الفصل 393 - الدرب نحو الأمام
الفصل الثاني والثلاثون
«الدرب نحو الأمام»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
؟؟؟: [كم يلزمك من الوقت لمجرد جلب عامي أحمق واحد؟ أتظن أن قيمة الوقت المتدفق متساوية بيني وبينك؟]
؟؟؟: [لا، ولهذا السبب بالذات أعتذر منكِ…]
وتحت وطأة النظرات الجليدية الصادرة عن سيدته، أطرق آل برأسه في عبوس وامتثاض.
فبمجرد عودته إلى قاعة الاجتماعات برفقة سوبارو، كان ذلك التقريع المذكور آنفًا في انتظاره.
كان المقصد الأصلي لمهمته يكمن في استقدام سوبارو إلى قاعة الاجتماعات، لذا لم يكن تعنيفه على خوض محادثة غير محسوبة أمرًا مجحفًا. لم يكن مجحفًا، غير أن――،
سوبارو: [بريسيلا، أرجوكِ لا تلقي باللائمة على آل هكذا؛ فالذنب ليس ذنبه، بل ذنبي أنا.]
بريسيلا: [همم. لا ريب في أنكما، كبهلوانين، كنتما يواسي أحدكما الآخر بشأن حسرة تافهة لا طائل منها. جبهتك تعلوها الحمرة، أضربت بها عرض الجدار أم ماذا؟]
سوبارو: [أتملكين بصيرة غيبية كالعرافين؟ إنك تصيبين عين الحقيقة بدقة تبعث على الرعب.]
ردت بريسيلا على سوبارو -الذي هبّ للدفاع عن آل- بملاحظة تنم عن اطلاع تام وكأنها عاينت المشهد رأي العين.
لم يكن ذلك المشهد بالمألوف ليخطر ببال أحد بهذه السهولة، لذا لم يملك سوبارو إلا أن يقشعر بدنه إزاء نفاذ بصيرة بريسيلا.
وعلى أية حال――،
سوبارو: [يبدو أن الحديث لم يتقدم قيد أنملة في غيابنا…]
بريسيلا: [بلوغ غاية الحسم ليس بالأمر الهين؛ ففي نهاية المطاف، ألستَ أنت الاستراتيجي العسكري لآبل؟]
سوبارو: [حسنًا، إحم…]
وتحت وطأة نظرات بريسيلا الضيقة التي تكاد تخترقه، اختلس سوبارو نظرة نحو آبل. وردًا على تلك النظرة، لم يُعر آبل -الجالس في مقعده وهو عاقد ذراعيه- أدنى اهتمام لنظرات سوبارو المستفهمة.
لا شك أن آبل كان يضمر الاستياء من معاملة سوبارو كاستراتيجي عسكري، غير أنه بما أعلن ذلك صراحة أمام بريسيلا، فقد تعذر عليه الرجوع في قوله.
ونتيجة لذلك، استحال عليهم اختتام الاجتماع بمعزل عن سوبارو.
سوبارو: [ألم تجنِ على نفسك بسلوكك وتصرفك دون روية؟]
آبل: [أنت أولى بوزن كلامك ورعايته؛ فأعظم الاستراتيجيات قد تُعد حكمة بالغة أو حماقة صلعاء، رهنًا بحسن انتقائك للألفاظ.]
سوبارو: [تندم على معاملتي كاستراتيجي عسكري وتتبجح بكل هذه الجرأة… يا لك من وقح…]
قطب سوبارو حاجبيه إثر رد آبل المتكلف، وأطلق زفرة عميقة.
ثم أدار بصره بين الحاضرين في قاعة الاجتماعات―― آبل، وبريسيلا، وزكر، وتاريتا التي تقلدت منصب الزعيمة حديثًا، ثم أغمض إحدى عينيه.
ففي غياب سوبارو وآل، استعصى عليهم بلوغ أي قرار حاسم.――،
سوبارو: [القرار الذي لم تتوصلوا إليه يتعلق بالتعاون مع بريسيلا، أليس كذلك؟ ما ذُكر آنفًا هو أن لدى بريسيلا حليفًا يُعول عليه.]
آبل: [يبدو أنك تحوز من الفطنة ما يكفي للمواكبة. وبالطبع، هذا جلّ ما أرمي إليه. ――من يحشد أكبر قدر من الجنرالات التسعة الساميين يظفر بالعرش، أتذكر ذلك؟]
سوبارو: [أجل، بلغنا النقطة التي استنتجنا فيها أن «الأول» ما هو إلا عبء ثقيل لعدم جدواه.]
فلو تُرك دون استقطاب وانقلب إلى مغتال، فلن يكون باليد حيلة لردعه. ومن جهة أخرى، إن ضُم لصفوفهم، فلن يُحدث فارقًا يُذكر لمصلحتهم. ولو كانت هذه لعبة محاكاة استراتيجية، لكان وحدة مزعجة تثقل كاهل اللاعب.
شخص مجرد من أي فائدة إن غدا حليفًا، ويتحول إلى سم زعاف إن تُرك في قبضة الخصوم.
سوبارو: [لكن هذا يخص مسألة النصر النهائي، ولا يرتبط مباشرة ببريسيلا ودعم حلفائها، أليس كذلك؟]
بريسيلا: [――همم.]
أطلقت بريسيلا همهمة خافتة من حنجرتها مع تلخيص سوبارو لمجريات الأمور بتلك البراعة.
ولبرهة خاطفة، التمعت في عيني بريسيلا القرمزيتين نظرة فضول بدت غير مألوفة لسوبارو―― استجابة توحي بأنها تبدي اهتمامًا بشخص آخر، والأدهى من ذلك أن هذا الشخص كان سوبارو نفسه.
«لم أرتكب أي صنيع استثنائي»، هكذا جال في خلد سوبارو متأملًا.
سوبارو: [ما الأمر؟]
بريسيلا: [لا شيء، خلتُك منكسر العزم مهزومًا في ذلك الزي، غير أنك قفلت عائدًا بملامح متجددة وبريق مختلف يشع من عينيك. فضلًا عن أن دورتك الدموية تحسنت قليلًا، فغدا مظهرك مغايرًا بعض الشيء.]
سوبارو: […أهذا… إطراء موجه لي؟]
بريسيلا: [لك أن تقفز طربًا وزهوًا إن طاب لك ذلك.]
سوبارو: [لن أتمادى إلى هذا الحد.]
كونها لم تنفِ ذلك يُعد إطراءً بأسلوب بريسيلا الخاص بلا شك.
أطلق سوبارو همهمة ساخرة، متقبلًا الثناء على تبدل عزيمته واسترداد رباطة جأشه.
فصحيح أن الكلمات التي لطالما أسندت ناتسوكي سوبارو قد أُنكرت ونُقضت من فم ريم نفسها، إلا أنه استجمع شجاعته موقنًا أن الوقت لا يحتمل أن تخور قواه وترتعد ركبتاه خضوعًا لذلك.
سوبارو: [حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فالتأخر عن الاجتماع كان يستحق العناء إذن.]
بريسيلا: [أرى ذلك؛ فالمحصلة المترتبة على حديث دار بين بهلوانين تبدو مذهلة. كما أنك تبدي توددًا على غير عادتك يا آل.]
آل: [مهلًا، مهلًا، ليس غريبًا على رجل طيب مثلي أن يُظهر الود لأحد أيتها الأميرة.]
سخرت بريسيلا منه، فهز آل كتفيه متهكمًا وهو يجيب.
ولم يتبين لسوبارو أي الكفتين أرجح بالصواب؛ أقول بريسيلا أم قول آل؟
فبالنسبة لسوبارو، كان آل هو ابن وطنه الوحيد؛ ذلك الذي ربت على ظهره وانتشله من طريق مسدود كاد يخنقه. صحيح أن صورته في ذهنه لم تخلُ من خصال تنفر القلوب؛ إذ عامل سوبارو بجفاء وقسوة في مواقف خلت، ناهيك عن ديدنه في التعامل مع أي معضلة كشأن يخص الآخرين ولا يعنيه.
سوبارو: [يسعني الصفح عن ذلك إن اعتبرته عَرَضًا جانبيًا لقضاء ردح طويل من الزمن في عالم آخر.]
آل: [ألم تتفوه للتو بشيء جارح للغاية يا صاح؟ لعل الأمر مجرد أوهام تخيلتها.]
أمال آل رأسه في حيرة وكأنه عجز عن فهم المقصد، غير أن سوبارو تجاوز الأمر ومضى قدمًا.
فلم يكن تبدل رأي بريسيلا حيال سوبارو، ولا إسهام آل في إحداث ذلك التحول، هما بيت القصيد في هذه اللحظة.
سوبارو: [ما ينبغي لنا فعله هو حسم هذا الجدال… واستجلاء الكيفية التي تعتزم بريسيلا التعامل بها معنا مستقبلًا. لذا دعونا لا نحيد عن صلب الموضوع.]
آبل: [معذرة إذن؛ لم أدرك أن من يشتت انتباهه بأدنى سبب قد أمسى استراتيجيًا عسكريًا.]
سوبارو: [――――]
وفي مواجهة آبل الذي ضيق عينيه امتعاضًا ورد بتهكم، أخرج سوبارو لسانه متجاهلًا إياه، ثم التفت نحو بريسيلا مجددًا يستحثها على متابعة الحديث.
سوبارو: [إذن، ما الذي تنوين فعله؟ سواء حظي آبل بدعم بريسيلا وحلفائها أم لا، فأنا موقن بأنه عازم على شن الهجوم على العاصمة الإمبراطورية في كل الأحوال…]
آل: [سواء أكان ثمة دعم من الأميرة أم لم يكن، فحجم الهجوم سيبقى على حاله يا صاح.]
بريسيلا: [المثير للسخرية هو مدى التناغم والانسجام بينكما كبهلوانين. على أية حال، استنتاجك في محله تمامًا؛ ولهذا، ولكي نمد يد العون مستقبلًا… طرحتُ شرطًا على آبل ليكون برهانًا قاطعًا على أنه جدير بهذا الدعم.]
سوبارو: [شرط؟]
بريسيلا: [أمر في غاية البساطة. ――يجب أن ينضم أحد الجنرالات التسعة الساميين إلى صفكم.]
أمام ملامح سوبارو المتقطبة، ألقت بريسيلا بشرطها كأمر بديهي لا يقبل النقاش.
ولدى سماعه لذلك المطلب المسبق، تمتم سوبارو: «الجنرالات التسعة الساميين…».
لم يكن شرطًا مستحيلًا أو تعجيزيًا على الإطلاق؛ ففي المقام الأول، إن كان المرء يبتغي خوض غمار النزال لاسترداد العرش السليب، فإن استمالة العديد من الجنرالات الساميين يُعد أمرًا لا محيص عنه سلفًا. وما كانت بريسيلا ترنو إليه سوى تلك الخطوة الأولى فحسب.
بل في واقع الأمر، يُعد هذا الشرط نعمة كبرى إن كان استيفاء مقومات النصر البديهية كفيلًا بضم بريسيلا إلى صفهم، أليس كذلك――
سوبارو: [ليس بالشرط الذي يدعو للابتهاج والتهليل، أليس كذلك؟]
آبل: [بالتأكيد؛ فطالما أنني أجهل مصير غوز وما إذا كان حيًا يُرزق، فلا يوجد بين التسعة أي جنرال سامٍ مستعد لاتباعي دون قيد أو شرط. علاوة على ذلك، يندر وجود مجانين أو غريبي أطوار يطيب لهم تجشم عناء خوض معركة خاسرة.]
سوبارو: […إن لم يلمسوا ولو بصيص أمل ضئيل في النصر، فلن يُقدم أحد على الانضمام.]
وبينما كان آبل يشرح مرارة الواقع، قطب سوبارو حاجبيه بملامح يكسوها الوجوم.
إدراك آبل المؤلم لحقيقة وضعه―― إن كانت هيبة الإمبراطور ومكانته عاجزتين عن إقناع الجنرالات التسعة الساميين، فقد كان يتوق للظفر بأكبر قدر ممكن من الدعم من جانب بريسيلا وحلفائها.
فعلى أقل تقدير، كان وجود حليف ثقيل كهذا سيشكل ورقة مساومة رابحة لإقناع الجنرالات التسعة الساميين بالانضمام.
في هذه المرحلة، لم يكن في جعبة آبل سوى القليل ليعوّل عليه: ادعاؤه العريض بأنه الإمبراطور الحق، ونساء شودراك، والقوة العسكرية لمدينة غوارال الحصينة.
سوبارو: [أتساءل إن كانوا سيلقون لنا بالًا حين نعلن أننا سنخوض غمار الحرب ضد الإمبراطورية بمدينة واحدة وقبيلة مفردة.]
آبل: [أولئك المتحالفون مع بريسيلا… إن كانوا برتبة كونت متوسط أو أعلى، فستكون أسماؤهم أوراق مساومة رابحة.]
بريسيلا: [أقول لكما، لا ترجوا مني شفقة؛ ففي جعبتي قدرٌ من السخاء، بيد أنه ليس موجهًا للمتسولين.]
وهكذا، سحقت بريسيلا -وهي تسند ذقنها إلى كفها- آمالهم الواهية بكل بساطة.
وكما أيقنوا سلفًا، فمحالٌ أن تعدل عن رأيها؛ لذا لم يتبقَّ أمامهم سوى مجابهة الشروط المفروضة عليهم مباشرة.
زكر: [مع كامل الاحترام لجلالتكم، ألا يجدر بنا التماس العون من جنرال الرتبة الأولى سيسيلوس؟]
سوبارو: [زكر-سان، وما هي احتمالات نجاح هذا المسعى؟]
عُلّقت الآمال على زكر إثر تلك الكلمات، وخيّم صمت مطبق على أرجاء القاعة. غير أن زكر، وردًا على نظرات سوبارو المترقبة، هز رأسه نافيًا: «لا أمل في ذلك».
زكر: [كما تفضل جلالتكم بالقول آنفًا، بالنظر إلى ميزان القوى الراهن، فإن كل من يراوده التفكير في التعاون معنا لا بد وأنه فاقد لصوابه. ولذلك…]
سوبارو: [ولذلك؟]
زكر: [أخشى أنه لا يسعنا التعويل إلا على أولئك الذين جانبهم الصواب، كجنرال الرتبة الأولى سيسيلوس…]
سوبارو: [آه، إذن زكر-سان يرى أن ذلك الرجل مجنون هو الآخر.]
فسيسيلوس، الذي لم تحظَ سمعته إلا بالقتامة والغرابة، كان جامح الشذوذ لدرجة جعلت زكر يرى إمكانية استمالته إلى صفهم ارتكازًا على جنونه ذاك فحسب.
ومع ذلك، إن انعدمت الخيارات البديلة حقًا، فقد يجدون أنفسهم مضطرين عاجلًا أم آجلًا لمحاولة استقطاب أول وحدة تجلب المتاعب تطرأ على أذهانهم.
سوبارو: [المعضلة هي: أين نجده؟ وأين يستقر ذلك الرجل عادة؟]
آبل: [يقيم ذلك الرجل عادةً في منزل أراكييا بالعاصمة الإمبراطورية.]
سوبارو: [فهمت، في منزل أراكييا… مهلًا، ولمَ هناك تحديدًا؟]
ألقى آبل عبارته تلك ببرود تام، فاستغرق سوبارو بضع ثوانٍ ليستوعب مغزاها.
حتى بريسيلا قطبت حاجبيها امتعاضًا من شذوذ ما سمعته وغرابته.
ومما تناهى إلى مسامعه، كان سيسيلوس هو «الأول»، في حين كانت أراكييا هي «الثانية».
سوبارو: [أيعني هذا أن المدعو سيسيلوس وأراكييا عشيقان أو شيء من هذا القبيل؟]
ولو صحّ هذا الافتراض، لكان الانطباع الذي تركه سوبارو ورفاقه -الذين دحروا أراكييا للتو- في أسوأ درجاته على الإطلاق.
وحينها سيكون سوبارو وفريقه قد ظفروا بعداوة «الأول» و«الثانية» دفعة واحدة.
بيد أن آبل هز رأسه نفيًا إزاء تساؤل سوبارو.
آبل: [لا، ليس الأمر على هذا النحو. فأراكييا تتحين الفرص لقتل سيسيلوس، غير أنه يتعذر عليها بلوغ مبتغاها إن كان من حوله يتضررون في كل محاولة اغتيال تقدم عليها؛ ولهذا أصدرت أمري لسيسيلوس بهذا الشأن.]
سوبارو: [أمرته بماذا؟]
آبل: [طالما أن النزاع واقعٌ لا محالة، فعليه المكوث في مكان ييسر على أراكييا ملاحقته والنيل منه.]
سوبارو: […أفهمتُ حقًا؟]
فحتى مع وجود تفسير جلي، استعصى على سوبارو فهم طبيعة تلك العلاقة الشاذة بينهما.
إذ عجز عن استيعاب تلك العقلية التي تبيح للجنرالات تصفية بعضهم البعض، كما لم يستسغ فكرة الإقامة في منزل شخص يتربص بك الدوائر لقتلك.
وقبل هذا وذاك――،
سوبارو: [كيف يعيش المرء مع شخص يتربص لقتله…؟]
وما إن تفوه بسؤاله ذاك، حتى ساوره إحساس بأنه نطق بشيء غريب ومألوف في آن واحد، غير أنه عجز عن الاهتداء لسر تلك الغرابة، فما لبث أن نفض سوبارو السؤال من رأسه.
على أية حال، بات معلومًا الآن أن سيسيلوس يقيم عادةً في العاصمة الإمبراطورية.
سوبارو: [إذن، فالسبيل الوحيد لضم سيسيلوس إلى صفوفنا يقتضي التوجه إلى العاصمة الإمبراطورية… مهلًا، أأنت واثق من قدرتك على قطع كل تلك المسافة صوب العاصمة الإمبراطورية؟]
آبل: [بالطبع لا؛ ففي ظل الوضع الراهن، إن اقتربتُ من العاصمة الإمبراطورية فلن يختلف ذلك البتة عن السير بقدميّ نحو منصة إعدامي. وفوق هذا كله، لست على يقين حتى مما إذا كان سيسيلوس موجودًا في العاصمة الإمبراطورية من الأساس.]
سوبارو: [إذن فقد سُدت الأبواب في وجوهنا…]
فيما يخص شؤون إمبراطورية فولاكيا، بل وحتى الشؤون العسكرية برمتها، لم تكن معارف سوبارو لتجدي نفعًا.
ومع ذلك، وبما أن زكر —وهو ضابط عسكري متمرس— كان البادئ باقتراح ذلك، فقد كان بالإمكان اعتبارها واحدة من أفضل الأفكار التي تفتقت عنها أذهانهم.
فإن رُفضت تلك الفكرة، أمسى درب آبل محفوفًا بالقتامة.
سوبارو: […ومع ذلك، ليس هذا بالوقت المناسب للبقاء في طريق مسدود كهذا.]
أخذ شعور قاتم وثقيل يفرض سطوته على صدر سوبارو.
كان أشبه بركود مرير، وغصة من العجز المطبق تأبى أن تتبدد حتى لو أدمى جبهته خبطًا بالجدار؛ أثر باقٍ من نبذ ريم لسوبارو ونفض يدها منه.
وجراء ذلك، خسر سوبارو ثقة ريم.
وتحتم عليه التخلص من هذا الركود في أسرع وقت ممكن لاسترداد ثقتها. وفي سبيل ذلك، غدت كل ثانية تُهدر في هذا الجمود خسارة يندى لها الجبين حسرة.
آبل: [――ثمة سبيل.]
غير أن صرير أسنان سوبارو كُبح إثر تلك الكلمات التي ألقاها آبل ردًا.
أغمض آبل إحدى عينيه، واستدار ناظرًا نحو سوبارو الذي رفع رأسه مذهولًا كمن هوت عليه صفعة مباغتة، وتحدث――:
آبل: [كف عن اصطناع هذا الوجه المثير للشفقة؛ فقد سئمت مرآه. في جعبتي خطة.]
سوبارو: [معذرة، لكن هذا الوجه هو أقصى ما أمكنني بلوغه في قائمة تصميم الشخصيات دون شحن رصيد بالمال الحقيقي! ولا يهمني أصلًا التفاوت بين الوجوه وسحرها. ولكن ما مقصدك بأن في جعبتك خطة؟]
آبل: [جزء مستقى من فكرة زكر، وسأقتبس بعضًا منها.]
زكر: [شيءٌ من فكرتي؟ سيشرفني ذلك حقًا، ولكن ما عساه يكون…؟]
قطّب زكر حاجبيه الكثيفين في ارتباك جلي لدى سماعه أن رأيه سيكون موضع إعمال واقتباس.
وشاركه سوبارو حيرته تلك؛ ففي المقام الأول، انحصرت فكرة زكر في استقطاب سيسيلوس، «الأول».
وطالما تعذر عليهم التوجه صوب العاصمة الإمبراطورية، فلن يجدوا بدًا من نبذ تلك الفكرة برمتها، ولم يخطر بباله أن ثمة أي جزء آخر صالح للاستخدام فيها غير ذلك.
وإزاء سوبارو الغارق في تلك الظنون، أطلق آبل همهمة مقتضبة من أنفه: «همم.»
آبل: [لا أملك فرصة للتباحث مع سيسيلوس، لكن زكر تفوه بما مفاده: ――إن وُجد شخص آخر قد فارقه صوابه، فالاحتمال يظل قائمًا.]
زكر: [――هكـ! محال… جلالتكم، هذا انتحار وخطر داهم! أرجوكم أعيدوا النظر في الأمر!]
سوبارو: [إيه؟ إيه؟ إيه؟]
قوبلت كلمات آبل الجريئة بمعارضة مستميتة من زكر الذي امتقع وجهه شحوبًا.
وأمام تلك الاستماتة العارمة من زكر، زاغت عينا سوبارو يمنة ويسرة، وتملكه الذهول مما يدور حوله.
بدا أن زكر فطن فورًا للمقصد، بيد أن الأمر بدا عصيًا على الفهم بالنسبة لسوبارو؛ فوفقًا لمجرى الحديث، يبدو أنهم بصدد مفاوضة شخص مخبول――،
سوبارو: [وهل ثمة من هو أشد خبالًا وجنونًا من جنرال الرتبة الأولى سيسيلوس الذي يمقته الجميع؟]
زكر: [لن أبلغ حد نعته بالجنون! لكن ذلك الشخص خطر إلى أبعد الحدود…!]
آل: […حسنًا، أعي ما ترمي إليه أيها الجنرال الأفرو، لكن وفق مسار الحديث، فالكلام يدور حول أحد الجنرالات التسعة الساميين، أليس كذلك يا صاح؟ وإن أسقطتهم من حساباتك، فهل بقي أحد سواه يُعوّل عليه؟ لسنا في موقف يسمح لك بالتدلل والتخير يا صاح.] [1]
زكر: [هذا حق، ولكن…]
حاصره سوبارو وآل بالكلام من الجانبين، فأذعن زكر وأطبق فمه على مضض والتردد يعلو محياه.
ورؤية زكر دمث الخلق وهو يعتصر حيرة جعلت سوبارو يشعر بنوع من تأنيب الضمير، وكأنهم اقترفوا خطيئة في حقه.
بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في إدارة آبل للمناصب، حيث قلد أشخاصًا مواقع حساسة على نحو لم يدع لزكر سوى التحسر والمعاناة.
كان هذا نموذجًا حيًا لكيفية أن يفضي تنصيب الأفراد استنادًا إلى كفاءتهم المحضة وحدها إلى هكذا مآسٍ.
سوبارو: [من هذه الناحية، كانت لوغونيكا تُدار بحنكة واقتدار… فلم أصادف قط شخصية ذات شأن تتصف بالحقارة… لا، باستثناء ذلك العجوز الخرف الذي تفوه بالسوء عن إميليا-تان، ولكن…]
وفي واقع الأمر عند استرجاع الذكريات، كان ذلك الموقف ناجمًا عن رعب مستحكم ومفرط من «ساحرة الحسد».
في ذلك الحين، كان سوبارو مجرد بطل أرعن يجهل ملابسات الأمور، وخاض غمار التحدي متسلحًا بالتهور الأعمى فحسب. أما الآن، فلو قُدر له مواجهة الموقف ذاته، لكان أرجح عقلًا وأوفر عدة لمجابهته.
وبالطبع، لم يكن خيار التغاضي عن مجابهة أي شخص يسيء لإميليا بسبب سمعتها السيئة مطروحًا في حسبانه البتة.
سوبارو: [إذن، من هو بالتحديد المتسبب في معاناة زكر-سان؟]
آبل: [ما هذه الصياغة الركيكة الحمقاء؟]
رد آبل على سؤال سوبارو بنظرة ممتعضة تعلو محياه، ثم استطرد:
آبل: [نزولًا عند سؤالك، إنها يورنا ميشيغوري، المتمركزة في كايوسفليم، مدينة الشياطين.]
سوبارو: [يورنا ميشيغوري…]
على الرغم من غرابة اسم المدينة، إلا أن اسم تلك الشخصية كان مألوفًا لسوبارو.
فقد كانت يورنا ميشيغوري إحدى قادة «الجنرالات التسعة الساميين» المذكورين في القائمة، وتذكر أن لقبها كان――،
سوبارو: [تُلقب بـ «المتألقة»، أو شيء من هذا القبيل، أليس كذلك؟]
آل: [أنت مذهل يا صاح! لا أدري كيف حفظت الاسم واللقب من أول وهلة.]
سوبارو: [يطيب لي حفظ ألقاب القادة وكبار المسؤولين في المانغا وما شابه. ومع ذلك، فالمدعوة يورنا هذه تكون بالنسبة لزكر-سان…]
وفيما كان ينطق بذلك، اختلس نظرة نحو زكر، فانعقد لسان سوبارو عن الكلام؛
إذ شحب وجه زكر تمامًا، وبات الآن مدفونًا بين راحتي يديه.
زكر: [السابعة بين الجنرالات التسعة الساميين، جنرال الرتبة الأولى يورنا ميشيغوري…]
سوبارو: [أتبلغ خطورتها هذا الحد؟ حسبتُ الاسم أنثويًا رقيقًا، ولكن…]
فلو صحّ انطباعه، لكانت امرأة يرتعد منها حتى زكر؛ المشهور بكونه «زير النساء»، والذي تعامل بنبل تام وفروسية أصيلة حتى مع سوبارو وهو ليس سوى فتى يتنكر بزي امرأة.
ولم يكن بوسعه حتى تصور أي هول سيتمخض عن لقائها، غير أن――،
زكر: [إنها حسناء فاتنة، وأكاد أجزم أن الجميع يشاطرني الرأي في ذلك ولا يقتصر الأمر عليّ وحدي. بيد أن لدى جنرال الرتبة الأولى يورنا مشكلة يسيرة… لا، بل ليست بيسيرة، وإنما معضلة لا تغتفر.]
سوبارو: [حسنًا، وما تلك المعضلة؟]
زكر: [――إنها التمرد والعصيان.]
سوبارو وآل: [إيه؟]
تلاقت نبرات سوبارو وآل دهشةً مع صوت زكر فيما تدفقت الكلمات من بين شفتيه.
ووسط ذهول سوبارو الذي راوده الشك في أن أذنيه قد خانتاه، غطى زكر وجهه بكفيه وواصل حديثه بنبرة مرتعشة:
زكر: [فجنرال الرتبة الأولى يورنا ميشيغوري أعلنت العصيان مرات لا تحصى، وشكلت تهديدًا مستمرًا لعرش الإمبراطور فينسنت فولاكيا.]
سوبارو: [لا يعقل أبدًا تنصيب شخص كهذا في منصب جنرال بالجيش!]
دوى صوت سوبارو الساخط في أرجاء قاعة الاجتماعات للمرة الثانية.
△▼△▼△▼△
بريسيلا: [――يبدو أن هذه القضية قد بلغت منتهاها.]
فبعد قضاء ردح من الوقت في الاستماع لتلك التفاصيل السخيفة عن الجنرالات التسعة الساميين، وإثر صرخة سوبارو الحانقة، ارتأت بريسيلا أنها قد شهدت ختام هذا الجدال، وفتحت مروحتها بطقطقة حادة.
وللحق، كان ذلك استنتاجًا رغب سوبارو في نقضه والاعتراض عليه، غير أن――،
آبل: [لا خيار سواه؛ فحتى اللحظة الراهنة، الوحيدة من بين الجنرالات التسعة الساميين التي يُرجى انضمامها إلينا هي يورنا ميشيغوري.]
سوبارو: [ألم تعلن التمرد ضدك لأنها تمقتك من الأساس…؟]
زكر: [لا، في واقع الأمر، ليس هذا دقيقًا تمامًا… فعلى الأقل يستحيل عليّ شخصيًا إدراك كنه ما يدور في خلدها.]
سوبارو: [إن قال زكر-سان ذلك، فلا ريب في صحة كلامه إذن…]
وأمام إفادة زكر الجدير بالثقة، لم يجد سوبارو بدًا من التراجع عن شكوكه.
وعند سماع ذلك، شخر آبل مستنكرًا وتحدث:
آبل: [ما سر هذا الانقياد الأعمى والاستعداد المفرط للأخذ برأي زكر دون سواه؟]
سوبارو: [حتى وإن تشابه الرأي، فإن هوية القائل هي الأهم. أتظن أنك تحظى في نفسي بمصداقية تفوق ما يحظى به زكر-سان؟]
آبل: [فهمت مرادك. ولكن ماذا عساه يحدث لو لاقى زكر حتفه؟]
سوبارو: [حتى وإن كان ذلك مجرد افتراض نظري، فسأقضي عليك بيديّ هاتين!]
كال سوبارو الشتائم لآبل لتفوهه بأمر مثير للريبة والاضطراب كهذا.
فبالنظر إلى مقدار ولاء زكر المطلق، لو أمره آبل بإزهاق روحه، لربما أقدم على الانتحار بجدية تامة. وكان سوبارو يبذل قصارى جهده لتفادي وقوع كارثة كهذه.
وعلى أية حال――،
سوبارو: [دعنا من هذا الهراء، أين تقع «كايوسفليم» تحديدًا؟ أهي بعيدة عن غوارال؟]
آبل: [ليس من حيث الموقع الجغرافي؛ وهذا سبب إضافي يجعلها وجهة ملائمة للتوجه صوبها. فهي تقع إلى الجنوب الشرقي من هنا… وجنوب غابة بودهايم.]
سوبارو: [فهمت، يبدو الأمر منطقيًا حقًا…]
بعد أن عاين سوبارو الموقع على الخريطة المبسوطة على الطاولة، اقتنع بشرح آبل.
تقع «كايوسفليم» جنوب الغابة التي تقطنها نساء شودراك―― وكانت المسافة تفوق تلك الفاصلة بين الغابة وغوارال، غير أنها ظلت وجهة أكثر واقعية بكثير مقارنةً بقطع الدرب نحو العاصمة الإمبراطورية أو الأراضي الواقعة في أقصى الغرب.
سوبارو: [وهناك أيضًا علّة تسميتها بـ «مدينة الشياطين»…]
بريسيلا: [اطمئن أيها العامي الأحمق؛ فالسبب ليس مما قد يسحق فؤادك الواهن. إنها مدينة تساكنت فيها شتى الأعراق في فوضى عارمة منذ غابر الأزمان. فإمبراطورية فولاكيا تأوي تنوعًا عرقيًا أوسع بكثير مقارنةً بلوغونيكا، بيد أن «كايوسفليم» تشهد خليطًا شديد التباين على وجه الخصوص.]
سوبارو: [في فوضى عارمة… وتُدعى مدينة الشياطين.]
ومذ قيل ذلك، بات اقتران لفظ “الفوضى” (Chaos) باسم مدينة يُقال إنها تعيش في فوضى أمرًا منطقيًا للغاية. [2]
وبالنظر إلى كون هذا العالم عالمًا آخر، فالأرجح أنها لم تكن سوى محض مصادفة.
آبل: [――في مدينة الشياطين، سأضم يورنا ميشيغوري، السابعة بين الجنرالات التسعة الساميين، إلى صفوف جيشي. وحين يتأتى ذلك، فأنا موقنٌ بأنكِ ستلينين وتفتحين قلبكِ للتعاون… يا بريسيلا.]
بريسيلا: [لا ضير في ذلك؛ فصدري يتسع للكرم، ولن أزيد شروطًا بعد انقضاء الأمر.]
سوبارو: [حسبتكِ تفوهتِ آنفًا بأن رصيد سخائكِ قد نفد للمتسولين… لا، لا عليكِ.]
وتحت وطأة نظرة بريسيلا الصارمة التي سُلطت نحوه، سحب سوبارو تعليقه الفضولي على الفور.
وهكذا، ما إن استقرت معالم الخطة كما ينبغي――،
؟؟؟: [――آبل، أرجوك أن تصطحبني معك.]
سوبارو: [تاريتا-سان؟]
نهضت تاريتا فجأة والتمست ذلك من آبل.
كانت تاريتا قد جلست لتحل محل كونا في الاجتماع، غير أنها لم تنبس ببنت شفة قبل هذه اللحظة.
ولعلها كانت ترزح تحت وطأة الارتباك جراء تنصيبها المباغت زعيمةً للقبيلة، بيد أن محياها كان يشي بإلحاح واضطراب شديدين وهي ترمق آبل بنظراتها.
وردًا على رجائها، ضاقت عينا آبل الداكنتان.
آبل: [وما الذي تنوين فعله هناك؟ لقد ورثتِ لقب زعيمة نساء شودراك عن أختكِ؛ وذلك واقع لن يبدله مقدار ثقتكِ بنفسكِ من عدمه.]
تاريتا: [أعلم، أعلم ذلك جيدًا… لا يسعني رد المنصب الذي قلدتني إياه أختي الكبرى، غير أنني لست بالقوة الكافية لقيادة نساء شودراك…]
أطرقت تاريتا ببصرها نحو الأسفل وهي تعض على شفتها متأملة كفيها.
وفي كفيها الخاويتين، لم تكن تقبض سوى على ذات الغصة التي سكنت قلب سوبارو―― ألا وهي شعلة العجز والوهن التي تكوي صدرها.
تاريتا: [لأنني بحاجة… إلى فرصة تجعلني أتقلد منصب الزعيمة بفخر واعتزاز.]
آبل: [――. أهذا هو مبتغاكِ من وراء الارتحال إلى كايوسفليم؟]
تاريتا: [نعم، هو كذلك… ألا يُعد هذا مسعى وجيهًا؟]
خبت نبرة تاريتا وتلاشت قوتها، وكأنها نفضت يدها من الثقة بنفسها بمجرد التفوه بذلك.
بيد أن سوبارو كان يستشعر بوضوح ماهية القلق الذي ينهش صدر تاريتا وحقيقته الدفينة.
فإثر التبدل المباغت في زعامة القبيلة، أُقحمت تاريتا في واجهة القيادة دون أن توقن بامتلاكها القوة التي تليق بهذا المقام الرفيع.
لذا، جل ما كانت ترنو إليه هو نيل تجربة مظفرة تُكلل بالنجاح؛ أن تصنع بيديها إنجازًا كافيًا ليرضى به ضميرها، وبرهانًا يدفعها لليقين بأنها أهلٌ لتلك المكانة.
――وكان هذا عين ما ينشده سوبارو في لحظته الراهنة.
سوبارو: [آبل، أنا أؤيد مسعاها؛ فحتى لو خلفت ميزيلدا-سان بمثل هذا الاضطراب النفسي، فلا أظن أن تاريتا-سان ستقوى على إظهار كامل كفاءتها…]
آبل: [――――]
سوبارو: [وفوق ذلك، سنكون بحاجة إلى مرافق أو حليف في دربنا على أية حال، أليس كذلك؟ ونحن ندرك جيدًا ما تستطيع تاريتا-سان فعله؛ فنحن رفاقٌ اقتحمنا… المدينة سويًا ونحن متنكرون بزي النساء.]
تاريتا: [ناتسومي…]
ورغم أنه تلعثم وبدل عبارته في منتصف الكلام، إلا أنه أوصل مراده بوضوح.
وبدت تاريتا متأثرة للغاية بموقف سوبارو ووقوفه إلى صفها. فقد كان مستوعبًا لمعاناتها وجهدها المضني بمرارة، ولذا رغب بصدق في مؤازرتها.
آبل: [وما عسى نساء شودراك فاعلات في غيابكِ؟]
تاريتا: [سأدع أختي تتولى مقاليد الأمور لفترة وجيزة، وستعاضدها كونا وهولي كثيرًا؛ فلأجل حماية غوارال، لا يسعنا تحريك أعداد غفيرة من مقاتلاتنا.]
آبل: [إذن فقد أمعنتِ التفكير إلى هذا الحد بينما لزمتِ الصمت؟]
وبعد أن أنصت آبل لإجابة تاريتا المباشرة، قيّم ما جال في خاطرها.
ثم نقر آبل بإصبعه خفيفًا على صدغه:
آبل: [لن يتوجه صوب كايوسفليم سوى ثلة قليلة. وبطبيعة الحال، طالما أنني سأجتمع بـ يورنا ميشيغوري، فإن حضوري أمرٌ لا مناص منه، غير أننا لن نشن هجومًا.]
سوبارو: [على الأكثر، لن يسعنا اصطحاب سوى حارس واحد…]
آبل: [إذن سأضمكِ إلينا يا تاريتا. أما البقية――]
؟؟؟: [――كنتُ أصغي إليكم طوال الوقت!]
وفي منتصف جملة آبل، فُتح الباب على مصراعيه بقوة هائلة، واندفعت قامة مفعمة بالحيوية إلى الداخل.
لقد كان فلوب أوكونيل؛ ذلك التاجر الطيب الذي لم يتردد في نعت الإمبراطور بصديقه الجديد جهارًا، ولم يتهيب صفاقة مقاطعة كلمات ذلك الإمبراطور بعينه.
أطلق فلوب همهمة واثقة من أنفه وهو يستقطب أنظار كل من في القاعة نحوه.
فلوب: [آنسة تاريتا، كم تثير حماستكِ وتطوعكِ لخوض هذه المهمة العسيرة إعجابي! أرى أنه لأمرٌ رائع أن تشقي سبيلكِ الخاص لمجابهة هذا الدور الجسيم الذي داهمكِ فجأة…!]
تاريتا: [آه، شكرًا لك، شكرًا جزيلًا يا فلوب…]
فلوب: [أود تقديم مقترح يكفل سلامتكِ أنتِ ورئيس القرية-كن أثناء الطريق. ――أرى أنه لمن الحكمة أن تصطحبوا شقيقتي ميديوم معكما!]
ورفع فلوب سبابته عاليًا مؤكدًا كلامه بحزم.
وكاد سوبارو أن يومئ برأسه موافقًا دون وعي لجرف حماسه، بيد أنه حين تمعن فيما تفوه به، بدا اقتراحه مباغتًا للغاية.
سوبارو: [إذن، ما الذي يدور في خلدك بالضبط؟]
فلوب: [أجل، أجل، هذا هو السؤال المنشود! والآن دعوني أسرد عليكم جميعًا مسوغات ترشيحي لميديوم! أولًا: هي مقاتلة بارعة، وثانيًا: فاتنة وجذابة، وفوق هذا وذاك: عذبة اللسان ولبقة الحديث!]
سوبارو: [عذبة اللسان…!]
فلوب: [حديثها عذب ونطقها فصيح، فلن تشعروا بوحشة في أسمار السفر إطلاقًا! كما أنها لا تعرف الخجل، لذا يسهل عليها الانسجام مع أي كان. ما رأيكم، أليست درة نادرة؟]
أفاض فلوب في كيل المديح لأخته مبرزًا بياض أسنانه في ابتسامة عريضة، غير أن ثلثي مزاياها التي استعرضها بثقة انصبت على خصال ميديوم الاجتماعية الودودة، بينما تمثلت ميزتها الفعلية الوحيدة في كونها «ماهرة».
وفي واقع الأمر، كان سوبارو قد تيقن بنفسه من صحة تلك النقطة بالتحديد، غير أن――،
سوبارو: [لكن، هل فاتحتَ ميديوم-سان بهذا الشأن أصلًا؟]
فلوب: [لا، لم أفعل! بيد أنني سأخبرها بالخبر في التو واللحظة، فالأمور على ما يرام!]
سوبارو: […أهذا تصرف صائب حقًا؟]
فلم يكن الأمر مجرد مشورة بشأن رحلة ترفيهية أو وعدٍ بنزهة ممتعة؛ إذ سيُلقى بها في خضم مهمة محفوفة بالمخاطر تكون فيها حياتها على المحك، فهل يُجدي إخطارها بعد فوات الأوان؟ ولو أفضى هذا إلى تصدع العلاقة بين الشقيقين، فسيكون ذلك محزنًا لسوبارو بحق.
ومع ذلك، ساوره توجس بأنه قادر على تصور المشهد وهما يضحكان ويتقبلان الأمر برحابة صدر كالمعتاد.
سوبارو: [بافتراض أن ميديوم-سان وافقت ولم تمانع، فما رأيك أنت يا آبل؟]
آبل: [――. لقد عاينتُ بنفسي كفاءتها ومهارتها، وإن أدت واجبها المنوط بها، فلا اعتراض لدي.]
فلوب: [إذن فلتطمئنوا! فشقيقتي تبذل كل ما في وسعها في كل ما يُسند إليها من مهام! لكن توخوا الحذر؛ فهي لا تبالي ولا تكترث إن لم يُطلب منها ذلك صراحة.]
وضع فلوب يديه على خاصرتيه، وأطلق ضحكة مرحة: «هاهاهاها!».
وقد تبيّن ذلك جليًا من أسلوب حديثه، ومن موقف آبل الصامت: ――هذه المرة، لن يكون فلوب في عداد الرفاق المتوجهين إلى كايوسفليم.
سوبارو: [لكن… ميديوم-سان ليست مضطرة للذهاب معنا، كما تعلم.]
فلوب: [لا تكن ساذجًا يا الزوج-كن؛ فلدي غاية من وراء ذلك. ثمة ثأر لابد من استيفائه، وانتقام يتحتم إنفاذه.]
سوبارو: […أوه، صحيح.]
كانت تلك كلمات مريبة وخطيرة تنطلق من شفتي فلوب، غير أن سوبارو أيقن أنها لم تنبع قط من سريرة خبيثة، بل كانت مصوبة نحو مظلمة شنعاء وعبث لا يُطاق عجز حتى فلوب البشوش عن الصفح عنه.
نقاء سريرة فلوب وطيبته الاستثنائية التي لم يشهد سوبارو لها مثيلًا في هذا العالم الآخر―― كانت هي العروة الوثقى التي جعلت سوبارو يمحضه ثقته ويقضي أيامه برفقته حتى هذا اليوم.
فلوب: [الأمر سيان بالنسبة لأختي؛ فأنا وهي نتقاسم ذات الغاية، ونسلك الدرب نفسه. ولو تخليتُ عنك، وعن الزوجة-سان، وعن رئيس القرية-كن هنا، فلن أستطيع أن أرفع رأسي عاليًا بعد الآن.]
سوبارو: [――. سأبكي تأثرًا؛ كدت أقع في غرامك.]
فلوب: [هاهاها، سماع هذا يخلع الفؤاد منك يا الزوج-كن وأنت بهذه الحلة! لكن إياك والإقدام على ذلك، ففي هذا إجحاف بحق الزوجة-سان! ومع ذلك، سأقبل مشاعرك بصدر رحب!]
حتى أسلوبه في التعامل مع الموقف اتسم بالشهامة واللباقة، فلم يملك سوبارو إلا أن يكبر ذلك فيه.
وعلى الأرجح، ستكون ميديوم على أتم استعداد للنزول عند رغبة أخيها فلوب؛ وبعبارة أخرى، ستكون ميديوم إحدى رفقائهم في رحلتهم المرتقبة صوب كايوسفليم.
فلوب: [آنسة تاريتا، كوني رفيقة طيبة لأختي. ها، طالما أنكِ انسجمتِ معي على خير وجه، فأنا موقنٌ بأنكِ ستنسجمين مع أختي بالقدر ذاته!]
تاريتا: [أ-أجل… وأنت أيضًا اعتنِ بنفسك…]
فلوب: [همم؟ أجل، سأبذل قصارى جهدي برفقة زكر-سان وسائر نساء شودراك!]
ضرب فلوب على صدره بثقة، فيما تململت تاريتا مطرقةً ببصرها نحو الأسفل في حياء.
وعلى محياه ارتسمت ابتسامة، قبل أن يتنحنح سوبارو مستدركًا:
سوبارو: [بالمناسبة، ماذا عني أنا…؟]
آبل: [سأدعك خلفي هنا.]
سوبارو: [――هكـ.]
آبل: [أحسبتَ حقًا أنني سأتفوه بمثل هذا؟]
وحين حاول سوبارو الاستيضاح، باغته آبل بمزحة سمجة سقيمة.
ورغم استشاطته غيظًا، إلا أن رد فعله بدا كمن يستميت ليُصطحب معهم؛ لذا بذل سوبارو غاية وسعه ليكبح جماح نفسه، ولزم الصمت وهو يصر على أسنانه حنقًا.
مبتسمًا بتهكم على سوبارو، استهل آبل قائلًا: «غير أنه لسوء الحظ،»
آبل: [أنت غدوت ورقة مساومة بالفعل؛ فطالما أن استمالة يورنا ميشيغوري أمرٌ حتمي بالنسبة لنا، فلن يُعقد أي تفاوض بمعزل عن حضورك.]
سوبارو: [سأسدد لكمة محكمة لصدغك حتمًا ما إن ينجلي غبار هذه المعمعة، لكن… أنا ورقة مساومة؟]
آبل: [فسقوط غوارال كان من تدبيرك وتخطيطك، وتلك الملابسات ستشيع وتُعرف عما قريب؛ وسأحرص بنفسي على إذاعتها.]
سوبارو: [ماذا؟]
لم يستوعب سوبارو مغزى كلمات آبل، وتملكه الارتباك؛
فلا ريب في أن سقوط المدينة الحصينة كان بموجب خطة سوبارو، غير أنه لم يتبين الجدوى من تجشم عناء إشاعة ذلك الأمر ونشره.
ففي الأصل، كان الاستخفاف به والتقليل من شأنه هو نقطة انطلاق ناتسوكي سوبارو وقوته الدافعة دومًا.
بريسيلا: [――يتعين علينا حملها على الاعتقاد بوجود شخص آخر يُرجى نفعه ويُعتد به إلى جانب آبل.]
كانت بريسيلا هي من انبرى للإجابة عن تساؤل سوبارو دون مواربة.
ومع التقاطه لكلماتها، أخذ الإدراك يتسرب رويدًا رويدًا إلى عقل سوبارو.
بريسيلا: [وبطبيعة الحال، لا يقتصر الأمر على هذا العامي الأحمق فحسب؛ فنساء شودراك من غابة بودهايم، والمدافع عن مدينة غوارال الحصينة: جنرال الرتبة الثانية زكر عثمان، يمثلون بالمثل أوراقًا رابحة للتفاوض. بيد أن الورقة الأثمن بينهم ستكون…]
آبل: [الاستراتيجي العسكري الذي دبر إسقاط المدينة الحصينة… كما أسلفتُ القول. ففي الإمبراطورية، يُبجَّل الأقوياء؛ والمسألة لا تقتصر على القوة الغاشمة المجردة، بل تشمل الدهاء والفطنة كذلك.]
سوبارو: [――――]
تلك كانت العلة التي جعلت لـ ناتسوكي سوبارو قيمة ووزنًا، وهو ما أكده آبل وبريسيلا قاطعين به الشك.
وللحق، من منظور سوبارو الشخصي، كان هذا تقييمًا معقدًا وشائكًا إلى أبعد حد.
فمن جهة، ساوره الحرج والقلق إزاء هذا الثناء الباذخ؛
ومن جهة أخرى، بدا الأمر وكأنه مبالغة مجحفة في التقدير. وفي واقع الأمر، رغم هذا الإطراء العريض، فقد خسر سوبارو ثقة ريم، وشعر وكأن الأرض تميد من تحت قدميه.
فمهما تعاظمت مكانته ونال من التبجيل في الإمبراطورية، فلن يعدل ذلك قيد أنملة أمام استرداد ثقة ريم.
ولهذا السبب، لم يظفر تقييم آبل وبريسيلا بأي صدى يُذكر في فؤاد سوبارو.
غير أن――،
سوبارو: [إن كنتُ ذا نفع، فلا بأس؛ استغلوني كما يحلو لكم. ولكن في المقابل…]
آبل: [في المقابل؟]
سوبارو: [عليك استرداد عرش الإمبراطور حتمًا، وأن تعيدنا إلى ديارنا سالمين غانمين.]
صرح سوبارو بحزم بأن هذا هو الشرط الوحيد الذي لن يقبل فيه أدنى مساومة.
ولدى سماعه لذلك، اتسعت عينا آبل قليلًا، ثم أطلق زفرة ممتدة.
آبل: [لا حاجة لتذكيري بذلك. ――فهذا عين ما يتعين عليّ إنجازه.]
وهكذا كان جوابه.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ملاحظات الترجمة:
[1] هذا ليس تصرفًا أدبيًا في الترجمة، فـ آل يخاطب زكر حرفيًا بلقب «الجنرال الأفرو» (アフロの将).
[2] اسم مدينة «كايوسفليم» (Chaosflame) يتألف من كلمتين بالإنجليزية: «chaos» (فوضى) و«flame» (لهب / شعلة)، أو ربما frame. وهذا هو التلميح اللفظي الذي عناه سوبارو هنا.