الفصل 385 - غطرسة
الفصل الرابع والعشرون:
«غطرسة»

――ومع اقتراب موعد بدء المأدبة، تصاعدت حدة التوتر في الأجواء.
؟؟؟: [――――]
لم يدر أي حديث في غرفة الانتظار التي جمعت خمستهم، وساد المكان صمت مطبق.
لم يستطع أحد نطق كلمة واحدة، لا آبل المستغرق في كامل تركيزه، ولا سوبارو؛ وحتى فلوب لزم الصمت، فكان ثقل الهواء كابحاً للأنفاس ومرهقاً للأعصاب.
لقد وصلوا إلى هذه النقطة، لذا لم يكن هناك ما يدعو للقلق؛
أو على الأقل، كان يُفترض بهم التفكير على هذا النحو، لكن طبيعة البشر ليست بهذه البساطة؛ فمهما بلغ إتقان التنكر بزي النساء، كان القلق يزداد مع اقتراب موعد الحدث الرئيسي.
ورغم دقات قلبه الصاخبة التي تصرخ ذعراً، والعرق البارد الذي بلل ظهره، إلا أن حركة الزمان لم تكن لتتوقف، والموعد الموعود قادم لا محالة.
؟؟؟: [المأدبة جاهزة؛ حان وقت ذهابكم.]
انطلق صوت الجندي المكلف بالحراسة، وحانت لحظة انكسار حاجز التوتر.
تبادل سوبارو والآخرون النظرات، ثم حملوا آلاتهم الموسيقية وتبعوا الجندي الذي تقدمهم خارجين من غرفة الانتظار؛ وخضعوا لتفتيش بدني سريع، لكن سوبارو ورفاقه ――وهم يرتدون ملابس خفيفة فقط―― لم تكن لديهم أي وسيلة لإخفاء أسلحة سرية.
اجتازوا التفتيش وسط نظرات الفضول والشهوة، وأُدخلوا إلى قاعة المأدبة.
إلا أن――،
تاريتا: [――هـك.]
سوبارو: [تاريتا-سان؟]
رفع سوبارو حاجبه قلقاً أمام تجمد ملامح تاريتا وثقل خطواتها؛
ورغم أنه همس بصوت خافت حتى لا يسمعه الجنود، إلا أن صوته وصل إلى تاريتا بكل تأكيد، لكنها لم تبدِ أي رد فعل؛ ومن النظرة التائهة في عينيها، كان من السهل إدراك حالتها النفسية المضطربة.
كان التوتر الشديد يجتاح جسدها بقوة لا طاقة لها بها.
فمغادرة قريتها المألوفة، وعجزها عن الاعتماد على أختها ――زعيمة القبيلة وسندها―― والتوغل خلف خطوط العدو شبه عارية من السلاح، كل ذلك فرض عليها ضغطاً نفسياً هائلاً.
كانت أنفاسها تتردد متسارعة وخشنة، وبدت وكأنها على وشك السقوط والانهيار؛ حاول سوبارو تشجيعها، لكنه عجز عن إيجاد الكلمات المناسبة ليقولها.
فمن السهل إلقاء عبارات المواساة المعتادة مثل: «لا تقلقي» أو «دعي الأمر لي»؛
لكن هل كانت مثل هذه العبارات ستهدئ روع تاريتا في هذه اللحظة الحرجة؟
وهكذا، وبينما وقف سوبارو عاجزاً عن التقدم خطوة إلى الأمام بسبب تردده الداخلي――،
آبل: [――تاريتا.]
تاريتا: [――――]
آبل: [لا يوجد ما يدعو للقلق؛ انظري إليّ فقط.]
كان صوتاً متعالياً ومتبجحاً للغاية، لكنه مشبع بثقة مطلقة لا تتزعزع.
كانت كلمات بلا سند منطقي، ولا تختلف عن عبارات التطمين البسيطة التي فكر فيها سوبارو قبل قليل؛ ومع ذلك، كان أثر تلك الكلمات اليسيرة ساحقاً ومذهلاً.
أطلقت تاريتا زفرة خافتة، ورمشت بعينيها ببطء.
لقد نسيت حتى كيف تتنفس، وكادت حمرة الحياة تتلاشى من وجهها، لكنها استعادت وعيها وثباتها؛ لقد كان صوتاً يحمل كلمات عادية، لكنه امتلك سلطاناً يأسر قلوب الآخرين ويهيمن عليها.
فأولئك المحظوظون الذين وُهبوا الهيبة يسبقون كدح المحرومين وجهدهم في غمضة عين.
لقد تجرع سوبارو مرارة إدراك هذه الحقيقة مراراً وتكراراً، لكنه الآن عاينها بعينيه بوضوح تام.
سوبارو: [يبدو أن غضبي قد تبدد إذن.]
تمتم سوبارو بذلك لنفسه محاولاً مواساة ذاته؛ لكنه أدرك سريعاً أن الهدوء لم يتسلل إلى أعصاب تاريتا وحدها، بل أرخى سدوله على قلبه هو أيضاً؛ وبسبب ذلك، تقوست شفتاه في ابتسامة رقيقة.
وبالطبع لم يكن ليخبر آبل بذلك، لأنه كان سيزهو بنفسه ويتغطرس أكثر لو فعل.
وعندها――،
؟؟؟: [――أهلاً وسهلاً بكم؛ لقد سمعتُ أنكم تقدمون أداءً رائعاً من الغناء والرقص الباهر.]
في القاعة الكبيرة التي أُعدت فيها المأدبة، استُقبل سوبارو ورفاقه بما يقارب ثلاثين رجلاً من ذوي البأس؛ وكان قد قيل لهم إن الجنود العاديين لن يُسمح لهم بالدخول هنا اليوم، لذا لا بد أن الحاضرين هم نخبة الضباط والقادة؛ وفي وسط كل هؤلاء القادة، نادى رجل يجلس على مقعد في أقصى القاعة فرقة العارضين بصوت واثق.
سوبارو: […أهذا هو زيكر عثمان، الجنرال من الدرجة الثانية؟]
وبعد أن تمتم سوبارو بصوت خافت، نظر بطرف عينه نحو آبل ――راقصة الفرقة التي حُجب وجهها بنقاب―― فأمال الأخير ذقنه إمالة طفيفة كأنه يجيب عن سؤال سوبارو بالإيجاب.
ورداً على هذا التأكيد، أعاد سوبارو النظر إلى غريمه، وعقد حاجبيه المهذبين بتساؤل.
زيكر عثمان؛ قائد الجنود الإمبراطوريين المتمركزين في مدينة غوارال الحصينة.
وبصفته جنرالاً من الدرجة الثانية في الإمبراطورية، كان المتوقع منه أن يكون محارباً قوياً وباسلاً، لكن مظهره خالف توقعات سوبارو ومخيلته بأكثر من شكل.
فقبل كل شيء، كان قصير القامة؛ وبدا أقصر بنحو نصف رأس من سوبارو، الذي لم يكن بأي حال من الأحوال رجلاً طويلاً؛ بل كان طوله يماثل طول كونا تقريباً لو وقفت مستقيمة.
وبالطبع، كان في غارفيل مثال سابق على الجمع بين قصر القامة والقوة الخارقة، لذا لم تكن بنيته الجسدية سبباً للاستهانة به؛ ومع ذلك، لم يبدُ عليه مظهر الشخصيات ذات الهيبة الرفيعة أيضاً.
وكان أكثر ما يلفت الانتباه فيه هو تسريحة شعره المنتفخة والمميزة.
وإذا اضطر لوصفها بالكلمات، لقال إنها تسريحة «أفرو» كثيفة، لكن مجرد وجودها فوق رأس رجل قصير القامة أضفى عليه سحراً محبباً يشبه التمائم.
وكان سوبارو قد علم مسبقاً بأن زيكر رجل استراتيجيات وتخطيط عسكري؛ وبالتأكيد لم يكن من ذلك النوع الذي يبني مجده العسكري اعتماداً على البراعة القتالية في ساحات النزال.
زيكر: [والآن، لدينا مشكلة شائكة؛ فقد انحشرنا داخل أسوار المدينة، وبدأ الإحباط يسيطر علينا يوماً بعد يوم؛ ولهذا السبب أقمنا هذه المأدبة؛ وأنتم تعرفون دوركم جيداً، أليس كذلك؟]
سوبارو: [――نعم يا سيدي؛ يشرفنا كثيراً تلقي هذه الدعوة الكريمة.]
جثا سوبارو أمام زيكر، الذي ألقى بتعليقه المبالغ فيه وهو يسند ذقنه على مسند الذراع.
وحذا فلوب وتاريتا وكونا حذوه في الركوع، لكن آبل ――الذي وقف في نهاية الصف―― لم يفعل. وللحظة، ضاقت عينا زيكر، وسرى توتر ملحوظ بين القادة الحاضرين.
وكما هو متوقع، نهض أحد الجنود ――واضعاً كأس الكحول بجانب قدميه―― وحدق في آبل بحدة وغضب:
الجندي: [لماذا لا تركعين؟ ألا تعرفين أنكِ تقفين أمام جنرال من الدرجة الثانية…]
زيكر: [تمهل؛ لا تكن متزمتاً إلى هذا الحد؛ فقد فُتح هذا المكان للشرب واللهو والمآدب؛ وما نريده ممن يتكسبون بالفنون ليس الالتزام الصارم بالآداب، بل جلب البهجة والراحة التامة.]
الجندي: [مـه… إذا كنتَ تقول ذلك، أيها الجنرال…]
كان زيكر هو بالذات من وبخ الجندي الذي ضايق آبل.
وعاد الجندي ليجلس على مضض أمام هذا الموقف المتسامح؛ وطوال هذا الوقت، أبقى آبل وجهه محجوباً تحت نقابه ولم تبدُ عليه أي علامة من علامات التراجع أو الخوف.
زيكر: [ألا ترتعد فرائصكِ حتى أمام هيبة المحاربين؟ يبدو أنكِ تثقين تماماً في رقصكِ؛ لكن انطباعكِ الأول لم يكن جيداً، وأتوقع منكِ أن تغيري هذا الانطباع كلياً.]
سوبارو: [نشكرك على كرمك وسماحتك… لكن نرجو ألا تقلق بشأن ذلك إطلاقاً.]
وزيكر، الذي راقب غرور آبل وتكبره بفضول، رد بـ«همم؟» موجهة نحو سوبارو الجاثي أمامه، رافعاً حاجبيه باهتمام.
كان التفكير فيما سيحدث لاحقاً يورث غصة في الحلق، لكن هذه هي الفرصة التي كُتبت لـ سوبارو؛ وسيستغلها إلى أقصى حد، ليجعل زيكر يتجرع طعم الهزيمة الكاملة.
سوبارو: [――إن من ستكحلون عيونكم برؤيتها الآن، هي الراقصة الفاتنة القادمة من وراء الشلال العظيم؛ شعرها الحريري الأسود ينهل من ضوء الشمس، وبشرتها البيضاء الصافية كالسماء حظيت ببركة الأرواح، وجمالها الفائق يضاهي رفعة الكائنات السامية؛ والليلة، ستقدم لكم عرضاً باذخاً يسلب الألباب.]
ومع وقوفه على قدميه، ألقى سوبارو مقدمته الاستعراضية.
وكأنما ليثبت أن هذه الكلمات الافتتاحية المبالغ فيها لم تكن مجرد ادعاء فارغ، رُفع النقاب الذي كان يحجب وجه آبل ببطء وتؤدة.
وبمجرد أن كشف النقاب عن ذلك الوجه الفتان والساحر، حبس جميع الحاضرين أنفاسهم في ذهول تام أمام كبرياء تلك الراقصة وجمالها الأخاذ.
زيكر: [――――]
وعلى وجه الخصوص، كانت الصدمة التي أصابت زيكر ――الذي غرق تماماً في نظرات آبل―― هائلة وزلزلت كيانه.
وبما أنه أظهر موقفاً متسامحاً معهم منذ البداية، فربما كان مستعداً للتعامل مع الموقف بسعة صدر، أو ربما تلقى صدمة مباغتة أسقطت دفاعاته بالكامل على حين غرة.
وبدا الأمر وكأنه قد ذهل ونسي حرفياً حتى كيف يتنفس وينطق بالكلام.
سوبارو: [――نرجو أن تمنحونا الشرف لعرض رقصة فاتنتنا.]
أحنى سوبارو رأسه بأدب وتواضع وهو يقدم طلبه إلى زيكر؛ وعلى المنوال نفسه، حنى فلوب رأسه ورفع آلته الموسيقية طلباً للإذن ببدء العرض والمأدبة؛
واستجابةً لذلك، أومأ زيكر برأسه، مما دفع سوبارو لتبادل نظرة سريعة مع فلوب.
ثم تبادلا إيماءة تؤكد استعدادهما التام، وشرعا في العزف.
سوبارو: [――الليلة، ما ستشهدونه هو رقصة قادمة من مسقط رأس راقصتنا، رقصة من وراء الشلال العظيم؛ فرجاءً، استمتعوا حتى ترضى قلوبكم بهذه الرقصة القادمة من أقاصي العالم.]
كان القول بأنها وافدة من وراء الشلال العظيم تعبيراً فيه مبالغة.
ومع ذلك، لم تكن كذبة تماماً، إذ كانت رقصة يجهلها جنود الإمبراطورية كلياً؛ فالأغنية والرقصة لم تأتيا من هذا العالم، بل انبعثتا من عالم سوبارو الأصلي.
وبالطبع، جرى تعديلهما بالشكل المناسب، لكن بما أن أساس الرقصة كان مختلفاً وجديداً، فقد كان ذلك وحده كافياً لجذب انتباه الحاضرين وسلب عقولهم.
إلا أن――،
آبل: [――――]
كان راقصة تسحر الألباب بجماله وحركاته الانسيابية، لدرجة أنه لم يكن بحاجة حتى للاستعانة بأغنية ورقصة غريبتين من عالم آخر.
آبل: [――――]
هناك مفهوم شائع للمشهيات والمقبلات المصاحبة للشراب؛ لكن الأمر هنا لم يقتصر على الطعام المقدم في جلسة الخمر، فمتى وُجد ترفيه يحفز على الشرب ويزيد من وتيرته، يمكن اعتبار أي شيء مقبلاً مشهياً.
وبطبيعة الحال، تدخل العروض الجانبية ضمن هذا الإطار، وتُعرف مثل هذه العروض بأنها محفزة للشرب؛ ولذلك فقد أدت دور المقبلات المشهية بأكمل وجه―― ومع ذلك، لم يكن لأي عرض عادي أن يترك كل هذا الأثر البالغ.
لقد بهرت رقصة الفاتنة عيون الجنود، وأحرقت حناجرهم بظمأ شديد، وجعلت أرواحهم تتعطش للمزيد من الخمر.
فأخذوا يفرغون كؤوسهم بوتيرة أسرع وأكثف، بينما اصطبغت وجوههم جميعاً بالحمرة؛ وكان الجنرال من الدرجة الثانية، زيكر، متصدراً للجميع في تجرع الكحول بسرعة غير عادية، محاولاً تهدئة الخدر الذي سيطر على رأسه.
ومع سلب الخمر والرقصة لعقله وقدرته على التمييز، بات يقع في أخطاء ما كان ليقع فيها أبداً في حالته الطبيعية.
وعلى سبيل المثال، ذلك الخطأ غير المسبوق حين استسلم لرغبته في مشاهدة «رقصة السيف»، وهو ما جعله يسلم سيفه الخاص بيده نزولاً عند رغبة الراقصة.
آبل: [――إنها هزيمتك، يا زيكر عثمان.]
ولهذا السبب بالذات، ورغم أن طرف النصل استقر قبالة عنقه مباشرة، وانطلق صوت رجل حاسم لا لبس فيه من فم الراقصة، لم تستطع عينا «زير النساء»، زيكر عثمان، الاستيقاظ من تلك النشوة الساحرة.
△▼△▼△▼△
――«لقد نجحنا!»، صرخ سوبارو في داخله، والآن وقد ضُمن النصر بالكامل.
كان السيف في يد آبل بوضعية تسمح له بطعن حنجرة زيكر بمنتهى السهولة.
أما زيكر، الذي تراجع بجسده إلى الخلف كاشفاً عن عنقه، فلم تتبقَّ أمامه أي فرصة للقتال أو الرد؛ وبلا أدنى شك، وقع قائد العدو في الأسر بنجاح باهر.
بل إنهم حققوا ذلك في وقت أسبق مما كان مخططاً له في الأصل، وفي التوقيت المناسب تماماً.
ففي البداية، كانت خطة سوبارو تعتمد على صنع اسم لهم في المدينة كفرقة متجولة للتسلل إلى الدائرة المقربة من زيكر عثمان؛ وفي الحالة المثالية، يُستدعون إلى مخدع زيكر الخاص، وهناك يباغتونه على حين غرة ويحتجزونه، لإجبار الجنود الإمبراطوريين المتمركزين في غوارال على الاستسلام.
لكن ذلك الأساس تغير كلياً بمجرد إقامة هذه المأدبة.
آبل: [――في المأدبة، سنقوم بشل حركة بقية الجنود الموجودين في المدينة وننزع سلاحهم.]
كانت تلك كلمات آبل، الذي أعلن تغيير الخطة عندما تلقوا الدعوة لحضور المأدبة.
استراتيجية عالية المخاطر وعالية المكاسب؛ ستكون نتائجها عظيمة إن نجحت، لكنها محفوفة بالخطر الشديد―― وقد وافق سوبارو على تغيير الخطة بشرط العودة إلى الخطة الأصلية حسب ما تفرضه مجريات الموقف.
ولم يكن يتوقع أبداً أن تسير الأمور بهذا الإتقان والنجاح الباهر.
زيكر: [――――]
آبل: [سأكررها عليك مرة أخرى يا زيكر عثمان. لقد هُزمت. استسلم الآن ومُر رجالك بإلقاء السلاح، وإلا فلن يُملأ كأسك بالخمر، بل بالدماء.]
وآبل، الذي كان يوجه سيفه نحو زيكر المتجمد في مكانه، نصحه بالاستسلام مجدداً.
لكن لم تكن هناك أي ذرة خوف في عيني زيكر، رغم أن حياته كانت مهددة بالهلاك. ولم تكن تلك نظرات جندي إمبراطوري مستميت، بل خالطهما تردد وحيرة؛
تردد وشك، وسائر المشاعر المماثلة.
زيكر: [أيتها الراقصة، أنتِ… لا، بل أنتَ…]
ظهر التردد في عيني زيكر وكأنه يرى مشهداً مهيباً يثير الرهبة؛ ولم يكن ذلك رد فعل رجل يقف أمام مجرد راقصة استعراضية.
قائد: [――هـك! أيها الأوباش وقطاع الطرق! ليس لديكم أي حق في…!]
استعاد أحد القادة المذهولين وعيه، وقفز فوراً محاولاً مباغتة آبل من الخلف.
لكن، وقبل أن تصل يده إلى ظهر آبل، اخترقت سكاكين ملقاة بدقة ذراعيه وساقيه. ――نصال أطلقتها كونا المتوارية بخفة ورشاقة.
كونا: [أعتذر، لكن الزعيمة أمرتني بحماية وجه آبل.]
فقد استطاعت خلسة سحب بعض السكاكين من المأدبة وإخفاءها في الآلة الشبيهة بالدف بين يديها أثناء رقصة آبل.
تردد القادة وتراجعوا عند رؤية الجندي الصريع وأطرافه مثخنة بالنصال.
ومع ذلك، كان هناك شخص واحد تفادى نصل كونا وقفز مبتعداً عن مساره.
؟؟؟: [كفاكم مزاحاً! أتعتقدون أن بإمكانكم إيقاف جنود الإمبراطورية بمثل هذا الهراء؟]
زأر عملاق ملتحٍ بضراوة، وتلقى سكيناً إضافية بذراعه ليزيحها جانباً بقسوة.
ثم استل سيفه العظيم، وانطلق مباشرة نحو آبل برغبة متعطشة للدماء:
سوبارو: [آبـل――!]
وكان آبل، الذي يحاصر زيكر، يولي ظهره المكشوف كنحيل القصب دون أي حماية.
صرخ سوبارو باسم آبل بملء فيه، لكن الراقصة لم تطرف لها عين حتى.
وعلى هذا النحو، كان سيف هائل على وشك أن يهوي ليحطم ظهر آبل――،
تاريتا: [――كُـه!]
وفي اللحظة نفسها، صكت تاريتا على أسنانها وصوبت سهمها نحو الرجل، بعد أن انتزعت قوساً من أحد الجنود.
مجهزة سهمها، وجهته مباشرة نحو ذلك العملاق الملتحي المقترب من آبل؛ وتوهجت عينا تاريتا الخضراوان بنية قتل واضحة.
لقد عزمت أمرها على إزهاق روح الرجل لإنقاذ آبل وإيقاف هذا الهجوم العنيف.
فلوب: [لا تقتليه!!!!]
تاريتا: [――هـك!]
لكن قبل أن ينطلق السهم بلحظة واحدة، صرخ فلوب بذعر شديد.
وبسماع صراخه، ترددت عينا تاريتا، واهتز مسار تصويب السهم قليلاً؛ ولذلك لم يستقر السهم في ظهر الرجل، بل انغرس في كتفه الأيمن.
القائد الملتحي: [غـاه!؟]
صرخ الرجل بألم شديد وسقط أرضاً إثر الصدمة الهائلة؛ لكن قوة اندفاع السيف العظيم في يده لم تتوقف، فدار في الهواء متجهاً مباشرة نحو ظهر آبل.
وبدا المشهد وكأن السيف سيهشم جمجمة آبل من الخلف؛ إلا أن طرف النصل مر بحافة مؤخرة رأسه بدقة متناهية، وسقط على الأرضية محدثاً دوياً عنيفاً.
كاد آبل أن يفقد حياته، لكنه نجا من الهلاك في اللحظة الأخيرة تماماً.
وعندها――،
؟؟؟: […آه.]
وبحركة انسيابية، تفككت ضفيرة شعر آبل الأسود وانتشرت في الهواء.
لقد قطع طرف السيف الضخم مشبك الشعر وحل العقدة؛ ――لا، بل لم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ فقد الشعر المستعار المهترئ تماسكه، وسقطت خصلات الشعر الأسود الزائف على الأرض.
واستُبدل الشعر الطويل للراقصة بشعر آبل الأسود الفاحم الأصلي.
――الإمبراطور الصارم القاسي، الذي أطاح رفقة مشبك الشعر بذلك الانطباع الناعم والودود للراقصة الفاتنة.
؟؟؟: [أيها الجنرال من الدرجة الثانية! إنها فرصتنا للإطاحة بهؤلاء الأوغاد الآن…!]
زيكر: [――توقفوا! إياكم وعصيان أمري!]
وبينما كان الجندي الذي اخترقت النصال أطرافه والجندي الذي أصابه السهم في كتفه يئنان ألماً، أسكت زيكر نداءات القائد الذي كان يحاول مواصلة المقاومة.
فلو أنهم تمسكوا بمواقفهم بتهور وتجاهلوا سقوط رفاقهم، لكانت قوة سوبارو قد سحقتهم دفعة واحدة؛ وتلك كانت الضربة المعاكسة التي يستميتون لتفاديها تماماً.
لكن زيكر لم يكن ليسمح لمرؤوسيه بمواصلة القتال؛ فقد أدرك أنه بعد أن حُوصر بنفسه وشُلّت حركة القادة التابعين له، فإن النتيجة قد حُسمت بالفعل.
لذا――،
زيكر: [إذا فعلتُ ما تقول، فهل تضمن سلامة رجالي وحياتهم؟]
آبل: [هذا يعتمد على سلوكك وموقفك أيضاً، أيها الرعديد.]
زيكر: [غُـه… هـك.]
أظهر زيكر استعداده لقبول الاستسلام بينما احمر وجهه وعض على شفتيه إثر الإهانة والتقريع الذي وجهه إليه آبل بلا هوادة.
كان هذا وجه رجل اختبر خِزياً يتجاوز مجرد الوقوع في كمين أو الوقوع في الأسر.
أطلق آبل نخرة استخفاف وهو ينظر إلى خزي زيكر وهوانه من علياء كبريائه:
آبل: [لقد سمعتُ عنك يا زيكر عثمان؛ فقبل أن تُلقب بـ«زير النساء»، كنتَ تُنعت بـ«الرعديد».]
زيكر: […لقب لا يليق بجندي إمبراطوري؛ ألهذا السبب اخترتَ هذه الخطة بالتحديد؟]
آبل: [――――]
زيكر: [إذا كنتُ الرعديد إلى جانب كوني زير النساء، فسأستسلم لامرأة تحت تهديد السيف…]
إذا كان الأمر كذلك، فيا له من خزي عظيم.
أو لو كانت هذه هي الحقيقة، لكان زيكر قد مات من شدة الإهانة والكمد؛ لكن السبب الذي جعل آبل يرى الخطة قابلة للتنفيذ كان مختلفاً تماماً عما سمعه سوبارو والآخرون.
وكان مرد ذلك إلى أنه――،
آبل: [خبير استراتيجي نجح، بفضل استخدامه الماهر والمتزن للجنود، في خوض المعارك دون تحقيق إنجازات براقة تسترعي الانتباه، لكنه في الوقت نفسه لم يوقع في صفوف حلفائه أي خسائر تُذكر؛ قائد بارع، لكنه يفتقر إلى الاندفاع والعدوانية؛ ومن هنا جاء نعتك بـ«الرعديد».]
زيكر: [نعم، هذا صحيح تماماً أيضاً؛ أنا كذلك، ولكن…]
آبل: [ما سبب هذه الحيرة التي تبدو عليك؟]
زيكر: [إيه؟]
اتسعت عينا زيكر عندما ضيق آبل عينيه وطرح ذلك السؤال.
وهكذا، بينما غطت علامات الحيرة وجه الطرف الآخر، تابع آبل حديثه والسيف راسخ في يده:
آبل: [عندما ينعتك الآخرون بالجبن والخور، فهم إما يتظاهرون بمعرفة العواقب، أو أنها ترهات حمقى يعجزون عن رؤية النتائج؛ ولقد استغللتُ تلك الخصلة بالتحديد لأنتزع الفوز.]
زيكر: [――――]
آبل: [أنت تمقت الخسائر العبثية والتضحيات التي لا طائل منها؛ ولذا قررتُ أنك ――بصفتك الرعديد والقائد العسكري المحنك―― لن تقاوم في موقف كهذا؛ ――فهل ستخيب ظني بك إذن؟]
محافظاً على حدة نظراته والنصل مستقر قبالة عنقه، سأل آبل زيكر ذلك السؤال.
وبالنسبة لشخص يجهل هوية آبل الحقيقية، لبدت تلك الكلمات كهراء متبجح يدعو للتساؤل عن كنه ما يهذي به ماذا بحقك.
لقد وضع ثقته في جبن خصمه وأدرجه في خطته لينتصر.
ولم يكن هناك أي ضمان بأنه لن يثير غضب خصمه بمصارحته بتلك الوقائع بهذه الفظاظة؛ بل بدا الأمر وكأنه يتعمد استفزاز غريمه، وكان حديثاً كفيلاً بجعل الأمور تسوء أكثر.
فحتى وهو يرتدي ملابس النساء، كان عاجزاً عن إظهار أي قدر من التواضع أو اللين.
لكن أمام آبل، حبس زيكر عثمان أنفاسه في ذهول.
وما لمع في عينيه كان شعوراً يصعب وصفه؛ فإن جاز التعبير عنه بالكلمات، لكان صدمة تقارب النشوة والحماس.
وبدا كرد فعل جديد وغض، كعذراء تتلقى هدية ممن تحب.
زيكر: [――سنلقي أسلحتنا؛ وسأصدر أوامر صارمة لمرؤوسيّ لتنفيذ ذلك.]
آبل: [هذا قرار حكيم.]
أومأ آبل برأسه موافقاً على جواب زيكر الخافت وهو ينكس رأسه استسلاماً.
ورغم أنه كان يرتدي زي راقصة، لم يستطع أحد مقاومة تلك الإيماءة المهيبة برأسه؛ وبمجرد أن استسلم قائدهم زيكر، ألقى جنود الإمبراطورية أسلحتهم واحداً تلو الآخر لتسقط على الأرض.
و――،
آبل: [ما خطبك، أتقف متفرجاً وتعبث؟ اصعد إلى السطح وأحرق الراية هناك.]
سوبارو: [أوويه؟ مـ-ماذا، أنا؟]
آبل: [نعم، أنت؛ أنت تحديداً؛ فأنت الوحيد الذي لم يقم بأي عمل يُذكر منذ أن بدأ هذا الموقف بالتحرك.]
اخترقت عينا آبل الباردتان سوبارو، الذي أشار إلى نفسه ورمش بعينيه في دهشة.
ومع تلك الكلمات، نظر سوبارو حول القاعة.
كونا، التي تصدت للعدو بسكاكينها الخاطفة؛ وتاريتا، التي أصابت العملاق بسهمها؛ وفلوب، الذي لم يسمح بموت ذلك العملاق ودافع باستماتة عن تحقيق «الحصار دون إراقة دماء»؛ وآبل، الذي جرّد الجنرال من سلاحه.
في واقع الأمر، كان الشخص الوحيد الذي لم يقم بأي عمل يُذكر هو سوبارو، الذي سقط على مؤخرته عندما حاول ذلك العملاق الانقضاض عليهم.
آبل: [تحرك بسرعة؛ فلن أتمكن حتى من تجريدهم من السلاح دون وصول ميزيلدا والأخريات.]
سوبارو: [حسناً، فهمت! أجل، أجل، أنا آسف!]
قال سوبارو ذلك وتوجه نحو الشرفة، زاحفاً بحذر نحو السطح. وكان سطح مبنى البلدية، المطل على أرجاء غوارال في عتمة الليل، مشهداً مذهلاً وساحراً للغاية.
ثم، وبينما لفحت نسمات الهواء البارد جسده، تناول سوبارو شعلة نار من الجدار، وأضرم النار في راية الإمبراطورية المرفوعة فوق سطح مبنى البلدية―― راية «ذئب السيف» [5]، لتلتهمها ألسنة اللهب وتستعر بالكامل.
――وكان ذلك دليلاً قاطعاً على أن سقوط مدينة غوارال الحصينة قد تحقق في هذه اللحظة.
△▼△▼△▼△
وكان أول من لاحظ أمراً مريباً هو جمال، الذي ظل يراقب مبنى البلدية باهتمام.
تلفت جمال حوله قلقاً بشأن أولئك الذين تركهم خلفه في المبنى. أما تود، الذي سئم من سذاجة رفيقه، فواصل دوريته لتفقد أرجاء المدينة.
وبما أنها مدينة عريقة وذات تاريخ طويل، لم تكن هناك نهاية للطرق التي يمكن من خلالها تجاوز الأسوار التي تشكل حاجزاً منيعاً؛ فمخططات التهريب، مثل الممرات السرية تحت منازل المدنيين، أو الفجوات التي يستخدمها الأطفال للعبور، كانت موجودة بالفعل؛ وفي حين عمل تود على كشف هذه الثغرات بدقة، ظل في حالة تأهب قصوى تحسباً لأي هجوم محتمل.
تود: [لا يبدو أنهم سيتراجعون؛ وإذا كان الأمر كذلك، فسيحاولون حتماً إسقاط المدينة. قد يستخدمون طريقاً سرياً للسيطرة على مبنى البلدية في ضربة واحدة، أو يشعلون النار في المدينة… همم، هل توجد وسائل أخرى في جعبتهم؟]
إذا كان الهدف مجرد إسقاط المدينة فحسب، فبإمكانه التفكير في طرق لا حصر لها لإبادة الجنود والمدنيين دون تمييز.
ففي نهاية المطاف، سيهلك البشر إن دُفنوا بالنار أو الماء أو التراب؛ ومتى توفرت الوسائل، استطاع البشر أن يبلغوا أقصى درجات القسوة والوحشية كما يشاؤون.
فأي وسيلة وحشية سيلجأ إليها ذلك الفتى ذو الشعر الأسود؟
قد لا يبدو ذلك من نقاط قوته للوهلة الأولى، لكن براعته الفائقة فيه هي تحديداً ما يجعل الأمر أكثر رعباً وإثارة للفزع.
ومهما بذل من جهد لسحق تلك المنافذ، بدا وكأنه لا تزال هناك مسالك خفية لم تُكتشف بعد.
لذا، حتى مع وجود جرح نافذ في بطنه، لم يكن بإمكان تود الخلود للراحة في غرفته.
تود: [جميعهم فظّون وتصرفاتهم مريبة للغاية…]
لم يكونوا جميعاً بمستوى جمال ورعونته، لكن الكثير منهم يعجزون عن الانتباه لأدق التفاصيل.
لم يكن تود يرى في نفسه عبقرياً أو فائق الذكاء، لكن إدراك المرء لغبائه ونواقصه يوفر له سبلاً كثيرة لتعويض هذا النقص وسد الثغرات.
وكان يعجز عن استيعاب كيف يقضي الناس حياتهم دون التشكيك في مدى حماقتهم.
فكل إنسان على هذه الأرض أحمق، لذا يجب عليهم بذل قصارى جهدهم لتعويض ذلك الغباء.
جمال: [――آه؟]
وبينما كان يفكر في ذلك، كاد تود أن يدخل المنزل المجاور، لكنه توقف فجأة إثر صيحة الدهشة التي أطلقها جمال خلفه.
توقف ونظر إلى جمال، الذي كان يحدق نحو مبنى البلدية في الأفق البعيد، وملامح الذهول التام تعلو وجهه.
عقد تود حاجبيه متسائلاً عما يجري.
جمال: [مهلاً، هل هذه مزحة سخيفة أم ماذا؟]
تود: [ما بك يا جمال؟ ما الذي يحدث في…]
«مبنى البلدية»، كاد أن ينطقها؛ وبوقوفه بجانب جمال، نظر تود في الاتجاه نفسه.
كان واثقاً من أن مبنى البلدية يشهد مأدبة في هذه اللحظة، حيث تقوم الراقصات المدعوات بتقديم الترفيه والمتعة للقادة.
لذا لم يكن من المستغرب أن يفرط بعضهم في الشرب ويتصرف بحماقة.
لم يكن ذلك غريباً، لكن――
تود: [――مستحيل.]
فمهما حدث، فإن إحراق راية الإمبراطورية فوق سطح مبنى البلدية أمر غير مقبول إطلاقاً.
كان ذلك العمل الهمجي تجاوزاً صارخاً لكل حدود الوقاحة لدرجة جعلت تود نفسه يُصدم ويعجز عن الكلام. وتمايلت الراية التي التهمتها النيران مع هبوب الرياح الحارة، مضيئة سماء الليل بتوهج ألسنة لهبها الحمراء.
وبجانب الراية المشتعلة مباشرة، رأى قوام امرأة كان قد التقاها بالفعل داخل مبنى البلدية.
عازفة ذات شعر أسود فاحم ونظرات حادة وثاقبة؛ وكان يظن أن اسمها――
تود: [――ناتسومي شوارتز.]
هذا هو الاسم الذي صرحت به عندما سألها عن اسمها.
امرأة ضعيفة الحيلة، تملكها الخوف وتصاغرت عندما ضيق جمال الخناق عليها؛ ومع ذلك، كان يراها بوضوح الآن وهي تحرق راية الإمبراطورية بجرأة والمشعل في يدها.
لم يعد هناك أي أثر للضعف الذي رآه منها داخل مبنى البلدية قبل قليل.
وبالطبع، لا يمكن اعتبار ذلك مجرد تصرف طائش أو عنف ناتج عن السُّكر.
كان هذا هجوماً متعمداً ضد الإمبراطورية بلا شك؛ وإذا احترقت راية المعقل، فهذا يعني أن المكان قد سقط في يد العدو.
وبينما كان يفكر في ذلك، طفت احتمالية مفاجئة على ذهن تود.
تود: [مستحيل، أيعقل أنه أنت؟]
اتسعت عينا تود وهو يتأمل تلك المرأة ذات الشعر الأسود والمشعل في يدها، ناتسومي شوارتز، وأصابته صدمة تلك الاحتمالية الضئيلة التي خطرت له.
لكن كلما فكر في الأمر وجده متطابقاً تماماً، وكلما نظر إليها وجد مظهرها مختلفاً ومستحيلاً.
ولهذا السبب بالذات كان الأثر صادماً يفوق الخيال.
من في هذا العالم يمكنه التفكير في شيء كهذا؟
في خطة كهذه لاختراق حراسة العدو من البوابة الأمامية والسيطرة على مقر قيادتهم؟
تود: [ظننتُ أن الأمر مستحيل؛ لا أكاد أصدق أنهم تجرأوا على التسلل عبر البوابة الرئيسية مباشرة.]
من ذا الذي يمكنه اللجوء إلى أسلوب يعرض حياته للخطر إلى هذا الحد؟
وبالطبع، كانت احتمالية الاختباء خلف البضائع أو داخل عربات التنانين مدروسة بعناية، وجرى تشديد الحراسة عند نقاط التفتيش لهذا الغرض؛ لكن التسلل سيراً على الأقدام، وبطريقة تلفت كل الأنظار، كان أمراً خارج كل الحسابات.
ومع ذلك، فإن التسلل الأول زاد من يقظتهم وحذرهم، وكان الرد الطبيعي في المقابل هو اللجوء إلى طرق أكثر سرية وتخفياً――.
جمال: [ألا تظن أن ذلك كان فخاً مدبراً؟ هل تعمدوا كشف أنفسهم ليغرسوا في أذهاننا الفكرة المسبقة بأن الاختراق من البوابة الأمامية مستحيل؟]
وبعد ذلك، تمكن من دخول المدينة، وتلقى الدعوة إلى القاعة كراقصة، وأسقط مبنى البلدية، وأضرم النار في راية الإمبراطورية―― لقد سار كل شيء تماماً كما خططت ناتسومي شوارتز.
تود: […هذا أمر سيئ للغاية.]
يا لها من خطة محكمة ودقيقة، هكذا فكر، بينما سرت قشعريرة باردة في ظهره.
لقد اعتقد أنه فعل كل ما في وسعه لتكون له اليد العليا، لكن على الجانب الآخر، تجاوزه ذلك الفتى ――ابن الحروب المدلل―― وسخر من كل تدابيره بسهولة.
وتفاجأ تود حين وجد نفسه يرتجف رعباً.
جمال: [سحقاً! ما الذي يجري هنا بحق اللعنة! على أية حال، يجب أن نعود إلى مبنى البلدية فوراً…]
تود: [توقف أيها الأحمق؛ ستلقى حتفك أنت أيضاً.]
جمال: [هاه؟]
على عكس تود، لم يكن جمال يعرف هوية الشخص الذي أحرق راية الإمبراطورية.
فبسبب المسافة البعيدة، عجزت عيناه عن تمييز أي تفاصيل على سطح مبنى البلدية؛ ولم يستطع تود رؤية ذلك إلا بفضل عينيه الخاصتين؛ ولأنه رآهم بوضوح، فقد كان يمسك بجمال ليمنعه.
والآن بعد أن احترقت راية الإمبراطورية في مقرهم، فقد حُسم أمر سقوط المدينة تماماً.
وبحلول هذا الوقت، لا بد أن جميع القادة المشاركين في المأدبة، بمن فيهم زيكر، قد قُتلوا بالفعل؛ وحتى لو عادوا إلى هناك، فسينتهي بهم الأمر بالهزيمة والموت لا محالة.
جمال: [أنت ترتعد خوفاً، أليس كذلك؟ وما زلت تعد نفسك جندياً إمبراطورياً، هاه؟]
تود: [لن تنتصر ولن تبقى على قيد الحياة إن تمسكت بكبريائك الفارغة؛ وفوق ذلك، أنت تعرف أن مبنى البلدية قد سقط، والجنرال من الدرجة الثانية قد مات؛ وقريباً ستجتاح نساء شودراك المدينة.]
جمال: [――――]
تود: [إذا لم نخرج من هنا قبل حدوث ذلك، فلن يتبقى أمامنا سوى الموت نحن أيضاً.]
لم يكن جمال من النوع الذي يقبل إهانة تجريد سلاحه في صمت واستسلام.
والخيار البديل أمامه هو أن يقتحم صفوف العدو وسلاحه في يده بشجاعة، ليموت بعد أن يسقط في طريقه نحو عشرة مقاتلين.
قد يقال إن هذه ميتة تليق بذئب السيف، لكن من وجهة نظر تود، لم تكن سوى ميتة كلاب لا جدوى منها.
فالحياة أشبه بمجموعة محددة ومحدودة من أوراق اللعب.
فالمخاطرة بها من أجل انتزاع النصر أمر مبرر، لكن إهدارها في هزيمة تجر الحسرة والندم هو الخسران بعينه.
وكان التعارف بين جمال وتود ممتداً لفترة لا بأس بها؛ لذا لم يكن غريباً الاعتقاد بأن بينهما علاقة وثيقة تكفي لتبادل النصيحة في مثل هذا الموقف؛ على الأرجح.
تود: [أترى تلك الفتحة في الجدار التي سددتُها للتو؟ سأهرب من خلالها؛ فماذا عنك أنت؟]
جمال: [غُـه، غُـه… أتريد أن تجعلني أشعر بالخزي مجدداً؟]
تود: [ما دمتَ حياً، فستحصل على فرصة لغسل عارك؛ أما إن مت، فسينتهي كل شيء. لذلك، أنا ذاهب؛ فلن أخوض قتالاً لا أظن أنني قادر على الفوز فيه.]
لقد كان يرغب بشدة في تجنب قتال ذي فرص فوز ضئيلة، فكيف بقتال نسبة خسارته مئة بالمئة؟ لكن لم يكن لديه وقت للجدال مع جمال حول التفاصيل.
أدار ظهره له بسرعة وبدأ يركض. تردد جمال للحظة قبل أن يطلق شتيمة غاضبة: «اللعنة!»، ثم تبع تود راكضاً خلفه.
كم سيكون الأمر رائعاً لو كان الجميع ببساطته وسذاجته، لكن العالم لا يسير على هذا النحو.
على أية حال――
تود: [أعتقد أنني سأتذكر اسمكِ بـ«ناتسومي» في الوقت الحالي. ――أيتها الابنة المدللة للحرب.]
△▼△▼△▼△
بمجرد أن أدركوا أن راية الإمبراطورية قد أُحرقت وأن مبنى البلدية قد سقط، أطاع الجنود الإمبراطوريون نداء الاستسلام على نحو غير متوقع على الإطلاق.
وانطبق الأمر نفسه على حراس المدينة، وهو ما شكل عوناً هائلاً لـ سوبارو الذي كان هدفه الاستيلاء على المدينة دون إراقة دماء، لكنه كان في الوقت نفسه تطوراً مفاجئاً ومثيراً للدهشة.
سوبارو: [كنتُ أستغرب دائماً، عندما أشاهد معارك حقبة سينغوكو في المسلسلات التاريخية، كيف تنتهي المعركة بمجرد أخذ رأس جنرال الطرف الآخر…] [6]
فإذا قُتل الجنرال، فإن القائد الذي يليه يتولى المنصب ويُستأنف القتال من جديد.
كان أي شخص عادي سيظن أن المعركة لن تنتهي إلا بإبادة أحد الطرفين أو تمزيقه بالكامل، لكن هذا لم يكن الحال في هذه المعركة الحقيقية.
إذ وافق الجيش الإمبراطوري ――الذي يُفترض أن يتفوق تفوقاً كاسحاً في القوة والعدد―― على إلقاء السلاح بمجرد أن علموا بالقبض على قائدهم زيكر.
ميزيلدا: [لقد كان ذلك إنجازاً رائعاً بحق يا سوبارو… لا، بل يا ناتسومي.]
سوبارو: [ميزيلدا-سان.]
بينما كان سوبارو يربت على صدره المزيف بارتياح لنتائج المعركة ونجاح الخطة، اقتربت منه ميزيلدا وهي ترتشف الكحول بسعادة من الزجاجة مباشرة.
وكانت النسوة، اللواتي اختبأن خارج المدينة كفرقة منفصلة، قد دخلن إلى المدينة أيضاً بمجرد إدراكهن سقوط مبنى البلدية بإشارة إحراق الراية؛ والحراس، بعد أن تبينوا هزيمة الجنود الإمبراطوريين، لم يحاولوا منعهن من التقدم بمسيرتهن داخل المدينة بفخر واعتزاز.
وبفضل مساندة قبيلة شودراك، نجحوا في أسر معظم الجنود الإمبراطوريين.
وفي القاعة التي أقيمت فيها المأدبة، أُزيلت المشروبات والأطعمة، وحل مكانها الجنود الإمبراطوريون المقيدون والمصطفون في صفوف منتظمة.
فكر سوبارو أنه كان من المؤسف التخلص من كل ذلك الطعام؛ وكانت ميزيلدا والأخريات يرتشفن الكحول، لكن تصرفهن هذا جعلهن أشبه بالهمج المستعدين لنهب الغنائم.
سوبارو: [لكن مع كل هذا العدد من الجنود… كان من الصعب جداً مواجهتهم وجهاً لوجه.]
ميزيلدا: [مهما كان عدد الأعداء كبيراً، فإن كبرياء شودراك لن يتزعزع أبداً؛ فلا يوجد شيء يُدعى كثرة مفرطة… ونعم، قد تصبح الأعداد المجردة عائقاً لا يمكن تجاوزه؛ لكنك أنت وآبل قد هزمتموهم وتغلبتم عليهم.]
سوبارو: [――――]
ميزيلدا: [أنا فخورة بكِ يا ناتسومي؛ لقد أظهرتِ شجاعة حقيقية متوجة بالحكمة؛ وصنيع كهذا لم نكن لنتمكن من تحقيقه وحدنا.]
ومع تربيتة قوية مفعمة بالقوة على كتف سوبارو، تركته ميزيلدا بابتسامة مشرقة وواثقة.
ثم وقفت وتوجهت لتهنئة تاريتا وكونا على ما قدمتاه من مساهمة في إسقاط مبنى البلدية.
وحتى من مسافة بعيدة، كان بريق عيني تاريتا وفرحتها بمديح شقيقتها كفيلاً برسم الابتسامة على وجه سوبارو؛ بينما عانقت هولي كونا بقوة بعد أن تأكدت من سلامتها، حتى بدت كونا كسمكة إسقمري ملفوفة بإحكام.
سوبارو: [إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فسيكون من الرائع ألا تنطفئ شعلة حياة كونا، بالنظر إلى كل الصنائع العظيمة التي قدمتها…]
؟؟؟: [――――]
وبشعور من الراحة، أطلق سوبارو ابتسامة خافتة. ثم، وبمجرد أن استدار، كاد يصطدم بالشخص الواقف خلفه مباشرة.
وكان ذلك الشخص هو――،
سوبارو: [ر-ريـم…]
ريم: […نعم.]
شاخصة بنظرها نحوه من مسافة قريبة للغاية، لم يملك سوبارو بداً من التراجع خطوة إلى الوراء.
وريم، الممسكة بعكازها الخشبي، تفحصت سوبارو من رأسه حتى أخمص قدميه بعينيها الزرقاوين الشاحبتين. وتحت وطأة نظراتها التي جعلته يشعر بعدم الارتياح، تنحنح سوبارو مصلحاً صوته وقال:
سوبارو: [ما الخطب؟ أنا بخير، كما ترين.]
ريم: [نعم، هذا ما سمعته؛ لكن راودني شعور بأنك حتى لو أُصبت بجرح في مكان ما، فستخفيه وتقول الكلام نفسه.]
سوبارو: [أنتِ حقاً لا تثقين بي إطلاقاً… غير أنني لست بارعاً في تحمل الألم أيضاً، لذا سأبلغك بأقل إصابة فوراً؛ حقاً، أنا أعني ما أقول.]
ريم: [وحتى هذا الكلام يبدو مريباً أيضاً.]
سوبارو: [تشه، ها، ها…]
تهدلت أكتاف سوبارو تحت نظرات ريم الخالية من أي ذرة ثقة.
لكنه سرعان ما أدار رأسه إثر خاطرة لاحت له؛ «هاه؟» لفظها سوبارو متفاجئاً؛ فربما كانت جافة وقليلة الكلام في ظاهرها، لكنها كانت على الأرجح قلقة بشأن ما إذا كان سوبارو قد تعرض لإصابة أم لا.
سوبارو: [أنتِ… قلقة عليّ، أليس كذلك؟]
ريم: [هاه؟]
سوبارو: [أوه! أنا آسف! لقد تسرعت وذهب بي الظن بعيداً! بالطبع لم تكوني كذلك! يستحيل أن تكون ريم قلقة عليّ…]
ريم: [بلى، لقد كنت قلقة.]
سوبارو: [ماذا؟]
وملوحاً بيديه في الهواء، حاول سوبارو على عجل تصحيح سوء الفهم؛ لكن كلماته قُطعت بما لا يدع مجالاً للشك، وبكلام ريم تحديداً.
لم تتغير تعابير وجه ريم، غير أن بريق عينيها اضطرب قليلاً.
ريم: [قلت إنني كنت قلقة؛ وبطبيعة الحال كنت كذلك؛ فمهما كانت تلك الخطة تبدو كمزحة، فأنا من دفعتك لخوضها؛ ومع ذلك كيف لا أقلق؟ كيف تظن ماذا بحقك أنني شخص متحجر القلب إلى هذا الحد؟]
سوبارو: [لا، لا، لا، ليس الأمر كذلك، لا أظن أن ريم قاسية القلب! حقاً لا أظن ذلك! فريم حنونة، وجريئة قليلاً، وتتسم بالحذر والتحفظ قبل أن تتعرف على الشخص، لكن هذا التناقض بحد ذاته جذاب للغاية…]
ريم: [――――]
سوبارو: [ريم، لا تقولي إنكِ… مأخوذة بكلامي ومعجبة…؟]
ريم: [لا، كل ما في الأمر أنني وجدته كلاماً غريباً ومثيراً للاشمئزاز.]
وبمجرد تلك الجملة البسيطة، طُعن صدر سوبارو المزيف طعنة دقيقة، انتزعت منه صرخة: «أووغ!».
أطلقت ريم تنهيدة مفعمة بالانزعاج بينما تراجع سوبارو ممسكاً بصدره الاصطناعي متظاهراً بالألم؛ ثم خطت خطوة باتجاهه:
ريم: [ولتعلم فقط، بغض النظر عما قلته أو فعلته، فقد نجحت في إنجاز الأمر؛ حقاً، لقد تمكنت من إسقاط هذه المدينة، ودون أن تتسبب في مقتل أي شخص.]
سوبارو: […لو اقتصر الأمر على الشق الخالي من إراقة الدماء، فقد كنت آمل ألا يتعرض أي شخص للأذى قدر الإمكان؛ لكنني أتساءل عما إذا كان هذا طمعاً مبالغاً فيه.]
ريم: [لست متأكدة من ذلك؛ ومع ذلك، إن تعلق الأمر بك أنت وآبل-سان، فربما كان بإمكانكما تحقيق ذلك… لماذا تنظر إليّ هكذا؟]
سوبارو: […لا شيء، لا شيء إطلاقاً، حسناً؟]
رفعت ريم حاجبها مستغربة من وجه سوبارو الممتعض.
وفي الحقيقة، كان كلامها في محله تماماً؛ فمن دون مساعدة آبل ما كان لهذه الخطة أن ترى النور، وكان حقيقة لا غبار عليها أنه رجل يملك حكمة ودهاء عسكرياً يثير الرهبة.
ومع ذلك، فإن سماع كلمات الثناء تنهال على رجل آخر من فم ريم جعل الغيرة تعتصر قلبه.
سوبارو: [حتى مع وجود هذين النهدين الاصطناعيين، لا يزال هناك ما يستحق الإعجاب، أليس كذلك…؟]
ريم: [أشعر أنك عدت للهذيان بأشياء سخيفة مجدداً…]
وعندما حدجته ريم بنظرة ثاقبة، لوّح سوبارو بيديه مهرولاً بنفي: «لا، لا، لا» ليغطي على ارتباكه.
فلو أخبر ريم بمشاعره وغيرته الحالية، فستعتبر الأمر غريباً ومشيناً فحسب؛ وكان ذلك أمراً لا مفر منه، لكنه كان مؤلماً مع ذلك؛ فالحب من طرف واحد عذاب مرير.
سوبارو: [لا، في هذه الحالة، هل هو مجرد رد فعل لا إرادي…؟ ومع أنهما يبدوان مقبولين إذا ما قورنا بنهـدي إيميليا-تان، إلا أنهما يعطيان إحساساً يحاكي الأصل، ألا تظنين ذلك….]
ميديوم: [أوه! ناتسومي-تشان، ها أنتِ هنا! سمعت أنكم أديتم عملاً باهراً، تهانينا لكم!]
سوبارو: [آه، ميديوم-سان.]
ركضت ميديوم إلى داخل الغرفة بصوتها الجهوري وخطواتها الثقيلة. تراجع سوبارو لا شعورياً أمام هذا الاقتراب المباغت من المرأة الأطول منه قامة، لكن تراجعه كان بلا فائدة؛ إذ طوت المسافة بينهما بانحنائها نحوه بحماس.
وكانت ترتسم على وجهها ابتسامة عريضة، وهي تنظر بابتهاج إلى الجنود في القاعة، بينما تمتطي كتفيها فتاتان صغيرتان―― أوتاكاتا ولويس.
ميديوم: [هؤلاء الأشخاص أُسروا جميعاً بفضل ناتسومي-تشان والآخرين، أليس كذلك؟ أنا متفاجئة للغاية! إذن، أين هي أختي؟ هل بذلت قصارى جهدها؟]
سوبارو: [أختكِ؟ آه، نعم. فلورا في…]
فلوب: [――أنا هنا، يا أختي العزيزة!]
ميديوم: [أوه!]
اتسعت عينا ميديوم المستديرتان أكثر عندما رأت فلوب يظهر في القاعة؛ ذلك الرجل الجميل الذي لازمها واعتادت رؤيته دائماً. وسرعان ما أثبت وجوده بضربة واحدة واثقة من حذائه على الأرض.
ميديوم: [أخي الأكبر! أليس هذا أخي الأكبر!؟ كنت أعلم؛ أخي الأكبر ليس أختي، والأخت التي اعتقدت أنها أختي ما هي إلا أخي الأكبر!]
فلوب: [ههههها، لا أملك أدنى فكرة عما تقولينه يا أختي الحبيبة! لكن مهما حدث، فأنا لا أزال هنا؛ لذا سواء كنتُ أخاكِ أم أختكِ، فهذا لا يغير من الأمر شيئاً!]
ميديوم: [هذا صحيح تماماً أيضاً! إذن ربما لستُ أختاً بل أخاً أصغر! فأنا ذات بنية ضخمة في نهاية المطاف!]
فلوب: [أختاً صغرى أو أخاً أصغر، أخاً أكبر أو أختاً كبرى، سنظل عائلة واحدة مهما حدث!]
كان الحوار بين شقيقي آل أوكونيل غريباً، لكنه احتفظ بإيقاعه الخاص والفريد حتى انتهى.
احتضن فلوب الضاحك خصر ميديوم، بينما بدأت ميديوم ――والصغيرتان على كتفيها―― بالدوران حول نفسها في دوائر متتالية بمجرد أن فعل ذلك.
ونتيجة لذلك، ارتفعت ساقا فلوب في الهواء وبدأ دوران واسع، بينما تردد صدى ضحكات الأشقاء والأطفال السعيدة لتملأ أرجاء القاعة.
سوبارو: [مشهد سريالي حقاً، أليس كذلك…؟]
ريم: [أنا واثقة من أن ميديوم-سان كانت قلقة على فلوب-سان أيضاً… إذن، إلى متى ستظل ترتدي هذه الثياب؟ طوال ما تبقى من حياتك؟]
سوبارو: [طوال ما تبقى من حياتي؟! أليس في هذا مبالغة واضحة؟! مهما بلغت درجة لطافتي، فهذا ليس سوى مظهر مؤقت… ومصيري المحتوم هو العودة إلى طبيعتي في النهاية.]
ريم: [هل يعني ذلك أنك ستظل مرتدياً إياها في الوقت الحالي؟]
سوبارو: [كل ما في الأمر أنني لم أجد الوقت لتغييرها الآن فقط!]
لم يكن سوبارو يملك الصلابة الذهنية الكافية لتحمل مثل هذه الشكوك، أو بعبارة أخرى، لتحمل نظرات ريم التي ترمقه وكأنه منحرف.
وفي واقع الأمر، كان السبب الوحيد لبقائه مرتدياً ملابس النساء هو انشغاله بالمهام الطارئة؛ كإحراق راية الإمبراطورية، واستقبال أفراد قبيلة شودراك الذين تدفقوا إلى داخل المدينة بعد ذلك.
فالظروف ببساطة لم تسمح له بالتفرغ لارتداء ملابس “سوبارو” المعتادة؛ ولم يكن الأمر نابعاً من رغبته في البقاء بشخصية ناتسومي شوارتز.
سوبارو: [أم أن في الأمر رغبة خفية حقاً؟]
ريم: [أوه، صحيح؛ إذا كنت تبحث عن آبل-سان، فهو في الغرفة الخلفية مع القائد.]
سوبارو: [أنتِ تتصرفين وكأنكِ لا تصدقينني إطلاقاً!]
مشيراً بسبابته نحو ريم ――التي رمقته بنظرة خالية من أي تعبير―― استدار سوبارو وتوجه نحو ذلك المكان.
كان يرغب في الاحتفال بنجاح الحصار الخالي من إراقة الدماء مع ريم والآخرين، لكنه لم يكن يملك ترف الجلوس ورفع يديه فرحاً واستسلاماً للابتهاج.
ففي النهاية، لم يكن سقوط غوارال سوى مجرد محطة عبور؛ وكان عليهم التفكير في الحرب الأهلية القادمة التي ستعصف بالإمبراطورية، وفي الموقف الذي سيتخذه سوبارو في خضمها.
ولهذه الغاية――،
سوبارو: [أستأذنكم بالدخول.]
ومع تلك الكلمات، دفع سوبارو باب الغرفة المنفصلة في مؤخرة القاعة ليدخل إليها.
كان يُفترض في الأصل أن تكون هذه الغرفة مكتباً خاصاً لمدير المدينة؛ الحاكم الفعلي لمبنى البلدية، لكن الحاكم قد أُبعد الآن، وجلس بديل الحاكم على المقعد.
في البداية، كان ذلك المقعد لـ زيكر، الجنرال من الدرجة الثانية؛ أما الآن، فقد استقر عليه رجل أشد غطرسة وتكبراً.
آبل: [――أنت. ما زلت ترتدي هذه الثياب حتى الآن.]
قال آبل ذلك وهو يسند خده إلى يده مطلقاً نخرة استخفاف، بعد أن نزع زي الراقصة وشمر عن أكمامه عائداً إلى مظهر رجولي صارم.
وأمامه، كان الرأس الأشعث لـ زيكر الجاثي على ركبتيه، دون وجود أي شخص آخر داخل الغرفة.
سوبارو: [كفاك حديثاً عن ملابسي رجاءً؛ وفوق ذلك، أتبقى وحدك مع الجنرال من الدرجة الثانية دون أي حراسة؟ أتريد إلقاء حياتك إلى التهلكة بيدك؟]
آبل: [بالطبع، لو كانت لديه أي نية للمقاومة لكنتُ قد أعملتُ السيف في عنقه؛ لكنه لا يملك أي نية كهذه. ألستُ محقاً، يا زيكر عثمان؟]
زيكر: [――نعم، هذا صحيح تماماً، يا صاحب الجلالة السامية.]
رافعاً ذقنه، نطق زيكر مجيباً آبل حين استحثه على الرد.
وكان ذلك الأسلوب المهذب والمبجل الذي خاطب به «جلالته» بوصفه سيده المطاع دليلاً واضحاً على أنه رأى في آبل ما هو أعظم بكثير من مجرد قاطع طريق يتنكر بزي النساء.
وبعبارة أخرى، كان زيكر قد أدرك هوية آبل الحقيقية، ولذلك تحديداً كان يركع أمامه.
سوبارو: [أأخبرته بحقيقتك؟]
آبل: [لم أكن بحاجة لفعل ذلك؛ فالظاهر أن هذا الرجل قد أدرك الأمر أثناء الرقصة؛ لا، بل الأصح القول إنه بعد الرقصة، استوعب عقله التصرف الصحيح الذي ينبغي عليه فعله.]
سوبارو: [――؟]
أمال سوبارو رأسه مستغرباً، إذ عجز عن استيعاب المعنى وراء تلك الكلمات.
لكن إثر ملاحظة آبل، خفض زيكر رأسه أكثر نحو الأرض، وكأنه يظهر مزيداً من التبجيل والاحترام.
وكانت النتيجة كسب شخص ثمين يدرك تماماً ويعبر عن احترامه لحقيقة أن آبل هو الإمبراطور، وهي حقيقة لم تكن ملموسة بهذا الوضوح حتى هذه اللحظة.
آبل: [لكن استنتاجك للأمر دون الحاجة للإفصاح عنه كان أمراً ملائماً؛ يا زيكر عثمان، اتبعني وكن في صفي، ولن تُظلم أبداً.]
زيكر: [أمرك مطاع! فإذا كان الأمر لأجلك، فإني، زيكر عثمان، سأخاطر بحياتي دون تردد!]
سوبارو: [مهلاً، مهلاً، على رسلكما، أأنتما جادان؟ ألم تكن تجهل كل شيء عن هذا حتى الآن؟]
أعلن زيكر ولاءه التام والفوري لـ آبل، الذي طلب منه التبعية والخدمة وهو يجلس على كرسيه بكل أريحية.
كان أمراً مناسباً بلا شك، لكنه بدا أسهل من أن يُصدق؛ ومع ذلك، هز زيكر رأسه رداً على استغراب سوبارو:
زيكر: [جلالة الإمبراطور أمامي مباشرة، وهو يحتاج إلى عوني؛ وإذا كان الأمر كذلك، فمن واجبي كجنرال في الإمبراطورية تلبية ندائه؛ وفوق كل شيء، أقسم أن أكون أكثر إخلاصاً وولاءً لك من ذي قبل.]
آبل: [أوه، ولماذا ذلك؟ ألهذا الحد سحرتك رقصتي؟]
زيكر: [لقد كانت فائقة الجمال والسحر؛ لكن الأمر لا يقتصر على هذا فقط.]
كان حماس زيكر متقداً للغاية بينما ألقى آبل مزحته الباردة دون أن يبتسم؛ وضغط زيكر بكلتا قبضتيه على الأرض، وفرحة عارمة وحقيقية تملأ وجهه:
زيكر: [لقد تفاجأتُ بأن جلالته كان يحفظ كلا لقبيّ… ذينك اللقبين اللذين طالما لعنتهما كعار وخزي، ولأنك وضعتَ ثقتك فيهما في نهاية المطاف.]
آبل: [بالطبع؛ فمن أراد أن يكون حاكماً للإمبراطورية، وجب عليه فهم أراضيها؛ والأمر نفسه ينطبق على الرعية التي تخدمه؛ فأنا لا أعلم متى سأستخدمك، وأنت جنرال، كيد لي أو قدم؛ أتعتقد بجدية أن خطوات الإمبراطور ستسير دون عائق دون أن يعرف يديه وقدميه حق المعرفة؟]
زيكر: [مستحيل على الإطلاق! ولهذا السبب أنا في غاية الشرف والامتنان حقاً!]
ارتعد زيكر من شدة الفرح والنشوة التي لا تُمحى، وأقسم بولاء حار لا يتزعزع لـ آبل.
وبصراحة، بالنظر إلى مجرى الأحداث فقط، كان تطوراً أفضل من أن يُصدق؛ لكن صدق ملامح زيكر كان طاغياً لدرجة لم تترك لـ سوبارو أي مجال للتشكيك في حقيقة مشاعره.
وفي الوقت نفسه، غمرت سوبارو هيبة كلمات آبل وكاريزميته العالية، إلى جانب كبريائه القوي ويقينه الراسخ كإمبراطور يدعم كل كلمة ينطق بها.
لم يكن يعرف كم عدد الجنرالات في الإمبراطورية، لكن حتى لو كان زيكر متميزاً بينهم، فهل كان آبل قادراً على تذكر ما يكفي عن كل واحد منهم ليكون واثقاً من قدرته على إسقاط المدينة أياً كان قائدها؟
حسناً، حتى لو كان هناك جنرال آخر مسؤولاً عن المدينة، لبدا آبل واثقاً تماماً من أنه سيحقق النتيجة ذاتها.
فالإمبراطور ――ذلك الخصم السامي الذي يتعالى في مكانته حتى فوق السحاب في عليائه―― كان يعرفه جيداً، ويعرف نقاط قوته وضعفه، وبناءً على ذلك وضع خطته، وأحكم السيطرة على توقعاته ببراعة وألحق به الهزيمة.
ربما كان الأمر شبيهاً برامٍ في دوري بيسبول لطلاب المدارس الثانوية حين تُضرب رميته لتصبح ضربة «هوم ران» ساحقة بمضرب لاعبه المحترف المفضل؛ لكن الحرب الحقيقية أشد رعباً وقسوة من أن تُقارن بمثل هذا المثال؛ وعلى أية حال…
آبل: [إذا انقاد زيكر عثمان في صفي، فسيتبعه القادة الخاضعون لإمرته بالطريقة ذاتها؛ ومع السيطرة على المدينة الحصينة، يمكنني القول إننا حشدنا أخيراً قوة ضاربة لا يُستهان بها.]
زيكر: [ومع ذلك، إذا واجهنا بقية أرجاء البلاد، فستنقصنا القوة والعتاد حتماً؛ لذا، أرى كخطوة أولى أن نستدرج تلك التعزيزات المفترض إرسالها من العاصمة الإمبراطورية إلى داخل المدينة، ثم ندعوهم لإلقاء السلاح والاستسلام.]
ومع انضمام حليف خبير بأوضاع الإمبراطورية وخباياها، وقادر على رسم الخطط الاستراتيجية، تحول النقاش سريعاً إلى مداولة عسكرية مكتملة الأركان.
وعلى عكس آبل، الذي تقبل الأمر دون أي تردد، شعر سوبارو بممانعة ونفور شديدين من بدء الاستعدادات لحرب شاملة؛ ولذلك، كان يفضل التحدث مع آبل قبل الخوض في مثل هذه المسائل المعقدة.
فقد أراد مناقشة آبل بشأن موقفه هو وموقف ريم ومصيرهما بعد السيطرة على المدينة الحصينة.
لكن لسوء الحظ، لم يحظَ الاقتراح الذي أراد سوبارو طرحه بأي فرصة للنقاش.
لأنه――،
آبل: [――――تعزيزات قادمة من العاصمة الإمبراطورية.]
تمتم آبل بهذه الكلمات رداً على تعليق زيكر، فاهتز الهواء في الغرفة وتوترت الأجواء فجأة.
اتسعت عينا سوبارو وزيكر دهشة لرؤية آبل وهو ينهض من مقعده بحزم وقوة، ويعود مسرعاً نحو القاعة الكبرى.
وعندها――،
آبل: [――أغلقوا البوابة الرئيسية للمدينة في الحال! لا تسمحوا لأي شخص بالدخول، سواء كان رسولاً أو غيره!]
فزع جميع من في القاعة من صرخة آبل المدوية.
وبالطبع، تماماً مثل سوبارو وزيكر اللذين كانا يتحدثان معه قبل لحظات ولم يفهما السبب، عجزت ميزيلدا والأخريات عن استيعاب غاية آبل الحقيقية من هذا الأمر.
ومع ذلك، كانت علامات الاستنفار والحدة البادية على وجه آبل كافية ليدرك الجميع أن الأمر جلل ولا يحتمل التأخير.
ميزيلدا: [تاريتا، اذهبي وأخبريهم بإغلاق البوابة الرئيسية فوراً.]
تاريتا: [أوه، يا أختي، ما الذي يحدث ماذا بحقك…؟]
ميزيلدا: [――تحركي! إياكِ وتلطيخ اسم شودراك بالعار!]
اخترق صوت ميزيلدا الصارم تردد تاريتا؛ فاتسعت عينا الأخيرة أمام نبرة أختها التي كادت تنضح بنية القتل، واندفعت مسرعة إلى خارج القاعة؛ وبهذا، ستأمر تاريتا الحراس بإغلاق البوابة الرئيسية بإحكام.
وهكذا، سيُنَفّذ أمر آبل، ولكن――،
فلوب: [زعيم القرية-كن، ما الذي يجري؟ من النادر حقاً أن تتغير تعابير وجهك إلى هذا الحد.]
آبل: [ليس هذا وقت تفاهاتك أيها التاجر؛ زيكر عثمان، أقنع القادة، وأنتِ يا ميزيلدا…]
؟؟؟: [أوووووه―― هـك.]
أصدر آبل تعليماته بسرعة، متجاهلاً قلق فلوب ومستخفاً به.
وأمر آبل كلاً من زيكر وميزيلدا ――قائدي مجموعتيهما―― بجمع أتباعهما، لكن كلماته قُطعت فجأة بصراخ طفلة حاد ومذعور.
ميديوم: [مهلاً، مهلاً، على رسلكن، ما الذي يحدث هنا!؟ لويس-تشان، ما بكِ!؟]
لويس: [أووه! أووه! آااووه!]
أوتاكاتا: [لو! اهدئي! أوو هنا معكِ!]
التفتت عينا ميديوم دهشة وهي تشعر بخصلات شعرها المزينة تُشد بقوة؛ فعلى كتفيها، كانت لويس تصرخ بذعر ويأس، بينما تحاول أوتاكاتا تهدئتها واحتواءها.
إلا أن لويس الثائرة لم تهدأ على الإطلاق؛ بل انهمرت دموع غزيرة من عينيها، وملامح وجهها مشدودة برعب شديد كأنها خائفة من شيء مرعب يقترب.
ريم: [لويس-تشان، اهدئي أرجوكِ! ما الخطب؟ إن كان هناك ما يزعجكِ فسأستمع إليكِ، فلا تبكي…]
لويس: [أووه!]
ريم: [إيه؟ هناك في تلك الزاوية، ما الذي يجري؟]
ولأنها لم تتحمل رؤية بكاء لويس، تقدمت ريم نحوها؛ وبمجرد أن لاحظت لويس اقتراب ريم، أشارت بيدها نحو زاوية من زوايا القاعة، والدموع تنهمر كالسيل على وجهها.
نظر سوبارو وآبل في ذلك الاتجاه أيضاً؛ لكن لم يكن هناك أي شيء؛ ――كان يُفترض ألا يوجد شيء إطلاقاً في ذلك الموضع.
آبل: [ميزيلدا!]
ميزيلدا: [أوه، أووووه――!!]
شاخصاً بنظره نحو ذلك الفراغ، كان آبل أول من نادى باسم ميزيلدا.
وكأنها استجابت لندائه فوراً، سحبت ميزيلدا القوس المثبت على ظهرها في غمضة عين، وقبضت بيمينها على أربعة أسهم دفعة واحدة، وثبتتها في الوتر وسحبتها إلى أقصى حد.
وأطلق جسد ميزيلدا القوي ضربة هائلة وقاصمة، تليق بزعيمة قبيلة شودراك.
انطلقت السهام الأربعة بعنف، شاقةً ذلك الفراغ الذي كانت لويس تشير إليه؛ وكان كل سهم منها يذكر سوبارو بضربة الصيادة التي قتلته في الغابة.
كانت الضربة قوية لدرجة أنها كانت لتمزق جسد سوبارو إلى أشلاء لو أصابته.
أما الأرضية والجدران، التي كان يُفترض أن تكون أقوى من السهام، فقد تحطمت تماماً، وتصاعدت سحابة من الدخان لتملأ أرجاء القاعة جراء الارتطام.
وبينما انبطح الجنود طلباً للاحتماء وهم يلهثون من شدة المفاجأة، حدق سوبارو والآخرون عبر الدخان ليتأكدوا مما إذا كان هناك سبب حقيقي جعل لويس تصرخ بكل ذلك الهلع.
؟؟؟: [شيء كهذا لن يقتلني.]
ومن مكان ما، انحدر صوت هادئ ومسترخٍ ليتردد بنعومة داخل القاعة الممتلئة بالدخان.
ميز سوبارو نبرة الصوت ليدرك أنها تعود لامرأة؛ وقد بدا لأذنيه صوتاً بطيئاً، مفرغاً من المشاعر والاهتمام، ومنخفض النبرة.
وبدا هذا الصوت شاذاً وغير مناسب إطلاقاً في خضم التوتر المحموم الذي ساد الموقف.
لكن النتيجة التي خلفها ذلك الصوت، كانت مدمرة.
ميزيلدا: [――――]
――وفي طرفة عين، اشتعل جسد ميزيلدا بالكامل، وابتلعتها نيران هائلة ومباغتة.
△▼△▼△▼△
ميزيلدا: [――تشتش!!]
وفي لمح البصر، التفت النيران المستعرة حول كامل جسد ميزيلدا، مما انتزع منها صرخة مكتومة عجز لسانها عن إخراجها.
ومشهد ميزيلدا وهي تتحول إلى كتلة بشرية من النيران ألجم الجميع ومنعهم من اتخاذ أي رد فعل فوري.
كونا: [――تشه، هولي!!]
هولي: [فـ-فهمت~!!]
وفور نداء كونا، سارعت هولي نحو برميل ضخم مليء بالماء؛ ورفعته بقوتها الخارقة، وألقته بكل عزمها نحو ميزيلدا المحترقة.
فاض الماء من البرميل المتحطم وغمر جسد ميزيلدا، فسقطت المرأة المحترقة على الأرض.
لم تحرقها النيران إلا للحظة وجيزة، لكن كان من المستحيل تخيل حجم الألم الناجم عن اشتعال الجسد بالكامل بتلك الطريقة.
عجز سوبارو عن مجاراة السرعة الخاطفة التي انقلب بها الموقف، متسائلاً عما حدث ماذا بحقك؛ ومع ذلك، لاحظ ظهور شخص غير مألوف في وسط القاعة التي تعمها الفوضى.
ولم يكن سوبارو وحده من لاحظ ذلك، بل أخذ الجميع يلتفتون تدريجياً نحو هذا القوام الجديد.
――كانت الواقفة هناك فتاة حسناء تكشف عن معظم بشرتها السمراء.
تمتلك شعراً فضياً مائلاً إلى البياض، ورقعة تغطي عينها اليسرى، وذيلاً مكسواً بالفرو الكثيف يبرز من خلفها، وتمسك بيدها غصن شجرة يبدو وكأنها التقطته من مكان مهجور لا قيمة له.
وقسمات وجهها الخالية من أي تعابير أعطت انطباعاً غير متناسق عند مقارنتها بجسدها الأنثوي الممتلئ بنضارة الشباب.
ومع ذلك، لم يكن هناك أدنى شك في أن هذه الفتاة الجميلة كانت السبب وراء ما حدث قبل قليل.
ما الذي فعلته، وماذا تريد، ومن تكون؛ كل ذلك كان مجهولاً تماماً――
؟؟؟: [――إنها أنتِ إذن، يا أراكيا.]
وبينما تجمد الجميع في أماكنهم، كان هناك شخص واحد يعرف اسم الفتاة وناداها.
الواقف هناك وعيناه الحادتان تفيضان بالتركيز―― محدقاً نحو أراكيا، كان هو الإمبراطور المعزول عن عرش إمبراطورية فولاكيا المقدسة.
ذلك الشخص المهيب الذي أقسم زيكر على طاعته فوراً، واجه أراكيا وجهاً لوجه؛ لكنها ظلت تلوح بالغصن في يدها يمنة ويسرة باسترخاء ودون أي توتر.
أراكيا: [لم أركَ منذ زمن، يا صاحب الجلالة السامية.]
آبل: [وأنتِ أيضاً، يبدو أنكِ ما زلتِ بكامل عافيتكِ―― وتشيشا [1]، هو الآخر، لا يرحم أحداً ولا يتهاون.]
أراكيا: [لا، أليس كذلك؟ فالأمر سيكون خطيراً في النهاية، أليس كذلك؟]
لم تكن محادثة مشحونة بالتوتر من وجهة نظر أراكيا.
وحتى لو كان بإمكانهما تبادل الحديث، فإن ملامح آبل المتوترة كانت توضح أنها ليست من النوع الذي يمكن التفاهم معه.
وفي المقام الأول، من تكون هذه المرأة التي تخاطب آبل بهذه البساطة والتهاون بعد أن أقرت بأنه الإمبراطور؟
زيكر: [الجنرال من الدرجة الأولى، أراكيا…]
سوبارو: […ما الذي قلته للتو؟]
وبوقوفهما جنباً إلى جنب، تجمد وجه سوبارو أمام الكلمات المكتومة التي نطق بها زيكر.
تمنى لو أنه أخطأ في السمع، لكن نظرات زيكر كانت جادة تماماً، وأدرك سوبارو أن احتمالية سوء الفهم قد تلاشت كلياً.
ثم، وكبرهانٍ على أن الأمر لم يكن مجرد وهم، أردف زيكر مؤكداً هول الحقيقة.
زيكر: [الجنرال من الدرجة الأولى، أراكيا… إحدى أعتى قوى الإمبراطورية، وأحد «الجنرالات التسعة السامين»!]
آبل: [وفوق ذلك، فهي تحتل المرتبة الثانية بين الجنرالات التسعة السامين؛ ما يعني أنها ثاني أقوى شخص في ربوع الإمبراطورية قاطبة.]
سوبارو: [ثاني أقوى شخص في الإمبراطورية…!؟]
عُززت صيحة زيكر بكلمات آبل الحاسمة، فصرخ سوبارو عاجزاً عن كتمان صدمته وذهوله.
وفي بؤرة النظرات المذهولة داخل القاعة، وبعد أن جذبت كل الانتباه إليها، رفعت أراكيا الغصن في يدها و――،
أراكيا: [بالضبط!]
ونفخت صدرها بفخر واعتزاز.
سوبارو: [――――]
ببطء، بدأت نساء شودراك المحتشدات في القاعة بتشكيل دائرة تطوق أراكيا؛ وكانت ميزيلدا قد سقطت إثر الهجوم الأول، ولم يتبقَّ سوى سبع عشرة مقاتلة من شودراك، بما في ذلك أوتاكاتا غير القادرة على القتال، فكان من الصعب الجزم بما إذا كن يملكن القوة الكافية لمواجهتها.
ومع ذلك――،
محاربة من شودراك: [لن ندعكِ تعترضين طريق النصر وقد بات في متناول أيدينا――!]
بصقت إحداهن تلك الكلمات، وتناولت أحد السيوف التي صادرها سوبارو من قبل.
طرْدُها، أو إسقاطها وأسرها؛ إذا تمكنّ من تحقيق أحد هذين الأمرين، فسيضمنّ نصرهن في إسقاط غوارال.
أراكيا: [مهما حاولتم، فلا فائدة.]
في اللحظة التالية، هبت رياح عاتية قلبت أرجاء القاعة رأساً على عقب. سوبارو، ومقاتلات شودراك، وجنود الإمبراطورية المقيدون، جُرفوا جميعاً في دوامة واحدة.
أراكيا: [――――]
انقلبت الأرض والسماء في عيني سوبارو؛ لم يعد يرى فوقاً أو تحتاً، يميناً أو يساراً، أمامه أو خلفه؛ وارتطم جسده بالكامل بالأرضية والجدران والسقف، في ضربات متتالية كادت تفقده الوعي من شدة الألم.
سوبارو: [كـاه!]
أُلقي بجسده بالكامل ليرتطم بالأرض، وبينما كان ينظر إلى السقف المحطم، بدأ عقله ببطء يستوعب ويفهم ما حدث؛ ――لعلها كانت زوبعة، أو إعصاراً هادراً.
ففي غمضة عين، اندلع إعصار ذو حجم مهول داخل الغرفة، ليبتلع سوبارو―― أو بالأحرى، سوبارو والجميع معاً، وقذف بهم بعنف في كل اتجاه.
اجتاح إعصار أراكيا أرجاء الغرفة دون تمييز بين بشر وحجر، أو صديق وعدو.
ومع ذلك، استطاع سوبارو بالكاد الحفاظ على وعيه――،
زيكر: [لن أسمح لكِ… بإيذائها أكثر مما فعلتِ…]
تأوه زيكر، الذي كان يحتضن سوبارو، وبسط ذراعيه بوهن.
ففي اللحظة التي تفجر فيها الإعصار، سحب زيكر جسد سوبارو نحوه بسرعة لحمايته من وطأة الدمار والارتطام؛ وكان أثر ذلك محدوداً بطبيعة الحال، لكنه خفف الصدمة عن جسد سوبارو ومنعه من فقدان وعيه.
إلا أن――،
سوبارو: [هذه مزحة سخيفة، أليس كذلك…؟]
قال سوبارو ذلك بنبرة يائسة وهو ينظر حوله في أرجاء القاعة.
ففي خضم تلك الفوضى العارمة من الناس والحطام، سقطت مقاتلات شودراك ――اللواتي شحذن عزيمتهن للقتال قبل قليل―― على الأرض عاجزات عن الحركة والقتال.
وفي الواقع، فإن أولئك اللاتي أظهرن نية معادية كن الأكثر تضرراً وتلقياً للإصابات البالغة.
وتساءل سوبارو عما إذا كان إعصار أراكيا يملك إدراكاً يميز به أهدافه أثناء نشر كل هذا الدمار.
سوبارو: [――ريـ… م.]
متحملاً الألم في سائر جسده، أخذ سوبارو يبحث عن ريم داخل القاعة.
فربما فقدت وعيها هي الأخرى جراء الهجوم، مثل نساء شودراك والبقية؛ وإذا أصيبت في مكان خاطئ، فسيكون السيناريو الأسوأ وارداً جداً.
حينها، جال سوبارو بنظره في أنحاء الغرفة ليلمح شخصاً ما.
لم تكن ريم؛ لم تكن ريم على الإطلاق، لكن ذلك الشخص لفت انتباه سوبارو رغم ذلك.
لأنه حتى بعد أن سحقه ذلك الإعصار، نهض على قدميه وانسحب إلى الشرفة شبه المدمرة، مسنداً ظهره إلى السور، ومحدقاً مباشرة نحو أراكيا.
سوبارو: [آبـل…]
لم يكن يعلم كيف تمكن آبل ماذا بحقك من حماية نفسه في ذلك الإعصار العنيف؛ فإصاباته بدت طفيفة للغاية―― ومع ذلك كان من المؤلم رؤية الدماء تسيل من جبهته وإحدى ذراعيه تتدلى بوهن.
إلا أن آبل ظل ينظر مباشرة نحو أراكيا بعينين لم تفقدا شيئاً من كبريائهما وهيبتهما المطلقة.
آبل: [أيتها الدمية المطيعة، أتبلغ بكِ الجرأة حد القيام بمثل هذا السلوك المتبجح؟ أنسيتِ السبب الذي جعلكِ تنضمين إلى صفوفي وتخدمين تحت لوائي؟]
أراكيا: […يا صاحب الجلالة السامية، لقد كذبتَ عليّ؛ لقد خدعتني؛ ولهذا السبب بالذات، لن أسامحك أبداً.]
آبل: [――وهل غرس تشيشا هذه الفكرة في رأسكِ أيضاً؟]
أطلق آبل زفرة ثقيلة ومخضبة بالدماء، وهو ينظر إلى الأسفل قليلاً.
كان وجه أراكيا خالياً من المشاعر، لكن عينيها كانتا تشعان بغضب واضح؛ وراحت تطأ الأرض المتكسرة بخطوات بطيئة، متجهة نحو آبل الواقف عند الشرفة؛ ولم يخطر ببال سوبارو أبداً أن خروج آبل إلى الشرفة كان لمجرد التظاهر بالشجاعة وحسن المظهر، لكنه لم يعتقد أن رجلاً مصاباً وأعزل مثله يملك ورقة رابحة في جعبته ليقلب بها الموازين.
وتلك الخطوات التي كانت أراكيا تقطعها لتقليص المسافة بينهما بدت وكأنها عد تنازلي يوشك أن ينهي حياة آبل.
خطوة، ثم خطوتان، وأراكيا تقترب من آبل، وعندها――،
؟؟؟: [أوه، آاااااااااااااا―― هـك!!]
انطلقت صرخة أنثوية حادة، وفي أعقابها مباشرة، هوى عمود ضخم ليتحطم فوق النقطة التي كانت أراكيا على وشك المرور منها.
تردد دوي تحطم الحجارة وتصدعها كقصف الرعد، وانقض ذلك السلاح البدائي الثقيل ――الذي لا يقل وزنه عن مئات الكيلوغرامات―― ليضرب أراكيا مباشرة.
كانت ريم هي من فعل ذلك، مختبئة خلف أحد الأعمدة، مترقبة اللحظة المناسبة للهجوم.
وريم، التي حافظت على وعيها واختبأت خلف العمود رغم ابتلاع الإعصار لها، كانت مرئية لـ آبل من موقعه على الأرجح؛ ومخفية وجودها تماماً، نسقت توقيت هجومها مع نظرات آبل أثناء تقدم أراكيا، ثم أسقطت ذلك العمود بكل ما تملك من قوة.
لقد كان ذلك آخر هجوم استطاع عقلها تدبيره في هذا الموقف، مستغلة قوتها الجسدية الخارقة.
وكانت ضربة دقيقة ومحكمة، حتى إنها سحقت جسد أراكيا النحيل――،
أراكيا: [همم؟]
ريم: [――مستحيل.]
فالأرضية تحت قدمي أراكيا ――والتي لم تكلف نفسها عناء النظر إليها حتى―― التوت وتشكلت كحلوى «الأميزايكو» [2]، وامتدت إلى الأعلى لتسند العمود الساقط وتمنعه من السقوط عليها.
وبدا الأمر وكأنهم شهدوا ولادة عمل فني حديث واكتماله من البداية إلى النهاية.
فقوة ريم بكامل طاقتها لم تلمس أراكيا، بل عجزت حتى عن تشتيت انتباهها ولو قليلاً.
ثم، وبينما جثت ريم عند قاعدة العمود المحطم، نظرت أراكيا نحو ظهرها؛ وبعد أن ألقت نظرة على ريم، اتسعت عيناها فجأة بدهشة:
أراكيا: [أوه، شيطانة من الأوني؛ هذا أمر نادر.]
ريم: [أنتِ…]
أراكيا: […لا تقفي في طريقي؛ فأنا لا أريد أن يتأذى أحد من أفراد شعبي.]
ريم: [أفراد شعبكِ أنتِ…؟]
احمر وجه ريم غضباً، وهي تتساءل عن معنى هذا الهراء الذي تقوله.
لكن للأسف، وبسبب الفارق الساحق في القوة بينها وبين خصمها، كان الغضب مجرد شعور عاجز، وإرادة المقاومة بلا أي فائدة.
مدت ريم يدها نحو الحطام محاولة إظهار نيتها في القتال عبر رشق الحجارة.
إلا أن أراكيا لوحت بالغصن في يدها، مستحضرة عاصفة رياح أطاحت بالحطام المحيط بـ ريم بعيداً.
لقد جُرف كل شيء حرفياً؛ ولم يتطاير الركام عن الأرض فقط، بل اقتُلعت الجدران والسقف خلف ظهر ريم، وانهارت الطبقات العلوية من المبنى واحدة تلو الأخرى في الفضاء.
أراكيا: [أنا لست بارعة في ضبط قوتي؛ وأنتِ أيضاً ستطيرين بعيداً وتموتين على هذا النحو.]
ريم: [إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تفعلينها؟ بعد كل ما ارتكبتِه، ما الذي يجعلكِ تترددين الآن؟ ليس الأمر وكأنكِ…]
أراكيا: […مخيب للآمال.]
رد ريم الصادر من بين أسنانها المشدودة جعل كتفي أراكيا تتدليان بخيبة أمل.
ورغم تلك الحركة الطفولية البريئة، كانت أفعال أراكيا قاسية وحاسمة لأقصى درجة؛ فرفعت الغصن ببطء، وكانت قوة قادمة من بُعد آخر كفيلة بسحق وجود ريم ومحوه تماماً.
――ومستحيل أن يسمح ناتسوكي سوبارو بحدوث شيء كهذا.
سوبارو: [آه، آاااااااه―― هـك!]
وبصرخة مدوية، اندفع جسد سوبارو بحركة سريعة طارداً كل ألم يمزق أطرافه.
ففي هذه اللحظة بالذات، كان الخوف والتردد وكل المشاعر الأخرى مجرد عوائق تقف في طريقه.
متجاهلاً كل مخاوفه، تقدم للأمام كما أملت عليه غريزته، ووقف فاصلاً بين ريم وأراكيا.
وكان يأمل على الأقل أن يحمي ريم من ذلك الدمار الذي أوشك أن يسحقها.
لقد كان مستعداً للموت، إذا كان ذلك يعني حماية ريم.
في الحقيقة لم يكن يريد أن يموت إطلاقاً، وسيفسد كل شيء إذا مات ناتسوكي سوبارو هنا، لكنه لم يكن يمانع الموت في هذا الموضع إن كان ذلك هو الثمن.
متنكراً بزي امرأة، بنهدين اصطناعيين، ومساحيق تجميل تغطي وجهه، وشعر مستعار يعلو رأسه، بل وبحيلة متقنة جعلت بشرته تبدو بيضاء كالحليب؛ في مثل هذا المظهر الهزلي الذي يسعى وراء الجمال، وقف ناتسوكي سوبارو متأهباً لحماية الفتاة التي أخذ على عاتقه الذود عنها، وكأنه يوشك على بصق الدماء من شدة الإصرار.
ريم: [――هـك.]
واضعاً ريم خلف ظهره لحمايتها، بسط يديه في الهواء.
ولاحظ أن ريم قد شهقت دهشة فور استيعابها أن سوبارو قد اندفع فاصلاً بينها وبين الهلاك.
لكن ما دار في خلدها، أو ما شعرت به تجاه تصرف سوبارو، لن يعرفه أبداً؛ فتلك الفرصة لن تسنح له مجدداً.
إذ اختُطفت في طرفة عين أمام ذلك الدمار المسمى «أراكيا»――،
؟؟؟: [――يا له من مشهد مضحك؛ ومع ذلك، ليس سيئاً للغاية.]
كان ذلك هو الصوت الذي طرق أذني سوبارو وهو يستعد لخسارة كل شيء وألا يتبقى منه شيء.
وبينما أغمض عينيه محاولاً تقبل النهاية المحتومة، حبس أنفاسه حين أدرك أنه لم يشعر بأي حرارة، أو فَقْد، أو ألم، أو عذاب، أو ظمأ كاوٍ، أو أي عامل من العوامل المؤدية إلى «الموت» تمس جسده.
ثم فتح عينيه ببطء ليرى ما حدث.
فأمام سوبارو ――الباسط لذراعيه، الذائد عن ريم خلفه―― كان هناك ظهر شخص آخر يحول دون وصول الهجوم.
ولم تكن أراكيا؛ فأراكيا كانت تقف على الجانب المقابل خلف ذلك الظهر؛ واستطاع رؤيتها متجمدة في مكانها، وعلامات الدهشة والذهول تعلو وجهها بالكامل.
والكيان الذي ألجم أراكيا بذلك الذهول التفت ببطء، بعد أن أطاح بكل ذلك الدمار المحتوم وبدده، وهو يقبض بيمينه على سيف قرمزي يتوهج لهيباً.
عينان ياقوتيتان متكبرتان ومغرورتان، مقتنعتان تماماً بأن كل ما في هذا العالم سيخر راكعاً تحت قدميها؛ وتلك التي عقدت ذراعيها ليهتز صدرها الممتلئ، بنظرات ازدراء تجسد الجمال القاسي الصارم؛ شخص ما كان ينبغي له أن يراه في هذا المكان إطلاقاً.
سوبارو: [――آه.]
لم يستطع سوبارو سوى أن يشهق دهشة أمام ظهور كيان لم يكن من المفترض وجوده هنا.
وبالنظر إليه، أطلقت صاحبة ذلك الوجه الفاتن ――التجسيد الحي لكلمة «القرمزي»―― نخرة استخفاف ساخرة.
وعندها――،
؟؟؟: [لا حاجة بك للنطق باسمك، أيها الأحمق؛ ومع ذلك، سأسمح لك بنطق اسمي.]
وبينما كانت تقول هذا، كانت هي―― بريسيلا بارييل، ترسم على شفتيها ابتسامة بلون الدم.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
الهوامش والملاحظات:
[1] حقبة سينغوكو (Sengoku period): عصر الحروب الأهلية العاتية في تاريخ اليابان الإقطاعي (بين عامي 1467 و1616م)؛ حيث شهدت اليابان صراعات مستمرة كاد ينتهي فيها مصير المعارك بمجرد قتل رأس القائد المعادي لتسليم الجيش واستسلامه.
[2] الأميزايكو (Amezaiku): فن ياباني تقليدي يقوم على نحت وتشكيل سكاكر السكر المسال؛ حيث تُصاغ العجينة اللزجة الساخنة بحركات سريعة ومتقنة لتتحول إلى مجسمات بديعة تمثل الحيوانات والأسماك والحشرات.