الفصل 391 - البطل المزعوم ناتسوكي سوبارو
الفصل الثلاثون
«البطل المزعوم ناتسوكي سوبارو»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
بدت ملامح ميزيلدا صارمة وحاسمة وهي تعلن تنحيها عن منصب الزعامة.
لم تخبُ سطوة جمالها البري ونظرات عينيها الثاقبتين، وظلت تمامًا كما عهدوها في أول لقاء لهم بها. وفي السراء والضراء، بقي الانطباع الراسخ عنها كامرأة باسلة قوية الشكيمة كما هو دون تغيير.
وفي ظل هذا الحضور المهيب، وبعد أن فقدت ساقها اليمنى، قررت ميزيلدا التخلي عن سدة زعامة القبيلة.
الجميع: [――――]
أما أولئك الذين أحاطوا بميزيلدا، فقد اعتصرت قلوبهم لوعة الحسرة والأسى.
فنساء شودراك، أولئك اللواتي عاينّ عن كثب بأس ميزيلدا، زعيمتهن المطلقة، لم يكن بمقدورهن نزع مرارة الفقدان والأسف من صدورهن بتلك السهولة.
ازدادت كونا جمودًا بملامحها الخالية من أي تعبير لتضاعف من برودتها المعتادة، وإلى جوارها وقفت هولي التي تبدد استرخاؤها المألوف ليحل محله وجومٌ قاتم. أما أوتاكاتا، التي ترقرقت الدموع في عينيها، فعضت على شفتها وأطرقت برأسها نحو الأرض، في حين كست مشاعر الكآبة وجوه سائر نساء شودراك الأخريات.
ومع ذلك، كانت الأكثر اضطرابًا وتأثرًا من بينهن جميعًا هي――
تاريتا: [أوه، أختي… هذا مستحيل. محال لشخص مثلي أن يغدو زعيمة صالحة…]
ميزيلدا: [――تاريتا.]
تاريتا: [لأنكِ أنتِ بالذات يا أختي كنتِ قادرة على فعل ذلك! أما أنا فلا أمتلك الكفاءة للنهوض بأمر كهذا مطلقًا…]
وهي تهز رأسها رافضةً بشتى السبل، أخذت تاريتا تتوسل بذعر ولوعة.
فقد كان من البديهي استشفاف مدى إجلال تاريتا -الشقيقة الصغرى التي اختارتها ميزيلدا بنفسها لتكون الزعيمة التالية- لأختها الكبرى وتبجيلها إياها لدرجة تقارب التقديس، وهو ما تجلى في كل كلمة وفعل صدر عنها في أيامهما معًا.
ولهذا السبب تحديدًا، كانت تاريتا في حالة إنكار تام، عاجزة عن استيعاب حقيقة أن ميزيلدا قد خسرت ساقها، وبدت مهتزة ومفجوعة أكثر مما بدت عليه ميزيلدا نفسها.
ريم: […كل هذا حدث جراء قصور حيلتي.]
قوبل توسل تاريتا المكلوم بصوت خافت واهن يقطر لومًا للذات.
انبعث الصوت من أقصى الغرفة التي اكتظت بأجساد الجرحى، من ريم التي كانت تقف وهي ترتعد إعياءً، متكئة على عكازها لتسند جسدها المنهك.
لقد كانت الشخص الوحيد في هذا المكان القادر على استخدام سحر الشفاء. وسعيًا منها لبذل وسعها وتقديم العون، ظلت ريم تروح وتجيء بلا هوادة، تتنقل بين المصابين واحدًا تلو الآخر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولم يكن بوسع المرء سوى أن يستشف من ثيابها الملطخة بالدماء، وشعرها المشعث، وملامح وجهها المستنزفة، كم كان هذا الجهد مضنيًا ومهلكًا لها.
ومع ذلك، لم تكترث صاحبة الشأن لنفسها قط، حتى إن كلمات الامتنان التي وجهها إليها سوبارو في البداية قوبلت منها بعبارة مقتضبة صادّة: «أنا بخير».
ورغم ذلك، لم يكن لأحد في هذا الوجود حق لوم ريم على نضوب طاقتها وقصور حيلتها؛ فلولاها، لما خرجوا من وطأة هجوم أراكييا دون أن تسيل روح واحدة إلى حتفها. كان الجميع يدرك تلك الحقيقة جيدًا.
ولذلك――،
ميزيلدا: [ريم، لا داعي لأن تشغلي بالكِ بالقلق. لقد كان من حسن حظي أن أخرج من مواجهة ذلك الجنرال الإمبراطوري بخسارة ساق واحدة لا غير… لا، بل الفضل في ذلك يعود لنجدتكِ لي.]
ريم: [ميزيلدا-سان… قد يكون الأمر كذلك، لكن――]
ميزيلدا: [أنا ممتنة لكِ، ولا مزيد لديّ على قولي هذا.]
قُطعت الطريق على ريم لمواصلة الحديث، مع تكرار ميزيلدا لكلمات شكرها وامتنانها بحزم.
وفي تلك اللحظة، تشبثت لويس -بشعرها الأشقر الطويل المنسدل في فوضى- بجوار ريم الصامتة والتصقت بها. وفيما أخذت الصغيرة تعبث برفق في حاشية ثوب ريم، خفضت الأخيرة بصرها بهدوء، ووضعت يدها مطمئنةً على كتف لويس.
كانت لوعة الندم والعجز اللذان خنقا ريم جليين بصورة مؤلمة لسوبارو. لكن الرجل الوسيم ذا الشعر الداكن تقدم للأمام بادرًا بالحديث قبل أن تسنح الفرصة لسوبارو للتفوه بشيء.
آبل: [ميزيلدا، لا نية لديكِ في الرجوع عن قراركِ، أليس كذلك؟]
قوبل سؤال آبل وهو يخطو للأمام بإيماءة موافقة من ميزيلدا التي كانت تستند في جلستها.
وبينما كانت تتحسس بأصابعها سطح ساقها المبتورة الملفوفة بالضمادات، قالت:
ميزيلدا: [أجل، لا نية لدي لتغييره. سيظل الميثاق المبرم بين شودراك وإمبراطور فولاكيا ساريًا ومرعيًا. لكن بدءًا من هذه اللحظة، عليك التفاهم مع تاريتا… أو بالأحرى، الزعيمة.]
آبل: [――. فهمت. ميزيلدا، لقد أسديتِ صنيعًا عظيمًا.]
ميزيلدا: [مم.]
حزمت ميزيلدا أمرها على التنحي، وأبدى آبل تفهمه لقرارها وهو يعقد ذراعيه. وعندها، أطلقت ميزيلدا زفرة خفيفة وعلت ثغرها ابتسامة عريضة.
وبابتسامة يغمرها التحدي، رمقته بنظرة إلى الأعلى وقالت:
ميزيلدا: [طالما أن الأمور ستمضي هكذا، فأرني ابتسامتك؛ فتلك شيمة الرجال الوسماء.]
آبل: [――. همم.]
ميزيلدا: [يفي هذا بالغرض.]
ورغم أنها فقدت ساقها للتو، إلا أن بأس ميزيلدا وشراستها لم تتبدد قط.
وحتى آبل، على ما عُرف عنه من كبرياء وغطرسة، لم يعنفها على جرأتها تلك، بل لاحت ابتسامة خفيفة على محياه تجاوبًا مع موقفها.
وقبل كل شيء، كان ذلك برهانًا ساطعًا على أن الإمبراطور المسلوب العرش يكنّ تقديرًا خالصًا لهذه المحاربة التي نشأت في أحضان الغابة.
ومن ثم――،
ميزيلدا: [――أنصتن إليّ، يا نساء عشيرتي!]
تجهمت أسارير ميزيلدا التي كانت مبتسمة قبل قليل، ورفعت رأسها لتصدح بصوت جهوري صارم.
وعند سماع نبرتها المهيبة، انتصبت قامات نساء شودراك جميعًا للإصغاء بانتباه جليل.
ميزيلدا: [كما أسلفتُ القول، فقد أديت واجبي كزعيمة إلى منتهاه! والآن، أسلّم مقاليد الزعامة لأختي تاريتا! فلتطعن تاريتا بدءًا من الآن فصاعدًا!]
نساء شودراك: [――――]
ميزيلدا: [هذا هو أمري الأخير كزعيمة لكنّ. ――شكرًا لكنّ على صون عهود الأسلاف وكبرياء الأجداد.]
نساء شودراك: [――شكرًا لكِ!]
أنهت ميزيلدا كلماتها، وبدا وكأن نساء شودراك يتلون ترنيمة مأثورة بصوت واحد.
لم يكن سوبارو على دراية بعاداتهن أو تقاليدهن العريقة، لكن حتى بالنسبة له -وهو الغريب والجاهل بأعرافهن- كان بوسعه أن يستشعر أن ما يشهده ليس سوى طقس انتقال الزعامة؛ طقسٌ موجز، متجرد من الرسميات، ومزيجٌ من التوارث العملي والرمزي.
وهنا في هذا المكان بالذات، انتقلت سدة زعامة نساء شودراك رسميًا من ميزيلدا إلى تاريتا.
تاريتا: [أختي…]
ميزيلدا: [ارفعي رأسكِ ولا تنكسيه أبدًا أيتها الزعيمة! فترددكِ ترددٌ لنا جميعًا، وتزعزع خطاكِ عثرةٌ لنا، وموتكِ هو هلاكنا المحتوم.]
تاريتا: [――――]
اقتربت ميزيلدا من الزعيمة الجديدة تاريتا تشحذ همتها، بينما ظلت ملامح الأخيرة معتمة يكسوها الاضطراب.
لم يكن لتلك الكلمات أن تبدد كرب تاريتا في التو واللحظة، غير أنها أدركت يقينًا أن تشبثها الباكي بأختها لن يغير من واقع الأمر شيئًا.
وبعد برهة وجيزة من الصمت، أومأت تاريتا برأسها في خفوت وانكسار.
ميزيلدا: [――――]
وتلك المشاعر المتباينة والمعقدة التي ومضت في عيني ميزيلدا إثر ذلك المشهد، غابت تمامًا عن تاريتا المطأطئة رأسها. ――وكانت شيئًا لن ينبس به أحد سواها.
△▼△▼△▼△
سوبارو: […لأصدقك القول، لم أكن أتوقع هذا منك.]
وبعد ختام مراسم انتقال الزعامة وفراغهم من تقرير حصر الخسائر، نادى سوبارو على آبل.
قطب آبل حاجبيه إثر استيقافه دون إيضاح موضوع محدد، وبدا عليه الاستياء قبل أن يستفسر عن قصد سوبارو الحقيقي بـ: «وما الذي لم تتوقعه؟».
آبل: [لديّ الكثير مما يستوجب التفكير، وأنت تحديدًا آخر من يحق له إزعاجي.]
سوبارو: [لسانك سليط كعادتك… المسألة فقط أنني تفاجأت؛ لقد قبلتَ تنحي ميزيلدا-سان عن الخطوط الأمامية بكل تلك السهولة.]
آبل: [――――]
سوبارو: [كنت موقنًا أنك ستقول إن جل ما خسرته ساقٌ واحدة لا أكثر، وظننتك ستأمرها بالقتال حتى الموت في سبيلك.]
ومع إدراكه لمدى قسوة هذا الافتراض، جاهر سوبارو بحقيقة هواجسه أمام آبل.
فهذا هو الإمبراطور بعينه؛ الرجل الذي ضم نساء شودراك إلى صفوف قواته لغرض استرداد عرشه السليب، والذي راودته فكرة تسميم مدينة غوارال الحصينة كخيار مطروح إن بلغت الأمور أسوأ مآلاتها.
آبل―― لا، بل فينسنت فولاكيا، مستعد تمام الاستعداد للإقدام على مثل تلك الأفعال.
آبل: [هراء. وأي طائل يُرجى من هذا التعنت الأجوف؟]
بيد أن رد آبل على سوبارو -الذي تأهب لكيل التقريع وإفراغ ما في جعبته- جاء هادئًا متزنًا على غير المتوقع.
وأمام خيبة أمل سوبارو، صوّب آبل بصره نحو نساء شودراك وهن يتبادلن الحديث على مبعدة منهما.
آبل: [أنا لا أطلب من تابعيّ ما يفوق وسعهم؛ فحتى لو أمرتهم ببذل قصارى جهدهم، فمن السخف والوهم أن أتوقع منهم تخطي حدود قدراتهم الفعلية.]
سوبارو: [――――]
آبل: [إذا تجاوز أداؤهم حدود ما قُدِّرت عليه كفاءتهم، فستختل الخطة وتضطرب. أنا لا أطلب من رجالي أكثر ولا أقل مما يلزمهم. وميزيلدا أتمت واجبها المنوط بها؛ وفي هذه الحالة، لا يسعني سوى مجازاتها بالمكافأة.]
بالكلمات، تُشحذ هممهم. وبالمكافآت، يُدفعون لتجاوز حدود قدراتهم. وبالثناء، يُؤخذ عليهم العهد بتطوير أنفسهم للمرات القادمة.
كان هذا في يقين سوبارو الراسخ هو السبيل الوحيد الذي يُخضع به أصحاب السلطة أتباعهم. ولهذا، جاء رد آبل مناقضًا تمامًا لما جال في خلده.
فهو لن يُحمّل تابعيه مشقة تفوق وسعهم وطاقتهم.
بدا هذا وكأنه بيئة عمل نموذجية للمرؤوسين، غير أنها في الوقت ذاته بيئة تنضح بوحشة موحشة.
آبل: [وغنيٌّ عن البيان أن البذل دون القدر المنتظر لن يلقى سوى العقاب؛ فالعقاب الحاسم والمكافأة الجازمة مبدآن لا ريب في مغزاهما، أليس كذلك؟]
سوبارو: […إذن، أيعني هذا أن دوري في العقاب قد حان؟]
آبل: [لو كنت أحد تابعيّ لكان ذلك محتومًا، ولكن هل أنت أحد تابعيّ حقًا؟]
شخص سوبارو ببصره إلى الأمام، واتسعت عيناه لدى سماع كلمات آبل.
فبالطبع، لم يعهد سوبارو من نفسه أنه أضحى تابعًا لآبل قط. وحتى في خضم نقاشه مع بريسيلا، كان آبل يعامله كاستراتيجي عسكري، دون أن يحمل هو أدنى نية لأن يصبح كذلك بصفة رسمية.
سوبارو: [لستُ زاهدًا في رنين لقب «استراتيجي عسكري»، لكن فكرة الانصياع كتابعٍ لك لا تروق لي بتاتًا.]
آبل: [وهذا عين الصواب. فأنت لست بتابعي، ومن ثم، لا تقع تحت طائلة الجزاء أو الاستحقاق.]
سوبارو: [حين أمعن التفكير… ما الذي تمثله لي بالضبط…؟]
فبحكم الظروف القاهرة، أُجبر كلاهما على مرافقة الآخر؛ فلا رابطة سيدٍ وخادم جمعت بينهما قط، ولا وُجدت بينهما صلة ودٍّ شخصية.
كانا شخصين جرفتهما أمواج المحن في تيارٍ واحد، وما إن تنجاب هذه العقبات، حتى تفترق سبلهما. تلك كانت ماهية علاقتهما فحسب.
فوصفهما بالأصدقاء، أو الحلفاء، أو الرفاق، سيكون مجرد محض افتراء. وإن كان ولابد من إيجاد خانة تجمعهما، فلن تتعدى كونهما «رفيقين في التنكر بزي النساء».
آبل: [لقد تجرأ البعض على نعتي بالصديق، أما أنت فلم تفعل.]
سوبارو: [أجل؛ فطبعي خجول، ولا يسعني مصادقتك بمثل تلك السهولة.]
وبالنظر للوضع الراهن، فإن من قد يجرؤ على نعته بالصديق هنا لن يخرج عن كونه إما إنسانًا طيب السريرة إلى أبعد حد أو محتالًا بارعًا، وكان فلوب ممثلاً للفئة الأولى بلا شك.
على أية حال――،
آبل: [سأستأنف مشاوراتي مع بريسيلا، فامضِ أنت لقضاء ما يتعين عليك قضاؤه.]
سوبارو: [ما يتعين عليّ قضاؤه…]
آبل: [لا أظنك بحاجة إلى إرشادي لتدرك ما هو.]
وتحت وطأة تلك النظرات الحادة الصادرة عن عينيه اللوزيتين، حوّل سوبارو طرفه عن آبل نحو زاوية الغرفة.
وهناك، وقع ناظره على هيئة ريم وهي جالسة على الأرض. ورغم أنه لم يتمكن من تبين ملامح وجهها المطرق من تلك المسافة، إلا أنه أيقن أن تركها بمفردها أمرٌ لا يصح البتة.
بيد أنه شعر بنوعٍ من الحنق لأن آبل سبقه وأمره بالإقدام على ذلك.
سوبارو: [لا أريدك أن تثير حفيظة بريسيلا وتجرنا إلى عراك آخر؛ لذا زن كلامك معها بحذر.]
آبل: [أكاد أجزم أن كثرًا سيرون أنك الأحق بتوجيه هذا النصح لنفسك، لا لي.]
قوبلت الكلمات الفظة بمزيد من المقارعة اللسانية، ثم افترق سوبارو عن آبل الذي قفل عائدًا إلى قاعة الاجتماعات.
فساق ميزيلدا المفقودة ستُحدث انقلابًا في وضع نساء شودراك بلا شك، وسيكون لزامًا أخذ هذا المعطى الجديد في الحسبان أثناء التباحث مع بريسيلا.
ومع ذلك، لم يكن ثمة موطئ قدم لسوبارو في حضرة الحوار الدائر بين ذوي الرفعة والسيادة: آبل وبريسيلا.
فالأولوية المطلقة لسوبارو انحصرت في مخاطبة الشخص الوحيد الذي بمقدوره الحديث معه.
سوبارو: [――ريم، ألديكِ متسعٌ من الوقت الآن؟]
تنفس الصعداء في تؤدة وهدّأ من روع نفسه، قبل أن يخطو متقدمًا نحو ريم.
جلست ريم وقد طوت ركبتيها وأسندت ظهرها إلى الجدار، وتحركت بخفة إثر كلمات سوبارو، بينما انعكست هيئته ببهتان في مقلتيها الزرقاوين الشاحبتين.
ريم: […أهذا أنت؟ متى تنوي تغيير هذه الثياب؟]
سوبارو: [الاطمئنان على ريم له الأولوية على تغيير ثيابي. وبمجرد أن ننهي حديثنا هذا، سأذهب لتغييرها.]
ريم: [أهكذا إذن؟ حسنًا، لقد انتهى حديثنا. تفضل بالذهاب لتغيير ثيابك.]
سوبارو: [يا لحظاظة هذا الرد!]
تُرك سوبارو عاجزًا عن الرد ورفع صوته محتجًا إثر صدود ريم الفظ. وعند سماع صوته، رمقته ريم بنظرة حادة وقالت: «أرجوك التزم الهدوء».
ثم أشارت بذقنها نحو الفتاة المتكئة على كتفها الأيسر.
ريم: [بهذا المعدل، ستوقظ لويس-تشان من نومها. أرجوك راعِ وجودها.]
سوبارو: [حسنًا، أنا…]
ريم: [أم أنك ببساطة لا تود إعارة هذه الفتاة أي اعتبار؟]
سوبارو: [لا تقولي ذلك بهذه الطريقة. إنه خطئي…]
وأثناء نومها، أخذت لويس تتنفس بخفوت، متكورةً على نفسها لتقترب أكثر من ريم.
كانت لويس تعاون ريم في إسعاف الجرحى؛ فبدت ثيابها البيضاء ملطخة بالدماء هنا وهناك. ومما استشفه سوبارو من تصرفات ريم وكلام أوتاكاتا، فقد نفذت لويس ما أُملي عليها بالحرف، وإن كان أداؤها ركيكًا.
وبطبيعة الحال، كانت مشاعر سوبارو حيال ذلك مختلطة.
ريم: [إنه يربكني أن ترتسم على وجهك تلك التعابير القاتمة وأنت بهذه الهيئة.]
سوبارو: [أوه، أجل، خطأي. مكياجي لطخ وجهي، وبات مظهري قبيحًا بعض الشيء.]
ريم: [كان مظهرك قبيحًا حتى عندما كان المكياج موضوعًا بشكل صحيح.]
سوبارو: [توهوهو…]
ارتخى كتفا سوبارو إحباطًا إثر تعليق ريم اللاذع كعادتها. ثم جلس ببطء جنبًا إلى جنب معها، عن يمينها، في الجهة المقابلة للويس.
استرق النظر ليرى نظرات ريم المعترضة، لكنه تجاهلها عمدًا.
سوبارو: [ريم، لقد أبليتِ بلاءً حسنًا. كُتبت النجاة للجميع بفضلكِ.]
ريم: […أنا أعي تمامًا مدى افتقاري للقوة. ولأصدقك القول، أنا عديمة النفع.]
سوبارو: [ريم…]
وردًا على كلمات الامتنان، أطرقت ريم بنظرها نحو يديها في إحباط. وبينما كانت تتأمل تلك الأصابع الشاحبة، أخذت تعض على شفتها بضعف.
سوبارو: [أنتِ قطعًا لستِ عديمة النفع. فرغم تشوش ذكرياتكِ، تمكنتِ من استخدام سحر الشفاء ببراعة وأنقذتِ الكثيرين. لكن…]
ريم: [أعلم ذلك. لو كنتُ مكتملة الذاكرة، لما كان هذا السحر على هذه الشاكلة.]
سوبارو: [على هذه الشاكلة؟]
ريم: [سحر الشفاء خاصتي. السحر الذي أستخدمه الآن نابع من الحدس؛ بعبارة أخرى، تعليم ذاتي. ورغم أنني تمكنت من ضبطه قليلاً بمساعدة لويس-تشان، إلا أنه حتى مع ذلك…]
لم تتجاوز كلمات ريم تلك النقطة.
والسبب وراء صمتها بعد ذلك هو أن ما تود قوله كان جليًا لا يحتاج لتوضيح. فقد أدركت أنها لو صاغته في كلمات، لغدا نصلًا تجرح به نفسها، وأن ذلك الألم قد يواسيها، ولو قليلاً.
فالشكوى حين يُنطق بها، تؤذي المرء نفسه والآخرين. ولكن في المقابل، من شأنها أن تخفف عن القلب وطأته ولو قيد أنملة. وريم كانت تمقت فكرة التخفيف عن قلبها بهذا الشكل.
كان ذلك برهانًا قاطعًا على أنها تلوم نفسها حقًا لعجزها عن إنقاذ البقية بالشكل الأمثل، بسبب افتقارها للقوة.
سوبارو: [――――]
ومرة أخرى، استوعب سوبارو مشاعر ريم بمرارة تعتصر قلبه.
فأن يتحسر المرء معتقدًا أنه كان بوسعه تقديم المزيد، لهو ألم يفوق قسوة الوقوف أمام جدار لا يمكن تجاوزه. وتتفاقم وطأة ذلك الألم حين يتعلق الأمر بمستقبل شخص آخر، شخص سواه.
――لقد ترك فقدان ميزيلدا لساقها ثقلاً جاثمًا في أعماق قلب سوبارو.
صحيح أن الأمر لم يكلفها حياتها، لكن لم يكن من العسير تخيل فداحة خسارة أحد أطرافك الأربعة.
أقرب مثال على ذلك كان «آل» بكل تأكيد؛ الرجل الأكتع الذي فقد ذراعه اليسرى. فضلًا عن مدينة البوابات المائية «بريستيلا»؛ حيث فقد «ريكاردو» إحدى ذراعيه أثناء المعركة في مواجهة «الشراهة».
لقد كان حدثًا صادمًا للغاية، لكنه لم يكن مأساة نائية يستحيل وقوعها. بل في الواقع، قد يكون من الأنسب نعتها بـ «المأساة المألوفة» بالنسبة لمن يلقون بأنفسهم في أتون الخطر.
ورغم ذلك――،
سوبارو: [هذا أمر في غاية القسوة.]
ريم: […أجل.]
قوبلت همهمة سوبارو الجافة بإيماءة صغيرة من ريم الجالسة إلى جواره مباشرةً.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يحظى فيها بإيماءة مباشرة دون أن يترتب عليها أي عواقب، لكنه لسوء الحظ لم يكن في حالة ذهنية تسمح له بتقدير ذلك. اختلست ريم نظرة إلى سوبارو، الذي كان يشعر بغصة جاثمة في أعماق صدره.
ريم: [في السابق… لو كنتُ نسخة الماضي مني، أتساءل كيف كانت ستؤول إليه الأمور…]
سوبارو: […لو كنتِ النسخة التي لا تزال تحتفظ بذكرياتها؟]
ريم: [أجل. لو استخدمت سحر الشفاء الخاص بنسختي السابقة، لربما أمكن لساق ميزيلدا-سان أن…]
«أن تُنقذ»؛ أغمض سوبارو عينيه استباقًا للكلمات التي كانت ستعقب ذلك.
لم يكن الأمر أنه عجز عن استيعاب ما يدور في ذهن ريم. لكن، بصفته طرفًا خارجيًا، كان من العسير عليه أن يحكم على مدى تأثير وجود الذاكرة من عدمه على فاعلية سحر الشفاء لدى ريم.
حتى لو كان من الممكن قياس قوة الشفاء كميًا، لكان تقييمها أمرًا عسيرًا على سوبارو.
ومع ذلك――،
ريم: [――――]
كانت عينا ريم، الزرقاوان الشاحبتان والمشبعتان بعاطفة صادقة، مصوبتين نحوه.
لم يدرِ سوبارو ما إذا كانت الإجابة التي تنشدها شيئًا يملك تقديمه، لكن لم يكن أمامه سوى خيارين: «ريم السابقة كانت تستطيع» أو «ريم السابقة لم تكن لتستطيع».
أيهما سيغدو طوق نجاة لريم يا ترى؟
――أو بالأحرى، أيهما سينقذ ريم من الانغماس في مزيد من الألم؟
سوبارو: […حتى لو كنتِ تملكين ذكرياتكِ، أعتقد أن الأمر كان ميئوسًا منه.]
ريم: [――――]
سوبارو: [فحتى سحر الشفاء لا يقدر على اجتراح المعجزات دومًا. وفي وضع كهذا، كانت ريم ستبذل قصارى ما في وسعها وكفى.]
أجاب بعد بضع ثوانٍ من التفكير المضني، وهي ثوانٍ مرت كأعوام في ذهن سوبارو.
فحتى لو كانت ريم تحتفظ بذكرياتها، وحتى لو كان سحرها العلاجي في ذروة كماله، لما كانت قادرة على إنقاذ ساق ميزيلدا.
فالحقيقة أن المسألة لا تتعلق بفرضيات «ماذا لو».
فلو انطلقوا في سرد افتراضات «ماذا لو»، فلن يصلوا إلى نهاية. صحيح أن ريم لم تتمكن من إنقاذ ساق ميزيلدا، لكنها أنقذت أرواحًا عديدة من المصابين الآخرين سواها.
لذا، يجدر الإشادة بها على ما أنجزته، ولا مسوغ يدعوها لجلد ذاتها.
وفي الواقع، إن كان ثمة من يستحق اللوم، فهو يقع على عاتق――،
سوبارو: [لم أكن قويًا بما يكفي.]
ريم: [إيه…]
سوبارو: [لم أمعن التفكير بالقدر الكافي. كان حريًا بي أن أدرس الأمور بجدية أكبر.]
عند سماع هذه الإجابة التي لفظها سوبارو بمرارة، اتسعت عينا ريم المستديرتان.
وأمامها، صرّ سوبارو على أضراسه بقوة، وأخفى وجهه بين راحتي يديه.
فإن كان على أحد أن يلعن قلة حيلته، فاللوم بأكمله يقع على كاهل سوبارو.
سوبارو: [كل هذا… إنه خطئي أنا.]
فرغم كل تلك الادعاءات الطنانة عن «حصار بلا دماء»، جاءت الحقيقة مجافية لتلك الآمال تمامًا.
فقد أدى اقتحام آكلة الأرواح إلى وقوع إصابات جمة، وأسفرت محاولة استردادها عن مقتل عدد من الحراس. صحيح أنه لم تقع خسائر في الأرواح ضمن صفوفهم، لكن بالنظر إلى الساق التي فقدتها ميزيلدا، كيف له أن ينعته بـ «حصار بلا دماء»؟
لقد فشل. كانت تراكمًا من الإخفاقات التي أُهدرت معها فرصة تدارك الموقف.
كل ما ابتغاه هو الوصول لأفضل نهاية سعيدة ممكنة، لكن ما حصده سوبارو لم يتعدَ كونه نهاية سعيدة باهتة، أو بالأحرى، نهاية سيئة متواضعة.
ولإعادة صياغة مبدأ آبل الذي تفوه به قبل قليل، العقاب الحاسم أو المكافأة الجازمة―― وما يستحقه الآن هو القصاص.
فلو كان سوبارو أحد رجال آبل، لما كان مستغربًا أن يُؤمر بقطع رأسه.
――وفي أسوأ الاحتمالات، سيضطر إلى استخدام «الرجوع بالموت».
هواجس كهذه عصفت بذهنه.
في تلك الحالة، سيُرجح أن يعود أدراجه إلى نقطة الحفظ الأقرب، إلى ذلك الحين الذي خاض فيه المعركة الدموية ضد تود في غوارال. ――ومجرد تذكر الرعب الذي رافق تلك اللحظة جعل جسده ينتفض بأكمله.
ولكن، حتى لو عاد إلى تلك اللحظة المرعبة، في سبيل استرداد ما فقدوه――،
ريم: […ولماذا؟]
وفجأة، قرعت تلك الكلمة طبلة أذن سوبارو الغارق في هواجسه.
رفع وجهه على الفور، لتلتقي عيناه بنظرات ريم المحدقة فيه مباشرة.
فعيناها اللتان كانتا تترقرقان بدموع الندم قبل لحظات، كانتا الآن مصوبتين نحو سوبارو، وتحملان في طياتهما ندمًا أعمق.
ريم: [لماذا تحول الأمر ليصبح خطأك أنت؟]
تحت وطأة نظرة ريم، انهالت المزيد من الكلمات على سوبارو لتتركه عاجزًا عن الحراك.
مدّت يدها، وعيناها تترقرقان بالدموع، وأشارت إلى مبنى البلدية المدمر قائلةً:
ريم: [إذن، فساق ميزيلدا-سان، وإصابات لويس-تشان وأوتاكاتا-تشان، وجروح ميديوم-سان وفلوب-سان… كل ذلك بسببك؟]
سوبارو: [أجل، بسببها. ما كانت الأمور لتؤول إلى هذا الحد لو توخيت مزيدًا من الحذر في استعداداتي.]
ريم: [لقد وضعت خطة، وتلك الخطة التي بدت متهورة في ظاهرها آتت أُكلها كما ينبغي. تمكنتَ من تثبيت الجنرال من الرتبة الثانية في مكانه، وأدخلتهم إلى المدينة دون إراقة قطرة دم في قتال. تمامًا كما خططنا له.]
سوبارو: [لكن، بعد ذلك المشهد…]
ريم: [――ومن يكترث لما حدث بعد ذلك!؟]
أمام إصرار سوبارو، عقدت ريم حاجبيها ورفعت صوتها. التفتت ريم بوجهها بانفعال سريع، وإثر حركتها تلك، سقطت لويس التي كانت تتكئ عليها لتستقر في حجرها.
انتفضت لويس بخفة وأطلقت أنينًا خافتًا دون أن تستيقظ. وبينما كانت ريم تسند كتف لويس، أطلقت زفرة خفيفة وصوّبت أنظارها نحو سوبارو مجددًا.
ريم: [لم يكن بمقدور أحد أن يتنبأ بما سيحدث بعد ذلك. فظهور تلك المرأة شبه العارية وهياجها كانا أمرًا خارجًا عن الحسبان تمامًا. إذن…]
سوبارو: [――――]
ريم: [إذن، لماذا تحمّل نفسك مسؤولية كل ذلك؟]
ابتلع سوبارو ريقه الجاف مع طرح سؤال «لماذا» عليه مرة أخرى.
ولو سألته عن السبب، لقال إن المسؤولية تقع دومًا على عاتق من يملك القوة.
فكما تتحسر ريم على عجز سحر الشفاء خاصتها، كان سوبارو يعتصر ألمًا وندمًا لأن سلطته عجزت عن تدارك الموقف. فنطاق «الرجوع بالموت» كان يفوق ذلك اتساعًا.
والمستقبل رهنٌ بيد سوبارو؛ إما أن يتحسن أو ينهار، بناءً على استخدامه لتلك السلطة.
ومع ذلك――،
سوبارو: [إنه…]
――كانت تلك حقيقة لا يمكن البوح بها لأي كان، حتى وإن كان هذا الشخص هو ريم.
ولم يقتصر المنع على ريم وحدها.
فتلك السلطة التي يتفرد بها سوبارو، لا يسعه إطلاع أحد عليها مهما بلغ انفتاح الطرف الآخر وتقبله. ――لا، بل كان عاجزًا عن البوح بها حتى لمن وطّد معهم أعمق الروابط العاطفية.
فلو باح لهم بالأمر، لاستحال عليه كشف الحقيقة دون التسبب في إزهاق روح ذلك الشخص.
لقد كان يرتعد فزعًا من ذلك الألم. فالألم المبرح الناجم عن محاولة البوح بـ «الرجوع بالموت» كان شيئًا مرعبًا حقًا.
ومن ذا الذي يقوى على اعتياد ذلك الألم الساحق الذي يعتصر القلب مهما تكرر؟
لكن الرعب الحقيقي لم يكمن في الألم ذاته، بل في الفقدان.
فهل وُجد في هذا العالم ما هو أشد رعبًا من الفقدان؟
وأليس هذا الخوف المفرط من الفقدان هو بالتحديد السبب وراء منح هذه السلطة لـ ناتسوكي سوبارو؟
ريم: […لماذا قمت بحمايتي؟]
سوبارو: [هاه…؟]
مضت ريم في حديثها وكأنها غسلت يديها من سوبارو، الذي لزم الصمت مطبقًا على شفتيه بعجز.
وللحظة، رمش سوبارو بعينيه حائرًا، غير مدرك لمقصدها من الحديث.
ريم: [حينما هاجمتني تلك المرأة شبه العارية. أوقعتُ عمودًا عليها، ولما باءت محاولتي بالفشل… اندفعت تلك المرأة نحوي، لكنك وقفت سدًا منيعًا أمامي.]
ففي لحظة تجرد تام من الذات، انتصب سوبارو أمام ريم ليقيها من هجوم آكلة الأرواح.
وبسط ذراعيه وهو يستجمع كل ذرة يأس لصد أي خطر يداهمها. وفي تلك اللحظة الحاسمة، لم يكترث سوبارو إن حصدت آكلة الأرواح روحه.
جلّ ما أراده هو أن تعيش ريم بعده، ولو لثانية واحدة إضافية.
كان ذلك――،
ريم: [نتيجة حصارك الذي تم بلا دماء، وحقيقة أنك رميت بنفسك لحمايتي في تلك اللحظة، وحتى فقدان ميزيلدا-سان لساقها… أنت تحاول حمل عبء كل شيء بمفردك…]
سوبارو: [――――]
ريم: [وأنت لا تملك من القوة ما يؤهلك لفعل كل تلك الأشياء… في البداية، كنت أحذرك وأرتاب منك بسبب تلك الرائحة الكريهة.]
وهنا قطعت ريم حديثها، وبمجرد صمتها، أطأطأت بصرها نحو لويس الغافية في حجرها.
وبينما كانت تداعب خصلات شعرها الذهبي في رفق، غصت ريم بالبكاء، ثم عادت بهدوء لتصوب نظراتها نحو سوبارو، وقالت:
ريم: [أنا، ولويس-تشان، وآبل-سان، وميزيلدا-سان، والبقية، وميديوم-سان، وفلوب-سان… كلنا بشر لنا إرادة حرة، ولا يتوجب عليك أن ترهق نفسك إلى هذا الحد في سبيل حمايتهم.]
سوبارو: [أوه…]
ريم: [أرجوك لا تحاول الإقدام على فعل شيء كهذا بمفردك. لست مضطرًا لتحمل مسؤولية أفعالنا.]
أخذ فم سوبارو ينفتح وينغلق مرارًا وتكرارًا، وقد عجز عن الرد أمام وابل الكلمات الذي انهال عليه.
رفض عقله الاستيعاب الفوري لما يُقال. بيد أن شعورًا غامضًا بالإلحاح اكتوى به قلب سوبارو، مما أجبره على سد أذنيه عن الاستماع للمزيد.
وبمشاعر صادقة موجهة نحو سوبارو الذي كان يلعن قلة حيلته، ردت ريم بحدة.
كان لزامًا عليه أن يمنعها من التفوه بأي كلمة بعد ذلك――،
ريم: [أنت لست شخصًا مميزًا――]
كان يوقن في قرارة نفسه أنه ما كان ينبغي له السماح لها بنطقها.
ريم: [――لأنك، لست بطلًا.]
△▼△▼△▼△
مترنحًا، أخذ سوبارو يهيم على وجهه في أروقة مبنى البلدية.
لم تكن له وجهة محددة. بل لم يكن يدرك حتى متى بدأ السير في المقام الأول. وحين ثاب إليه رشده، وجد نفسه سائرًا، بل إن وعيه كان لا يزال مغلفًا بسحابة من الضبابية.
سوبارو: [――هكـ.]
فجأة، اصطدم وجهه بقوة بجسم صلب.
وبعد تفحصه للأمر، تبين أنه ارتطم بجدار؛ فمشيته ورأسه مطأطأ نحو قدميه كانا السبب في ذلك. وبعد أن ارتطمت جبهته بالجدار العاري، أمسك سوبارو بجبهته التي تعتصر ألمًا وأطلق زفرة.
ثم، ودون أدنى تفكير، صدم جبهته بالجدار الصلب مرة أخرى.
صدمة عنيفة وصوت مكتوم، فشعر سوبارو بألم لاذع يخترق جمجمته.
ومع ذلك الارتجاج الخارجي لدماغه، شعر وكأن الركود الذي تغلغل في سائر جسده بدأ ينقشع ببطء.
وعلى هذا المنوال، أخذ سوبارو يخبط جبهته بالجدار مرارًا وتكرارًا.
خبطة، خبطة، خبطة――
؟؟؟: [مهلًا، مهلًا، توقف عن هذا يا صاح.]
وبينما كان يتراجع ليوجه ضربة أخرى، أمسكت يدٌ بكتفه من الخلف. لقد ناداه أحدهم.
وحين استدار سوبارو، وقعت عيناه على نظرة تلتقي بنظرته من خلف خوذة فولاذية مصوبة نحوه. وبينما ظل قابضًا على كتف سوبارو، طقطق الطرف الآخر عظام رقبته وتحدث:
آل: [أتفهم رغبتك في الموت. لكن مهما كررت فعلتك هذه، فلن تجني من ورائها أي طائل.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※