الفصل 390 - لكلٍ موقفه
الفصل التاسع والعشرون
«لكلٍ موقفه»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――تأمين «الجنرالات التسعة الساميين»؛ كان ذلك شرط النصر لاستعادة العرش الإمبراطوري.
ومع طرح شرط النصر، إلى جانب أسماء وألقاب الشخصيات المحورية المطلوبة، أي «الجنرالات التسعة الساميين»، استشعر سوبارو من واقع خبرته أن التوتر قد خيّم فجأة على أرجاء القاعة.
وبطبيعة الحال، فإن أسماء الجنرالات التسعة الساميين، التي تبدو مألوفة تمامًا لسكان الإمبراطورية، كانت جديدة كليًا على مسامع سوبارو.
سوبارو: […لو كان هذا عملاً من أعمال المانغا أو الأنمي، لكان الكشف عن أسماء جميع الجنرالات دفعة واحدة حدثًا يثير الحماس.]
ولكن، بما أن هذا الواقع يداهمه شخصيًا في الحقيقة، فإن هذا التطور لم يكن بالشيء الذي يبعث في نفسه البهجة والسرور.
وبينما كان آبل يسرد اسم كل جنرال من الجنرالات التسعة الساميين واللقب المقترن به، أخذ سوبارو يتخيل حجم المتاعب والويلات التي سيجلبها كل واحد منهم؛ إذ بدت ألقابهم موحية بالرهبة بالقدر ذاته الذي رُوّجت به هيبتهم.
وبما أن لقب أراكييا، «آكلة الأرواح»، يتطابق بدقة مع خصلة تنفرد بها، خمن سوبارو أن ألقاب البقية مرتبطة هي الأخرى بقدراتهم الخاصة أو أساليبهم في القتال.
سوبارو: [الوحيدان اللذان يعطيني لقبهما انطباعًا واضحًا عن أسلوبهما هما «سيد الأدوات الملعونة» و«جنرال التنين الطائر»؟]
فمن المرجح أن يكون الاسمان اللذان أشار إليهما مشتقين مباشرة من عتاد القتال والأدوات التي يستعملانها.
أما بقية الألقاب، فلعلها مستوحاة من مظهر أصحابها أو مقتبسة من روايات بطولاتهم وصولاتهم. وفي الأدب الكلاسيكي الصيني، كما في ملحمتي «رومانسية الممالك الثلاث» و«حافة الماء»، غالبًا ما كانت الشخصيات تكتسب ألقابها لمثل تلك الأسباب. [1]
ولو أمعن المرء التفكير، لتبين أن تلك الحكايات كانت تتمحور أيضًا حول صراعات الاستيلاء على الأوطان. غير أن سوبارو لم يكن على دراية عميقة بها لسوء الحظ، ولم تتجاوز معرفته بها القشور السطحية.
سوبارو: [ليس هذا وقت السهو والشرود. حسنًا، لقد سمعت أن حشد الجنرالات التسعة الساميين هو شرط النصر، لكن لدي بضعة استفسارات أود طرحها عليك.]
آبل: [ماذا؟ أهناك أي مساحة للشك؟]
رفع آبل أحد حاجبيه ووضع يده فوق الخريطة المبسوطة على الطاولة، بينما كان سوبارو يستجمع شتات نفسه بعد صدمته الأولى.
فلو توهم آبل أنه أوضح كل ما يلزم بهذا الإيجاز، لكان النموذج الأبرز للرجل الذكي قليل الكلام. فبالمقارنة مع بقية الجالسين هنا―― زكر والآخرين، ناهيك عن نساء شودراك، كان رصيد سوبارو من المعرفة بإمبراطورية فولاكيا ضئيلاً للغاية.
سوبارو: [بل هناك متسع كبير لكي أشك وأستفسر. إن واصلت القفز عن الشروح لمجرد أنك تفهم ما يدور في رأسك، فلن يتمكن من حولك من معرفة ما تفكر فيه على وجه الدقة.]
آبل: [سأعتبر كلامك هذا نصيحة وأتجاهله. اطرح ما بجعبتك من أسئلة.]
سوبارو: [احتفظ بجزء «التجاهل» هذا لنفسك…]
أطلق سوبارو زفرة وهو يرى آبل يعقد ذراعيه ويجيبه بكل عنجهية. ثم، بعد أن سلّم أمره لنظرات الجميع التي استقرت عليه، قال: «جاهزون؟»، ورفع أربعة أصابع في إحدى يديه وخمسة في الأخرى.
سوبارو: [لدينا تسعة من الجنرالات الساميين، ولحسن الحظ هذا رقم فردي، لذا فمن البديهي أن المسألة ترتكز على حسم لعبة الأعداد. غير أن من يوالوننا مجهولو الأثر، والآن، أراكييا والمدعو تشيشا كلاهما في خندق الأعداء بلا ريب. نحن نتأخر عنهم بفارق كبير بالفعل.]
كان المفترض بهم حيازة ما لا يقل عن خمسة جنرالات، بيد أن غريمهم قبض بالفعل على ولاء اثنين من الجنرالات التسعة الساميين.
أضف إلى ذلك، أنه لم يكن محددًا إن كان غوز، الذي أعان آبل على الفرار، حيًا يرزق أم هلك. ما يعني أن ثمة احتمالاً راجحًا بأن إحدى الأوراق الرابحة قد شُطبت تمامًا من رقعة اللعب.
سوبارو: [الموقف يزداد قتامة دقيقة بعد دقيقة. جميل أن شرط النصر اتضح، لكن هل من الواقعية حقًا إقناع خمسة من الجنرالات التسعة الساميين بالانضمام إلينا؟]
آل: [مهلاً على رسلك يا صاح، أراك ما زلت تبخس الإمبراطور قدره أكثر من اللازم. قلتها لك سابقًا، الرجل قد حسم مراسم الاختيار الإمبراطوري لصالحه من قبل، ولن يجرؤوا على رده ورفض محاورته هكذا ببساطة؛ ما لم يغلقوا الأبواب في وجهه من الأساس بالطبع…]
بريسيلا: [――إذن ستتاح لنا الفرصة لقطع رؤوس من يعارضوننا في الوقت نفسه.]
سوبارو: [علينا أن نجعلهم ينضمون إلى صفنا!]
ملاحظات آل، التي بدت كمحاولة لتبديد شكوك سوبارو، تبخرت تمامًا إثر التعليق المتطرف الذي صدر عن سيدته من دون كل الناس. كانوا يتحدثون للتو عن كيفية استقطاب «الجنرالات التسعة الساميين» لصفهم، لذا فإن ابتكار طريقة لقتل الجنرالات الذين سيرفضون الانضمام إليهم أشبه بوضع العربة أمام تنين الأرض.
آبل: [لكن المهرج ذا الخوذة الحديدية هناك محق. في الواقع، إذا أعلنت رغبتي في لقائهم، فلن يرفض أي جنرال ذلك. المشكلة تكمن فيما سيحدث بعد اللقاء.]
آل: [هل المهرج ذو الخوذة الحديدية هو أنا يا ترى؟]
سوبارو: [لا يوجد شخص آخر هنا يرتدي خوذة حديدية. إذا كانت لديك مشكلة في معاملته لك كمهرج، فيمكنك البدء بتقديم التماس إلى بريسيلا.]
بعد أن أسكت سوبارو مزاح آل، عاد إلى صلب الموضوع المطروح.
سوبارو: [في المقام الأول، أنا لا أفهم نظام الجنرالات التسعة الساميين. لطالما تخيلتهم كتسعة جنرالات يقدمون تقاريرهم مباشرة إلى الإمبراطور، لكن ألا يعني ذلك أنهم جميعًا متواجدون في العاصمة الإمبراطورية؟]
بريسيلا: [الجنرالات من الرتبة الأولى هم حجر الزاوية في هذه الأمة. فكر في مدى اتساع حجم الإمبراطورية بشكل مبالغ فيه. حتى وإن كانت العاصمة الإمبراطورية تقع في قلب البلاد، فكيف لهم أن يتحركوا بسرعة في حالات الطوارئ إذا كانوا جميعًا يقيمون في العاصمة الإمبراطورية؟]
زكر: [أجل. على الرغم من أن نيران الاضطرابات المدنية التي تتأجج في الإمبراطورية قد انحسرت بشكل كبير خلال عهد سعادته، إلا أنها لا تزال مستمرة بلا نهاية. إن وجود موطئ قدم راسخ في العاصمة الإمبراطورية لا يكفي لضمان أمن الإمبراطورية.]
سوبارو: […بعبارة أخرى، الجنرالات التسعة الساميون المعنيون متفرقون في كل مكان، خارج العاصمة الإمبراطورية؟]
بينما كانت بريسيلا وزكر يقدمان تلك المعلومات الإضافية، وضع سوبارو يده على ذقنه متفهمًا للأمر.
واستنادًا إلى مثال مألوف، كان روزوال قد مُنح أيضًا اللقب الفخم «مارغراف الأراضي الغربية» في مملكة لوغونيكا، وكان ملزمًا بالتحرك السريع متى ما احتاجته المملكة.
وبالطبع، كان لديه الإذن بتشكيل جيش خاص في أراضيه لتلك الغاية. ――ومع ذلك، في حالة روزوال، بدا أن قوته الفردية تفوق قوة جيش بأسره سيئ التنظيم.
فبمجرد إمطاره لكرات نارية وهو يحلق في السماء، سيكون قادرًا على سحق معظم خصومه هزيمة تامة.
سوبارو: [عندما تفكر في الأمر، فإن ذلك الرجل يُعدّ أيضًا أشبه بشخصية تمتلك قدرات «غش»… أشعر ببعض الفضول لمعرفة مكانته لو قورن بالجنرالات التسعة الساميين.]
كونا: [لا أعرف، لكن أعتقد أننا نبتعد عن الموضوع هنا، ناتسومي.]
سوبارو: [خطأي. على أي حال، أعرف الآن أن الجنرالات التسعة الساميين منتشرون في أنحاء البلاد. إذا كان الأمر كذلك، فهل أنا محق في فهمي بأنهم لم يشاركوا جميعًا في الانقلاب الذي وقع في العاصمة الإمبراطورية؟]
آبل: [بناءً على ما رأيته، ومن وجهة نظر عملية، أقول نعم.]
أومأ آبل برأسه إلى سوبارو تأكيدًا.
بصراحة، لم يكن سوبارو واثقًا تمامًا من تقييم آبل، حيث تبين للتو أن شعبيته منخفضة للغاية، لكن حقيقة أن أحدًا ممن حوله لم يشر إلى هذه النقطة، أوحت بأن الأمر يمكن تقبله في الوقت الحالي.
على أي حال، كان الخبر السار هو أن «الجنرالات التسعة الساميين» لم يصبحوا جميعًا أعداءً.
شرط النصر الذي مفاده أنه كلما استقطبوا عددًا أكبر من «الجنرالات التسعة الساميين» زادت احتمالية فوزهم في هذه المعركة، كان يبدو منطقيًّا. بخلاف ذلك، إذا كان هناك شيء واحد لا يزال سوبارو يشك فيه، فهو――،
سوبارو: [آسف على طرح هذا العدد الكبير من الأسئلة، لكن لدي سؤال إضافي. إذا كان ترتيب الجنرالات التسعة الساميين يعتمد ببساطة على القوة، فيجب إعطاء الأولوية لأولئك الذين يحتلون الرتب الأعلى، أليس كذلك؟]
آبل: [نعم، هذا التصور صحيح.]
سوبارو: [إذن، الشخص القوي بما يكفي ليكون على قدم المساواة مع راينهارد هو سيسيلوس، أليس كذلك؟ من البديهي أن نسعى وراء هذا الشخص… ألن يكفي وجوده لحسم الأمر؟]
أحد أقوى أربعة كائنات بشرية؛ أولئك الذين ذاع صيتهم في «الدول الأربع العظمى».
فإذا كان سيسيلوس، الذي قيل إنه أحد هؤلاء الأربعة، شخصًا يُعد على قدم المساواة مع راينهارد، فكأنما حسم المعركة ونتيجتها رهنٌ بوجود ذلك الشخص بمفرده.
وفي الحقيقة، فإن فكرة قدرة راينهارد على الانتصار حتى لو جابه كل من في المملكة قاطبةً، كانت اعتقادًا وتصورًا استثنائيًا ترسخ في أعماق سوبارو.
لذا، كان من البديهي تمامًا أن يحمل التوقعات المسبقة ذاتها حيال سيسيلوس، لكونه نظيرًا لراينهارد.
ومع ذلك――،
آبل: […صحيح أننا إن نجحنا في ضم ذلك الشخص إلى صفنا، فستُحل معضلة قوتنا العسكرية دفعة واحدة.]
سوبارو: [إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تبدو كل هذه المرارة على وجهك؟]
بملامح عابسة ونظرة يكسوها الضيق، أجاب آبل على سؤال سوبارو.
ورغم أن توقعات سوبارو لم تبدُ مجانبة للصواب، إلا أن تعابير آبل القاتمة لم تنقشع؛ بل كشف عن علة ذلك بزفرة خفيفة.
آبل: [العلة في كون تأمين «الجنرالات التسعة الساميين» شرطًا للنصر، هي أن القادة والجنود على حد سواء يمتثلون لأوامرهم العسكرية. فكلما زاد عدد «الجنرالات التسعة الساميين» المنضوين تحت لوائك، توافدت مزيد من الجيوش لتعزيز صفوفك. هل استوعبت الفكرة؟]
سوبارو: [――؟ أجل، استوعبتها. لهذا أقول إن علينا السعي لاستقطاب أقوى رجل لصفنا. أم أن نعته بـ «الأقوى في الإمبراطورية» مجرد ادعاء لا أساس له؟]
آبل: [لا، لا ريب في كونه الأقوى في الإمبراطورية قاطبة. بيد أن ثمة مشكلة.]
سوبارو: [مشكلة؟]
آبل: [――إنه لا يحظى بأي شعبية.]
توقف عقل سوبارو عن التفكير لبرهة، مذهولاً من تلك الكلمات التي نُطقت بضيق مكبوت.
أخذت تلك الكلمات تتسلل ببطء إلى ثنايا عقله، متسائلاً عن كنه هذه المشكلة، حتى استوعب تلك العبارة بدقة: «انعدام الشعبية».
سوبارو: [وهل يحق لك تحديدًا قول ذلك؟]
آبل: [هذا واقع لا مراء فيه. رتبته هي «الأول» بين جنرالات الرتبة الأولى في الإمبراطورية، ومع ذلك لا يملك أي سلطة فعلية. وحتى لو منحتُه السلطة، فسيكون عاجزًا عن تدبير أي شيء بها؛ فالأمر الوحيد الذي يبرع فيه هو حصد رقاب الناس بسيفه.]
سوبارو: [لا يمكنك تنصيب شخص كهذا في موقع جنرال عسكري!]
آل: [على رسلك، اهدأ يا صاح! هكذا تمضي أعراف الإمبراطورية كما تعلم!]
ومع سيل الانتقادات التي كالها آبل لسيسيلوس، بادر آل إلى تهدئة سوبارو وكبح انفعاله. وضع آل ذراعه الوحيدة حول سوبارو، وأمال رأسه ناظرًا نحو آبل، ثم قال:
آل: [في الواقع، أنت لم تعطه سوى لقب «الأول». لعلك لو جربت منحه النفوذ الذي يستحقه لمنصبه لكان أفضل. من يدري، فربما استغله أحدهم بالكلام المعسول، أليس كذلك؟]
آبل: [بطبيعة الحال، وقوع ذلك الشخص تحت طائلة استغلال أي أحد سواي أمر لا يتفق مع مشيئتي. ولو وُجد خطر كهذا، لكنتُ قد تخلصت منه مسبقًا.]
سوبارو: [لكنك كنت ملقى في الغابة، وحيدًا وبلا حول ولا قوة…!]
فحتى لو ادعى أنه كان ممسكًا بزمام الأمور، فإن كان الواقع مغايرًا، فلن يعدو كلامه كونه تبجحًا لا أكثر.
وفي الأساس، هل يمكن أخذ فكرة أن الشخص المصنف كالأقوى في إمبراطورية فولاكيا عاجز عن نيل الشعبية على محمل الجد، في بلاد تكرس كل مبادئها لتلك القوة بعينها؟
سوبارو: [ما رأيك في هذه النقطة يا زكر-سان؟]
زكر: [أنا؟]
سوبارو: [أجل. بصفتك جنرالاً في الإمبراطورية، أود أن أسمع رأيك المجرد؛ ما تقييمك للجنرال من الرتبة الأولى سيسيلوس؟]
وحين وُجه إليه السؤال، قال زكر: «حسنًا إذن»، وعقد ذراعيه للحظة وهو يستجمع أفكاره.
ثم أومأ برأسه عدة مرات تجاوبًا مع بريق الترقب في عيني سوبارو.
زكر: [بادئ ذي بدء، لا خلاف على أن سيسيلوس-دونو هو الركيزة الأساسية لدفاعنا الوطني ورمز عزة إمبراطورية فولاكيا وبأسها. فمبدأ «يجب على شعب الإمبراطورية أن يكون قويًا»، هو التجسيد الحي لنهجه في الحياة.]
سوبارو: [أوه، هذا يبدو كلامًا مشجعًا، أليس كذلك؟ إذن، ما علّته بعد كل هذا؟]
زكر: [على الصعيد الشخصي، هو إنسان خالي البال، مرح، وتعامله دمث وبشوش مع أي أحد كان. ولكن بوجه عام…]
سوبارو: [بوجه عام…؟]
زكر: [يخشى الكثير من الجنود أن يكون سيسيلوس-دونو وحشًا عصيًا على الفهم، وأن التواصل معه على مستوى أعمق ضربٌ من المستحيل. وأعتقد أن سعادته محقٌ في تقييمه.]
سوبارو: [لقد اتخذ تقييمك منعطفًا حادًّا للغاية، أليس كذلك!؟]
زكر، الذي لم يرسم عنه سوى صورة الرجل الطيب حتى تلك اللحظة، انتقى كلماته بحذر شديد في هذا التقييم.
قد يظن البعض أنه كان يحاول فقط مداراة مشاعر الإمبراطور آبل ومسايرته، لكن تقطيب ما بين حاجبيه أظهر أنه يعتصر ذهنه بجهد جهيد، لذا فالأرجح أنه كان صادقًا تمامًا فيما نطق به.
بعبارة أخرى――،
بريسيلا: [سيكون ضربًا من التهور غير المقبول حتى مجرد التفكير في إخضاع «الأول من الجنرالات التسعة الساميين» بنية قلب الموازين بضربة واحدة. لا يسعني استيعاب كيف لك أن تخرج بفكرة سديدة، حتى لو لم يكن رأسك محشوًا بتلك الترهات الحمقاء.]
سوبارو: [اخرسي! لا تلقي باللوم عليّ في انعدام شعبيته! إن كان الإمبراطور وجنرالاته يفتقرون للشعبية هكذا، فلا عجب إذن أن يندلع انقلاب ضدهم!]
آبل: [كم مرة تنوي تكرار هذا الهراء؟ لا تظن أن وقاحتك وتطاولك سيُغض الطرف عنهما إلى الأبد.]
وتحت وطأة النظرات الحارقة التي رمقه بها كل من بريسيلا وآبل على التوالي، أخرج سوبارو لسانه متغيظًا في وجههما.
ومع ذلك، كان الواقع يؤكد أن خطته قد تحطمت بسهولة؛ فإن كان استقطاب «الجنرالات التسعة الساميين» يوازي حشد أعداد المقاتلين في ساحة الحرب، فإن كسب ولاء من لا يحظون بأي شعبية لن يجلب لهم أي ميزة أو نفع يُذكر.
سوبارو: [في الواقع، طالما أنه لا يحظى بشعبية، ألا يمكننا تركه وشأنه وحسب…؟]
آبل: [تلك مشكلة بحد ذاتها أيضًا. فذلك الشخص يمتلك القدرة على قلب مجريات الحرب بمفرده وفقًا لمقتضيات الموقف. حتى لو استطعنا كسب ولاء جميع بقية الجنرالات الساميين، فإن هناك احتمالاً راجحًا بأن يقوى هو وحده على حصد رأسي.]
سوبارو: [يا له من وغد يصعب التعامل معه! إنه عقبة تعجيزية وغير معقولة إطلاقًا، أليس كذلك؟!]
لم يكن التسرع في استقطابه خيارًا مجديًا، بيد أنه كان بمثابة قنبلة موقوتة شديدة الخطورة لا يمكن تركها مهملة دون رقابة.
ولم يدرك سوبارو إلا في هذه اللحظة، وهو يقف في أرض أجنبية نائية بعيدًا عن موطنه، كم كان راينهارد نعمة وحليفًا استثنائيًا لا يُقدر بثمن؛ شخصٌ قدراته ونقاء إنسانيته كلاهما مضمونان بلا أدنى شك.
فهل تراه لو نادى عليه بأعلى صوته، سيهرع لنجدته في هذا البلد المجاور؟
بريسيلا: [دعني أطلعك على أمر ما، أيها العامي الأحمق. إن كنت تراود نفسك باستدعاء «قديس السيف»، فاعلم أنه عاجز عن اجتياز الحدود بموجب معاهدة عدم الاعتداء. لذا يجدر بك ألا تفرط في تعليق آمالك عليه.]
سوبارو: [كفي عن قراءة أفكار الناس! لم أكن أفكر في ذلك بجدية أصلًا… فالاعتماد على أحدهم فقط عند الوقوع في مأزق ليس الأسلوب اللائق لمعاملة الأصدقاء.]
فإن لم يذكره إلا لمصلحته، مستغلاً قدرته على ندائه ليلبي مستجيرًا بجانبه، فلن يكون ذلك بالشيء الذي يستحق أن يُسمى صداقة بحق.
صحيح أنه لو تأزمت الأمور وبلغت السكين العظم، فربما لن يقوى على ادعاء الترفع ذاته. ومع ذلك، وإلى أن تدهمهم تلك اللحظة، كان سوبارو عاقد العزم على صون مبادئه الأخلاقية دون تفريط.
بريسيلا: [إذن؟ أيها العامي الأحمق الذي يُعامل كاستراتيجي عسكري لآبل، أفرغت جعبتك من التساؤلات؟]
سوبارو: [لم تنفد أسئلتي بعد، وقبل كل شيء أنا لست استراتيجيًا عسكريًا…]
أجاب سوبارو مقطبًا حاجبيه إثر وخزات بريسيلا وسخريتها من منصبه المزعوم. ثم، وفي اللحظة التي همّ فيها بالانتقال إلى البند التالي في الاجتماع――،
؟؟؟: [――الآنسة ناتسومي ورئيس القرية-كن! عفوًا على المقاطعة!]
وبالتزامن مع صدى ذلك الصوت المفعم بالبهجة، انفتح الباب، ودلف شخص جديد إلى قاعة الاجتماعات بكل حيوية ونشاط.
وكان الوافد هو فلوب؛ ذلك الرجل الوسيم المتشح بالزرقة، وشعره الذهبي الطويل يتهادى بخفة مع خطواته.
كان من المفترض بفلوب أن يعتني بالمصابين في الطابق العلوي حيث لا تزال آثار الدمار الذي خلفه هياج أراكييا باقية. وفي حين بات محط أنظار الجميع في القاعة، صوب بصره نحو سوبارو وآبل، وأومأ برأسه قائلاً: «ها أنتما ذا».
كانت هيئة فلوب ملطخة بالدماء في سائر أنحائها، ما عكس بوضوح فظاعة الموقف في ذلك المستشفى الميداني المؤقت.
لكن حقيقة قدومه إلى هنا في هذا التوقيت لا تعني سوى أن――،
سوبارو: [فلوب-سان، كيف تسير عملية علاج الجميع؟]
فلوب: [لقد انتهينا من كل شيء في الوقت الحالي! …همم؟ يبدو من هيئتك أنك تفضل مناداتك بـ «الزوج-كن» بدلاً من «الآنسة ناتسومي»؟ إن كان الأمر كذلك، فسأعود لمناداتك بـ «الزوج-كن».]
سوبارو: [حسنًا، لا مشكلة في أي منهما. ولكن، أجل، هل انتهت الأمور حقًا…]
وبينما كان سوبارو يتلقى كلمات فلوب التي تنم عن مراعاة غير مباشرة لمشاعره، انتابه شعور متزامن بالارتياح والقلق عند سماعه أن عملية العلاج قد اختُتمت.
كان الارتياح نابعًا ببساطة من انتهاء مهمة إسعاف الجرحى، بينما كان القلق ناجمًا عن ترقب النتائج الحقيقية لمهمة العلاج تلك.
لقد انهار هدف «الحصار غير الدموي» بالفعل.
فقد سقط سبعة حراس ضحايا أثناء تهريب أراكييا، ولم يتبقَّ سوى السؤال عما إذا كان أيٌّ من المصابين سينضم إلى قافلة الموتى.
فلوب: [لم تقع أي حالة وفاة، يا «الزوج-كن».]
سوبارو: [إيه…]
فلوب: [مع ذلك، كان موقفًا عصيبًا علينا جميعًا. لكن أعتقد أن الفضل يعود لجهود «الزوجة-سان» و«ابنة الأخت-تشان»، إلى جانب سرعة بديهة الآنسة تاريتا والآنسة أوتاكاتا. وبالطبع، كان عليّ وعلى أختي أن نعمل بجد نحن أيضًا!]
بعد أن قرأ فلوب ما يختلج في صدر سوبارو من ملامح وجهه، سارع بإعطائه الإجابة أولاً.
تفاخر فلوب بمساهمته وهو يشير إلى نفسه، وبدا رجوليًا على نحوٍ لافت. كانت الإجابة مقتضبة، لذا لم يحتج سوبارو سوى لبرهة وجيزة بحجم خفقة قلب لكي يستوعب ما سمعه.
ولكن، ما إن استقر المعنى في أعماقه بعد خفقة أخرى، حتى انطلقت من صدره زفرة راحة عميقة.
سوبارو: [لم تقع أي وفيات… هكـ.]
فلوب: [أجل، إنها دلالة على أن الجميع استماتوا للبقاء على قيد الحياة! أما عن نفسي، فلولا حماية أختي لي، لكنتُ قد ارتطمت برأسي وقضيت نحبي! هاهاها، لا طاقة لي بمضاهاة أختي!]
سوبارو: [أجل، أجل، هذا صحيح. وأنا أيضًا لا قِبَل لي بمجاراة ميديوم-سان…]
ضحك فلوب بملء شدقيه أمامه، في حين أطرق سوبارو بنظره نحو الأرض وارتجف كتفاه.
ودون أدنى مبالغة أو مزاح، كان يشاطره الرأي ذاته تمامًا؛ فلولا وجود ميديوم―― أو أي شخص آخر في ذلك الموقف، لما تناهى هذا الخبر السار إلى مسامعه أبدًا.
لقد أُزهقت أرواح بالفعل، لكن بالمقابل، ثمة أرواحٌ كُتبت لها النجاة.
وتلك الحقيقة أثارت في أعماق فؤاده مشاعر جياشة لا تُوصف――،
آبل: [――أيها التاجر، ما شأن تلك المتمرسة في فنون الشفاء؟]
وعلى النقيض من تأثر سوبارو، أقحم آبل نفسه في الحديث بنبرة تتسم بالبرود والجفاء.
«متمرسة في فنون الشفاء»؛ رفع سوبارو حاجبه إزاء هذا الوصف الغريب، بينما وضع فلوب إصبعه على شفتيه قائلاً: «متمرسة…»، متمتمًا بها وهو يقلب الكلمة في ذهنه.
فلوب: [أتعني… «الزوجة-سان» الخاصة بـ «الزوج-كن»؟]
آبل: [من غيرها؟ أكنت تظن بوجود شخص آخر في ذلك المكان يقوى على استخدام سحر الشفاء غير تلك الفتاة؟]
فلوب: [لا، لا يخطر ببالي أحد سواها! فقط…]
آبل: [فقط ماذا؟]
فلوب: [أعتقد أن عليك محاولة التعبير بطريقة تجعل الناس يحبونك أكثر، يا «رئيس القرية-كن». حتى حين تناديهم، ستسير الأمور بسلاسة أكبر بكثير إن حرصت على أن تكون ودودًا!]
رفع آبل أحد حاجبيه ردًا على هذا الاعتراض المرح والصريح إلى أبعد حد أمامه.
كان كلام فلوب رزينًا ومحترمًا، لكنه حمل في طياته جرأة مخيفة تجعل السامع يحبس أنفاسه لفرط صراحته مع الإمبراطور.
وبطبيعة الحال، لم يرق لسوبارو أبدًا أن يُشار إلى ريم بتلك الطريقة الجافة التي تختزل كيانها في مجرد قدراتها.
آل: [هذا الموقف لا يبدو مقنعًا كثيرًا بعد كل ذلك الكلام الوقح الذي تفوهتَ به قبل قليل، يا صاح.]
سوبارو: [بالنظر إلى كل الأهوال التي قطعناها معًا، يحق لي أن أقول هذا القدر على الأقل… وفلوب-سان يملك الحق ذاته أيضًا، أليس كذلك؟]
آل: [لا أعلم عن ذلك، لكني أموت شوقًا لسماع حكايات مغامراتك يا صاح.]
لقد كانت رحلة حافلة بالاضطرابات والمحن بحيث يصعب سردها الآن، وتلك مسألة سيُخاض فيها في وقت آخر.
وبصرف النظر عن أسلوب آبل الجاف في السؤال، ظلت سلامة ريم هي الشاغل الأكبر والأولوية القصوى لسوبارو. وبالتأكيد، كان قد عاين بنفسه أنها لم تُصب بأي أذى ظاهر للعيان.
سوبارو: [ألم تُفرط في إجهاد نفسها وتنهار أو شيء من هذا القبيل؟]
فلوب: [لا تقلق بشأن ذلك يا «الزوج-كن». بالطبع، نال منها كل ذلك الجهد الشاق، لكنه ليس بالأمر الذي لا يمكن تداركه بقسطٍ من الراحة. إنه لمن الرائع حقًّا أن تحظى بـ «الزوجة-سان» المجتهدة إلى جانبك.]
سوبارو: [فهمت… حسنًا، هذا يبعث على الارتياح.]
مسد سوبارو صدره متنفسًا الصعداء، وغمرته السعادة إثر تأكيدات فلوب المطمئنة.
فالظروف كانت على ما هي عليه؛ وعلى الرغم من اضطراره للاعتماد على ريم، إلا أنه كان يخشى بصدق أن تفرط في إجهاد نفسها. فما كان لكلمات سوبارو أي وزن أمام عزمها؛ فإن كانت قادرة على المساعدة، فلن تصغي لتحذيراته أبدًا.
آل: [――«الزوجة-سان»؟]
تمتم آل بتلك الكلمة بخفوت إلى جانب سوبارو، الذي كان يربت على صدره مرتاح البال.
وضع آل يده على ذقن خوذته الفولاذية، وأمال رأسه في حيرة مستطردًا:
آل: [لا أظن أنني رأيتها في الأعلى، لكن هل أتت تلك الفتاة التي تنتمي إلى جماعتك إلى هنا أيضًا يا صاح؟]
سوبارو: [الفتاة التي تنتمي لجماعتي… أتقصد إميليا-تان؟ لا، هي لم تأتِ إلى هنا. كم كان وجودها سيبعث في نفسي الطمأنينة… لكن من ناحية أخرى، لا أعتقد أنني كنت لأتمنى وجودها في هذا المكان.]
فطبيعة إميليا الرقيقة ونهج إمبراطورية فولاكيا في الحياة يشبهان الماء والزيت؛ لا يمتزجان أبدًا.
ورغم احتمال أن تجد إميليا -التي تميل عادةً للتحرك بدافع العاطفة قبل التفكير- النهج الإمبراطوري الصريح أكثر راحة لها، إلا أن القسوة المتجذرة في الإمبراطورية ذاتها تتجاوز ذلك بمراحل. ――فإميليا لا تلائم بيئة الإمبراطورية إطلاقًا.
آل: [――زوجة أخرى غير فتاتك إذن؟]
سوبارو: [….أقولها لك لكي تعلم فقط، نحن نستخدم هذا المسمى كغطاء لتسيير أمورنا للضرورة. ولأصدقك القول، هي فتاة عقدت العزم على معاملتها بكل ذلك الحرص والاهتمام. وسأعيدها إلى الديار مهما كلفني الثمن.]
آل: [――――]
أوضح سوبارو الأمر لآل، الذي كان يتمتم بصوت خفيض ويده لا تزال تسند ذقنه.
وطالما أنهم جميعًا في الإمبراطورية، فمن المستبعد أن تخرج شائعات مريبة من فم آل، غير أن سوبارو لم يُرد لآل أن يسيء فهم الموقف، ولم يشأ أن يُعكر أحد صفو عزيمته تلك.
بريسيلا: [ذلك الرجل واهن البنية، الذي ينادونه بالتاجر… أأنت أحد أتباع آبل؟]
فلوب: [لا، لست من أتباعه. أنا وأختي في موقف المتعاون مع «الزوج-كن» و«رئيس القرية-كن». حسنًا، أعتقد أنه من المناسب أن أصفه بصديقي الأحدث!]
بريسيلا: [أوه، صديق إذن؟]
تبادلت بريسيلا أطراف الحديث مع فلوب، وارتخت شفتاها بابتسامة خفيفة عند سماع إجابته. حَرَصت على مواراة شفتيها خلف مروحتها، ثم صوّبت نظرة ذات مغزى نحو آبل.
بريسيلا: [لم أكن أعلم أنك منكبٌ على تكوين الصداقات بهذا الجد. يبدو أن عرش إمبراطور فولاكيا قد بات رخيصًا لدرجة يسهل معها التخلي عنه.]
آبل: [كفي عن تهكمكِ هذا. لا أذكر قط أنني صادقت ذلك الرجل.]
فلوب: [ما الذي تقوله يا «رئيس القرية-كن»؟ لقد شارفت المنية معنا وجهًا لوجه ونحن نرتدي أزياء النساء!]
آبل: [إن أفلتَّ من براثن الموت بصحبة أحدهم، فهل تصيران صديقين في التو واللحظة؟ إن كان الأمر كذلك، فكل جندي إمبراطوري هو صديق لي. والشخص الذي كان أقرب الناس إليّ عند حافة الموت، هو عدوي اللدود الآن.]
هذا الرد المفحم الذي استند فيه إلى موقفه الحقيقي ألجم لسان فلوب فور سماعه.
ومع ذلك، كان ذلك السلاح ذا حدين؛ إذ نال من كبرياء آبل ولم يتركه سليمًا هو الآخر.
سوبارو: [على أية حال، جلب لنا فلوب-سان أنباءً سارة. وأود لو نتطرق إلى المزيد من الأخبار الإيجابية أيضًا…]
آبل: [――انتظر.]
سوبارو: […ما الخطب؟]
لقد كان مسعى سوبارو طرح موضوع متفائل في خضم اجتماع يسوده الوجوم، لكن آبل قاطع مسعاه ذلك مشيرًا بذقنه نحو فلوب.
انقادت نظرات سوبارو مع حركة ذقن آبل، فالتفت هو الآخر ليرمق فلوب بتمعن.
سوبارو: [فلوب-سان؟]
وبالفعل، كان الدافع وراء إشارة آبل إليه هو ملاحظته لتغيرٍ طرأ على قسمات وجه فلوب.
لم يكن فلوب قد خسر ابتسامته المشرقة والودودة، إلا أن عينيه -اللتين طالما شعتا ببهجة ساطعة كقرص الشمس- لاحت فيهما مسحة خافتة من التردد والشجن.
آبل: [إن كنت تاجرًا بحق، فعليك أن تزن أسلوبك في طرح الأمور. ومن هذا المنطلق، لا أظنك تصلح لمهنة التجارة أصلًا.]
فلوب: [تناهت إليّ آراء شبيهة من قبل، لذا لدي ما أقوله حيال ذلك، لكنني سأكتفي بهذا القدر في الوقت الراهن… يا «الزوج-كن»، ثمة أمر نسيت إخبارك به قبل قليل.]
سوبارو: [――――]
رمق فلوب آبل وتعليقه بنظرة جانبية، ورفّت أهدابه بشيء من الشجن، ثم صوّب عينيه نحو سوبارو.
ملامح وجهه المشرقة وتلك المسحة الكئيبة التي غشته، جعلت قلب سوبارو ينقبض؛ فلم يملك إلا أن يتمنى لو أنه لا يسمع ما سيقوله فلوب، لكن لم يكن أمامه بدّ سوى الإنصات.
من هذا المنظور، امتلك فلوب موهبة فطرية تجبر الآخرين على الإصغاء لحديثه، ولولا وطأة هذا الموقف، لأثنى سوبارو على براعته تلك كتاجر.
ورغم ذلك كله――،
فلوب: [والأمر ذو صلة بـ «رئيس القرية-كن» أيضًا. أريد من الآنسة كونا والآنسة هولي مرافقتنا كذلك.]
والآن بعد أن عجز عن صد فلوب عن الكلام، شعر بنفور من موهبته تلك، وكأنها موهبة ملعونة.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: […آبل وناتسومي قد أتيا أيضًا إذن.]
تلبيةً لنداء فلوب، غادر سوبارو والآخرون قاعة الاجتماعات وصعدوا إلى الطابق العلوي من مبنى البلدية.
وفي ذلك الحيز الذي أشبه بمستشفى ميداني حيث حُشد المصابون، استقبلت ميزيلدا سوبارو ومرافقيه بعد أن جزّت خصلات شعرها الأسود المحترق.
فالمجموعة التي اقتحمت غوارال أُخذت على حين غرة بهجوم أراكييا المباغت، بيد أن ميزيلدا تحديدًا نالت النصيب الأوفى من الإصابات البالغة؛ بعدما اجتاحتها ألسنة اللهب أولاً، ثم نال منها تبادل الضربات العنيف مع أراكييا في الختام.
فبعد أن اكتوى كامل جسدها بالنيران وابتلعها الإعصار العاتي، اخترقت ضربة أراكييا أحشاءها بعمق.
ومهما بلغت متانة بنيتها الجسدية، كان هذا بلا ريب موقفًا يضع حيوية ميزيلدا على المحك، كأنه امتحان لمدى صمودها في ظل اعتمادها على فنون الشفاء الخاصة بريم، والتي لم تكن في ذروة عهدها.
ميزيلدا: [معذرةً على استدعائكما إلى هنا، لكنني رأيت أنه يتحتم عليّ إبلاغكما في أقرب وقت.]
سوبارو: [ميزيلدا-سان…]
ابتسمت ميزيلدا ابتسامة واهية وهي تتحدث، متكئة على مقعد بالقرب من الجدار.
وبوصفها إحدى أعتى محاربات الأمازون، بدت ابتسامتها هذه المرة مجردة من تلك الشراسة الفطرية التي طالما بدت منها تجاه سوبارو ورفاقه في مناسبات شتى.
ومع هذا، فإن وميض العزيمة في عينيها لم يخمد بعد؛ فبدا التناقض بين ضعف جسدها وقوة عينيها صارخًا.
ميزيلدا: [بادئ ذي بدء، شكرًا لكما. فبفضل ريم، ما زلت أتنفس حيةً. إنها لمعجزة حقًا.]
سوبارو: [――――]
ميزيلدا: [وقد أسقطتما المدينة كذلك. بصفتي زعيمة شودراك، يغمرني الإعجاب بما أنجزتماه. وفوق ذلك، يتعين عليّ الإدلاء بإعلان يخص مستقبل هذه الحرب.]
وبعد أن أشادت بتفاني ريم وجهود سوبارو، عدّلت ميزيلدا من جلستها وأسندت ظهرها باستقامة.
ومن ثم――،
ميزيلدا: [سأنقل منصب زعيمة شودراك إلى أختي تاريتا؛ فلم يعد بوسعي النهوض بأعباء واجباتي بعد الآن.]
ربتت بيدها على ساقها اليمنى المبتورة من أسفل الركبة، وهي تعلن تنازلها عن زعامة القبيلة لشقيقتها.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] تُعتبر كل من «رومانسية الممالك الثلاث» و«حافة الماء» اثنتين من «الروايات الكلاسيكية الأربع الكبرى» في الأدب الصيني القديم.