الفصل 389 - شروط النصر
الفصل الثامن والعشرون:
«شروط النصر»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――أثارت أنباء اختطاف أراكييا الأسيرة موجة من الاضطراب في قاعة المؤتمرات.
كونا: [يا له من عار. حتى سهم هولي لم يستطع اللحاق بهما، لقد فرّا.]
هولي: [صحيح~]
الشخصان اللذان خفضا رأسيهما اعتذارًا هما هولي، التي كانت تحمل قوسًا في يدها، وكونا.
وبرفقة هولي، حاملة الأخبار السيئة، صعدت كونا فورًا إلى السطح لمطاردة أراكييا الهاربة ومختطفيها. وباستخدام مزيج من قوة ذراع هولي وحدّة بصر كونا، أطلقتا السهام على الفارين، تمامًا كما فعلتا مع تود حين هرب سوبارو والآخرون في الأصل من غوارال.
ومع ذلك، تمكن الفارّان من التصدي للقنص بعيد المدى المشترك بينهما، وتفوقا عليهما بدهائهما واقتادا أراكييا بعيدًا.
كونا: [بقي أحدهما في الخلف كطُعم، والآخر أخذ الجنرال السامي. لا يمكننا أن ندع الأمر ينتهي هكذا، يجب أن نلاحقهما…]
؟؟؟ و؟؟؟: [――لا فائدة من ذلك.]
قاطعت كلماتها نبرتان هادئتان بينما كانت كونا تعض على شفتيها بحسرة وإحباط.
نطق كل من آبل وبريسيلا الكلمات نفسها في آن واحد، وهما جالسان بلا حراك حول الطاولة المستديرة. تبادل الاثنان النظرات، ثم أغمضت بريسيلا عينيها.
كانت تلك إشارة منها بأنها تترك إدارة الحديث لآبل.
آبل: […كان أسلوبًا للتسلل خلف خطوطنا بعدد قليل من الرجال، وتحقيق هدف واحد ثم الهروب. دور كل منهما كان محددًا بدقة في حال انفصلا. شجاعتهما في الإقدام على فعل ذلك، وسرعة حكمهما بالانسحاب، أمران يستحقان التقدير. لن يتم الإمساك بهما حتى لو أرسلنا من يطاردهما.]
كونا: [――كُـه، ولكن مع ذلك…]
آبل: [في أقل من نصف يوم، ستستيقظ أراكييا. فإن حدث ذلك، فلن تصمد أي قوة تعقب نرسلها في طريقها. وإن غيروا رأيهم وقرروا مباغتة المدينة، فسيكون التحرك ضدهم عبثًا كذلك. دعيني أوضح لكِ: لن يحالفنا الحظ نفسه مرتين. وعلى أقل تقدير، فإن خوض مواجهة بقواتنا الحالية الآن يُعد ضربًا من التهور.]
كونا: [غـوه… كُـه.]
هولي: [كونا… ما يقوله آبل صحيح~.]
بسيل كلماته الحاسمة والمتتابعة، أجهض آبل إصرار كونا. أما هولي، التي كانت تقف بجوارها، فربتت على كتفها بلطف في محاولة لتهدئتها ومواساتها.
بصفتها ممثلة زعيمة القبيلة في المائدة المستديرة، وبثقتها العالية في مهاراتها في الرماية، لا شك أن كونا تجرعت خيبة أمل مريرة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أسلوب آبل الفج والقاسي، أومأ سوبارو برأسه موافقًا على منطقه.
فالجنود الإمبراطوريون الذين اقتحموا السجن ما كانوا ليقدموا على خطوة كهذه دون أن يحسبوا احتمالات فوزهم. حددوا غاية ممكنة التحقيق وفق ظروفهم، ووجدوا سبيلاً لكسر التوقعات، ثم أقدموا على التنفيذ. وبطبيعة الحال، لم يكونوا ليخاطروا بمهمة انتحارية أو رحلة ذهاب بلا عودة، بل لا بد أنهم أعدوا خطة انسحاب محكمة.
بريسيلا: [مهما أولتم الأمر، فإن أجل ذلك الشيء لم ينتهِ هنا. وطالما كان الأمر كذلك، فأنا واثقة بأن له دورًا آخر ليؤديه.]
سوبارو: [بريسيلا…]
طرحت بريسيلا كلماتها تلك ببرود وسط سكون القاعة.
أما سوبارو، الذي كان قبل قليل يناقش مصير أراكييا، فقد استبدت به مشاعر معقدة؛ إذ لم تُعدم، لكنها أُخذت بعيدًا قبل أن تتاح له فرصة التحدث إليها وفهم دوافعها.
لكن ما الذي تفكر به بريسيلا حقيقةً في مسألة اختطافها، وهي التي اتخذت موقف اللامبالاة التام حيال حياة أراكييا وموتها؟ لم يكن بمقدور أحد قراءة جواب ذلك خلف بريق عينيها القرمزيتين.
آل: [إذن، في النهاية، ماذا سنفعل بخصوص تلك الفتاة، أراكييا؟ هل قررتم تركها وفقط يا صاح؟]
سوبارو: […بما أنهم أخذوها بعيدًا، فما بيدنا حيلة أخرى.]
بملامح يكسوها الألم، رد سوبارو على كلمات آل الذي عجز كعادته عن قراءة أجواء المكان ومراعاة مشاعر الحاضرين.
فبعد نجاح الهاربين في التصدي لقنص كونا وهولي، لم يعد بوسعهم الرهان على إرسال مطاردين يمتلكون مهارات عادية. حصر هذا الخيارات في أسماء معدودة، وهؤلاء النخبة تحديدًا لا يمكن التفريط بوجودهم أو السماح لهم بمغادرة غوارال في الوقت الراهن.
على الرغم من كل جهوده لابتكار حل، إلا أن مكمن قوة سوبارو كان في الهجمات المباغتة، وهو ما جعله غير ملائم أبدًا للمواقف التي يمسك فيها خصمه بزمام المبادرة. وهذا المأزق الراهن أظهر تلك الحقيقة بوضوح.
سوبارو: [بالمناسبة، لا أظن أن هذا مرجح، ولكن ماذا لو كانوا لا يزالون مختبئين داخل المدينة متظاهرين بالفرار؟]
زكر: [لا أعتقد ذلك. على الرغم من أن المدينة تُعد حصنًا منيعًا، وهناك مسالك سرية أخرى غير البوابتين الرئيستين، إلا أن جميعها قد سُدّت بعناية فائقة خلال الأيام القليلة الماضية.]
سوبارو: [بعناية فائقة…]
زكر: [نعم. كنا نتوقع منكم التسلل إلى المدينة عبر تلك الممرات السرية، ولم يخطر ببالنا قط أنكم ستُقدمون على خطة طائشة كهذه للاقتحام مباشرة من البوابة الأمامية.]
على الرغم من أنه أُخذ على حين غرة، إلا أن زكر أجاب بكل هدوء ودون أدنى شائبة انزعاج.
فبصفته القائد الأعلى لمدينة الحصن، كان التحوط لأي ممرات سرية أمرًا بديهيًا لا غنى عنه. ومع ذلك، فإن الإجراءات الدفاعية الصارمة التي اتُخذت تحت قيادته شكلت رياحًا مواتية دفعت الجنود الذين انتزعوا أراكييا وفرّوا بها.
زكر: [لعل الجنود الذين استعادوا الجنرال من الرتبة الأولى كانوا من ضمن فرقة تمشيط الممرات السرية. وكما قال آبل-دونو، هم ليسوا ممن يخوضون رهانًا دون أن تلوح لهم بارقة نصر. وطالما كان الأمر كذلك، فإني أرجح أنهم أقدموا على فعلتهم لعلمهم المسبق بوجود طريق للنجاة.]
سوبارو: [ألا يمكن تحديد مواقع الممرات التي أغلقتموها على الخريطة؟]
زكر: [――. يمكن رسم مخطط لها، ولكن ليس في الوقت الحالي. لقد سقطت المدينة، وصفوف الجنود تعيش صدمة وفوضى عارمة، ولن تهدأ هذه المعمعة في وقت قريب.]
سوبارو: […لو كانت هذه مجرد لعبة، لكان الأمر بتلك السهولة.]
فلو كان هذا فصلاً في لعبة فيديو، لكفى للمرء أن يضم قائد العدو المهزوم لصفه حتى تتبعه كل الكتائب التابعة له بالولاء. لكن الواقع لم يكن لعبة؛ فالجنود في الألعاب يُختزلون في مجرد أرقام وإحصائيات، أما هنا، فلكل واحد منهم روح وحياة قائمة بذاتها.
وبعد تفكير عميق استغرق لحظات――،
سوبارو: [هولي-سان، هل تعرضتِ لأي إصابة؟]
هولي: [همم؟ أتقلق عليّ~؟ ناتسومي لطيفة جدًا~.]
أمام سؤال سوبارو، رفعت هولي ذراعيها بابتسامة عريضة، واستعرضت عضلاتها المفتولة لتؤكد أنها بأتم صحة وعافية.
هولي: [تعرضت لبعض الرضوض الخفيفة، لكنها ليست خطيرة أبدًا، سأتعافى في رمشة عين~.]
سوبارو: [أرى ذلك. يسعدني سماع ذلك… ولكن.]
حين تلعثم سوبارو في كلامه وأطرق ببصره نحو الأرض، بدت علامات الحيرة على وجه هولي. وحين فطنت كونا لما يجول في سريرة سوبارو، حكّت رأسها متأففة بـ «آه».
ثم――،
كونا: [قُتل بعض الحراس الذين كانوا مرابطين داخل المبنى. كانوا جميعًا قد فارقوا الحياة، لذا لم يكن بيدنا ما نفعله.]
سوبارو: […بعضهم؟ أخبريني، كم عددهم؟]
كونا: […سبعة رجال.]
وعندما سُئلت عن العدد الدقيق للضحايا، أجابت كونا على الرغم من ترددها البادي.
سبعة. انغرس هذا الرقم كالنصل الحاد في أعماق فؤاد سوبارو. ――ففي الطابق العلوي، كانت ريم تبذل وسعها وتباشر جهودًا مضنية ومستمرة لإسعاف الجنود الإمبراطوريين ونساء شودراك ممن أصيبوا في غارة أراكييا، ولم تكن قد بلغتهم أي أنباء عن وقوع وفيات. نعم، لم تبلغهم أنباء كهذه، ولكن――،
سوبارو: […كيف يكون هذا حصارًا خاليًا من إراقة الدماء؟]
ممررًا يده بين خصلات باروكته السوداء الطويلة، أطلق سوبارو زفرة حارقة يمزقها الانكسار.
ذلك الحصار غير الدموي الذي تصدى له بكل حماس وقطع على نفسه عهدًا بإنجازه، كان من المفترض أن يُتوج بسقوط غوارال دون إزهاق قطرة دم واحدة. وعوضًا عن ذلك، انتهى الأمر بحصاد العديد من الأرواح.
لقد نُكث عهده؛ وحتى لو نُعت الآن بالكاذب فلن يملك دفعًا لتلك التهمة. بل حتى لو لم يُلقِ أحد باللوم عليه، فإن سوبارو نفسه سيظل يدين روحه ويراها كاذبة وخائنة لوعدها.
لأنه كان الكاذب الأكبر بين كل الحاضرين――،
؟؟؟: [――حصارٌ خالٍ من إراقة الدماء؟]
وعندما التقطت مسمع تلك الهمهمات الخافتة التي تلفظ بها سوبارو، ترددت نبرة صوت تعيد الكلمات ذاتها كأنها تتأمل معناها وتزنه.
كانت بريسيلا؛ تسند خدها على يدها وهي تتكئ على الطاولة المستديرة. وبملامح مغايرة لعهدها المعتاد، رفعت حاجبها المرسوم بدقة وراحت تتفرس في سوبارو بتمعن.
وبتلك النظرة المرتسمة على وجهها، استهلت بريسيلا كلامها بكلمة مقتضبة: «أنت».
بريسيلا: [خُيّل إليّ أنني سمعت حماقة لا نظير لها. أكنت تعتقد حقًا أنه بمقدورك إسقاط مدينة بأسرها دون إراقة قطرة دم واحدة؟ في خضم هذه الحرب، ودون امتلاك قوة عسكرية ساحقة ترجح كفتك؟]
سوبارو: […نعم، كلامكِ صحيح، هذا خطأي. لا، بل هو ذنبي بالكامل، أليس كذلك؟ ففي نهاية المطاف، كان ذلك كله زلّة مني…]
بريسيلا: [لم تكن سوى فكرة بلهاء، وهذا تحديدًا مبعث دهشتي؛ إذ يعتريني الذهول من مجرد إقدامك على محاولة تحويل أضغاث أحلام كهذه إلى واقع. ――آبل، أجننت؟]
آبل: [――. الخطة في أصلها كانت ضربًا من الجنون المحض منذ البداية.]
كان السؤال موجهًا نحو آبل، الذي عقد ذراعيه وأجاب بكل هدوء ورصانة.
فالخطة التي اقترحها سوبارو كانت محض جنون بالفعل، وفي الحقيقة، فإن أي شخص يُلقى على مسامعه موجزها سيقرّ بذلك دون تردد. ومع هذا، سار آبل معه في ركابها.
أما بريسيلا، التي كانت فيما يبدو على معرفة وثيقة به، فلم تستوعب سبب قبوله لذلك.
بريسيلا: [يبدو أن النظر إلى الإمبراطورية من علياء العرش قد أصابك بكل هذا التراخي. فلا حرب تقوم بلا تضحيات، ولا مجد يُنال دون إراقة دماء. هذه هي شريعة الإمبراطورية وديدنها، أليس كذلك؟]
آبل: [لا نية لدي لمخالفة ميثاق «ذئب السيف». لقد اعترفت بأنها ضرب من الجنون، لكن كفة الاحتمالات كانت تميل لصالحي. والواقع أنه لولا مباغتة أراكييا، لتم الحصار دون قطرة دم واحدة.]
بريسيلا: [――――]
آبل: [لم يكن العيب في الخطة إذن، بل في تقديري أنا للموقف. وبريسيلا، لن أسمح حتى لكِ بالسخرية والاستخفاف بما جاد به الاستراتيجي العسكري التابع لي. لقد كان ذلك قراري بمحض إرادتي، والملامة تقع على عاتقي وحدي.]
سوبارو: [أوه…]
جابه آبل بريسيلا وجهًا لوجه بكلمات حاسمة ومباغتة، لم تكن متوقعة على الإطلاق.
فأقوال آبل ومواقفه كانت دفاعًا صريحًا وغير موارب عن سوبارو، رغم أنه نصّبه حديثًا في منصب غير مألوف كاستراتيجي عسكري. ولم يكن بمقدور سوبارو إقحام نفسه في هذا النزاع الخطر القائم بينهما.
آل:[ما خطبه يا صاح؟ يبدو أنه معجب بك للغاية، وكأنك ستحظى بترقية ضخمة.]
سوبارو: […يكفيني تمامًا منصبي كفارس لإميليا-تان وراعٍ لبيكو. لا رغبة لي في تقلد أي مناصب أخرى لا ناقة لي فيها ولا جمل.]
دفع سوبارو آل بعيدًا عنه، وكأنه بذلك يحاول إزاحة وطأة المسؤولية التي تكاد تطحن كاهله.
وعلى الرغم من أن اهتمام بريسيلا بدا وكأنه تحول نحو آبل بفضل تدخله لحمايته، إلا أن ذلك لم يضمد الجراح النازفة في أعماق فؤاد سوبارو.
فمسؤولية تلك الأرواح التي زُهقت ينبغي أن تقع على عاتقه وحده؛ فهو من أتى بالفكرة وشرع في تنفيذها.
آل: [لا تستطيع انقاذهم كلهم يا صاح.]
تمتم آل بتلك الكلمات وهو يعبث بالقطع المعدنية المثبتة على خوذته، ناظرًا إلى ملامح وجه سوبارو الجانبية. وحين رمقه سوبارو بطرفه، رفع آل بصره نحو السقف مستطردًا:
آل: [مستحيل ان تنقذ كل نفس تحتكّ فيها وتتورط معها. لا أحد سيمنعك ولا يقولك لا تنقذهم، لكن قلبك سينكسر ويتقطع وأنت تسوي كذا. أبدًا لا أنصحك بهذا المشوار.]
سوبارو: [آل…]
آل: [كلنا نعيش ونموت بكيفنا وعلى هوانا. وزي ما قلت أنت يا صاح، ذي ماهي بلعبة؛ وكل واحد فيهم مسؤوليته يحافظ على رقبته وحياته بنفسه.]
كانت هذه هي النظرة السوداوية الساخرة التي اعتاد آل إظهارها بين الحين والآخر.
فمن جهة، كان يسدي لسوبارو درسًا قاسيًا حول حتمية وقوع المآسي وضرورة تقبلها كما هي دون مكابرة، وبدا في كلامه ناصحًا ومخلصًا في مشورته. لكن من جهة أخرى، كان أسلوبه يشبه توبيخًا يُلقى في وجه طفل عنيد يأبى الاستماع.
وكانت حجته، إلى حد بعيد، منطقية وفي محلها.
فالحقيقة أن كلمات آل أصابت كبد الصواب؛ فليس بمقدور المرء إنقاذ الجميع وحماية كل شيء، ولن يجد لنفسه مخرجًا إن عقد العزم على نجدة كل روح. ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع سوبارو قط طوال مسيرته حتى هذه اللحظة إنقاذ كل شيء على الإطلاق.
فحجم الحرب وأهوالها أمر مغاير تمامًا. ――فهل يجرؤ حقًا على الادعاء بأن خياره كان سديدًا؟
إن عدد الأرواح التي يقوى سوبارو على إنقاذها بخطوة واحدة يقدم عليها لم يكن ليبلغ حتى عشرة أشخاص، فما بالك بمئة؟
بريسيلا: [هذا الأمر أشد ابتذالاً حتى من مجرد مهزلة، كما تعلم.]
وبينما كان سوبارو وآل يتبادلان أطراف الحديث، واصلت بريسيلا وآبل مواجهتهما الحامية.
وإلى آبل الذي أخذ اللوم على عاتقه، أخرجت بريسيلا مروحة من شق صدرها ووجهت طرفها نحو قاعة المؤتمرات―― لا، بل نحو المدينة بأكملها.
بريسيلا: [حتى في الموقف الذي تمكنت فيه من إسقاط المدينة بنجاح بمساعدة استراتيجيك العسكري، فلن تتمكن من تكرار معجزة طرد أراكييا مرة أخرى. هل ستنجح تلك الطريقة مجددًا؟]
آبل: [بالفعل، لن تكون هناك مرة أخرى.]
أومأ آبل برأسه دون تردد ردًا على سؤال بريسيلا.
ومع ذكر الطريقة التي دُفعت بها أراكييا للتراجع، طرأت فكرة أيضًا على بال سوبارو العابس. ――لقد كانت هناك لحظة أثناء النزال بين آل وأراكييا أصبح فيها سلوكها غريبًا.
سوبارو: [لم يكن ذلك من فعل آل…]
آل: [ماذا؟ أجل، لم أكن أنا. في الأساس، لو كنت أنا من فعلها، لنفذتها بذكاء أكبر بقليل. كما تعلم، أنا من تلقى الضربة وطار بعيدًا.]
سوبارو: [هذا صحيح.]
الآن وقد ذُكر الأمر، فإن الأمور لم تسر على ما يرام حقًا، حتى مع مهارات آل.
جذبت المحادثة بين الاثنين أنظار كل من في قاعة المؤتمرات نحو آبل. فهو الوحيد القادر على تفسير ما حدث، لذا استنشق الهواء بضيق، منزعجًا من تركز الاهتمام عليه.
آبل: [أراكييا هي «آكلة الأرواح». تتغذى على الأرواح الموجودة في الهواء وتمتص طاقتها.]
سوبارو: [آكلة… الأرواح؟]
لم يمتلك سوبارو أي ذكرى عن سماعه بهذا المصطلح من قبل، لكن اللقب المقلق جعل عينيه تتسعان.
كان قد خمّن بالفعل أن إمبراطورية فولاكيا تحكمها قواعد وبيئة مختلفة مقارنة بمملكة لوغونيكا، لكن فكرة وجود «آكل أرواح» كانت أمرًا جديدًا تمامًا.
كان سوبارو نفسه مستخدمًا للفنون الروحية يستعير قوة الأرواح، لكن هذا بدا أمرًا مختلفًا جذريًا، ولتبسيط الأمر――،
سوبارو: [أنا بالتأكيد لا أريد أن أقحم بياكو في هذا… هل كون المرء «آكل أرواح» أمر شائع؟]
بريسيلا: [لا، ليس كذلك. كان «أكل الأرواح» في الأصل أحد أسرار القبائل التي كانت تعيش في المناطق الحدودية لـ فولاكيا. لكن قوتها كانت هائلة لدرجة أن تلك التقنية حُرّمت، وفُقدت طريقة اكتسابها.]
آبل: [على الأقل، وعلى حد علمي، لا يُعرف أي آكلي أرواح غير أراكييا. ولو وُجدوا، لكنت قد شملتهم بحمايتي بكل سرور. لقد كان ذلك من عمل المراقبين… لا، لم يعد الأمر مهمًا الآن.]
ولكي لا تنحرف المحادثة عن مسارها، هز آبل رأسه، وحثهم على العودة إلى صلب المسألة قائلًا: «بالعودة إلى موضوعنا الأساسي».
سوبارو، الذي شعر بالارتياح لسماعه أن «أكل الأرواح» ليس ممارسة شائعة، وأن بياتريس لم تعد معرضة لخطر أن تُلتهم، سأل:
سوبارو: [إذن كيف أربكتَ آكلة الأرواح، أراكييا؟]
آبل: [لم أربكها. ――لقد أصبتها بتسمم المانا فحسب.]
آل: [تسمم مانا… هاها، فهمت. يالها من حركة ذكية.]
كانت إجابة آبل منطقية، فأومأ آل برأسه بإعجاب وهو يفرك ذقنه.
كان سوبارو قد سمع بمصطلح «تسمم المانا» من قبل، وسرعان ما استوعب الأمر.
سوبارو: [حسب ما أذكر، كان الأمر يتعلق بأن الأشخاص الذين يعانون من فرط الحساسية تجاه المانا يميلون إلى الإصابة بالمرض عندما يتواجدون في أماكن تكون فيها كثافة المانا عالية جدًا.]
بريسيلا: [أراكييا عرضة بشدة لهذا النوع من التأثير، نظرًا لطبيعتها كـ «آكلة أرواح». فمن الشروط الأساسية أن يمتلك المرء مستوى معقولًا من المقاومة تجاه الأرواح حتى يتمكن من امتصاصها. ومع ذلك، إن حاولت تجاوز هذا المبدأ وإصابة أراكييا بتسمم المانا، فسينتهي بك المطاف بـ…]
آبل: [نعم، لقد دفعتني لاستخدام أحد كنوزي. وباحتساب ذلك الذي استخدمه هو من قبل، لم يتبقَّ بحوزتي أي شيء آخر.]
وبينما كان يقول «ذلك»، أومأ آبل برأسه مشيرًا نحو سوبارو. مما جعل سوبارو يتساءل في نفسه متعجبًا: «كنز؟»، وأمال برأسه إلى الجانب رافعًا حاجبيه.
على الرغم من أن آبل صرح بأن سوبارو قد استخدم أحد كنوزه، إلا أنه بصراحة لم تكن لديه أدنى فكرة عما يعنيه.
سوبارو: [عن أي كنز تتحدث؟ متى أخذتُ…؟]
آبل: [أثناء طقس دماء الحياة، كسرت الخاتم لقطع قرن وحش الساحرة. ذلك هو الكنز.]
سوبارو: [آه…]
كان قد غاب عن بسامي، لكن ذلك أعاد إليه ذكريات خاتم كان قد استعاره، والذي سمح له مسبقاً باستخدام السحر.
ففي خضم المعركة، لم يكن أمامه خيار سوى ضرب قرن «إلجينا» بذلك الخاتم، فحطمه وكسر قرن «وحش الساحرة»، تاركًا ذراعه وذلك الخاتم في حالة يُرثى لها.
وهناك شيء آخر ذُكر في السياق ذاته، هل هو نفس الشيء الذي استخدمه آبل في القتال ضد أراكييا؟
آبل: [عندما قفزت من الشرفة، حطمت الخاتم الذي كنت أخفيه. استغرق الأمر بعض الوقت حتى تغمر المانا التي كان يحتويها المنطقة المحيطة به، لكن…]
آل: [يعني ذيك البنت أراكييا صار لها كذا عشان جاها تسمم المانا؟ يا شيخ حرام عليك، البنت مسحت فيني البلاط.]
سوبارو: [هل نفذت تلك الحيلة الصغيرة في تلك اللحظة الحرجة…؟]
على الرغم من أنهم جميعًا كانوا في حالة من الإنهاك ومثخنين بالجراح، إلا أن سوبارو رفع القبعة احترامًا لرفض آبل القاطع للاستسلام. فكونه استمر في البحث عن ثغرة للفوز حتى وهو محاصَر من قبل ثاني أقوى جنرال في الإمبراطورية، كان أمرًا يبعث على الإعجاب.
كانت قدرة سوبارو على الصمود والتحمل جيدة جدًّا، لكن دهاءه كان بعيدًا كل البعد عن دهاء آبل لدرجة أنه لم يستطع التمييز بين الخطوة الخاطئة والهجوم المضاد اليائس.
على أية حال――،
سوبارو: [أليست هذه خطة أصلية أعددتها خصيصًا لـ أراكييا؟ إنها خطوة جريئة جدًّا منك أن تجهز فخًا كهذا وأنت لم تكن تعلم حتى أنها ستنقلب ضدك.]
آبل: [كلما زاد عدد الأشخاص المقربين منك، تعين عليك الاستعداد أكثر للحظة خيانتهم… أراكييا على وجه الخصوص، لم أكن أعرف أبدًا متى ستنقلب عليّ.]
بريسيلا: [――ومع ذلك، لا تتاح لك سوى فرصة واحدة لاستخدام حيلك. ليس من السهل الحصول على ما يكفي من أحجار السحر لإصابة شخص ما بتسمم المانا. سيكون من الضروري تأمين قوة قتالية معتبرة قبل مواجهتها في المرة القادمة. ولكن.]
بعد أن صرحت بذلك، قطعت بريسيلا كلماتها بطريقة ذات مغزى.
وبينما غطت فمها بمروحتها، ضيقت عينيها القرمزيتين وهي ترمق آبل. وبنظرة فاحصة ومختبرة إلى حد ما، أطلقت زفيرًا خفيفًا، وتابعت:
بريسيلا: [ضمّ شعب شودراك إلى صفوفك كان أمرًا متوقعًا… ومع ذلك، يصعب عليّ استيعاب كيف أمكنك أن تكون غبيًّا لدرجة تبني خطة استراتيجي عسكري ساذج لحصار مدينة حصينة دون إراقة دماء.]
آبل: [――――]
بريسيلا: [بهذا المعدل، لن أتمكن أبدًا من نصح شركائي بدعمك.]
سوبارو: [شركاؤك!؟]
اندهش سوبارو من بريسيلا، التي ألقت بتلك الكلمة بطريقة عابرة وطبيعية تمامًا. ولم يكن سوبارو وحده من تفاجأ، بل عمّت الدهشة جميع من في قاعة الاجتماعات باستثناء آبل وآل.
وبغض النظر عن رفيق بريسيلا، آل، بدا من غير المنطقي ألا يتفاجأ آبل أيضًا، لكن سوبارو اختار ألا يعلق على ذلك.
سوبارو: [لحظة، لحظة، لحظة، الأمور بدأت تتشعب! شركاء… في المقام الأول، أنا لا أفهم موقفكِ. سمعت أنكِ جئتِ لمساعدة آبل، لكن…]
بريسيلا: [أنا لست هنا لتقديم العون. لا تأخذ هرطقة مهرجي على محمل الجد.]
سوبارو: [فهمت! لا يهمني إن كنتِ قد جئتِ لمساعدة آبل أم لا. ليس هذا بيت القصيد. ما أريد معرفته حقًا، هو هدفكِ النهائي.]
كما سمعوا مسبقًا، كان هدفها الفرعي المباشر هو إجراء حوار مع آبل.
ومع ذلك، ما أراد سوبارو معرفته فعليًا هو لماذا بريسيلا―― لماذا هي، وآل، وربما الشركاء الآخرون الذين جلبوهم معهم، يتواجدون في إمبراطورية فولاكيا من الأساس.
علاوة على ذلك، سيكون من الأفضل أن يعرف ما إذا كانوا مستعدين للانحياز إلى جانب آبل أم لا.
سوبارو: [أجيبي عليّ. بصراحة، أنا والجميع هنا لا نعرف ماذا يجب أن نعتقد بشأنكِ.]
بريسيلا: [هذه هي الغطرسة في أبهى صورها. لا يهمني ما يعتقده أمثالكم من العامة بشأني. سأفعل ما يحلو لي. ففي النهاية…]
سوبارو: [――العالم مصمم ليناسبكِ، أليس كذلك؟]
أطلقت بريسيلا شخرة استهزاءٍ رداً على استنتاج سوبارو لفلسفتها المطلقة، التي كانت مألوفةً جدًا لأذنيه. ثم، بعد أن لاحظت تزايد عدد النظرات الموجهة إليها واشتداد حدتها، أغمضت بريسيلا عينًا واحدة.
بريسيلا: [غايتي هي إعادة الإمبراطور إلى العرش الذي أُطيح منه. وإن لم أفعل، فسأظل أستقبل سيلاً لا ينقطع من الزوار المزعجين.]
آبل: [وغني عن القول إنني لست من أرسل أولئك القتلة.]
بريسيلا: [لم أشك في ذلك بتاتًا. ولهذا السبب، تكبدت عناء المجيء إلى هنا. أو بالأصح، تركت أجنحتي تحملني إلى هنا.]
أجابت بريسيلا آبل وهي تغمض عينًا واحدة، ورمقت بنظرها نحو الأعلى. ومع غياب السقف، برزت سماء الليل ممتدة في الأفق.
وبشكل أدق، لم تكن السماء وحدها ما يظهر هناك، بل كيانٌ جعل السماء ملكًا له――،
سوبارو: [مستحيل، هل هبطتما أنتِ وآل للتو من السماء؟]
آل: [أوه، الخدمة أشبه بالتوصيل السريع على ظهر تنين طائر. بصراحة، ظننت أن العالم قد انتهى حين قفزت الأميرة بمفردها. لم أتمكن من اللحاق بها بالطبع، لذا لم أستطع النزول حتى انخفض التنين قليلاً.]
سوبارو: [تنين طائر… لقد أرعبتني تنانين الماء في بريستيلا حتى الموت.]
فبالإضافة إلى تنانين الماء، التي تُعد مخلوقات خيالية قياسًا بتنانين الأرض، طفت الآن حقيقة وجود التنانين الطائرة على السطح.
ومما سمعه، كانت التنانين الطائرة شرسة للغاية وتتطلب مهارات متخصصة لترويضها. وبما أن المروضين القادرين على ذلك لم يكونوا كُثرًا، فإن مجرد القدرة على ركوب تنين طائر تُعد في الأساس أمرًا نادرًا.
سوبارو: [بعبارة أخرى، الشخص القادر على توفير خدمة التوصيل السريع بواسطة تنين طائر هو شريك لبريسيلا؟]
بريسيلا: [لا تأتِ بأفعال وضيعة كأن تتصيد كلمات الآخرين وتفككها. في حالتك، وضاعتك تطغى على ذكائك. هذّب وجهك الجميل، فما زلت قادرًا على الظهور بمظهر حسن إن أصلحت مساحيق تجميلك.]
سوبارو: [إذا أصلحت مساحيق تجميلي الآن، فسأبدو كشخص مجنون بلا شك، أليس كذلك…؟]
الآن وقد أتت على ذكر الأمر، فإن عجزه عن التخلص من زيه النسائي حتى هذه اللحظة قد يُعد مشكلة بحد ذاته، غير أن الحاضرين هنا كانوا يراعون الأجواء المحتقنة، لذا لم يتطرقوا إلى هذه المسألة.
على أي حال، ها هو ينحرف عن مسار الحديث مجددًا، ولكن――،
سوبارو: [إذا كان الهدف هو إعادة آبل إلى العرش، فهل هذا يعني أنه يمكننا التعاون مع بعضنا البعض؟]
بريسيلا: [في الواقع، لا يسعني منحك موافقة صريحة. ――لم أنسَ ما قلته آنفًا. إذا لم يكن يمتلك صفات الإمبراطور، فلن تكون هناك أي فائدة من إعادته.]
آبل: [――――]
رمق آبل بريسيلا بنظرة حادة، واشتدت صرامة عينيه حين شُكّك في أهليته كإمبراطور وجهاً لوجه.
ما اعتبرته بريسيلا مدعاة للقلق، كان خطة «الحصار بلا دماء» التي اقترحها سوبارو ووافق عليها آبل―― ليس فشل تنفيذها بقدر ما هو المشكلة الكامنة في الفكرة ذاتها منذ البداية.
فوفقًا لنهج فولاكيا، قد تكون السذاجة قاتلة. وفي الواقع، لقد أُزهقت الأرواح لأن غاية سوبارو النهائية كانت ساذجة. لذا كان امتعاضها أمرًا لا يقبل الدحض.
ومع ذلك――،
آبل: [سأستعيد العرش. مهما تفوه به الآخرون، فهذا أمر مؤكد. ――بريسيلا، مهما كان ما تقولينه، فإن هذا الأمر يظل غير قابل للجدال.]
وفي ظل صمت سوبارو المطبق، أخذ آبل المبادرة وأدلى بإعلان حازم.
كان هذا التصريح مماثلاً، أو ربما أشد اتقادًا، من ذلك الذي أدلى به عند الكشف عن هويته الحقيقية وإعلانه التام أمام سوبارو بأنه سيسترد هذه البلاد.
بريسيلا: [――――]
عند سماع عزم آبل، تغيرت تعابير وجوه الحاضرين في قاعة المؤتمرات.
كانت لدى كونا وهولي الإرادة لمواصلة القتال بصفتهما من شعب شودراك، بينما حنى زكر رأسه وكأنه في حضرة كيان سامٍ. والتفت آل إلى بريسيلا ليرقب رد فعلها، في حين ضيقت بريسيلا عينيها وهي تواصل تأكيد موقفها دون أن تلين أو تتزعزع.
بريسيلا: [معنوياتك لم تضعف، لكن الواقع قصة أخرى. ففي النهاية، لقد أُجبرت على التخلي عن عرشك.]
آبل: [――――]
بريسيلا: [المعطيات واضحة للعيان. السؤال هو: من الذي حرّك الخيوط؟ ومن دبر تلك المكيدة؟]
آبل: [――أنا على يقين من أن رئيس الوزراء بيرستيتز هو من أوصل الأمور إلى هذا الحد.]
أجاب آبل على سؤال بريسيلا بنظرة تنم عن بعض العداء في عينيه الداكنتين.
كان منصب رئيس الوزراء يقع في قمة هرم حكومة الدولة، لكونه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالإمبراطور. فإذا كان قمة الهرم في القوات المسلحة يمثله جنرال أو قائد فرسان، فيمكن القول إن رئيس الوزراء هو قمة الهرم في الخدمة المدنية.
على أية حال، يمكن القول إن كونه الرجل الثاني في التسلسل القيادي قد سهّل عليه أمر تنفيذ الخيانة.
بريسيلا: [ذلك العجوز. كيف يجرؤ على إهدار ما ناله من لاميا؟]
آبل: [بالطبع، كنت قد تنبأت بنواياه التمردية واستعددت للأمر وفقًا لذلك. لكن…]
انقطع آبل عن الحديث عند هذا الحد وزفر بهدوء.
كانت تلك ردّة فعل لا تشبهه على الإطلاق، فهي المرة الأولى التي يُظهر فيها شيئًا يقارب الهشاشة. بصفته إمبراطورًا، لم يتزعزع أبدًا، حتى عندما أُجبر على ترك منصبه، لكن هذه كانت المرة الأولى التي يظهر فيها ضعفًا طفيفًا.
ولم يكن سبب هذا الضعف خيانة رئيس الوزراء――،
آبل: [بينما كان «تشيشا غولد» يراقب ظهري… لم أتمكن من كشف نوايا التمرد لدى الجنرال السامي الرابع من بين «الجنرالات التسعة الساميين».]
زكر: [――غير معقول، الجنرال من الرتبة الأولى «تشيشا»!؟]
بينما كان آبل يبوح بأفكاره التي تكسوها المرارة، لم يستطع زكر كبح جماح نفسه ورفع صوته مقاطعًا.
لا بد أن زكر، بصفته جنرالًا من الرتبة الثانية في الإمبراطورية، كان على دراية تامة باسم هذا العضو بالذات من بين «الجنرالات التسعة الساميين»، وهو اسم لم يكن سوبارو يعلم عنه شيئًا. جذب زكر أنظار الحاضرين حول المائدة المستديرة، فمرر يده على شعره الكثيف وتحدث――،
زكر: [الجنرال من الرتبة الأولى تشيشا فريد من نوعه بين «الجنرالات التسعة الساميين» من حيث قدراته. الجنرال من الرتبة الأولى نفسه مشهور بحكمته أكثر من براعته العسكرية، وكان هو من دعم سعادة فينسنت أكثر من أي شخص آخر خلال مراسم الاختيار الإمبراطوري…]
سوبارو: [هل هذا يعني أنه كان ذراعه الأيمن؟ هل تقصد أن هذا الرجل لم يتعرض للخيانة من ذراعه الأيمن السياسي -رئيس الوزراء- فحسب، بل ومن ذراعه الأيمن العسكري الذي رافقه طويلاً أيضًا؟]
آبل: [لا تتفوه بهذه الكلمات مجددًا. ذراعي اليمنى لا تزال متصلة بكتفي الأيمن.]
سوبارو: [طريقتك في قول ذلك الآن تبدو وكأنك تكابر فقط لتبدو قويًا…]
أثناء استماعه لشرح زكر، تفاجأ سوبارو بشعبية آبل التي بدت شبه معدومة بشكل غير متوقع.
ومع ذلك، بالنظر إلى الأيديولوجية المتطرفة لإمبراطورية فولاكيا، فإن أي إمبراطور يُعد ضعيفًا سيتعرض للتمرد ضده على الفور، لذا ربما لم تكن مواقف كهذه نادرة الحدوث تمامًا.
سوبارو: [هل من الشائع أن يضطر الأباطرة للفرار بحثًا عن ملجأ في هذا البلد؟]
آبل: [منذ اعتلائي العرش، لم أتعرض للمطاردة سوى مرتين، على الأقل بشكل رسمي.]
سوبارو: [لكن لديك سوابق في هذا الشأن!]
آبل: [هراء. فرسان الحرس الملكي التابعين للمملكة هم من جرّوني في تلك المغامرة السابقة. إذا أردت التذمر، فيمكنك أن ترفع شكواك إليهم.]
ألقى آبل نظرة استياء شديدة على سوبارو، ففهم الأخير التلميح وآثر الصمت.
تذكر سوبارو أن يوليوس قد ذكر ذات مرة أنه ذهب إلى الإمبراطورية بصفته مبعوثًا، لكنه لم يعتقد قط أن للأمر أي علاقة بهذا. لو كان الأمر كذلك، فالعالم حقًا أصغر مما يبدو.
آل: [آه، إذن جلالة الإمبراطور طُرد من عرشه على يد أقرب رجاله ومساعديه، والآنسة الصغيرة أراكييا صارت عدوة هي الأخرى… ألا يبدو وضعك خطيرًا؟ ألا تملك أي حليف أو شيء من هذا القبيل؟]
آبل: [جنرال آخر من الجنرالات التسعة الساميين، غوز رالفون… كان له دور حاسم في مسألة هروبي. لولا صموده لكسب بعض الوقت، لما تمكنت من تفعيل آلية النقل.]
زكر: [أوه، كما هو متوقع من الجنرال من الرتبة الأولى غوز…!]
آبل: [ومع ذلك، إذا كان بقية الجنرالات التسعة الساميين، باستثناء تشيشا وأراكييا، قد انقلبوا عليّ هم أيضًا، فلا أعرف كيف كان بإمكان غوز وحده أن ينجو. من المرجح جدًّا أنه قد قُتل.]
كان مجرد وجود أي جنرال سامٍ خاطر بحياته لحماية آبل يمثل بصيص أمل، وإن كان أملًا عابرًا للغاية. ومع ذلك، هز زكر رأسه رافضًا بـ «لا»،
زكر: [إذا جاز لي أن أتجرأ بالحديث، فلم تصلني أي أنباء عن وفاة الجنرال من الرتبة الأولى غوز. وسواء كان قد لقي حتفه في ساحة المعركة أو بسبب المرض، فإن وفاة رجل بمكانة الجنرال من الرتبة الأولى غوز لا يمكن إخفاؤها طويلاً.]
آبل: [إذن يبقى احتمال أنه محتجز كأسير.]
زكر: [ربما. لا، بل يقينًا! بالنسبة لمحارب من طراز الجنرال من الرتبة الأولى غوز، فمن المرجح بشدة أن يكون هذا هو الحال!]
عند سماع كلمات آبل، انحنى زكر باحترام بالغ.
إذا كان قد نال هذا القدر من التبجيل من شخص كـ زكر، فلا بد أن هذا الـ غوز رجل يعتمد عليه للغاية. أو ربما تكون امرأة، على عكس ما يوحيه الاسم الصارم.
بريسيلا: [――في ظل كون رئيس الوزراء والجنرالات التسعة الساميين في صف الأعداء، فإن الإمبراطورية تُعد مكانًا يضمن الموت المحتّم.]
تمتمت بذلك بريسيلا، التي كانت تصغي للمحادثة بصمت قبل أن تتدخل بتعليقها غير المجدي. وموافقًا على كلامها، رفع سوبارو يده، وقال:
سوبارو: [مهلاً. أعلم أن الوقت متأخر قليلاً لطرح هذا، لكن ماذا لو أعلن آبل عن نفسه كإمبراطور؟ بهذه الطريقة، يمكن وصم أولئك الذين يديرون مقاليد الحكم بهدوء في العاصمة الإمبراطورية بأنهم متمردون وخونة…]
آل: [للأسف، مستحيل تتوقع من شعب وجنود غاضبين إنهم يحبطون انقلاب الإدارة قبل ما تبدأ المعركة أصلاً، يا صاح.]
سوبارو: [لم أكن أفكر في شيء جنوني كهذا، لكن لماذا لا؟]
آبل: [――لأن هذه هي إمبراطورية فولاكيا، حيث لا يُحترم سوى الأقوياء.]
قُوبِل اقتراح سوبارو بالرفض القاطع، وأكمل آبل ما بدأه آل.
عقد الإمبراطور، الذي أُطيح به عن عرشه، ذراعيه، مقطبًا حاجبيه المتناسقين قليلاً.
آبل: [إذا تقدمت للعلن وأعلنت عن نيتي في استعادة العاصمة الإمبراطورية بنفسي، فسألقى الترحيب. لكن ذلك لا يعني قط أنهم سيدعمونني. ما سُلب منك، عليك أن تنتزعه بنفسك. هكذا تسير الأمور هنا.]
سوبارو: [لا يقتصر الأمر على البضائع والأراضي، بل يمتد لعرش الإمبراطور أيضًا…]
آبل: [لا توجد استثناءات… ولذلك، أنا أعلم ما يجب فعله.]
فوجئ سوبارو، الذي كان يحاول جاهداً استيعاب الموقف، بكلمات آبل.
ففي اللحظة التي ظن فيها أن آبل سيكون في حيرة من أمره، جاءت إجابته مناقضة لتوقعاته تمامًا. وقف آبل ووضع يديه ببطء على الطاولة المستديرة.
و――،
آبل: [الجنرال من الرتبة الثانية زكر، الخريطة.]
زكر: [أمرك! على الفور!]
عند تلقيه الأمر، وجه زكر تعليماته إلى الجنود الإمبراطوريين المنتظرين في زاوية الغرفة. فقاموا على الفور بإنزال الخريطة المعلقة على جدار قاعة الاجتماعات، وبسطوها فوق الطاولة المستديرة.
كانت خريطة للعالم تُظهر، حسنًا، العالم بأسره، بما في ذلك فولاكيا.
آبل: [ها نحن هنا، في الشرق، في مدينة غوارال الحصينة. وعاصمة الإمبراطورية «لوبوغانا»، التي يتعين علينا استعادتها، تقع تقريبًا في قلب الإمبراطورية.]
سوبارو: […فولاكيا شاسعة جدًّا.]
أوضحت الخريطة لسوبارو الحجم المهول لهذا البلد، وهو أمر لم يكن يدركه حتى هذه اللحظة. كانت إمبراطورية فولاكيا، التي تهيمن على الجزء الجنوبي من خريطة العالم، هي الأكبر مساحة مقارنةً بالدول الأخرى.
فغابة «بودهايم»، التي كبّدت سوبارو والآخرين مشقة بالغة لاجتيازها، لم تكن سوى بقعة جغرافية ضئيلة من منظور فولاكيا بأكملها.
آبل: [كل مدينة في الإمبراطورية تخضع لسيطرة العمدة أو اللورد الخاص بها. وكما هو الحال مع غوارال، تمتلك كل مدينة من هذه المدن قوة عسكرية مستقلة خاصة بها، ولن تتردد في خوض القتال في حالات الطوارئ. ――سنضم هذه القوات إلى صفوفنا ونؤمن القوة العسكرية المطلوبة لاستعادة العاصمة الإمبراطورية.]
سوبارو: […أفهم أن هذا هو النمط المعتاد للحكم الملكي في ألعاب محاكاة الغزو.]
آبل: [تبدو مستاءً.]
سوبارو: [بالطبع. لقد كانت غوارال وحدها مهمة جسيمة بحق. لا أظن أن الأمور ستستمر بالنجاح على هذا المنوال.]
مشيراً إلى الخريطة، تمكن سوبارو من استيعاب شرح آبل ومواكبته. تمكن من ذلك فعلاً، لكنها كانت مسألة تخضع للمنطق، لا العاطفة.
فكما ذُكر آنفًا، هذه لم تكن لعبة. ومن المستحيل بأي حال من الأحوال أن تُطبق وسيلة -تبدو منطقية في ألعاب تعاقب الأدوار التكتيكية (RPG) وما شابهها- بسهولة على أرض الواقع الفعلي.
بدا رأي آبل متفائلاً للغاية.
ومع ذلك――،
آبل: [هناك طريقة لتبديد مخاوفك. بل بالأحرى، هناك شروط أساسية يجب استيفاؤؤها لكي أتمكن من إنجاز ما يتعين عليّ فعله.]
سوبارو: [شروط أساسية…]
آبل: [――بتأمين الجنرالات الساميين.]
عند سماع هذا الرد، اتسعت عينا سوبارو دهشةً.
كان ذلك أمراً طبيعياً. ففي النهاية، كان آبل قد أخبرهم للتو أنه طُرد من العرش بسبب خيانة «الجنرالات التسعة الساميين».
أما الجنرالات التسعة الساميون الذين كانوا موالين له، فقد بات مصيرهم مجهولاً، بينما العضوان اللذان كانوا على علم بهما من بين الجنرالات، قد أصبحا بالفعل في صف الأعداء.
أما بالنسبة للبقية――،
سوبارو: [ماذا عن الجنرالات الساميين الآخرين…؟]
آبل: [موجودون.]
رفع آبل إصبعه ردًا على السؤال المفاجئ، وأومأ متفهمًا لانزعاج سوبارو. ثم ألقى نظرة فاحصة على وجوه الجميع باستثناء سوبارو،
آبل: [يجب أن يكون شعب الإمبراطورية قويًا. والجنرالات التسعة الساميون هم التجسيد الحي لهذه القاعدة. بعبارة أخرى، إذا أراد المرء أن يكون الحاكم الأعلى لإمبراطورية فولاكيا، فعليه أن يجمع شمل الجنرالات التسعة الساميين.]
سوبارو: [إذن، بعبارة أخرى…]
بعد كلمات آبل تلك، اتسعت عينا سوبارو عندما أدرك المغزى مما سيلي ذلك. التوت وجنتا آبل إزاء تفاعل سوبارو، وارتسمت على ثغره ابتسامة شرسة.
ومن ثم――،
آبل: [――«البرق الأزرق»، سيسيلوس سيغمونت. «آكلة الأرواح»، أراكييا. «العجوز الخبيث»، أولبارت دانكيلكين. «العنكبوت الأبيض»، تشيشا غولد. «فارس الأسد»، غوز رالفون. «سيد الأدوات الملعونة»، غروفي غومليت. «المتألقة»، يورنا ميشيغوري. «الرجل الفولاذي»، موغورو هاغاني. «جنرال التنين الطائر»، مادلين إيشارت.]

سوبارو: [――――]
آبل: [الفائز في هذه المعركة سيكون من ينجح في تجنيد أكبر عدد من الجنرالات الساميين. هذا هو السبيل نحو النصر، وهذا هو الشرط المطلق الذي يتحتم عليّ الوفاء به.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※