الفصل 386 - لقاءٌ يضاهي الدماء اللافحة
الفصل الخامس والعشرون:
«لقاءٌ يضاهي الدماء اللافحة»

――وهناك كانت تقف فتاة «قرمزية»، كشعلة نار متقدة وساطعة، يعبق رداؤها بشذا دمٍ فائض.
وفي خضم ساحة المعركة المباغتة، فوق الطبقات العلوية من مبنى البلدية، فرضت تلك الفاتنة الضارية سيطرتها على مشهد الخراب الموحش، وهي تقبض بيقين على سيف نفيس مشع.
بشعرها البرتقالي الأخاذ، وفستانها الفاخر بلون الدماء، وقوامها الأنثوي الفاتن، كان ظهر تلك الواقفة الممسكة بالسيف ينضح بأقصى درجات القوة والبأس.
سوبارو: [――――]
شاخصاً بنظره نحوها في ذهول تام، اضطربت حبال أفكار سوبارو واستحالت إلى فوضى عارمة وهو واقف بذراعين مفتوحتين على وسعهما.
متناسياً للحظة ذلك الألم الذي يسري في سائر جسده وحاجته للتنفس، راحت كلمة واحدة تتردد بلا توقف داخل رأسه الفارغ: «لماذا؟».
لماذا تقف هي هنا تحديداً؟
لماذا تدخلت لإنقاذ سوبارو؟
لماذا استطاعت مواجهة أراكيا بمثل هذا الهدوء والرباطة؟
لماذا، ولماذا، ولأي سبب؟ لم يستطع عقله إيقاف سيل الأسئلة المتدفق.
وتحت وطأة تلك التساؤلات التي لا تنتهي، شعر سوبارو وكأن الزمان نفسه قد توقف عن الحركة؛ ثم، وكأنها تسخر من جمود سوبارو ووقفته، أطلقت المرأة «القرمزية» نخرة استخفاف و――،
بريسيلا: [يا له من وجه أحمق؛ أأحرقت مهابة أصلي ونبلي عينيك؟]
سوبارو: [――ماذا، أتملكين أعيناً في مؤخرة رأسكِ؟]
بريسيلا: [هراء؛ أتراني كائناً مشوهاً يملك مثل هذه العاهة؟ يمكنني معرفة ملامح وجه عامي أحمق بمجرد سماع تنفسه.]
ودون أن تكلف نفسها عناء الالتفات إلى الوراء، جاء ذلك الرد الفخور والمتكبر لتلك المرأة―― بريسيلا بارييل.
وبينما كان ينظر بذهول إلى تلك المرأة التي ما كان ينبغي لها أن تطأ هذا المكان أصلاً، لم يجد سوبارو أي كلمات يدحض بها ذلك الادعاء الساخر بقدرتها على قراءة ملامحه بمجرد سماع أنفاسه.
وكان الموقف يتحرك ببطء أمام ناظري سوبارو المذهولين والعاجزين عن استيعاب ما يجري.
بريسيلا: [حسناً.]
وبعد أن أخذت نفساً قصيراً، نظرت بريسيلا في الأرجاء وهي لا تزال تمسك بالسيف القرمزي المزخرف بإحكام.
وأدركت أن مبنى البلدية قد تغيرت معالمه تماماً إثر هجوم ذلك الدخيل المباغت واجتياحه؛ وحتى مع احتساب نساء شودراك المصابات وزيكر الغائب عن الوعي، لم يكن هناك من يقدر على الحركة ――وإن كان بصعوبة بالغة―― سوى سوبارو، وريم الواقفة خلف ظهره، وآبل المتكئ على الشرفة.
والمتسببة في كل هذا الدمار――،
بريسيلا: [――أراكيا.]
أراكيا: [――――]
مضيقة عينيها القرمزيتين، ركزت بريسيلا بصرها نحو الفتاة الأخرى بهدوء تام.
أما التي التزمت الصمت التام في مثل هذه الظروف فكانت تلك الشبيهة بالبشر ذات البشرة السمراء والشعر الفضي―― الجنرال من الدرجة الأولى في الإمبراطورية، والمصنفة ثانيةً: أراكيا.
تلك التي قيل إنها ثاني أقوى شخص في إمبراطورية فولاكيا، وقد أثبتت قدراتها الساحقة ذلك بوضوح؛ وقد واجهت نظرات بريسيلا المليئة بالعزيمة القوية مباشرةً، بعينها اليمنى الحمراء التي لم تغطها الرقعة―― لا، بل في الحقيقة، لم تفعل ذلك.
أراكيا: [الأمـ… يـرة…؟]
وحتى هذه اللحظة، كانت أراكيا تعطي انطباعاً كأنها كائن قادم من عالم آخر يفرض حضوره الطاغي على المكان؛ لكن تحت وطأة نظرات بريسيلا، انهار ذلك الحاجز فجأة في لحظة واحدة.
وبدلاً من ذلك، ظهر اضطراب شديد مازجته فرحة غامرة تضاهيه في القوة.
أراكيا: [الأميرة، الأميرة، أيتها الأميرة… هـك.]
وتلاشت تلك الهالة الخطيرة المحيطة بها، بينما راحت أراكيا تكرر تلك الكلمات مراراً وتكراراً وكأنها تتأكد من الحقيقة.
وبدت وكأنها طفلة تائهة التقت بوالديها بعد غياب، أو كأخ وأخت صغيرين يحاولان استعادة رابطتهما؛ وكان واضحاً للعيان تعلق الضعيف الذي يحاول التشبث بالقوي.
――فطبيعة العلاقة التي تجمع بين بريسيلا وأراكيا كانت مجهولة تماماً لبقية الحاضرين.
ورغم غرابة المشهد، لم يستطع سوبارو معرفة السبب الذي دفع بريسيلا للمجيء إلى هذا المكان، واكتفى بالتكهن بوجود ماضٍ غير عادي يربط بين الاثنتين.
وربما كان هذا الماضي المشترك هو تحديداً ما حطم عزيمة أراكيا القتالية، وهي التي كانت الكائن الأكثر خطورة ورعباً في هذا المكان بلا منازع.
أراكيا: [――هـك.]
خفضت أراكيا الغصن النحيل في قبضتها، وحاولت ――وقد غمرتها العاطفة―― أن تتقدم خطوة إلى الأمام؛ وبدا وكأنها على وشك الارتماء مباشرة في أحضان بريسيلا.
ربما كانت تتمنى الاستجابة لتلك المشاعر المتدفقة في قلبها لتعانق بريسيلا بقوة.
إلا أن――،
أراكيا: [أميـ―ـرة]
بريسيلا: [اخرسي.]
لكن ذلك لم يُكتب له أن يحدث.
فقد رافق ذلك الأمرَ القصير والصارم وميضٌ خاطف؛ وعندما همّت أراكيا بالتقدم خطوة للأمام، مسح وهج أحمر الأرضية، على بعد سنتيمترات قليلة من أطراف أصابع قدميها الحافيتين، واندلعت ألسنة لهب ساطعة لتمنعها من التقدم أكثر.
أراكيا: [――――]
وفي أقصى حالاتها، لم تكن تلك النيران تملك قوة تتجاوز وهج شعلة نار صغيرة تصل إلى مستوى ساقيها.
ولم تكن كافية لمنع ساقي أراكيا الطويلتين من تجاوزهما بخطوة واحدة؛ لقد كان بإمكانها ذلك بسهولة―― ومع ذلك كله، عجزت عن الحركة، تماماً وكأنها تقف أمام جدار منيع لا يمكن اجتيازه.
وفي وقفتهما تلك، واصلت بريسيلا التحديق ببرود نحو أراكيا، التي اتسعت عيناها دهشة من هذا التصرف غير المتوقع.
بريسيلا: [أراكيا، ما الذي يجعلكِ ترغبين في المجيء إليّ الآن؟]
أراكيا: [مـاذا…؟]
بريسيلا: [أكنتِ تظنين أنني سأفرح بلقائكِ لدرجة أن أستقبلكِ بين ذراعيّ؟ إن كان الأمر كذلك، فلا يسعني إلا أن أعجب من فرط سذاجتكِ وتفاؤلكِ الأجوف.]
خرجت كلمات بريسيلا مشوبة بالازدراء والاشمئزاز، قاطعة كل طريق أمام أراكيا للاقتراب منها.
ولا بد أن أراكيا أدركت تلك المسافة والقطيعة التي تفصل بينهما؛ فارتجفت عينها بذهول، وهي تحاول جاهدة العثور على أفضل رد تواجه به كلمات بريسيلا.
لكن――،
أراكيا: [بـ-بريسكا-ساما…]
بريسيلا: [بريسكا ماتت وانتهت. ――ألم يتغير فيكِ شيء بعد كل هذا الوقت، حتى بعد أن نلتِ هذا المنصب الجديد؟]
أراكيا: [――هـك.]
بريسيلا: [يا للضجر والابتذال؛ لقد مر وقت طويل منذ أن نظرتُ إلى تراب وطني لآخر مرة، لكن من الصعب أن يشعر المرء بأي شيء تجاهه حين يراه قد هزل وانحدر إلى هذا الحد.]
لم تستطع بريسيلا إخفاء حقيقة خيبة أملها الشديدة وازدرائها لما تراه.
ولنكون صادقين، كان سوبارو يفتقر إلى فهم موقفها وموقعها في هذه المعمعة ليخمن أصلاً ما يدور في خلدها؛ ومع ذلك، أدرك سوبارو أن كلماتها القاسية قد زلزلت كيان أراكيا من الأعماق، لدرجة تكاد تجعلها تنزف دماً.
لقد كان جرحاً عميقاً نال منها؛ جرح الإهانة والنبذ من شخص ترتبط معه برابطة بالغة الأهمية.
اضطربت عين أراكيا بعد وصفها بأنها مخيبة للآمال؛ وكان بإمكانها أن تنكسر وتتراجع خوفاً أمام ذلك الجرح اللفظي؛ لكنها بدلاً من الضعف والتردد، أظهرت نظرة شرسة وحاسمة من عينها الحمراء المكشوفة.
لم يكن غضباً مجرداً، بل كان بريق عزم راسخ وإصرار لا يتزعزع.
أراكيا: […لا يهمني ما تظنه الأميرة بي؛ حتى وإن كان ذلك مؤلماً جداً؛ لكنني حسمتُ أمري.]
بريسيلا: [――. هوه، إذن حسمتِ أمركِ؟ فهل تملكين ما يعيد إليكِ اهتمامي إذن؟ جربي وأخبريني بما قررتِه.]
ورداً على كلام أراكيا الهادئ، ألقت بريسيلا بعبارة استفزازية، سواء كانت تقصد ذلك أم جرى على طبيعتها؛ وفي المقابل، رفعت أراكيا رأسها وصرخت بقوة: «سأفعل!»
ومع تلك الصرخة، ثنت أراكيا ركبتيها الرشيقتين،
أراكيا: [سأستعيد للأميرة مكانتها وحقها المسلوب! في أرجاء الإمبراطورية! ولأجل تحقيق ذلك…]
لم يكن اندفاع أراكيا موجهاً نحو بريسيلا، التي لم تكن تصغي إليها إلا بنصف تركيز.
فقد انحرفت نظرة عينها الوحيدة عن بريسيلا، متجهة نحو آبل الذي لا يزال واقفاً عند الشرفة يتابع تطورات الموقف؛ ليصبح هو الهدف المباشر لعواطفها المتقلبة.
أراكيا: [أنت كاذب يا صاحب الجلالة السامية، ولأجل ذلك، سأجعلكَ تـ―― تشه!]
وبعين تشتعل بالغضب والضراوة، قفز جسد أراكيا النحيل عالياً في الهواء؛ متجاهلة حاجز النار بينها وبين بريسيلا، اندفعت كالسهم إلى الأمام، وكانت وجهتها هي آبل عند الشرفة.
كانت براعتها في القفز خارقة للعادة؛ ومع ذلك، لم يكن ذلك مفاجئاً بالنظر إلى أنها تحمل لقب ثاني أقوى شخص في ربوع الإمبراطورية.
لكن المشكلة الأساسية كانت أنه، باستثناء بريسيلا، لم يكن هناك أحد يملك الوسيلة أو القدرة على إيقافها.
سوبارو: [سحقاً، آبل سيلقى حـ…! بريسيلا!]
بريسيلا: [لا تثر كل هذه الجلبة؛ ما بالك تتصرف بمثل هذه الوقاحة والتجرؤ، أيها العامي الأحمق؟ ومن سمح لك أصلاً بمناداتي باسمي مجرداً؟]
سوبارو: [ليس هذا وقت الـ…]
بريسيلا: [――قلتُ لك، لا تثر الجلبة.]
وبسيفها المزخرف الممدود في إحدى يديها، تجاهلت بريسيلا توسلات سوبارو.
وبعد هذا التهديد ――الذي جعل التنبؤ بخطوة بريسيلا التالية مستحيلاً―― اندفع قوام أراكيا كالسهم المارق مقترباً من آبل، في مرمى بصر سوبارو المحبوس الأنفاس.
آبل: [――――]
وكان آبل متكئاً على سور الشرفة شبه المنهارة، بينما تسيل الدماء من جبهته.
ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الفزع إثر اقتحام بريسيلا المباغت، بل ظل واقفاً بثبات، محدقاً نحو أراكيا بعينيه السوداوين الحادتين.
وكان معلوماً للجميع أنه ليس مقاتلاً بارعاً على وجه الخصوص، كما أن ذراعه الوحيدة السليمة لم تكن بالطبع قوية بما يكفي لمواجهة أحد أقوى رجالات الإمبراطورية؛ ولذلك عجز سوبارو عن فهم السبب وراء رفضه الاستسلام لليأس.
ودون أن يدري――،
سوبارو: [آبـل――!!]
كان يعلم أن محاولته لا جدوى منها، ومع ذلك حاول الاندفاع نحوه؛ إلا أن ساقيه خذلتاه عند أول خطوة؛ وبعد أن سقط على ركبتيه، لم يملك سوبارو سوى مد يديه في عجز وأراكيا تواصل الاقتراب من آبل.
――وفي اللحظة التالية مباشرة، وقعت سلسلة من الأحداث فاقت حدود استيعاب سوبارو وفهمه.
آبل: [――――]
داس آبل بقوة على أرضية الشرفة، وعيناه لا تفارقان أراكيا التي تطبق عليه؛ وفور قيامه بذلك، انتشرت التصدعات بسرعة في أرجاء الشرفة شبه المدمرة، وانهارت النقطة التي يتخذها موطئاً لقدميه في لمح البصر.
وبطبيعة الحال، وبما أنه كان يقف فوقها، هوى آبل في سقوط عاجز―― هكذا ظن سوبارو، لكن هذا لم يكن ما حدث.
بل ظل جسد آبل معلقاً في الهواء؛ إذ أمسكت يده اليمنى الممدودة بالستارة المتدلية من الطابق العلوي.
لقد أخفى آبل حبل نجاته تحت يده التي كان يسندها إلى السور، ثم تعمد بعد ذلك هدم المكان الذي يقف عليه.
وربما لو كان العدو مجرد مقاتل عادي، لكانت الخطة تقضي بأن يبتلعه الانهيار ويسقط إلى الطابق السفلي دفعة واحدة.
لكن الخصم لم يكن سوى أحد الجنرالات التسعة السامين؛ وفوق ذلك، كانت المصنفة ثانية بينهم.
أراكيا: [يا للمتعة…!]
متأرجحاً كالبندول، تشبث آبل بستارة النجاة متمسكاً بالحياة، بينما كشرت أراكيا عن أنيابها وشراستها.
ورغم أنها فقدت موطئ القدم اللازم للهبوط بعد قفزتها، إلا أن قوة أراكيا لم تنبع من قدراتها الجسدية الخارقة فحسب، بل اعتمدت أيضاً على قواها غير البشرية.
فأخذت ساقاها تتوهجان كالجمر المتقد، وتحول جسدها من ركبتيها إلى الأسفل ليصبح كتلة من اللهب، لتتخذ في الهواء وضعية صاروخ ينفث نيراناً هادرة من ساقيه.
النيران التي أحرقت ميزيلدا، والإعصار العنيف الذي أطاح بالجنود العاديين، والتشكيل العجيب الذي أسند العمود المنهار، والرياح التي جردت ريم من سلاحها، وأخيراً تحويل جزء من جسدها إلى لهيب مشتعل.
فمن كل تلك الوقائع السابقة، باتوا يدركون بمرارة مدى التنوع اللامحدود والشراسة الفائقة لقدرات أراكيا.
أراكيا: [يا صاحب الجلالة السامية، مت――!]
وعلى هذا النحو، كان غصن ذو قوة مجهولة على وشك أن يهوي على آبل؛ ومعلقاً بالستارة، عجز آبل عن الحفاظ على اتزانه ودار حول نفسه في الهواء.
ولم يكن واضحاً ما إذا كان الغصن سيطعنه طعنة قاتلة، أم سيطلق تعويذة سحرية، أم سينتج تأثيراً خارقاً آخر؛ ――كان الأمر مجهولاً، لكن بغض النظر عما سيفعله، كان آبل سيمزق إلى أشلاء بلا شك.
وهذا اليقين وحده جعل حدقتي سوبارو تضيقان برعب واستعجال شديد.
ومع ذلك――
؟؟؟: [――يا للمصيبة يا صاح؛ لم أعرف حتى أنك أنت إلا عندما سمعت صوتك للتو.]
وفي طرفة عين، اندفع قوام وفصل بين أراكيا الشرسة وآبل المعلق في الهواء.
ومن جوار ريم الملقاة أرضاً، ركض ذلك الشخص فوق العمود الذي صدته أراكيا سابقاً، ووجه ضربة جانبية استهدفت الغصن في يدها؛ فاصطدمت ضربة سيف «الداو» العريض [1] بالغصن الذي حركته أراكيا بحركة خفيفة من معصمها، إلا أن قوة الاندفاع قذفت بها بعيداً في الهواء.
وبعد أن صُد هجومه المباغت دون أي صعوبة، أطلق ذلك الشخص صيحة: «دااااه!»، وضرب بقدمه على الأرض غاضباً.
؟؟؟: [اللعنة، ذراعي تؤلمني! لا تصدي بهذه السهولة ضربة وضع فيها المرء كل ما يملك من قوة، فهذا يسبب الإحباط حقاً.]
وأنهى تذمره وتلويحه بذراعه المتألمة تلك الفوضى العارمة من الأحداث المتتالية؛ وكان ذلك الشخص، مجدداً، خارج كل ما قد يخطر في بال سوبارو وخياله.
كان رجلاً يعتمر خوذة حالكة السواد، ويرتدي من خصره إلى الأسفل ملابس تشبه أزياء قطاع الطرق. تميز ذلك الرجل بفقده لذراعه اليسرى، بينما كانت ذراعه اليمنى الغليظة تمسك بسيف «الداو».
كان رجلاً يعرفه جيداً؛ وفي الواقع، كان هو أول شخص ينبغي التفكير فيه بمجرد رؤية بريسيلا هنا.
لقد كان هو――،
سوبارو: [――آل؟]
آل: [مرحباً يا صاح! لم أتوقع أن ألتقي بك على الجانب الآخر من الحدود؛ وددتُ لو أشاركك رأيي في هذا الزي وهذا اللقاء الغريب، لكن…]
أمال آل ――فارس بريسيلا، أو بالأحرى خادمها―― رأسه ورفع صوته بتحية بدت غير مناسبة تماماً لخطورة الموقف.
ورد على سوبارو بالنبرة الهادئة واللامبالية نفسها كعادته، بينما يمنع في الوقت ذاته تقدم أراكيا، التي ظلت طافية في الهواء وساقاها تتحولان إلى ألسنة لهب.
وفي هذا الموقف، لم يكن سوبارو يدري أيهما يستحق الدهشة أكثر: قدرة آل على صد هجوم أراكيا بضربة واحدة، أم متانة ذلك الغصن الذي اصطدم مباشرة بسيف الداو وخرج دون أي خدش.
آل: [يمكنك أن تندهش كما تشاء يا صاح؛ فعلى أية حال، لم يكن هذا بالأمر الذي يُنجز من المحاولة الأولى.]
أراكيا: [ابتعد عن طريقي! لن أتمكن من قتل صاحب الجلالة السامية هكذا!]
آل: [لقد جئتُ كل هذه المسافة لأتدخل، فكيف أتنحى الآن؟ لا يمكنني الوقوف هنا حتى يطير رأسي عن جسدي؛ لكن…]
صرخت أراكيا غاضبة، ونظر إليها آل مباشرة دون أي تردد.
كان رداء أراكيا مكشوفاً للغاية، لكن آل لم ينظر إليها بريبة أو شهوة؛ بل حملت نظرته مشاعر حنين وتأثر عميق.
بل أطلق آل تنهيدة إعجاب:
آل: [هـاااه~. لقد كبرتِ حقاً؛ كنتُ أعلم دائماً أنكِ ستصبحين حسناء رائعة الجمال.]
أراكيا: […من أنت؟]
آل: [قولكِ هذا يؤلمني حقاً! رغم أننا رفيقان ائتمن كل منا الآخر على حياته في الماضي!]
وعندما ناداها آل كشخص مقرب يعرفه جيداً، رفعت حاجبيها بارتياب؛ ولكي يبقيها على مسافة كافية، ركل آل قطعة من الأرضية المكسورة باتجاه قوامها النحيل.
وبينما كانت تتابع ما يفعله آل، نادته بريسيلا بصوتها الحاسم:
بريسيلا: [آل. أنت تعلم ما أريد؛ ولهذا أحضرتك إلى هنا دون شولت؛ قم بواجبك وأنجز عملك.]
آل: [أنا أقوم به بالفعل! هل أبدو كمن يستمتع بوقته مع هذه الجميلة؟ إن لم أكن حذراً، فسأموت ممزقاً في غضون عشر ثوانٍ، أتدركين ذلك؟]
بريسيلا: [بالنظر إلى مجمل الموقف، من الواضح أنك لم تنجز الكثير حتى الآن.]
آل: [البقاء على قيد الحياة أفضل من الموت ممزقاً، أليس كذلك؟ واااو!]
وكاد آل، الذي تشتت تركيزه بسبب كلمات سيدته المستعجلة، أن يلقى حتفه بضربة قاضية من أراكيا.
محلقة في الهواء، دارت أراكيا بحرية تفوق الطيور، بينما استمات آل في صد الهجمات المتلاحقة التي كان غصنها يسددها واحدة تلو الأخرى.

أراكيا: [أنت تقف في طريقي…!]
آل: [إن سماع هذا الكلام من فتاة في مثل عمرك يؤلم قلب هذا العجوز حقاً.]
وظل آبل معلقاً، وواصل آل حمايته دون تراجع.
محدقة فيهما من الأعلى، ازداد الغضب في عيني أراكيا، واشتعل جسدها برغبة القتال؛ ومع ذلك، كان السبب الذي منعها من استخدام الهجوم واسع النطاق المرعب الذي أظهرته في البداية هو――،
سوبارو: [بريسيلا…]
«الأميرة»، هكذا نادت أراكيا بريسيلا سابقاً.
ورغم أن تصرفات بريسيلا لم تكن سوى برود وقسوة تامة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في مشاعر أراكيا؛ وكان هذا هو السبب الوحيد الذي جعلها تمتنع عن إحداث دمار أوسع في المكان.
ولذلك، إن كان هناك شخص قادر على كسر هذا الجمود وتغيير مجرى القتال، فلن يكون سوى بريسيلا، التي كانت تكبح أراكيا الطافية بنظراتها.
سوبارو: [――――]
بريسيلا: [لا تنظر إليّ بتلك العيون المتوسلة، أيها العامي الأحمق؛ قد أمدح مظهرك الجميل المصطنع، لكن محاولتك استغلاله للتأثير عليّ قلة حياء وسوء أدب.]
سوبارو: [غُـه… هـك!]
والتفت سوبارو وهو على ركبتيه، لكن كبرياء بريسيلا وغطرستها حالا دون أن تأخذه على محمل الجد.
وبدلاً منه، تحركت ريم، التي كانت تحتمي بظهر سوبارو حتى تلك اللحظة؛ فشدت شفتيها، وتقدمت بخطوات غير متزنة لتقف أمام بريسيلا مباشرة.
وعندها――،
ريم: [أرجوكِ، أتوسل إليكِ؛ أرجوكِ، أعيرينا قوتكِ لمساعدتنا.]
بريسيلا: [――. همم، كلامكِ هذا يبعث على الارتياح؛ ويمكنني القول إنكِ أكثر تهذيباً وأدباً من هذا العامي الأحمق.]
ريم: [إذن…!]
بريسيلا: [لا تبالغي في التفاؤل وتسترسلي في الزهو؛ بل التزمي الهدوء وراقبي فحسب؛ فالأسباب الكفيلة بقلب موازين الموقف قد وُضعت وباتت قيد التنفيذ بالفعل.]
توسل ريم، واحتمالية رفض بريسيلا ونفورها، أرسلا قشعريرة باردة سرت في ظهر سوبارو؛ غير أن بريسيلا لم تغضب أو تفقد هدوءها، بل أشارت نحو ساحة المعركة بإمالة خفيفة من رأسها.
تابعت ريم نظرتها بـ«إيه؟» مفعمة بالدهشة، وحذا سوبارو حذوها فوراً.
وفي ساحة المعركة تلك فوق الشرفة، لو تُرِك الأمر دون تدخل، لكان بإمكان أراكيا القضاء على آبل وآل في ثوانٍ معدودة؛ وفي الواقع، كان خطر حدوث ذلك يزداد مع كل ثانية تمر.
آل: [داه! غاه! آووه! غواااه! أوبااا!]
وراحت أراكيا تتمايل في الهواء وساقاها تشتعلان لهيباً، بينما جاهد آل لصد هجماتها، رغم أن حركاته شابتها فظاظة واضحة وافتقرت إلى المهارة، مما جعله يتراجع ويُدفع إلى الخلف ضربة تلو الأخرى.
إلا أن سلسلة المعجزات لا تدوم إلى الأبد؛ إذ بدأت آثار تلك الضربات المتراكمة تظهر واضحة على جسد آل المنهك؛ وبمجرد أن أخذت استجابته تتأخر بشكل ملحوظ، اهتز الجزء العلوي من جسده إثر ضربة عنيفة.
ومع تلك الضربة، اختل توازنه وفقد قدرته على الدفاع أمام الهجوم التالي، وفي تلك اللحظة بالذات――،
أراكيا: [――هـك!؟]
حاولت أراكيا ركل الهواء، غير أن جسدها ترنح في التواء غير طبيعي، مما أفقدها السيطرة على حركتها جزئياً.
وحتى بالنسبة لشخص عادي لا يفقه شيئاً في القتال، لم تكن تلك الحركة ضرباً مألوفاً من حركات الهجوم، كما أظهرت عيناها اللتان اتسعتا ذهولاً وتلك النبرة المكتومة من الألم والضيق.
أراكيا: [――――]
أصاب الجميعَ الفزعُ والذهول إثر ذلك التغير المفاجئ الذي حل بـ أراكيا وأربك حركتها.
أما الشخصان الوحيدان اللذان لم يُفاجآ بالأمر فكانا بريسيلا، التي كانت تراقب مجريات المعركة باسترخاء، وذاك الذي دبر هذه المكيدة، والذي كان يُفترض به أن يكون في خضم معمعة قتالية عنيفة――،
؟؟؟: [――هاجموا!]
اخترق ذلك الأمر الصارم أجواء المكان متمازجاً مع رائحة الاحتراق وغبار الركام المتصاعد.
لقد جاء الصوت من آبل، المعلق في الهواء؛ بصوت يفيض بالحزم أكثر من الغضب، وبالثقة أكثر من الكبرياء؛ وذلك الرجل، الذي لا يزال متشبثاً بالستارة، صرخ بقوة مقتنصاً الفرصة التي لاحت في سماء المعركة فوق رأسه.
وبدا المشهد وكأنه كان يعلم يقيناً أن هذه اللحظة قادمة لا محالة.
آل: [يمكنك إخباري بما حدث لاحقاً!!]
واستجابة لأمر آبل، قفز آل في الهواء.
وفي وثبة غير متناسقة والتواءة سريعة، رسم سيف «الداو» قوساً منحدراً، ليهوي بلا تردد فوق قوام أراكيا النحيل المتجرد من الرحمة―― لا، بل كانت هناك رحمة في ضربته.
إذ التوى المعصم الممسك بسيف الداو، ليتجه الجانب العريض غير الحاد من النصل ――لا حده القاطع―― نحو أراكيا.
بريسيلا: [أيها الأحمق.]
وبملاحظة تلك الحيلة غير القاتلة، علقت بريسيلا ببرود واقتضاب.
وكانت عيناها الممتلئتان بالكبرياء المطلق قد استشرفتا مسار الموقف وتوقعتاه بدقة تامة.
أراكيا: [ابتعد…!]
وفي لحظة الاصطدام، تردد دوي اصطدام مكتوم وعنيف جعل سوبارو يرغب في إشاحة نظره عنه بشاعةً.
وانقضت ضربة آل القوية لتصيب أراكيا كما أراد تماماً، وتلقتها هي مباشرة بذراعها اليسرى المرفوعة؛ فانكسر مرفقها مرتداً في الاتجاه المعاكس، واخترقت العظام المكسورة بشرتها السمراء، وتناثرت الدماء في الهواء.
لقد كانت ضربة مؤلمة وقاسية، لكنها لم تكن قاتلة.
ومن خلف خوذته حالكة السواد، أطلق آل زئيراً منخفضاً، وبدا أن عضلات وجهه قد اشتدت بتوتر بالغ.
وبعد لحظة وجيزة، هوت قدم أراكيا النحيفة لتضرب عنقه من الجانب، قاذفة إياه ليرتطم بالأرضية بارتطام عنيف؛ وتدحرج جسده المندفع بقوة ليخرج مباشرة من حافة الشرفة المنهارة.
آل: [دووووه، آاااااه―― هـك!؟]
وانحسرت صرخة متألمة لتتلاشى في الهواء، واختفى معها قوام آل عن الأنظار تماماً.
وبالطبع كان في أمان من الموت، غير أن الحاجز الذي كان يفصل بين آبل وأراكيا قد زال كلياً الآن.
أطفأت أراكيا ألسنة اللهب المشتعلة في ساقيها وثبتت قدميها على الأرض؛ وهذه المرة، كانت عازمة على انتزاع الروح من جسد آبل وإنهاء حياته.
――وفجأة، قفز ظل أسود بضراوة بالغة لينقض على ظهر أراكيا من الخلف.
؟؟؟: [غرااااااااااه…!!]
أطاح الظل بالركام واندفع نحو أراكيا بصيحة شرسة ملأت المكان؛ لقد كان كائناً يقبض على خنجر ضخم بقبضة معكوسة، ومطلقاً هجوماً تقوده غريزة الصيد والافتراس.
وللحظة خاطفة، كادت شراسة ذلك الهجوم المباغت وبأس ذلك الظل المنقض أن يُذهلا عقل سوبارو عن إدراك هويته الحقيقية.
جسدها الفارع المفتول، المثخن بالجراح والمتفحم سواداً، وشعرها الأسود المصبوغ بحمرة الدماء، وتلك النقوش البيضاء على بشرتها التي تؤكد انتماءها لشعب شودراك―― وحينها صرخ سوبارو بملء صوته.
سوبارو: [ميزيلدا-سان!!]
ميزيلدا: [تشـاااااااه!!]
ودون أن تجيب نداء سوبارو، واصلت ميزيلدا الزئير وكأنها تبصق الدماء من جوفها.
لقد كانت ميزيلدا ضحية الضربة الأولى إثر اقتحام أراكيا؛ ومع بقاء سائر جسدها في حالة يرثى لها بسبب الحروق التي أصابتها، واصلت الهجوم كأنها تحرق ما تبقى من شعلة حياتها.
وكان النصل الصارم الذي تحمله موجهاً نحو مكامن الخطر ونقاط القتل في جسد أراكيا.
وعلى عكس آل، لم تكن ميزيلدا لتظهر أي ذرة رحمة أو شفقة لطريدتها في اللحظة الأخيرة؛ وبرؤية طريقتها في القتال، أدرك سوبارو متأخراً أنها كانت هي المعنية بأمر آبل السابق.
فقد توقع آبل مسبقاً ارتباك أراكيا وترنحها، وبث روح القتال في ميزيلدا المحتضرة لتجالد بشراسة أكبر.
وعجز سوبارو عن تخيل حجم التفكير الذي تطلبه الوصول إلى هذا الحساب فائق الدقة، في ظل هذه الظروف المفاجئة التي بدت مستحيلة التدارك.
ومع ذلك، لم تكن تلك الخطوة الإضافية كافية وحدها.
ميزيلدا: [――――]
ورغم استبسال ميزيلدا، ظلت حالتها الجسدية سيئة للغاية، وكانت مهارة أراكيا الفائقة كفيلة بالتعامل معها بسهولة تامة.
عاقدة حاجبيها بانزعاج، صدت أراكيا العديد من هجمات ميزيلدا بضربات عنيفة وسريعة من غصنها دون عناء، بينما كانت الأخرى تحرق آخر قطرات حياتها الموشكة على الانطفاء.
ولم يعد هناك أي داعٍ لإعادة ذكر مدى قوة ذلك الغصن وصلابته.
فأطاح زخم ضربة الغصن بالخنجر من يد ميزيلدا، وفي اللحظة التالية، اندفع الغصن ليخترق جذع ميزيلدا العاري تماماً من الدروع.
واخترق عضلات بطنها الفولاذية بصوت مرعب ومقزز، دون أن يواجه مقاومة تُذكر.
ونفذ عبر جسد ميزيلدا ممزقاً أعضاءها الحيوية، دافعاً بجسد المحاربة القوية نحو حافة الموت خطوة بعد خطوة――،
أراكيا: [والآن، أخيراً…]
ميزيلدا: [――إلى أين تنظرين؟]
حدث ذلك في اللحظة نفسها التي تحول فيها انتباه أراكيا عن المهاجمة التي ظنت أنها تخلصت منها.
لمعت عينا ميزيلدا وهي تتجمد في مكانها كالصخر، بينما كان الدم يفور عند زوايا فمها؛ ورسمت ابتسامة شرسة والدم الأحمر يصبغ بياض أسنانها، وأطبقت بكلتا يديها على يد أراكيا اليمنى الممسكة بالغصن.
وشدت قبضتها أكثر فأكثر بقوة، ثم جمدت جسدها مانعة إياها من الحركة.
ميزيلدا: [――――]
وكانت لحظة التوقف والجمود تلك هي الفرصة الأخيرة الحاسمة، أو هذا ما كان يفترض أن تكون عليه.
لكن لم يكن هناك أحد في صفهم، بما في ذلك سوبارو، قادراً على استغلال تلك اللحظة التي صنعتها حكمة آبل وتضحية ميزيلدا المستميتة.
فشعب شودراك، بقيادة زعيمتهم التي تصارع الموت، لم يتعافوا بعد من آثار تلك العاصفة الهائجة، والأمر نفسه انطبق على سوبارو الذي كان يصارع للحفاظ على وعيه بالكاد.
وحتى ريم، التي حطمت العمود الصخري سابقاً، عجزت عن الوصول إليهما بسبب ضعف ساقيها.
ومن دون تكاتف الجميع في وقت واحد، ضاعت تلك الفرصة النادرة التي لا تتكرر.
إلا أن――،
بريسيلا: [――يمكنكِ رفع رأسكِ بفخر أيتها الفتاة من الأوني؛ فتوسلكِ هو تحديداً ما استدعى ضربة سيفي هذه.]
ومع ذلك، حتى وإن عجز حلفاء سوبارو عن الوصول، لم ينطبق الأمر نفسه على القوة الثالثة في ساحة المعركة.
بريسيلا: [――――]
وبريسيلا، التي كانت ترى ساحة القتال برؤية شاملة ومحيطة، طوت المسافة بخطوة واحدة موجهة ضربتها نحو ظهر أراكيا المكشوف تماماً.
وللحظة، شعرت أراكيا بوجود حركة خلفها واستعدت للتعامل معها؛ وأرادت إلقاء جسد ميزيلدا الفارع ――الذي يمسك بذراعها―― لتصدم به الخصم القادم من خلفها.
لكنها لم تستطع فعل ذلك؛ ――عجزت عن فعله، لأنها رأت بوضوح لمن يعود ذلك الوجود.
أراكيا: [أميـ――]
وأراكيا، التي عجزت عن التخلص من هوسها بـ بريسيلا من البداية إلى النهاية، تلقت وميض السيف القرمزي القاطع.
ومع دوي قوي، احترقت دماؤها المتدفقة بفعل ألسنة اللهب، واهتز جسد أراكيا بعنف شديد.
بريسيلا: [لقد أخبرتكِ سابقاً يا أراكيا؛ ――أنه كان عليكِ إعداد عزيمتكِ وحسم أمركِ في المرة القادمة التي تلتقين بي فيها.]
وعدٌ قُطع في غياهب الماضي، لا يملك أي شخص آخر الحق في التدخل في حقيقته أو معرفة معناه الحقيقي.
وكان الشيء الوحيد المؤكد للعيان، هو أن ضربة بريسيلا الخالية من الرحمة كانت الجواب الحاسم على ذلك الوعد، وردّاً قاطعاً على شوق أراكيا وهوسها الذي لا ينتهي.
أراكيا: [――――]
انهار جسد أراكيا وسقطت على الأرض بعد أن اصطدم السيف القرمزي النفيس بظهرها مباشرة.
وميزيلدا، التي كانت تمسك بذراعها وتشل حركتها، جُرفت معها في السقوط؛ فهوت الاثنتان معاً في تشابك، ممددتين أطرافهما كدمى قماشية منهكة لا حراك فيها.
ميزيلدا: [――――]
ذلك الموقف، الذي كان يتحرك بسرعة جنونية تخطف الأنفاس، بينما كان الهواء يضطرب باستمرار بالسيوف والنيران، غرق فجأة في سكون مطبق؛ وشعر سوبارو وكأن حركة الزمان قد تجمدت تماماً.
وبدا الأمر وكأن مجرد حركة تنفس أو خطوة واحدة كفيلة بإفساد كل شيء، لينهار الموقف بأكمله كحلم يتبدد في الهواء.
ريم: [――ميزيلدا-سان!]
كان صوت ريم المشدود بالذعر هو ما كسر سكون تلك اللحظة.
وبذراعين متعبتين، زحفت على الأرض مسرعة نحو ميزيلدا الملقاة بجانب أراكيا.
فقد احترق جسد ميزيلدا بالكامل، وأطاحت بها عاصفة الرياح العاتية، وفوق ذلك كله، اخترق الغصن بطنها ومزق أحشاءها.
حبست ريم ――الجاثية على ركبتيها بجانبها―― أنفاسها رعباً، وبملامح يائسة، وضعت يديها على جسد ميزيلدا محاولة تثبيت رمق حياتها بضوء شاحب من سحر الشفاء.
آبل: [أهذا موقف يستدعي الشرود والتحديق ببلاهة؟ مد يدك وساعدني.]
سوبارو: [――آه.]
وصل صوت آبل إلى أذني سوبارو المتجمد في مكانه بعد رؤية رد فعل ريم السريع.
فآبل كان لا يزال عاجزاً عن الصعود من وضعيته المعلقة في الهواء؛ فهز سوبارو رأسه مستعيداً تركيزه، وأسرع نحو حافة الشرفة المنهارة لينظر إلى الفراغ في الأسفل.
وهناك كان آبل، متدلياً بذراعه اليمنى وملتفاً بالستارة، يرمق سوبارو بنظرات حادة وثاقبة.
آبل: [لقد نجوت؛ يبدو أنك تملك حظاً شيطانياً لا نظير له، أليس كذلك؟]
سوبارو: […يبدو أن لسانك السليط لا يزال قادراً على النباح كالمعتاد.]
امتعض وجه سوبارو بسبب عجز آبل عن التوقف عن الكلام بفظاظة، ثم أمسك بالستارة وجذبها بقوة ليرفعه إلى الأعلى.
ولنكون صادقين، إذا كان سوبارو في حالة يرثى لها، فإن آبل ――وهو يُسحب صاعداً―― لم يكن بأفضل حال منه؛ وكان سوبارو يتمنى لو يمدد أطرافه ويستسلم لفقدان الوعي في هذه اللحظة، لكنه لم يملك ترف فعل ذلك.
سوبارو: [الأمر لا يقتصر على ميزيلدا-سان وحدها…]
فقد سقط عدد كبير من المصابين ضحايا لغارة أراكيا الهائجة.
وفي بيئة يندر فيها وجود مستخدمي سحر الشفاء، كان لا بد من تقديم الإسعافات الأولية التقليدية؛ ولم يكن هناك أي وقت للإغماء أو الاستسلام للتعب.
فالسقوط هنا يعني ترك الأمور للضياع والهلاك؛
وهذا ما لا يجب السماح بحدوثه أبداً.
ولهذا السبب بالذات――،
سوبارو: [تحرك بسرعة واصعد إلى هنا…]
صاكّاً على أسنانه بقوة، سحب الستارة وأمسك بيد آبل بمجرد أن أصبحت في متناول يده؛ وبالاعتماد على قبضة آبل المشدودة، تمكن من سحب الرجل ――الذي يفوقه طولاً―― إلى الأعلى.
وبمجرد أن استقرت قدما آبل على أرض صلبة، زفر بوهن قبل أن يسقط سوبارو جالساً على مؤخرته من شدة الإنهاك.
آبل: [لقد كان عملاً رائعاً؛ وأنا أثني عليك لأجله.]
سوبارو: [اخرس فقط…]
رافضاً ذلك المديح الذي يخلو من أي ذرة صدق، طقطق سوبارو بلسانه بضيق؛
وكما كان الحال، همّ بالوقوف للمساعدة في إجلاء بقية المصابين والجرحى――،
بريسيلا: [――لا تتحرك من تلقاء نفسك، أيها العامي الأحمق؛ من تظن الحاكم والمسيطر على هذا المكان؟]
سوبارو: [――――]
أغلق سوبارو ――الجالس على الأرض―― وآبل ――الجاثي على ركبتيه―― فميهما معاً في صمت تام.
والتي ألجمتهما بهيبتها دون أن تنطق بأكثر من ذلك، بذراعين معقودتين لتبرز امتلاء صدرها الفاتن، كانت عينا وصوت تلك الحسناء القرمزية―― بريسيلا.
كانا يعرفانها جيداً، وليسا غريبين عنها؛
لكن إذا سُئل سوبارو عما إذا كانت تجمعهما بها علاقة طيبة، لتردد كثيراً قبل أن يوافق؛ ولم يكن ذلك بسبب انتمائهما لمعسكرين متنافسين في معركة «الانتقاء الملكي» فحسب، بل لطباع بريسيلا الحادة ومزاجها الصعب أيضاً.
فبريسيلا بصلفها وغرورها الذي لا يعرف التنازل، قد تكون حليفاً جباراً لا يُشق له غبار إن قررت المساعدة، وقنبلة موقوتة لا يمكن التنبؤ بها إن عارضت الأمر؛
وفي معركة «مدينة السدود المائية: بريستيلا»، كانت سنداً قوياً يمكن الاعتماد عليه؛ لكن من جهة أخرى، ماذا عن موقفها هذه المرة؟
هل يصح اعتبارها حليفة بعد أن تدخلت لصد أراكيا وإنقاذهم؟
على أية حال――،
آبل: [رغم امتعاضي من هذا، إلا أنكِ من يُمسك بزمام الأمور في هذا الموقف، يا بريسكا بنديكت.]
وعوضاً عن سوبارو، الذي لزم مكانه عاجزاً عن الحراك والنطق، كان آبل هو من فتح فمه ليتحدث.
وبينما يستند بإحدى ركبتيه على الأرض، نادى آبل بريسيلا باسم مختلف، وبدا أنه الاسم ذاته الذي تفوهت به أراكيا قبل أن تسقط فاقدة للوعي.
أطلقت بريسيلا نخرة استخفاف خافتة إثر مناداتها بذلك الاسم:
بريسيلا: [لسوء الحظ، هُزمت بريسكا بنديكت في المعركة وماتت هباءً؛ فكيف لمن يرقد تحت الثرى أن يتحدث هكذا؟]
آبل: […فهمت. إذن من أنتِ، وماذا تدعين نفسكِ؟]
بريسيلا: [بريسيلا بارييل. هذا هو اسمي؛ وسيكون من الحكمة أن تحفظه جيداً، يا فينسنت أبيلوكس.]
تلاقت نظرات بريسيلا وآبل وهي تجيب عن سؤاله بنبرة مهيبة لا تعرف التردد.
عاصفة من النظرات المشحونة بالضغط، كأنها لهيب أو صواعق برق، اشتعلت بينهما؛ وسوبارو، الواقف بجانبهما، حوصر في المنتصف واضطر لإمالة رأسه قليلاً ليتفادى وطأة تلك الهالة العاتية.
بريسيلا التي تعرف اسم آبل الحقيقي، وآبل الذي ينادي بريسيلا باسم آخر.
ابتلع سوبارو ريقه في صمت، مستشرفاً طبيعة تلك العلاقة المريبة والمرعبة التي تجمع بين الاثنين.
وفي خضم تلك الأجواء المشحونة والخانقة――،
آل: [――مهلاً، هل يمكن لأحدكم أن يمد لي يد العون هنا؟ لم يبقَ في طاقتي سوى القليل حقاً.]
ولم يكسر سكون الهواء سوى نداء آل البائس طلباً للمساعدة، وهو يتدلى من ثريا بلورية أسفل حافة الشرفة.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※