لم يكن راغبًا في تحمل عبء لويس، فآثر تركها تحت رعايتهما.
ميديوم: [حسنًا يا لويس-تشان، أتريدين الإمساك باللجام؟ جربي قيادة ليدي-تشان!]
لويس: [أوو!]
تاريتا: [إياكِ وفعل ذلك!]
وهكذا حظيت لويس بترحيب المرأتين، وإن كانت جلبة صاخبة قد انطلقت فجأة من مقعد السائق. وكان سوبارو هو الوحيد الذي توجس خيفة من لويس منذ البداية، لذا لم يكن في ترحيبهما أي غرابة. غير أن ما كان يقلقه حقًا هو أن اختفاء لويس المفاجئ ربما أثار ذعر ريم وتخبطها بحثًا عنها في غوارال.
آبل: [لا أظن أن تلك الفتاة قادرة على التسلل إلى العربة بمفردها؛ فإن كان ثمة من ساعدها، فلا بد أنه سيوضح حقيقة ما جرى هناك.]
سوبارو: […حسنًا، كلامك منطقي.]
ربما استشف آبل مبعث قلق سوبارو من قسمات وجهه، فبدد مخاوفه ببرود ودون اكتراث. فإن صدق حدسه وكانت أوتاكاتا هي من ساعدت لويس على التسلل، فلا بد أن هذا الخبر قد نُقل إلى ريم والبقية في المدينة.
وبوجوده هو ولويس معًا، تساءل سوبارو عما إذا كان ذلك سيسهم في تهدئة روع ريم وتخفيف قلقها.
سوبارو: [أيهما أفضل يا ترى؛ ألا تدري أين ذهبت، أم أن تعلم بمكان وجودها…؟]
آل: [――؟ بالتأكيد من الأسلم أن تكون معك يا صاح. أعني، مما قالته تاريتا-تشان، يبدو أن المسألة معقدة بينكما قليلًا.]
ومع التقاط آل لتمتماته تلك، ازدادت مشاعر سوبارو ارتباكًا وتشتتًا بفعل كلماته؛ فالعلاقة التي تجمع بين سوبارو وريم ولويس لم تكن بالبساطة التي تبدو عليها للعيان.
سوبارو: […ولكن، معك حق.]
وفيما تراءى له طيف ريم في مخيلته، التمس سوبارو لنفسه عذرًا في داخله؛ فبصرف النظر عن حقيقة لويس، ستظل ريم قلقة على تلك الفتاة. وحتى لو سنحت له الفرصة لمصارحتها بالحقيقة لاحقًا، فسيبدو ادعاؤه كلامًا من طرف واحد ما لم تكن لويس حاضرة.
ولهذا السبب، كان لزامًا عليه أن يحافظ على سلامة لويس.
آل: [يا صاح؟]
سوبارو: [لا، لا شيء سوى… أسدِ لي معروفًا يا آل؛ ――أرجوك، راقب لويس وانتبه لها قدر استطاعتك.]
آل: […ما سر هذا الطلب المفاجئ على أية حال؟ وما خطب هذه الطفلة تحديدًا يا صاح؟]
بدا أن آل، الذي نال نصيبه من عضة يدها للتو، يشعر بنفور من التعامل مع لويس، فأجاب طلب سوبارو بنبرة مترددة متسائلًا عن غايته.
وكان تساؤله طبيعيًا وبديهيًا، غير أن سوبارو تردد لبرهة قبل أن يجيب؛ فإذا تعلق الأمر بآل، فسيكون أسرع تصديقًا لحقيقة لويس من الآخرين.
ومع ذلك، كيف ستكون ردة فعل آل حين يعلم أن لويس هي «مطران الخطيئة»؟ أترى سيعي فداحة الخطر ويتحول إلى سند وناصح يشاركه نفس المخاوف والهموم؟
سوبارو: [――. إن مسها أي مكروه، فستتألم ريم. أرجوك، أنا أناشدك بصدق.]
آل: [――――]
تملكت الحيرة سوبارو، لكنه بعد برهة وجيزة، آثر كتمان الحقيقة في نفسه تمامًا كما فعل مع سائر الرفاق.
وعند سماع جواب سوبارو، صمت آل للحظة، ثم قال:
آل: [أجل، لا بأس. أخشى أن تلتهم ذراعي المتبقية، لكنني سأتدبر أمرها يا صاح.]
وبهذا الرد، استقر آل في المقعد الأمامي للعربة وكأنه استجاب لرجاء سوبارو. ومد ساقيه باسترخاء وكسل وهو يستمع إلى أصوات الفتيات الثلاث اللواتي يثرثرن بحيوية عند مقعد القيادة.
ويمكن القول إن تلك كانت طريقته المعتادة والمألوفة في قبول أي طلب.
سوبارو: [――؟ ما الخطب؟]
وفيما كان يوجه نظره نحو مؤخرة رأس آل، لاحظ سوبارو أن عيني آبل كانتا مصوبتين نحوه بثبات.
كان آبل عاقدًا ذراعيه ومسترخيًا في مقعده، وعيناه السوداوان الغامضتان تعكسان صورة سوبارو، وقد قطب جبينه بلمحة طفيفة من الاستياء.
أثار ذلك ارتباك سوبارو وتوجسه، لذا خرج سؤاله بنبرة حادة ومقتضبة.
غير أن آبل اكتفى بإطلاق همهمة خافتة، «همم»، ولم ينبس ببنت شفة.
سوبارو: […أصلًا أنت لم تكلف نفسك عناء شكري على نجاحي في تخطي نقطة التفتيش تلك من الأساس.]
مفرغًا غيظه من برود آبل ولامبالاته، مرر سوبارو يده على شعره الأسود الطويل، ثم جلس في مقعد يبعد قليلًا عن كل من آل وآبل.
وهكذا تواصلت الرحلة شطر «كايوسفليم، مدينة الشياطين» وسط هواجس وشكوك تلف مصير المستقبل المجهول.
غير أنه، مع تناهي تلك الأصوات المرحة من مقعد القيادة، ولا سيما صوت لويس…
سوبارو: [حقًا، من تظنون المتسبب في كل معاناتي هذه؟]
وابتلعت قعقعة العربة وصوت حوافر الخيل كلمات شكواه بالكامل، فلم تصل إلى مسامع أحد.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ملاحظة الترجمة:
[1] «تشوني» (Chuuni / Chuunibyou): مصطلح ياباني شهير يشير إلى سلوكيات المراهقين المتكلفة الذين يتوهمون امتلاك قوى خارقة أو يعيشون في أوهام العظمة للفت الانتباه، ويُعرف حرفيًا بـ «مرض الصف الثاني الإعدادي/المتوسط».