الفصل 387 - مجلس طاولةٍ مستديرة راقص
الفصل السادس والعشرون:
«مجلس طاولةٍ مستديرة راقص»

*مالقيت صورة كويسة حطيت هذي (T∀T)*
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
آل: [――مهلاً، أهناك من يستمع إلي؟ أنا في ورطة حقيقية هنا!]
اهتز التوتر السائد في الأرجاء إثر ذلك الصوت الأرعن، لكن ذلك لم يخفف من وطأة الموقف المحتدم.
بل إن حدة الضغط المتبادل بين آبل وبريسيلا واصلت التصاعد، حتى إن سوبارو ――الواقف على الأطراف―― عجز عن الإتيان بأي حركة.
سوبارو: [――――]
فلو أقدم على تصرف خاطئ، لخاطر بإشعال غضب بريسيلا؛ وهي من يمسك بزمام الأمور في هذه القاعة شبه المدمرة الآن.
ودفعه الخوف للتردد في الإشارة إلى أن آل على وشك السقوط والموت؛ والسبيل الوحيد لكسر هذا المأزق كان يقتضي أن يتحدث آبل أو بريسيلا――
؟؟؟: [――إياكِ والحركة.]
لكن أياً منهما لم يكن صاحب المبادرة في تغيير مسار هذا الحرج.
إذ جاء ذلك الصوت غير المتوقع من جهة الدرج الذي يربط القاعة بالطابق السفلي؛ ونظر سوبارو ليرى قواماً جديداً يحدق نحو بريسيلا، وسهم مثبت في وتر القوس وموجه مباشرة نحوها.
كانت تاريتا، وعيناها القويتان تفيضان بعداء صريح لا لبس فيه.
فبأمر من آبل وميزيلدا، كانت قد غادرت مبنى البلدية قبل هجوم أراكيا، لكنها عادت الآن.
وبطبيعة الحال، وبرؤيتها للطبقات العلوية من مبنى البلدية وهي حطام، استنتجت تاريتا وقوع هجوم معادٍ؛ والمشكلة أنها كانت تجهل تفاصيل ما حدث تماماً.
ومع تلك الأجواء الثقيلة، ونظرات بريسيلا التي تنظر باستعلاء نحو سوبارو وآبل، لم يخالج تاريتا أدنى شك في أن بريسيلا هي مصدر هذا الخراب الذي حل بمبنى البلدية.
تاريتا: [تحركي، وسأصيب رأسكِ بسهمي.]
بريسيلا: [أوه، رأسي أنا؟ لعمري إنه لأمر بائس أن تعجزي حتى عن نجدة حليفتكِ في الوقت المناسب.]
تاريتا: [――هـك.]
اشتدت وجنتا تاريتا أمام ذلك الاستفزاز الصريح، بينما التفتت بريسيلا نحوها بهدوء تام.
وبهيبة طاغية وكبرياء مطلق، تجاهلت بريسيلا تهديد إطلاق السهم؛ بل وتعمدت التقدم بخطوات ثابتة نحو تاريتا مباشرة.
؟؟؟: [يكفي هذا الحد.]
إلا أن آبل أوقف بريسيلا عن التقدم أكثر.
بهدوء، تحولت نظرات بريسيلا القرمزية نحو آبل مجدداً؛ وقابلها آبل ――وهو يستند بإحدى ركبتيه على الأرض―― بنظرات ثابتة لا تلين.
آبل: [تاريتا أوسع حيلة وذكاء مما تظنين؛ فلا تستهيني بها.]
بريسيلا: [إذا كنتَ تقول هذا، أفتظن أنني سأتغاضى عن وقاحتها وسوء أدبها؟]
آبل: [أنا واثق من أنكِ لن تفعلي؛ لكن يا بريسيلا… كم مرة استللتِ فيها سيف اليانغ اليوم؟]
وبعيداً عن هذا التقدير غير المتوقع لتاريتا، وقع سؤال آبل على بريسيلا في الصميم.
أما سوبارو، فعجز عن فهم القصد من هذا السؤال؛ فقد كانت تمسك بسيف اليانغ―― ذلك النصل البديع ذو اللون القرمزي الوهاج، والذي يحمل قوة مطلقة لا شك فيها.
لكن بعد هزيمتها لـ أراكيا، قامت بغمده متخذة من السماء غمداً له؛ ومن المؤكد أنها ستستله مجدداً إذا اقتضت الحاجة――،
آبل: [تاريتا، أنزلي السهم؛ إنها ليست عدوتكِ.]
ودون انتظار رد بريسيلا، واصل آبل حديثه ليأمر تاريتا بإلقاء سلاحها؛ إلا أنها لم تقتنع.
وظل السهم مشدوداً في الوتر، وأصرت تاريتا معترضة: «ولكن مع ذلك… هـك».
تاريتا: [تلك المرأة خطيرة بلا شك.]
آبل: [أنا أدرك ما تقولينه تماماً؛ لكنها ليست الشخص الذي ينبغي أن تصبي انتباهكِ نحوه الآن.]
تاريتا: [――؟]
انحرفت نظرات آبل جانباً وهو يوجه كلامه لـ تاريتا، التي لم تخفض دفاعاتها بعد؛ ووجهت تلك الإشارة بصرها، وفيما أبقت بريسيلا في طرف عينها، التفتت نحو تلك الجهة، ثم شهقت ذعراً.
تاريتا: [أ-أختي…!؟]
وحيث اتجه بصرها، رأت تاريتا ميزيلدا وهي تتلقى العلاج على يد ريم.
بنصف جسدها المحترق باللهب، وبطنها المثقوب بالغصن، كانت ميزيلدا مصابة بجراح بالغة الخطورة؛ ورغم أن ريم كانت تبذل قصارى جهدها لعلاجها، إلا أن الألم كان عاتياً لا يحتمل.
ريم: [تاريتا-سان، نادِ عليها أرجوكِ؛ واصلي مناداتها…!]
تاريتا: [أختي، يا أختي… هـك!!]
وفي طرفة عين، تبدد التوتر المشحون بالعداء، واندفعت تاريتا مسرعة نحو ميزيلدا؛ فأمسكت بيد أختها وأخذت تناديها: «يا أختي» مراراً وتكراراً دون توقف، تماماً كما طلبت منها ريم.
وهكذا، عاد المشهد ليخلو مجدداً من أي عائق يمكنه كبح جماح بريسيلا أو لفت انتباهها.
آبل: [――――]
واستؤنفت وقفة الترقب والنزاع الصامت بين آبل وبريسيلا؛ ――أو هكذا بدا الأمر.
بريسيلا: [――أيها العامي الأحمق؛ اسحبه إلى الأعلى، أنت بالتحديد؛ فسيُفسد بهجة المشهد بكل هذا الضجيج والثرثرة.]
سوبارو: [إيـه…]
ومع هذه الكلمات، أشارت بريسيلا بذقنها نحو الشرفة المنهارة.
لقد أمرت سوبارو بإنقاذ آل، الذي كان يبذل قصارى جهده متشبثاً بحياته؛ وشهق سوبارو دهشة وهي تصدر أمرها بلا مبالاة تامة وكأن الأمر لا يعنيها.
وبالطبع، لم يكن يملك خياراً سوى الموافقة، إلا إذا أراد المخاطرة بإفساد مزاج بريسيلا؛ وفوق كل شيء――،
بريسيلا: [سأتولى أمر هذا الرجل بنفسي؛ وماذا تظن؟ لستُ بالتي تدعه يموت؛ فلا تقلق أكثر من اللازم.]
مشيرة بسبابتها نحو آبل، بث حديث بريسيلا عن مخاوف سوبارو شيئاً من الاطمئنان في نفسه.
ولم يكن ذلك نابعاً من ثقته التامة في بريسيلا لدرجة تصديق كلامها هكذا، بل لمعرفته بأنها امرأة لا تتراجع أبداً عن كلام أعلنته صراحة.
آبل: [التحديق في وجه بعضنا لن يوصلنا إلى أي نتيجة؛ وفي الوقت الحالي، يجدر بك فعل ما تقوله.]
سوبارو: […حسناً؛ مع أنني لست تابعاً لك على أي حال.]
أضاف آبل ذلك بينما كان سوبارو يفكر في كلمات بريسيلا.
ولم يعجبه كونه يتلقى الأوامر من آبل؛ تاركاً هذه الفكرة لوقت آخر، تحرك سوبارو فوراً لإنقاذ آل، الذي كان عالقاً ويتدلى من ثريا إضاءة عند حافة المبنى المنهار.
سوبارو: [――――]
واختلطت في عقله أفكار ومشاعر متناقضة وهو يتحرك: سلامة ميزيلدا وشعب شودراك، ومصير غوارال، وتلك العلاقة الغامضة بين آبل وبريسيلا.
ضغط سوبارو على أسنانه ونحّى تلك الأفكار جانباً في الوقت الراهن، مركزاً كل انتباهه على ما هو أمامه مباشرة.
وكما كانت ريم تحاول باستماتة إنقاذ الروح الموشكة على الهلاك أمامها، كان سوبارو يحاول بدوره الاقتراب قدر الإمكان من تحقيق «الحصار دون إراقة دماء» الذي رسمه في خياله.
△▼△▼△▼△
أما آل، الذي كان معلقاً في ضوء مبنى البلدية الخارجي، فكان إنقاذه أصعب بكثير مما كان متوقعاً.
ففي البداية، لم يكن آل يملك سوى ذراع واحدة، بعد أن فقد الأخرى أثناء وجوده في هذا العالم؛ ولأن ذراعه الوحيدة كانت مشغولة بالكامل بالتشبث بخيط رفيع للنجاة، فقد كانت خياراته محدودة للغاية.
آل: [هذا هو المعنى الحرفي لامتلاء اليد بالمشاغل إذن… لا، بل الأصح القول إنني عالق في ورطة حقيقية حتى أذني؛ أيهما تراه أدق يا صاح؟]
سوبارو: [اخرس فقط! إن كنت تريد النجاة، فلا تُحبط عزيمتي بسخافاتك!]
ورداً على تلك المزحة غير المناسبة لخطورة الموقف، مزق سوبارو الستارة التي كان آبل يتدلى منها سابقاً، وصنع أنشوطة محكمة عند طرفها، ثم وجهها نحو آل.
ولُفت الأنشوطة حول جذع آل لتثبيته بإحكام، وأصبح جاهزاً للسحب؛ ثم جذب سوبارو الستارة بقوة ليرفع ذلك الرجل المتدلي والمتأرجح وينتشله من مأزقه،
آل: […وهوبا، ها أنا ذا أصعد؛ فوووه، نجوتُ من الموت بأعجوبة؛ لقد أنقذتني يا صاح.]
ورغم بعض اللحظات الحرجة التي كادت تودي به، نجح سوبارو أخيراً في سحب آل إلى الأعلى.
وبعد أن زحف مستكملاً طريقه بمساعدة سوبارو، ربت آل على صدره وارتمى جالساً على أرضية القاعة المحطمة؛ وموجهاً نظره نحوه، مسح سوبارو العرق عن جبينه بعد إتمام مهمته.
ثم التفت نحو الشخص الذي ساعده في إنقاذ آل―― ميديوم.
سوبارو: [شكراً لكِ يا ميديوم-سان؛ لكان الأمر شاقاً للغاية عليّ لو كنتُ وحدي.]
ميديوم: [لا عليك، لا بأس أبداً! وأيضاً، أنا أعتذر عن سقوطي وعجزي في مثل تلك اللحظة الحرجة سابقاً!]
وبينما كانت تضحك بمرح رغم مظهرها المرهق وإصاباتها، اعتذرت ميديوم عما حدث في المعركة السابقة.
لقد اعتذرت لعدم قدرتها على المساعدة أثناء مواجهة أراكيا، لكن اعتذارها لم يكن ضرورياً على الإطلاق؛ فمن الأساس، لم تكن ميديوم ولا فلوب في موقف يلزمهما بالانخراط في هذه المعركة.
ميديوم: [لقد قصرنا، أنا وأخي الأكبر، ولم نجتهد بما فيه الكفاية! أنا آسفة، أنا آسفة حقاً!]
سوبارو: [لا، ليس خطأكِ على الإطلاق، يا ميديوم-سان! لم تتمكني من الحركة لأنكِ كنتِ تحمين فلوب، وأوتاكاتا، و… لويس.]
ومتعثراً في كلماته بعض الشيء، أثنى سوبارو على ما أنجزته ميديوم.
ففي اللحظة التي اجتاح فيها إعصار أراكيا أرجاء القاعة، حمت ميديوم فلوب الذي كان بجانبها مباشرة، بالإضافة إلى أوتاكاتا ولويس اللتين كانتا على كتفيها.
ونتيجة لذلك، ارتطم رأسها وباتت في حالة ذهول عاجزة عن الحركة؛ لكن بفضل تضحيتها، نجا الثلاثة جميعاً، وتفادت ميديوم التعرض لمزيد من الضرر والأذى.
ميديوم: [همم، يسعدني حقاً سماع ذلك منكِ يا ناتسومي-تشان؛ لكن هذا لا يكفي؛ فأنا الحارسة الشخصية لأخي الأكبر، ويجب عليّ أداء واجبي على أكمل وجه!]
سوبارو: [ميديوم-سان…]
ميديوم: [في المرة القادمة! في المرة القادمة لن أكون عاجزة هكذا! تطلعي لرؤية ما سأقدمه أنا وأخي الأكبر غداً، يا ناتسومي-تشان!]
سوبارو: [――. نعم؛ يبعث سماع كلامكِ هذا على الاطمئنان؛ لكنني لا أظن أن عليكما المضي معنا في…]
حاول سوبارو مواصلة حديثه، ليوضح أنه ليس مفروضاً عليهما مرافقته وخوض هذا المسار.
إلا أن تردده في الكلام غرق بسهولة أمام إشراقتها التي تشبه شمس الظهيرة حين صرخت: «آه!»، واتسعت عيناها بدهشة.
ميديوم: [سأذهب إلى هناك لمساعدة أخي الأكبر! سيكون من الصعب على أخي، ببنيته الهشة والضعيفة، نقل المصابين والجرحى!]
سوبارو: [أجل، معكِ حق…]
ميديوم: [حسناً يا ناتسومي-تشان، أراكِ لاحقاً! أنا سعيدة حقاً لأن ذلك المقنع لم يسقط ويلقَ حتفه!]
ومع تلويحة عريضة بيدها، انطلقت ميديوم راكضة بنشاط.
وشرعت في مساعدة فلوب والبقية في رعاية المصابين، ونقل ومعالجة جرحى قبيلة شودراك وجنود الإمبراطورية على حد سواء.
ولم يتلقَّ شقيقا آل أوكونيل حتى كلمة شكر واحدة، فشعر سوبارو بأن دينه لهما يثقل كاهله أكثر فأكثر.
وتساءل في قرارة نفسه إن كان سيأتي اليوم الذي يتمكن فيه من رد هذا الجميل.
آل: [كانت تلك فتاة ضخمة ولطيفة حقاً؛ وكما توقعتُ منك تماماً يا صاح، أنت تستمتع بوقتك وتعيش حياة باذخة هنا خلف الحدود، أليس كذلك؟]
سوبارو: [يقشعر بدني لأنني لا أملك أدنى فكرة عما تقصده بـ«تستمتع بوقتك»، وإن كنت أتفق معك في أن ميديوم-سان شخصية ضخمة ولطيفة؛ لكن الأهم من ذلك….]
آل: [همم؟ ما بك يا صاح؟]
حدج سوبارو آل بنظرة حادة، بينما طقطق الأخير رقبته بلا مبالاة ورد عليه بابتسامته الساخرة المعتادة. وكبت سوبارو غضبه تجاه بريسيلا، دافعاً إياه إلى الداخل كشعور بالجوع يحاول المرء مقاومته.
وكان ذلك أمراً طبيعياً تماماً؛ فشكوك سوبارو وأسئلته ظلت مؤجلة ومعلقة لفترة من الوقت.
آل: [لا تنظر إليّ بغضب هكذا؛ فأنت تفسد مساحيق تجميلك وباروكتك.]
سوبارو: [أعتذر منك، لكن مساحيقي وشعري المستعار قد دُمرا بالفعل بسبب تلك العاصفة النارية في اللحظة الأخيرة؛ ولا تفهمني خطأً، فنـاتسومي شوارتز الحقيقية أجمل من هذا بكثير.]
آل: [ناتسومي شوارتز، هكذا كان اسمها إذن؟]
وحين سمع آل ذلك الاسم المستعار السخيف، تنحنح بحشرجة في حنجرته وأطلق ضحكة مليئة بالمعاني؛ ونظر سوبارو بارتياب إلى تصرفه، فهز آل رأسه:
آل: [لا، أبداً؛ كل ما في الأمر أنني معجب ببراعة هذا الاسم؛ لم أكن أعلم أن ارتداء ملابس النساء هواية تفضلها يا صاح.]
سوبارو: [كفاك سخفاً، وسأخبرك بالتفاصيل الصحيحة عن ناتسومي في المرة القادمة؛ لكن الأهم من ذلك، أجبني بوضوح: ――ما الذي تفعله أنت وبريسيلا هنا تحديداً؟]
آل: [――――]
سوبارو: [لقد قدمتما لنا عوناً كبيراً، لكن هناك أمر أعجز عن استيعابه حقاً؛ فالأمر لا يقتصر على سبب وجودكما في غوارال، بل يمتد إلى سبب وجودكما في الإمبراطورية من الأساس.]
ورداً على سؤال سوبارو الجاد، أطبق آل شفتيه بهدوء ولزم الصمت.
لقد كان تدخلاً يستعصي على الفهم مهما فكر المرء فيه.
فمن غير المنطقي أبداً أن يتواجد كل من بريسيلا وآل في الإمبراطورية دون أي عواقب؛ وبالطبع، من وجهة نظرهما، يمكن قول الشيء نفسه تماماً عن سوبارو والآخرين――،
سوبارو: [دعنا نضع ذلك جانباً في الوقت الحالي؛ مع أن معرفتي بالأمر عاجلاً ستكون أفضل بكثير.]
آل: [هذه فكرة ذكية، لكن ليس هذا ما تريد سماعه حقاً يا صاح.]
سوبارو: [ماذا؟]
آل: [لا يهم كثيراً سبب وجودي أنا والأميرة في الإمبراطورية؛ فما تريد معرفته بصدق، يا صاح، هو طريق العودة… من هذه البلاد المخيفة والخطيرة، إلى موطنك المألوف الذي تعرفه؛ أليس هذا صحيحاً؟]
ولاذ سوبارو بالصمت هذه المرة؛ فالسؤال الذي طرحه الطرف الآخر قد أصاب منه مقتلاً ولمس وتراً حساساً.
سبيل العودة من الإمبراطورية إلى المملكة؛ تلك كانت تحديداً المعلومة الأهم التي يتلهف سوبارو لمعرفتها في هذه اللحظة―― وإزاء ذلك، لم يملك سوبارو أدنى كلمة للنفي أو الإنكار.
كانت تساوره شكوكه الخاصة؛ وكانت هناك أسئلة أخرى، إلى جانب شعور ملح بأنه يُعامل بإجحاف وظلم؛ لكن ألم يكن الأهم من ذلك كله حل المعضلة الكبرى في الوقت الحاضر――،
سوبارو: [إذن أنت تملك الجواب عن هذا السؤال…؟ سبيلاً للعودة إلى مملكة لوغونيكا، وعبور حدود الإمبراطورية…؟]
آل: [لا، أعتذر منك؛ لا أعلم شيئاً؛ كنت أحاول رفع آمالك وتعليقها لا أكثر.]
سوبارو: [أنتَ…!]
آل: [انتظر، انتظر، لا تغضب! لنكون دقيقين، أنا أتحدث عن مدى صعوبة الخروج من الإمبراطورية في الوقت الراهن؛ فالأمر عسير بما يكفي للدخول إليها، فما بالك بمحاولة الهروب منها.]
شعر سوبارو بالإحباط والغيظ من الطريقة التي يُتلاعب بها بمشاعره كأنه في راحة يد آل.
وكعادته، رفض آل إظهار حقيقة مشاعره ونواياه؛ ――هل كان سوبارو يبدو هكذا أيضاً في أعين الآخرين؟ إن كان الأمر كذلك، فهذا مما يستوجب على سوبارو مراجعة نفسه فيه والتأمل.
على أية حال――،
سوبارو: [يمكن الدخول، لكن يستحيل الخروج… والسبب وراء ذلك هو…]
آل: [أوه، بالله عليك، لست بحاجة لأن أشرح لك ذلك؛ هذا يعني أن هناك من لا يريد خلق وضع يسمح لشخص معين بمغادرة البلاد بسهولة.]
سوبارو: [――. هل يعني هذا أنك تعرف هوية آبل الحقيقية أنت أيضاً؟]
ورداً على تعليق آل، وصل سوبارو تلقائياً وبديهياً إلى تلك النتيجة.
لقد سمع من قبل أن إمبراطورية فولاكيا تطبق إجراءات صارمة على حدودها، لكن إذا كان حظر مغادرة البلاد يُشدد تحت الظروف التي ذكرها آل، فالسبب وراء ذلك لا يخرج عن كونه وجود آبل―― لا، بل وجود إمبراطور فولاكيا، فينسنت فولاكيا.
فمن أجل منع آبل ――الذي طُرد من عرش الإمبراطور وبات طريداً هارباً―― من الفرار إلى بلد آخر، كان الأمن الحدودي يُشدد إلى أقصى حد.
وكان المعنى الوحيد لكل ذلك هو أنه لكي يعود سوبارو والآخرون إلى مملكة لوغونيكا، فسيتعين عليهم تجاوز عقبات جسام وتخطي صعاب مهولة.
سوبارو: [آل، إن كنت تملك معلومات تفوق ما لدينا…]
آل: [أوبس، عليّ أن أطبق فمي تماماً بشأن هذا الأمر؛ فأنا لا أريد أن تغضب الأميرة مني لثرثرتي بأشياء لا داعي لها؛ وإذا كان هناك ما تريد التحدث عنه، فتحدث مع الأميرة مباشرة؛ ومع ذلك…]
وضع يده اليمنى على المشبك المعدني لخوذته، وبعد لحظة وجيزة، أصدر صوتاً خفيفاً يشبه النقرة.
ثم تابع حديثه:
آل: [لا يمكنني أن أضمن لك أن الأميرة ستكون صريحة معك بشأن هذا، أليس كذلك؟]
△▼△▼△▼△
آل: [أيتها الأميرة، لقد عدت؛ كيف يسير النقاش هناك؟]
بريسيلا: [كيف يسير، تسألني؟ لم نصل إلى أي نتيجة تُذكر؛ لقد كنتُ أصغي إلى كل من يستيقظ منهم، واحداً تلو الآخر.]
وآل، الذي لوّح بيده بأسلوبه البسيط واللامبالي، كان يسأل عن مسار التقدم فحسب؛ وفي الوقت نفسه، ردت عليه بريسيلا وهي تسند ذقنها إلى كفيها.
لقد دُمّر الجزء العلوي من المبنى أثناء هجوم أراكيا، لكن الأساسات ظلت صامدة وقوية، ولحسن الحظ، بقيت محتويات مبنى البلدية سليمة لم يمسسها سوء.
وبفضل ذلك، تمكنوا من استخدام قاعة الاجتماعات لخوض المناقشات المصيرية دون الحاجة إلى الانتقال إلى مكان آخر.
جلس آبل وبريسيلا على طرفين متقابلين لطاولة مستديرة كبيرة؛ وبالإضافة إليهما، كان زيكر وجنوده الإمبراطوريون، إلى جانب كونا ونساء شودراك، حاضرين في المكان.
وجميعهم كانوا يحملون إصابات طفيفة نسبياً، وإن كان كلام بريسيلا صحيحاً، فالأرجح أنهم خضعوا للاستجواب بالفعل.
كونا: [مرحباً، أأنتِ بخير يا ناتسومي؟]
سوبارو: [كونا، أنا سعيد لأنكِ استيقظتِ؛ هل أصابكِ أي أذى؟]
كونا: [بنية هولي الضخمة كانت مفيدة للغاية؛ ولنكون صادقين، لا أشعر بأي راحة في هذا المكان، لذا أريد الخروج منه والابتعاد بأسرع ما يمكن…]
لاحظ سوبارو تعابير الألم والانزعاج على وجه كونا وهو ينضم إليهم عند الطاولة المستديرة.
وبإلقاء نظرة نحو بقية نساء شودراك، استطاع سوبارو تخمين السبب وراء هذا الوجه الممتعض لـ كونا؛ باختصار، لقد كانت هي من يمثل سائر أفراد شودراك في هذه اللحظة الراهنة.
كونا: [تاريتا لا يسعها مفارقة جوار الزعيمة، ولا طائل يُرجى من إيكال الحديث لهولي؛ ولكن لِمَ إقحامي أنا بالذات في هذا الدور…]
سوبارو: [كلا، فأنتِ يقظة النباهة وتحوزين عقلاً رزيناً، لذا أحسبكِ الأنسب بلا ريب لهذه المهمة؛ إذن، كيف تسير المحادثات؟]
كونا: [حسناً، أظن أننا أخذنا فكرة جيدة عما يجري؛ وأعتقد أننا على وشك استهلال ما يُدعى بالمفاوضات النقاشية.]
أجابت كونا وهي تهز منكبيها، فأومأ سوبارو برأسه مجيباً: «فهمت».
وسرعان ما وجد نفسه محتاراً في الموضع الذي يجدر به أن يشغله في أرجاء الغرفة؛ فمن الأساس، لم تكن مكانة سوبارو بين هذا الجمع واضحة المعالم البتة.
ورغم أنه كان مهندس خطة إسقاط غوارال ومدبرها، فإن اقتحام أراكيا وبريسيلا المفاجئ جعل من الصعب عليه القول إنه قد حقق النجاح.
؟؟؟: [آنسة ناتسومي، إن كنتِ في حيرة من أمركِ، فما رأيكِ بالجلوس إلى جواري؟]
وهكذا، نهض زيكر على عجل ساحباً كرسياً ليضعه أمام سوبارو الذي كان غارقاً في أفكاره.
ضئيل القامة وممتلئ البنية، نظر زيكر إلى سوبارو وابتسم بنبل ودماثة؛ وأمام تلك الابتسامة، أشار سوبارو بسبابته إلى نفسه:
سوبارو: [أمم، أنا واثق بأنك لاحظت هذا بالفعل، لكنك تدرك جيداً أنني مجرد رجل يرتدي ملابس نسائية، أليس كذلك؟]
زيكر: [إن كنتِ تتلبسين هيئة المرأة، فأنا بدوري أتقمص مظهر الرجل؛ ومفهومي للرجولة هو التصرف بنبل مع المرأة، بغض النظر عمن يتقمص هيئة الآخر.]
سوبارو: [هذا هو «زير النساء» بحق وحقيق إذن…!]
فعوضاً عن استخدام «زير النساء» كنبز يُراد به الحط والانتقاص، جرى استخدامه كلقب احترام وتقدير ينطوي على فلسفة مغايرة تماماً.
وشعر سوبارو بالحرج من بقائه بملابس النساء، لكنه أخذ بنصيحة زيكر وتقدم ليجلس على الكرسي الذي سُحب لأجله.
وتتميماً لذلك، بادر سوبارو زيكر بـ«المعذرة منك» وهو يأخذ مكانه:
سوبارو: [وفوق ذلك، شكراً لك على حمايتي في الطابق العلوي؛ لكنتُ في خطر محقق لولا أن زيكر-سان قام بحمايتي.]
زيكر: [لا، كل ما في الأمر أن جسدي تحرك بدافع اللحظة وحرارتها؛ ولستُ أدري ما إذا كان بمقدوري تكرار هذا الصنيع في المرة القادمة؛ فأنا، في نهاية المطاف، «الرعديد».]
وحين سمع شكر سوبارو، وصف زيكر نفسه بكل فخر بلقب «الرعديد».
وكان ذلك لأن جنرال الإمبراطورية من الدرجة الثانية، زيكر، قد حُفظ في ذاكرة الإمبراطور الذي بايعه على هذا النحو بالتحديد.
وآبل، الإمبراطور المذكور سلفاً والمحاط بكل هذا التقدير الكبير من لدن زيكر الجدير بالثقة――،
آبل: [――لقد سقطت مدينة غوارال الحصينة، وقائد الحامية المرابطة فيها، الجنرال من الدرجة الثانية زيكر عثمان، قد انحاز إلى صفنا، مكملاً بذلك قوى شعب شودراك الوافدين من دغل بودهيم.]
بريسيلا: [هذا غير كافٍ بلا أدنى ريب؛ ومع أنني سمعت عن بسالة شعب شودراك، إلا أننا ما زلنا في غاية الضعف لمواجهة الإمبراطورية برمتها.]
آبل: [لا جدال في ذلك؛ يا بريسيلا، أين رجالكِ وجيشكِ؟]
بريسيلا: [لا أملك جيشاً خاصاً بي داخل الإمبراطورية؛ وعلاوة على ذلك، فإن الأشخاص الوحيدين الذين يسعني وسمهم بـ«جيشي» هم ذلك المهرج ذو الخوذة الحديدية، وسياف سكير، وصعلوك لا ميزة له سوى وجهه اللطيف.]
آبل: [――――]
وبينما كان سوبارو يتحدث مع كونا في الغرفة، كان آبل وبريسيلا يخوضان نقاشهما الخاص.
وكان الاثنان ينظران إلى بعضهما بتدبر وتأنٍّ وهما يقيسان موازين القوة والظروف، غير أن سوبارو قاطع حديثهما بـ«مهلاً لحظة واحدة».
فقد جُرف مراراً وتُرك جانباً، وكان يرفض تماماً أن يُنبذ وراء الظهور من جديد.
بريسيلا: [ما خطبك، أيها العامي الأحمق؟ ألا تزال موجوداً حتى الآن؟]
سوبارو: [أنا موجود هنا، ولا أكاد أصدق أنني أقول هذا، لكنه لأمر مذهل حقاً أن تنظري إليّ دون أن تُبدي أي دهشة أو انبهار؛ فالمرة الأخيرة التي رأتني فيها بياكو بهذا المظهر، ظلت تعاني من الكوابيس لفترة طويلة.]
بريسيلا: [أعتقد أنني امتدحتُ ملابسك وهيئتك بالفعل؛ أولا تظن حقاً أنك ستنال مكافأة لمجرد سحبك لـ«آل» بخرقة قماش بالية؟]
سوبارو: [لستُ أنتظر أي مكافأة! لا، في الحقيقة أنا أنتظر شيئاً؛ آمل فقط أن تعيريني سمعكِ وتصغي لما لديّ قليلاً.]
وضاقت عينا بريسيلا وهي ترمق سوبارو، الذي انحنى للأمام واضعاً يديه فوق الطاولة المستديرة.
بدت وكأنها تُقلّب فكرها لتقييمه والحكم عليه، غير أن سوبارو لم يشعر بأي خوف؛ فعلى النقيض من السابق، كانت كونا وزيكر يشاطرانه الجلوس هنا أيضاً؛ ومع ذلك كله، أحس في قرارة نفسه بأنه مجرد سد واهٍ لا يعول عليه.
سوبارو: [على أية حال، ما السبب الحقيقي لمجيئكِ إلى هنا أصلاً؟ لم أصل إلى أي نتيجة من استجواب آل؛ لذا دعينا نسمعها بوضوح من لسانكِ مباشرة.]
بريسيلا: [إنه لسؤال يبعث على الضجر والسأم. …أنا هنا لأتحدث مع ذلك الرجل؛ فينسنت أبيلوكس [1].]
سوبارو: [――――]
مشيرة بذقنها نحوه، أجابت بريسيلا وكأن الأمر من البديهيات المسلّم بها؛ ورداً على كلامها، أغمض آبل ――الذي جلس في أريحية عاقداً ذراعيه―― إحدى عينيه السوداوين، بينما اضطربت الأخرى بمشاعر معقدة ومختلطة.
لقد كانت نظرة محيرة ومبهمة؛ إذ تحتمل أن تكون فرحاً، أو غضباً، أو حزناً، أو متعة، أو شيئاً آخر مختلفاً تماماً، أمراً يستعصي تفسيره ولا ينتمي لأي من تلك العواطف.
سوبارو: [الحديث مع آبل…؟ ولكن كيف عرفتِ بمكانه أصلاً؟]
بريسيلا: [إن عرش الإمبراطور في العاصمة لوبوغانا مزود بآلية تتيح الانتقال الآني إلى مكان بعيد؛ وإذا شعر بأي اضطراب سياسي محتمل، فيمكنه الهروب عبرها باتجاه الشرق. ――إلى ذلك الضريح الذي دُفن فيه الأباطرة عبر الأجيال المتعاقبة.]
سوبارو: [مقبرة الأباطرة؟]
بريسيلا: [هذا هو الموضع الذي ستقوده إليه تلك الآلية؛ وأعتقد أنني أصبتُ عين الصواب، يا فينسنت… لا، بل الأنسب مناداتك بـ«آبل» في الوقت الراهن.]
واشتعلت عينا بريسيلا بحمرة اللهيب، وهي تحول مجرى الحديث بعيداً عن سوبارو لتصوبه نحو آبل مباشرة.
وزافراً نفساً ثقيلاً تحت وطأة نظراتها الحارقة، أومأ آبل برأسه موافقاً:
آبل: [نعم، ناديني بـ«آبل» في الوقت الحالي؛ فعلى أقل تقدير، لستُ أهلاً لمناداة نفسي بالإمبراطور بعد أن انتُزع العرش من يديّ.]
بريسيلا: [استثنائي، وملتزم بالقوانين، وصادق لدرجة الحماقة… على أية حال، إنك تفكر بسطحية وتهاون شديدين؛ ويبدو أن جلوسك الطويل على عرش الإمبراطور قد أنساك كيفية النهوض والوقوف على قدميك.]
آبل: [انظري إليّ جيداً، ثم تجرئي على القول ثانية بأنني نسيتُ كيف أنهض.]
ولم تنجح تهكمات بريسيلا المستمرة في زعزعة هدوء آبل وصرامته.
وفي تلك اللحظة، تصادمت نظراتهما بحدة بالغة، حتى كاد هواء قاعة الاجتماعات يعبق برائحة حرارة متصاعدة؛ وعلى هذا النحو، بدا أن انهيار النقاش واشتعال الخلاف أمر حتمي لا مفر منه――،
؟؟؟: [مهلاً، مهلاً، اهدآ كلاكما؛ فلن نكسب شيئاً من الوقوع في المتاعب، أليس كذلك؟]
إلا أنه وُجد رجل يملك الجرأة الكافية لنكء برميل بارود على وشك الانفجار بينما ينفث دخان سيجارته باسترخاء.
كان آل هو من اقتحم تلك الأجواء المتوترة بسهولة تعلو وجهه ابتسامة ساخرة؛ وبدلاً من الجلوس، ظل واقفاً على قدميه تحت نظرات التهديد الحارقة التي صوّبها نحوه كل من آبل وبريسيلا معاً.
آل: [رغم أن الأميرة تتصرف هكذا، إلا أنها تملك جوانب لطيفة أيضاً؛ فبمجرد أن أدركت ضرورة الإسراع للوصول إلى غوارال، حثت تنينها الطائر بأقصى سرعته، لدرجة كادت تنهك قواه بالكامل؛ ولهذا الحد تحديداً كانت تتطلع للقائك و… غواااه!؟]
بريسيلا: [يا لك من أحمق سخيف.]
وكان آل قد تحرك خلف ظهر بريسيلا أثناء كلامه محاولاً الدفاع عن مشاعرها، لكن سيدته لم تكترث لنواياه إطلاقاً، وهوت بمروحتها لتضرب بطنه بقوة هائلة.
صرخ آل متألماً وسقط جاثياً على ركبة واحدة في الحال، وجسده يلتوي في انحناءة متشنجة.
بريسيلا: [إن تجرؤك بالحديث نيابة عما أشعر به غطرسة تجاوزت كل الحدود؛ منذ متى أصبحت مغتراً بنفسك إلى هذا الحد؟ اعرف قدرك والزم مكانك، أيها المهرج.]
آل: [حقيقة أنكِ تفقدين صبركِ هكذا دليل كافٍ بحد ذاته… لكنكِ جئتِ إلى هنا لتقديم المساعدة حقاً، أليس كذلك؟]
بريسيلا: [――――]
وضاقت عينا بريسيلا القرمزيتان وهي تظهر استياءها من كلمات آل.
لكن عدم نفيها للأمر صراحة بالكلمات كان دليلاً على أن كلام آل أصاب الحقيقة تماماً.
سوبارو: [بريسيلا جاءت لمساعدة آبل…؟]
بدا الأمر بعيداً جداً عن الواقع لدرجة عجز معها سوبارو عن التخلص من شعور الريبة وعدم الارتياح؛ وبالطبع، بالنظر إلى النتائج وحدها، لم يكن هناك أدنى شك في أن بريسيلا قد قدمت المساعدة لـ آبل وسوبارو والبقية؛ ومع ذلك، فإن طبيعتها ――كما عرفها سوبارو وخبرها―― منعته من تصديق ذلك بسهولة.
أكان القتال لحماية شخص ما ――حتى لو انطوى على فائدة التخلص من عدو لا يروق لها―― منطقاً ينطبق حقاً على شخصية بريسيلا بارييل؟
بريسيلا: [في عينيك بريق يشي بأفكار كريهة؛ أتريد أن أفقأهما لك، أيها العامي الأحمق؟]
سوبارو: [لا تنظري في أعين الناس مباشرة وتخبريهم بشيء مرعب كهذا؛ ولأكون صريحاً، لست متأكداً إلى أي مدى أصدق كلامكِ…]
بريسيلا: [――على أية حال يا آبل، أدرك أنك بلغت الشرق باستخدام تلك الآلية المثبتة في العرش؛ وإن كان الأمر كذلك، فهل كنت تتوقع مني الانضمام إلى شعب شودراك والمجيء إلى المدينة الحصينة؟]
سوبارو: [تتوقعين الوجود هنا…؟]
ومع الاعتراف بفراسة بريسيلا الفائقة والاستثنائية، وجد سوبارو صعوبة بالغة في فهم تلك المعطيات التي تقبلها آبل بكل بساطة وسرعة.
وبالطبع، بدت تلك المعطيات كافية لتأكيد هذا التخمين.
آل: [لا تفهم الأمر خطأً يا صاح؛ الأذكياء هنا مقتنعون تماماً؛ وإذا التزمنا الهدوء معاً الآن، فبإمكاننا تجنب ورطة لا طاقة لنا بها.]
سوبارو: [وأنت راضٍ عن هذا…؟]
آل: [سواء أكان الأمر جيداً أم سيئاً، فليس أمامنا سوى تقبله وابتلاعه؛ فحتى لو حاولت القتال، ستخسر لا محالة. ――لأنني أنا والأميرة سننتصر في النهاية على أي حال.]
سوبارو: [أوه…]
وآل، الذي لا يزال جاثياً على ركبتيه، انزلق مقترباً من سوبارو ليقول ذلك بصوت هامس.
ولنكون صادقين، كان تأكيد آل على فوزهم أمراً مفاجئاً لـ سوبارو؛ ففي الأصل، كان آل يميل إلى رسم حدود اعتباطية بينه وبين ما يحيط به، بدلاً من التحلي بالتواضع الحقيقي.
وفي الواقع، كان بقية فرسان المرشحات الملكيات جميعاً من ذوي الصيت والكفاءة العالية―― ولم يكن سوبارو ولا آل يملكان ما يجعلهما مغترين بأنفسهما بين أولئك الفرسان المميزين.
ولهذا السبب تحديداً شعر سوبارو بنوع من التعاطف مع آل.
وهذا ما جعل تأكيده القاطع هنا أمراً غير متوقع لـ سوبارو.
فرغم أنه يبدو كشخص لا يتغير ولا يبالي، إلا أن التغيير كان يقترب منه بالفعل؛ وكان ذلك نتاج علاقته كتابع وسيد لـ بريسيلا وما يصاحبها من صراعات في معركة الانتخابات الملكية.
آل: [لكنني لا أمدح إلا من يملك فرصة للفوز، حتى لو كانت بنسبة واحد من مئة مليون في المئة؛ ومن هذه الناحية، كانت تلك الفتاة أراكيا في مستوى مختلف تماماً؛ لم أستطع رؤية أي طريقة للفوز عليها.]
سوبارو: […فهمت، الجنرالات التسعة السامون هم أقوى شخصيات الإمبراطورية؛ يمكنك القول إنهم يشبهون راينهارد ويوليوس في مملكة لوغونيكا نوعاً ما.]
ولو أراد المرء اختيار أقوى الشخصيات في مملكة لوغونيكا، فسيجد على الأرجح أن معظمهم من الفرسان؛ فراينهارد ويوليوس غنيان عن التعريف، وماركوس قائد الحرس الملكي، وروزوال كبير سحرة البلاط، يمكن إضافتهم للقائمة أيضاً.
وكان سوبارو يرغب في إضافة فيلهلم وغارفيل إلى القائمة كذلك، ليصنع تشكيلة أسطورية لمواجهة الجنرالات التسعة السامين.
سوبارو: [لا، ليس هذا هو المهم، فمهما تحدثت عن قوة الجنرالات التسعة السامين، من الصعب تصديق وجود شخص قادر على مجاراة راينهارد…]
آبل: [――يؤسفني إخبارك أن الأمر ليس كذلك.]
سوبارو: [ماذا؟]
وعندما حاول سوبارو قياس قوة الجنرالات التسعة السامين بوصفهم الخصم الأخطر الذي يجب الحذر منه، نطق آبل بكلام جعل سوبارو يشك في سلامة أذنيه.
ما الذي قاله للتو؟ ――أن هناك كائناً قادراً على مضاهاة راينهارد؟
سوبارو: [أتقصد أن هناك شخصيات مكسورة القوة كالأخطاء البرمجية تضاهي راينهارد في هذا العالم؟]
زيكر: [لستُ على دراية بهذه المصطلحات، لكن إن كنت تقصد المقارعة والمضاهاة، فلا يسعني إلا الموافقة؛ فالجنرالات التسعة السامون لديهم قائد أول يعلو حتى فوق مقام أراكيا.]
سوبارو: [الأول بين الجنرالات التسعة السامين هو…؟]
زيكر: [――سيسيليوس سيغمونت.]
وبجانب سوبارو، الذي فغر فاه وابتلع ريقه بصعوبة، نطق زيكر بهذين الاسمين بهدوء ووقار.
وأدرك سوبارو أنه اسم شخص، وأنه تحديداً اسم صاحب المرتبة الأولى المذكورة؛ والشخص الذي يحمل هذا الاسم هو أقوى كائن في الإمبراطورية، وفخر فولاكيا، وشخصية خارقة لكل موازين القوى.
آبل: [«صاعقة فولاكيا الزرقاء»، كما يُلقب؛ وهو سياف من أعلى طراز، يُقرن اسمه بـ«قديس السيف» في لوغونيكا، و«المُعجب» في كاراراغي، و«الأمير المجنون» في غوستيكو.]
سوبارو: [أممم… أذكر أنني سمعت بهذا اللقب من قبل… هل أنتم جادون حقاً؟]
آبل: [لو ناصبته العداء، لطار رأسك عن جسدك في طرفة عين؛ هذا هو الصنف الذي ينتمي إليه ذلك الرجل.]
آبل، الذي كان عاقداً ذراعيه، أومأ برأسه مجيباً عن سؤال سوبارو، بينما اشتدت وجنتاه بصرامة واضحة.
ففي هذا الموقف، لم يكن هناك أي داعٍ يجعل آبل أو زيكر يكذبان أو يمزحان؛ وبعبارة أخرى، كان ما قالاه هو الحقيقة المجردة بعينها.
سيسيليوس سيغمونت، أقوى رجل في الإمبراطورية، والذي يضارع راينهارد في مهارته الفذة.
شعر سوبارو بقشعريرة باردة تسري في ظهره وهو يتساءل عن مدى خطورة وشراسة هذا السياف الاستثنائي الخارج عن المألوف.
لقد كانت مواجهة تباينت فيها موازين القوى بشكل ساحق؛ فمع قلة عددهم وتفوق الخصم الساحق كماً وكيفاً، كيف يمكنهم أن يأملوا في تحقيق النصر أصلاً؟
آل: […لكن إذا فكرت في الأمر من تلك الزاوية، فما زال هناك بصيص أمل؛ فحقيقة أنني استطعتُ هزيمة الآنسة الصغيرة أراكيا ――المصنفة ثانية هنا―― كانت نصراً كبيراً ومكسباً عظيماً لنا.]
سوبارو: [آل…]
ورغم الأجواء الثقيلة التي خيمت على سوبارو والبقية، قال آل ذلك بنبرة يملؤها المرح والتفاؤل.
كان رأياً مفرطاً في الإيجابية، لكن الواقع جعل من الصعب على الآخرين مجاراته بتلك البساطة؛ ومع ذلك، متأثراً بحماس آل وروحه، تنهد سوبارو قائلاً: «معك حق».
فلو ركزوا فقط على الجانب المظلم، فلن يتمكنوا من إحراز أي تقدم؛ وفي الواقع، نجح سوبارو ورفاقه في السيطرة على المدينة الحصينة بأقل قدر من الخسائر؛ بل وكسبوا بريسيلا وآل كقوة إضافية، رغم صعوبة الجزم بما إذا كانا حليفين أم عدوين.
وكان واثقاً من أن ريم ستبذل كل ما في وسعها لعلاج جرحى شودراك، وستعود ميزيلدا إلى الخطوط الأمامية؛ وسيكون بإمكانهم الاعتماد مجدداً على هدوئها وصرامتها وقدراتها القتالية الشاملة.
وبناءً على ذلك――،
سوبارو: [آل محق… من الرائع حقاً أننا تمكنا من هزيمة أحد الجنرالات التسعة السامين… وشخصية تحتل مرتبة متقدمة كهذه تحديداً؛ وأنا واثق من أنها تملك معلومات وفيرة بحكم منصبها الرفيع.]
آل: [نعم، بالضبط! هذا عين العقل يا صاح؛ فالمعلومات أثمن من الذهب في أوقات الحروب؛ وبما أنها لا تزال حية، فلنستمع لما لديها.]
سوبارو: [صحيح؛ فربما نجد لديها خيطاً يقودنا إلى…]
أجبر سوبارو نفسه على استحضار الحماس، وجاراه آل في ذلك؛ وعلى هذا النحو، تحول مسار الحديث نحو استجواب أراكيا واستخلاص المعلومات منها بعد أن نجحوا في أسرها حية.
؟؟؟: [انتظرا لحظة، سوبارو وذا القناع الحديدي؛ يؤسفني أنني أخالفكما الرأي تماماً في هذا الشأن.]
لكن كونا، التي كانت تشارك في الاجتماع ممثلةً عن قبيلة شودراك، قاطعت حديثهما بحزم.
وعندما التفت سوبارو وآل نحوها، تحسست كونا خصلات شعرها المصبوغ بالأخضر، وقالت――،
كونا: [تلك المرأة خطيرة للغاية؛ ولا يمكن التنبؤ بما ستفعله إذا لمحت أي ثغرة؛ والحل الأفضل بلا شك هو قتلها في أسرع وقت ممكن.]
سوبارو: [أنا أفهم وجهة نظركِ، لكن هذا تفكير متسرع وقصير النظر؛ فقتلها لن يكون…]
كونا: [الزعيمة أصيبت بجراح بالغة بالفعل؛ ولا يهمني ما يقوله سوبارو، فنحن والبقية عازمون على إعدامها.]
طرحت كونا فكرة إعدام أراكيا بوضوح وصراحة، موجهة نحو سوبارو نظرة صارمة لا تقبل المساومة.
وعندما ذكرت حالة ميزيلدا الحرجة، لم يجد سوبارو مفراً من التزام الصمت؛ فرغم أن سلامتها باتت بين يدي ريم، إلا أن حقيقة إصابتها لن تُمحى حتى لو التأمت جراحها.
وإذا رأت نساء شودراك أن ذلك ذنب لا يُغتفر، فسيتعين على أراكيا دفع الثمن حتماً.
سوبارو: [――――]
وبينما كان سوبارو يبحث عن رد يواجه به إصرار كونا، اختلس نظرة نحو بريسيلا.
أراد أن يرى رد فعل بريسيلا تجاه مطالبة كونا بإعدام أراكيا، خاصة وأن علاقة غير عادية تربط بين الاثنتين على ما يبدو.
إلا أن――،
بريسيلا: [لقد حددتُ موقفي من أراكيا سلفاً؛ وفي المقام الأول، أنا شخصياً من هوى بسيفه على ظهر ذلك الشيء؛ فهل هاتان العينان السوداوان في وجهك مجرد زينة لا فائدة منها؟]
سوبارو: [غُـه…]
بريسيلا: [لا نية لدي لقول أي شيء من أجل إنقاذ أراكيا؛ فإن انتهى مصيرها هنا، فسيكون ذلك جزءاً من مسار حياتها واختياراتها. ――رغم أن ذلك سيكون مدعاة للأسف.]
سوبارو: […أنا عاجز عن فهمكِ تماماً.]
هز سوبارو رأسه مستنكراً كلام بريسيلا، التي تحدثت ببساطة وتجرد وهي تزن قيمة حياة أراكيا.
وفي نهاية المطاف، بدت علاقتهما معقدة يعلوها الجفاء، غير أن سلوك أراكيا كان يشير إلى أنها قد تكون علاقة وثيقة؛ ومع ذلك، كان موقف بريسيلا متجرداً وقاسياً لدرجة مروعة.
وبصفته شخصاً غريباً عن الأمر، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عن طبيعة الرابطة بينهما.
سوبارو: [لكن إذا مات الشخص، ينتهي كل شيء؛ فالحياة لا تعود أبداً.]
بريسيلا: [أتتجرأ على إعطائي دروساً في قيمة الحياة؟ أتظن أنني قد أخطئ في تقدير قيمة حياة شخص آخر؟]
سوبارو: [――. لستِ كليّة القدرة؛ حتى أنتِ يمكن أن تخطئي.]
مواجهاً بريسيلا مباشرة، رد سوبارو دون أي تردد.
وبمجرد أن نطق بتلك الكلمات، توتر الهواء في الغرفة بشدة.
شهقت كونا وزيكر ذعراً، بينما شوهد آل وهو يضع يده على جبهة خوذته بيأس؛ وسوبارو نفسه أدرك في الحال أنه تفوه بحماقة نابعة من فورة غضب متسرعة.
ولم يستوعب خطورة ما قاله إلا بعد أن خرجت الكلمات من فمه؛ فقد كان هذا النمط من الحديث كفيلاً بأن يفقده حياته جراء إثارة غضب بريسيلا.
ففي اللحظة التالية، قد يُقطع رأسه بضربة من ذلك السيف القرمزي المشع.
ومع ذلك كله――،
سوبارو: [أنا لست مخطئاً؛ فحتى أنتِ يمكن أن تقعي في الخطأ.]
مرة تلو الأخرى، كرر سوبارو تلك الجملة التي قد تكلفه حياته.
وبعد لحظة، وأمام سوبارو مباشرة، ضاقت عينا بريسيلا بنظرة باردة حادة؛ وعندها، فإن ذلك «الموت» الحارق الذي كان سيعاقب سوبارو على وقاحته وتسرعه――،
بريسيلا: [حتى أنا يمكن أن أخطئ، أليس كذلك؟ لعمري إنه لقول خبيث حقاً.]
لم يأتِ أبداً.
سوبارو: [إيـه…]
اتسعت عينا سوبارو بدهشة بالغة، وزفر نفساً محبوساً بعد أن كادت رئتاه تنفجران من شدة التوتر.
وبإلقاء نظرة عابرة نحو سوبارو، فتحت بريسيلا مروحتها محدثة صوتاً مسموعاً، ثم تجاوزت سوبارو بنظراتها لتصوبها مباشرة نحو كونا.
بريسيلا: [قبل أن نقطع رأس ذلك الشيء، سيكون من الأفضل العثور على فائدة نرجوها منه أولاً.]
كونا: [――ماذا، أتحاولين إملاء ما يجب علينا فعله؟ أنتِ مجرد دخيلة هنا.]
بريسيلا: [إذا كنتِ ترغبين في تجاهل نصيحتي، فافعلي ما يحلو لكِ.]
متراجعة عن رأيها، مسحت نظرات بريسيلا قوام كونا النحيل وكأنها تحرقه بحرارتها.
طوقت كونا جسدها بذراعيها في حركة لا إرادية، مظهرة بوضوح حجم الضغط الهائل الذي ولدته تلك النظرات؛ وللأسف، كانت بريسيلا وكونا في مستويين متباعدين تماماً.
آل: [بصراحة، شعرتُ ببعض القلق والتوتر؛ لكننا الآن متفقون جميعاً على الرأي نفسه!]
وكأنه يحاول كسر هذا التوتر الخانق، ضرب آل الطاولة المستديرة بيده بقوة.
وبعد أن لفت انتباه الجميع بهذه الحركة، نظر إلى سوبارو من خلال خوذته الحديدية وقال:
آل: [إنها بشرى سارة أنك لم تمت يا صاح، ومن الرائع أيضاً أن العالم لم يخسر تلك الفتاة الفاتنة؛ ومع ذلك، حين تستيقظ، سنتحدث معـ――]
؟؟؟: [――مصيبة كبرى~!]
وكان آل على وشك تلخيص آرائهم بشأن ما يجب فعله مع أراكيا، حين تردد صوت خطوات متسرعة ومرتبكة.
كانت هولي، وقد التوى جسدها الضخم عند مدخل القاعة، لتقتحم المكان بخطوات متخبطة وصوت يملأه الذعر.
تلاحقت أنفاسها واضطرب جسدها وهي تجذب أنظار الجميع، وانطلقت الكلمات من فمها.
وكانت تلك الكلمات هي――،
هولي: [لقد تسلل بضعة جنود من الإمبراطورية إلى الداخل، والجنرال السامية التي أسرناها قد هربت~!]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※