الفصل 383 - خطة الحصار دون إراقة دماء
الفصل الثاني والعشرون:
«خطة الحصار دون إراقة دماء»

فلنُعِد عقارب الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل رقصة الراقصة في مبنى بلدية غوارال.
؟؟؟: [――حصار دون إراقة دماء، تقول؟]
بعد دخوله مكان الاجتماع، وأمام كل من احتشد هناك، أطلق ناتسوكي سوبارو إعلاناً حازماً.
ومع نزع قناع الأوني الساتر عنه بالقوة، رفع آبل بصره نحو سوبارو، وبصوت تقشعر له الأبدان، كرر تلك «الفكرة المستحيلة» التي طرقت طبلتي أذنيه.
سخر―― كلا، لم تكن هناك أي نبرة استهزاء في كلامه؛ بل انطوى على شك خالص، ونَفَس يوضح أن الشخص الماثل أمامه لا يدرك ما يقترحه.
وكان المقصد مفهوماً بوضوح.
سوبارو: [ربما تكون قد ابتكرتَ خطة لتجاوز الأمر بأقل قدر من التضحيات، لكنك لن تفكر في خطة بلا أي تضحيات من الأساس.]
آبل: [بطبيعة الحال. وسواء قبلتَ بذلك أم لا، فإن ما نخوضه الآن هو حرب. ومهما حدث، لا يمكن تجنب وقوع الضحايا؛ وكل ما يمكن فعله هو التخطيط لتجنب إهدار الموارد البشرية.]
سوبارو: [حسناً، أنا لا تعجبني طريقتك في التفكير بشأن الموارد البشرية منذ البداية.]
ناظراً من الأعلى إلى آبل الجالس متربعاً أمامه مباشرة، طقطق سوبارو بلسانه حنقاً.
كان مصطلح «الموارد البشرية» دمجاً بين كلمتين: «بشر» و«موارد»، وهو ما رأى سوبارو أنه لا ينبغي جمعهما بأي حال في مصطلح كريه كهذا.
فطريقة النظر إلى «البشر» عبر إبقائهم على مسافة بعيدة كانت على بعد خطوة واحدة فقط من رؤية الناس كمجرد أرقام.
أو ربما كان هذا هو نوع التوازن الذي يجب أن يتمتع به حاكم مثل آبل، ولكن――،
سوبارو: [حسناً، أنا لا أتقبله. وفلوب-سان يشاركني الرأي نفسه، أليس كذلك؟]
آبل: [――. وبدلاً من ذلك، تقحم نفسك بهذا الحصار الخالي من الدماء؟ إنه إعلان عظيم ومبالغ فيه، خاصة حين يصدر منك، وأنت الذي كنتَ في غاية الإنهاك والبؤس حتى قبل لحظة واحدة.]
سوبارو: [لن أجادل في كوني كنتُ مرهقاً ومثيراً للشفقة ومشهداً مخزياً. فمنذ أن قُذفتُ إلى هذا البلد وأنا أعيش سلسلة متواصلة من الكوارث.]
ورداً على ما أشار إليه آبل، سخر سوبارو من نفسه، ثم حدق في راحة يده.
فيده اليمنى النظيفة على غير المعتاد، ذلك الذراع الذي استُبدل بآخر جديد، يمكن اعتباره جزءاً من تلك «الكوارث المتواصلة» أيضاً. ومع صعوبة الموقف، كان استبدال يده اليمنى أحد أسباب حظه القليلة، أليس كذلك؟
استبدال يده، واستيقاظ ريم؛ وذلك إلى جانب لقائه بالشقيقين فلوب وميديوم، يمكن اعتباره حظاً جيداً دون أي مبالغة.
وعلى أية حال، ففيما عدا ذلك، كان الحظ والنكبة وجهين لعملة واحدة.
وكذلك كان آبل أمامه، وكذلك كان شعب شودراك، والجنود الإمبراطوريون بما فيهم تود――،
سوبارو: [هذه السلسلة من المصاعب كانت تستنزف الروح، ولكن.]
آبل: [――――]
سوبارو: [――كلما زاد الاحتكاك، اشتعلت النار أكثر.]
محدقاً بثبات في قبضته المحكمة، أعلن سوبارو ذلك بوضوح.
في تلك اللحظة، وصلت ريم ――التي كانت تتأخر عن سوبارو في المشي―― إلى مدخل مكان الاجتماع. متكئة على عصاها، دخلت برفقة أوتاكاتا ولويس.
وعلى الأرجح فقد جاءت لترى بأم عينيها؛
لأن طلبها الأناني هو ما أشعل روح ناتسوكي سوبارو.
سوبارو: [خطة لدخول المدينة بعد سؤال فلوب-سان عن ممر سري… هل تخطط لشن هجوم مباغت؟ مستحيل أن ينجح هذا الأمر.]
آبل: [أوه، ولمَ ذلك؟ إنها مدينة محصنة يحميها سور منيع؛ فهل تمتلك طريقة أخرى للعبور؟]
سوبارو: [إذا كان هناك جدار، فأي شخص سيفكر في البحث عن طريقة لتجاوزه؛ وهذا يعني أنه حتى لو كان الممر نفسه مخفياً بذكاء…]
إذا وُجد ممر سري للدخول والخروج من المدينة الحصينة، فمن الطبيعي افتراض أنه مخصص لمرور أشخاص ذوي خلفيات مجهولة أو بضائع ذات مصادر مشبوهة.
وبالطبع، سيكون مخفياً على الأرجح حتى لا يكتشفه الحراس؛ لكن حتى ذلك لن يتجاوز سوى المستويات العادية من الحذر واليقظة.
وعلاوة على ذلك، لم يبدُ ممكناً الإفلات من شبكة الحذر الصارم في زمن الحرب تحديداً.
وفوق كل شيء――،
سوبارو: [ذلك الوغد الذي طاردنا في المدينة ليس من النوع الذي قد يفوته أمر كهذا.]
كان سريع البديهة، ماكراً، ويتخذ قراراته دون تردد.
وبما أن تود يعلم بنجاتهم، فإن أي ممر سري سيكون «الثغرة» الأكثر حراسة وتشديداً؛ ولن يكون العدو لطيفاً لدرجة تركه كما هو.
فإغلاقه أمر بديهي، وهناك أيضاً خوف من أن أي ممر يُترك دون إغلاق قد يتحول إلى «فخ».
سوبارو: [لهذا السبب تحديداً، سيكون الهجوم المباغت ضرباً من السخف والجنون؛ فمن المرجح أن الخصم المنتظر هناك سيهشم رأسك بفأس في اللحظة التي تخرج فيها من الممر.]
فلوب: [لـ-لـ-لماذا تنظر إلى وجهي وأنت تقول ذلك يا الزوج-كن! يا لها من فكرة مخيفة!]
كان يقصد إيضاح الخطر للجميع، لكن عينيه ثبتتا لا شعورياً على وجه فلوب.
وتذكر سوبارو كم مرة سقط الرجل أمامه بفعل خنجر القاتل ――لا، بل فأس القاتل―― أمام عينيه مباشرة. لم يرغب سوبارو في رؤية ذلك مجدداً؛ حتى لو كلفه ذلك حياته، لا يمكنه السماح بحدوث هذا مرة أخرى.
آبل: […لو كان الأمر مجرد هجوم مباغت، فأنا أشاركك الرأي نفسه بشأن حذر العدو.]
سوبارو: [ماذا؟]
وأمام موافقته غير المتوقعة، اتسعت عينا سوبارو من الذهول؛ والسبب في ذلك أن المؤيد لرأي سوبارو لم يكن سوى آبل نفسه.
رفع آبل حاجبه أمام دهشة سوبارو وتابع:
آبل: [ماذا؟ هل تأييدي غير متوقع؟]
سوبارو: [صحيح… فرغم أنك تتصرف وكأنك محق في كل شيء في هذا العالم، إلا أنك تعترف بأخطائك بسهولة…]
آبل: [سخافة، متى اعترفتُ بأنني كنتُ مخطئاً؟ أنا فقط أيدتُ فكرة أن خطة استخدام ممر سري لشن هجوم مباغت لن تنجح.]
سوبارو: [――؟ إذن، كيف كنت تخطط لاستخدام الممر؟]
كان لإنكار آبل شعور مختلف عن شعور الخاسر المستاء الذي كُشفت أفكاره بدقة.
وبينما ضغط عليه سوبارو لمعرفة الأساس، أغمض آبل إحدى عينيه:
آبل: [ليس هناك ما يفرض أن يكون البشر هم من يدخلون ويخرجون. إذا كان الهدف هو شل حركة الجنود المتحصنين في المدينة فقط، فإن مجرد تهريب شيء ما إلى الداخل سيكون كافياً.]
سوبارو: [شيء ما…]
آبل: [――السم.]
سوبارو: [واحتمال أن يغفلوا عن ذلك أقل بكثير!]
كان هدوء آبل الخالي من المشاعر يعطي شعوراً أكبر بعزمه الذي لا يتزعزع على إنجاز الأمور، فانتقد سوبارو خطته بصوت عالٍ وبشكل تلقائي.
فاستخدام السم أو ما شابهه أمر لا يغتفر. ――في الواقع، وبما أن سوبارو قد اختبر بنفسه قوة السم الذي يستخدمه شعب شودراك، فقد عارض استخدامه بشدة.
تلك المعاناة الجحيمية كانت أفظع وأبأس من الموت في المعركة.
سوبارو: [على أية حال، ألم نكن نتحدث عن محاولة تقليل المعاناة، أو على الأقل تقليل الضرر لإقناع فلوب-سان؟ فكيف لخطة تستخدم السم أن…]
آبل: [عن ماذا تتحدث؟ تكتيك المباغتة باستخدام ممر سري ينطوي أيضاً على احتمال التضحية بقواتنا في حال الهجوم؛ أما مع السم، فإن هذا الاحتمال يزول تماماً.]
سوبارو: [――――]
آبل: [تقليل خسائر القوات المتاحة بين يديك؛ هذا هو المعنى الحقيقي لتقليل الضرر.]
تحدث آبل بحزم وقاطعية، وأمامه حبس سوبارو أنفاسه.
ومرة أخرى، أدرك سوبارو من جديد ――بين موقفه وموقف آبل―― الفارق الهائل بين أفق رؤية الحاكم ومنظور الآخرين؛ كانت فجوة تفوق استيعاب سوبارو.
باختصار، لم يضع آبل الأضرار التي قد تلحق بسكان غوارال في الحسبان. ――لا، وحتى لو لم يلحق الضرر بالسكان، فهو لم يكترث إطلاقاً بما قد يصيب الجنود الإمبراطوريين.
وكان ذلك واضحاً تماماً منذ أن أُحرق معسكر الجنود الإمبراطوريين ――الذي استهدفه بنفسه―― بالكامل.
سوبارو: [رغم ذلك، كان تفكيري ساذجاً. أما أنت…]
آبل: [هذا صحيح، تفكيرك ساذج. وبناءً على ذلك، ليس لك مكان هنا…]
وبينما كانا يواجهان بعضهما، تطاير الشرر بين نظرات سوبارو ونظرات آبل الحادة.
وفي اللحظة التي تصادمت فيها آراؤهما وبدأ النقاش ينهار――،
فلوب: [――مهلاً مهلاً، انتظرا لحظة أنتما الاثنان! لا داعي لتبادل النظرات الحادة والجدال هكذا!]
وقف فلوب بينهما صانعاً مسافة تفصل بين الاثنين.
وظهرت ابتسامة متوترة على وجهه وهو ينظر ذهاباً وإياباً بين وجهي سوبارو وآبل الغاضبين، وقال وهو يصفق بيديه أمام صدره: «فلنهدأ ونناقش هذا الأمر!».
فلوب: [بصراحة، لم يصل نقاشي مع زعيم القرية-كن إلى أي نتيجة! ثم عاد الزوج-كن منتصراً. أريد بالتأكيد سماع المزيد عن هذا «الحصار دون إراقة دماء» الذي يتحدث عنه الزوج-كن! إذا كان حقيقياً، فسيكون كأنه حلم يتحقق!]
سوبارو: [فلوب-سان…]
واستجابة لتوقعات فلوب المبتسم، كبح سوبارو غضبه السابق. وبطريقة ما، ومندهشاً من تصرف فلوب، بدا أن آبل فعل الشيء نفسه.
أطلق آبل همهمة مستخفة مع شخير خافت:
آبل: [――. حسناً، سنستمع إليه. إذا تمكنت فكرتك من خداع هذا التاجر بنجاح، فما دمت ستحصل على مكان الممر السري، فسيكون ذلك كافياً.]
فلوب: [هاه!؟ الزوج-كن!؟ لا تقل لي أنك…]
سوبارو: [لا لا لا! لم نكن نخطط لهذا إطلاقاً! ومجرد أن فكرتك لا تبدو أنها ستنجح، لا يعني أن تحاول إقحامي فيها عنوة، أيها الوغد!]
أثارت ملاحظة آبل ريبة فلوب دون داعٍ، ومع ذلك لم يُظهر آبل أي حرج، بل حافظ على هدوئه المتغطرس. وقال سوبارو بسخط: «أنت بالكاد تحتاج إلى قناع الأوني ذلك…».
؟؟؟: [إذن…]
هكذا انسل صوت خافت في فجوة الصمت التي تشكلت في المحادثة.
واقفة بلا حراك عند مدخل مكان الاجتماع، وعيناها مثبتتان على ظهر سوبارو، جاء صوت ريم.
غير متأثرة بأجواء المكان، واصلت ريم التحديق في سوبارو وحده.
ريم: [إذن، ما الذي ستفعله؟ هل يمكنك إيجاد طريقة أخرى ليست مجرد حلم عابر أو واقع ملطخ بالدماء؟]
سوبارو: […كل كلمة تقولينها تجعل قلبي يبتهج.]
ريم: [――――]
حدقت ريم وهي تضم شفتيها، ورد سوبارو بابتسامة مريرة، وشدد عزمه مرة أخرى.
ثم تفقد الوجوه في مكان الاجتماع؛ آبل وفلوب، إلى جانب أفراد شودراك بدءاً من ميزيلدا، ومع تحوله إلى محط أنظار الجميع:
سوبارو: [خطتي لا تحتاج إلى ممرات سرية ولا إلى إراقة دماء. لكنها تتطلب مساعدة فلوب-سان.]
فلوب: [مع أنها لا تحتاج إلى ممر سري، لكنها تتطلب مساعدتي…؟ لكن يا الزوج-كن، أنت تعلم بالتأكيد أنني مجرد بائع متجول عاجز لا يملك سوى لسانه، أليس كذلك؟]
سوبارو: [أجل، بالطبع. لكن فلوب-سان ليس مجرد تاجر، فهناك نعمة وُلدتَ بها. ――وجه جميل.]
فلوب: [――هاه؟ وجهي؟]
واضعاً كلتا يديه على وجهه باتساع عينيه دهشة، تساءل فلوب.
وبالمثل، أمال الجميع في مكان الاجتماع رؤوسهم وكأنهم يقولون: «وجهه؟».
ميزيلدا: [فهمت، هذا صحيح.]
تاريتا: [――! أختي، هل أدركتِ شيئاً؟]
ميزيلدا: [لا، أنا فقط أوافق على ما قاله سوبارو عن امتلاكه وجهاً جميلاً.]
تاريتا: [أختي…]
أومأت ميزيلدا وعقدت ذراعيها، بينما طأطأت تاريتا رأسها باستياء.
لكن بما أن أحداً تقريباً لم يفهم مقصد سوبارو، انتشرت حالة من الشك بينهم؛ وانطبق الأمر نفسه على فلوب وحتى آبل.
ومع ذلك، لم يكن اهتمام ميزيلدا الثابت بمظهر الآخرين في غير محله؛ فقد كان ضعفها وحسها تجاه الجمال تحديداً هو ما منح سوبارو تلميحاً كبيراً لحل هذا الموقف.
لأن تقدير ميزيلدا الزائد للمظهر الجميل كان هو الإلهام وراء «خطة الحصار دون إراقة دماء».
سوبارو: [التجربة خير برهان. ――فلوب-سان، لن نعرف حتى نجرب، لذا اتبعني.]
فلوب: [أتبعك؟ ليست هناك مشكلة، لكن ما الذي يدور ماذا بحقك…]
ولـ فلوب الذي لا يزال متشككاً، قال له سوبارو بإلحاح: «لا تقلق بشأن ذلك».
ثم تحول نظره ليواجه ميزيلدا:
سوبارو: [تصبغين شعركِ وترسمين نقوشاً على جسدكِ، إذن فأنتِ تستخدمين مستحضرات التجميل، أليس كذلك؟ هل يمكنكِ إعارتي تلك الأدوات لبعض الوقت؟]
△▼△▼△▼△
الجميع: [――――]
بعد العودة إلى مكان الاجتماع بعد فترة، عُقدت ألسنة الجميع عن الكلام عند رؤية «النتيجة».
غير أن سوبارو كان يعلم أن عجزهم عن الكلام لم يكن نابعاً من مشاعر سلبية كالحيرة أو الضجر، بل كان انبهاراً وذهولاً حقيقيين، وربما حتى مشاعر تأثر عميقة.
وكان بإمكانه القول بثقة إن إحداث صنيع يديه لهذا القدر من التأثير كان يقع تماماً ضمن توقعاته.
سوبارو: [يبدو أنه إذا توفرت لي جواهر خام للعمل عليها، فحتى أنا يمكنني تقديم نتائج جيدة لا بأس بها.]
الجميع: [――――]
حاكّاً أنفه، قوبل سوبارو ――الذي أعلن ذلك―― بالجمود نفسه من الحشد الصامت أمامه. وبينما استمر الصمت دون أن يستفيق أحد من حالة ذهوله، انطلقت نبرة قلقة تقول: «الـ-الزوج-كن».
جاء ذلك من الشخص الوحيد الذي كان، بخلاف سوبارو، محصناً ضد الصدمة التي أصابت الحاضرين.
فلوب: [أشعر بشيء غريب، لم أرَ النتيجة النهائية بعد، لكن كيف أبدو؟ هذا الإحساس ليس مريحاً حقاً…]
سوبارو: [على رسلك، لا داعي للقلق يا فلوب-سا… كلا، لا تقلقي بشأن ذلك على الإطلاق، يا فلورا.]
فلوب: [فلورا!؟]
اتسعت عينا فلوب من المفاجأة ――بل فلورا. ومع ذلك، حتى عندما غطت المفاجأة ملامحه، كان لطيفاً وجذاباً رغم ذلك؛ هكذا فكر سوبارو وهو يومئ بثقة بينما يلمس وجهه.
ثم أمسك سوبارو مجدداً بكتفي فلورا النحيلين، وأداره ليواجه الجميع إلى الأمام.
وخلف الستار الحريري لشعره الذهبي الطويل، برزت عينان أصبحت ملامحهما أكثر وضوحاً من المعتاد بعد وضع ظلال العيون. كما عُدلت الرموش بطريقة تبرز طولها، وزينت لمسة من الحمرة وجنتيه لتصنع تبايناً لافتاً مع بشرته الفاتحة بطبيعتها. وأخيراً، لُوّنت الشفتان بالأحمر، وجرى إلباسه ملابس أكملت المظهر بالكامل.
وببنيته الرقيقة، لم يتطلب الأمر سوى أقل قدر من الجهد لجعله يبدو كـ«فتاة».
وهذا يعني――،
سوبارو: [――هذا هو مفتاح حصار دون إراقة دماء، أفضل استراتيجية يمكنني ابتكارها!]
رافعاً قبضته في الهواء، استعرض سوبارو «فلوب-فلورا» أمام الجميع في مكان الاجتماع.
ورغم ضيق الوقت المتاح، استطاع سوبارو استخراج أفضل ما في تلك الجوهرة من حالتها الخام، وهو أمر يفخر به. ومع ذلك، ينبغي ادخار المفاجأة الحقيقية لوقتها؛ فهذا العمل لم يكن سوى وليد تحضير غير كافٍ، وأقل نسخة لطافة يمكن أن تظهر بها فلورا.
وبمجرد جمع كافة الأدوات اللازمة، وطالما حافظ الشخص المعني في ذهنه على التصرفات والأسلوب اللائق الذي يجب اتباعه، فلن يضيف ذلك إلى سحره فحسب، بل سيزيده أضعافاً مضاعفة.
سوبارو: [الجمال يمكن صنعه.]
ريم: [هل تعبث هنا؟]
سوبارو: [إيه!؟]
اخترق صوت بارد وحاد سوبارو الذي كان قد قدم للتو إنجازاً لا مثيل له.
وبإلقاء نظرة خاطفة، لم تكن صاحبة ذلك الصوت سوى ريم بنظراتها المتجمدة. تلك العينان اللتان نظرتا إلى سوبارو بأمل وترقب قبل قليل لم يعد لهما وجود، وحلت محلهما النظرات نفسها التي حملتها ريم منذ أن استيقظت لأول مرة.
وبعد أن كتم أنفاسه بسبب تلك النظرة القاسية، مد سوبارو يده قائلاً: «انتظري لحظة!».
سوبارو: [أنـ-أنا لا أعبث! أنا حقاً لا أعبث هنا على الإطلاق، فلا تنظري إليّ هكذا!]
ريم: [لا تعبث؟ كف عن هذه السخافة. لقد كنتُ حمقاء… لمجرد أنني حاولت وضع أدنى ذرة من الإيمان بك.]
سوبارو: [أنتِ تتسرعين في الحكم! قد يبدو قولي هذا متأخراً بعض الشيء، لكنكِ تشبهين رام تماماً من هذه الناحية!]
ريم: [هاه؟]
ورغم أن هذا أمر لا تتذكره ريم الحالية، إلا أن رام كانت أيضاً سريعة في التسرع بالحكم والقفز إلى الاستنتاجات.
ومع أن قلبه شعر ببعض الدفء لتذكره أنهما شقيقتان في النهاية، إلا أن أولويته الأولى في هذه اللحظة كانت استعادة ثقة ريم المفقودة.
في الحقيقة، لم يكن سوبارو يعبث إطلاقاً؛ بل كان يواجه كل شيء بجدية تامة، ويفكر فيه ملياً.
والهدف من خوض كل هذا العناء لتحويل فلوب إلى امرأة تُدعى فلورا هو――،
آبل: [――الهدف هو زيكر عثمان، هاه.]
قال ذلك أول شخص توصل إلى الإجابة، آبل، وهو يسند ذقنه على يده.
على عكس البقية الذين عجزوا عن إخفاء دهشتهم من تحول فلوب إلى فلورا، استطاع آبل كبح مفاجأته ولزم الصمت، على الأرجح لسبر نية سوبارو الحقيقية.
وهكذا، تمكن من قراءة ما يرمي إليه سوبارو بالكامل.
――سيكون الهدف هو زيكر عثمان.
جنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية، وقائد الجنود الإمبراطوريين المتمركزين في مدينة غوارال الحصينة. رجل كفء يفضل التكتيكات العسكرية الصلبة والآمنة، وفوق ذلك كله――،
سوبارو: [سمعتُ أنه يُلقب بـ«زير النساء». وبدا أن هذا الأمر معروف جيداً بين الجنود الإمبراطوريين.]
آبل: [حقيقة أنه مشهور بذلك، وأنه نال لقباً بسببه، هي معرفة عامة لدى الجميع.]
ريم: [زير نساء… لا يترك لدي انطباعاً جيداً على الإطلاق.]
بعد سماع الحوار بين سوبارو وآبل، بدت علامات الانزعاج على وجه ريم.
ولم يستطع سوبارو إلا أن يوافق ريم في انطباعها عنه؛ فعند سماع أن ضابطاً عسكرياً هو زير نساء، سيتخيل المرء على الأرجح منحرفاً قذراً ذا شخصية مبتذلة. ومع ذلك، كانت تلك ثغرة يمكنهم استغلالها لمصلحتهم.
سوبارو: [في معسكر الجنود الإمبراطوريين، كان هناك حديث حتى عن تقديم امرأة أسيرة للجنرال زيكر. باختصار، طالما أن المرأة غير مؤذية، فهناك فرصة كبيرة للاقتراب منه.]
كان هذا أمراً يفضل ألا يتذكره، لكن في المعسكر، أخبر جمال سوبارو مباشرة بأنه سيفعل شيئاً كهذا عبر تقديم ريم إلى زيكر.
وكانت ريم فتاة جميلة، لذا يمكن القول إن ذوق زيكر في الجمال كان طبيعياً.
سوبارو: [بما أن الأمر كذلك، فبقوة فلورا، ينبغي أن يكون هذا ممكناً.]
فلوب: [الـ-الزوج-كن؟ أنت تناديني بـ«فلورا» بترقب شديد منذ فترة، لكن كيف أبدو الآن؟ أنا لا أعرف ما الذي يحدث وأنا خائف حقاً!]
سوبارو: [لا تقلقي يا فلورا. بالطبع لن أجعلكِ تفعلين هذا بمفردكِ؛ سأقاتل بالطريقة نفسها أيضاً.]
ميزيلدا: [مهما نظرتَ إلى الأمر، فهذا مستحيل وسخيف يا سوبارو!]
هدّأ سوبارو من روع فلورا الحائرة، ووقفت ميزيلدا عند سماع كلماته. غطت عينيها نظرة قوية وصارمة، وأمسكت بكتفي سوبارو بيديها وهي تهز رأسها.
ثم خفضت نبرة صوتها وكأنها تنقل حقيقة يصعب الإفصاح عنها:
ميزيلدا: [عيناك تمتلكان سحراً أيضاً. لكن بالنسبة لما وُلدتَ به بطبيعتك…]
سوبارو: [مهلاً مهلاً، على رسلكِ يا ميزيلدا-سان. ألم تسمعي ما قلته؟]
ميزيلدا: [ماذا كان؟]
سوبارو: [――الجمال يمكن صنعه.]
أكد سوبارو ذلك بنبرة مطمئنة، واضعاً يده فوق يد ميزيلدا التي على كتفه.
وبسماع هذا، اتسعت عينا ميزيلدا وشهقت متفاجئة. ثم وجهت نظرها نحو فلورا، وضيقت عينيها وكأن مساحيق التجميل على ذلك الوجه تشع ضياءً باهراً.
ميزيلدا: [لقد غلبتني… فلنَرَ إذن ما يمكنك فعله وما تملكه من إمكانيات.]
سوبارو: [أجل، شاهدي فقط.]
كونا: [عن ماذا تتحدثان؟ أنا لا أفهم شيئاً إطلاااقاً.]
أوكلت ميزيلدا الأمر إلى سوبارو، فوافق على ذلك. وتابعت كونا تبادل الحديث بين الاثنين بنفاد صبر، لكنها لم تعلق بشيء.
على أية حال، كانت المشكلة الآن هي――،
آبل: [أما بالنسبة لاستغلال ميول زيكر عثمان، فما هي نيتك؟ فحتى هو لا يزال ذئباً؛ ولن يكون كلباً يعض على طعم بمجرد التلويح بشيء جميل أمامه.]
سوبارو: [حسناً، التلويح بشيء بلا هدف أمر لا يستحق النقاش؛ لذا نحتاج إلى ابتكار طريقة لجعله يبتلع الطعم. على سبيل المثال، إغراؤه لحضور حفلة.]
آبل: [مأدبة؟ لن يكون استدراجه سهلاً. فمن الطبيعي ألا يجد سبباً للخروج من خلف الأسوار حتى تصل التعزيزات من العاصمة الإمبراطورية، ولن تغريه دعوة مشبوهة.]
سوبارو: [بالتأكيد. ما زلتُ أفرز الخيارات وأقلصها، ولكن…]
ريم: [انـ-انتظرا، أرجوكما!]
هكذا، وبينما كان سوبارو وآبل يتبادلان الجدال، رفعت ريم صوتها.
ونظرت ذهاباً وإياباً بين الاثنين، وعلامات الدهشة تعلو وجهها،
ريم: [هل تتحدثان بجدية؟ لا أصدق أنكما ستمضيان في هذا الأمر، جاعلين المزاح مع فلوب-سان والسخرية منه محوراً للخطة.]
فلوب: [ماذا، هل يمازحونني؟ بصدق، كيف أبدو الآن؟ الزوجة-سان تقول إنني أبدو كمن تعرض لمزحة… ابنة الأخت-تشان، ما الذي يحدث؟]
لويس: [آاوو؟ أوو! أوو!]
بجانب ريم المتوترة، بحثت فلورا ――التي لم ترَ انعكاس صورتها ولو لمرة واحدة بعد―― عن الأمان لدى لويس. لكن لويس، التي لم ترَ فلورا من قبل، أصابها الذعر واختبأت خلف ريم.
بعبارة أخرى، بدا الأمر في عيني لويس وكأن فلورا وفلوب شخصان مختلفان تماماً.
آبل: [بصرف النظر عما إذا كان رد فعل تلك الطفلة يصلح كاختبار حقيقي، فأنا لا أعتبر هذا مجرد مزحة. أخيراً، طرحتَ فكرة تستحق النقاش.]
سوبارو: [إذن أنت تعترف بذلك أيضاً؛ بجمال فلورا.]
آبل: [――. اعترفتُ بأن فكرتك لم تخطر ببالي، فلا تخلط الأمور الآن.]
لوى سوبارو شفتيه تعبيراً عن عدم رضاه على رد آبل العنيد.
لكن آبل لم يكترث له، ووضع يده على فمه لفترة قصيرة مفكراً بعناية. ثم وجه نظرة حادة نحو سوبارو:
آبل: [ناتسوكي سوبارو، لديّ سؤال واحد… مستحضرات التجميل هذه، ألا يمكن أن يستفيد منها سوى هذا التاجر فقط؟]
وجاء السؤال.
سوبارو: [――――]
للحظة، تركه استفسار آبل في حالة ذهول.
لكن سوبارو قلب مقصد السؤال في عقله، وهز رأسه نافياً:
سوبارو: [أخبرتكَ بالفعل؛ قلتُ إنني سأكون معك في القارب نفسه إذا نفذنا هذه العملية!]
آبل: [هراء. ومن سيضع ثقته فيك؟ انظر إلى نفسك في المرآة أولاً ثم تحدث.]
سوبارو: [انتبه لكلامك!]
عاقداً حاجبيه، أطلق آبل ازدراءه من أعماق قلبه. ومتجاهلاً جرح مشاعر سوبارو بسبب هذه الملاحظة، وضع يده على صدره:
آبل: [تولي هذا الأمر بمفرده يفوق قدرات مجرد تاجر. ――لذلك، سأفعل الشيء نفسه.]
ميزيلدا: [آ-آبل أيضاً!؟]
وبسماع هذا الاقتراح الجريء بحق نفسه، ضجت الأجواء حول ميزيلدا في مكان الاجتماع.
وبالطبع، تفاجأ سوبارو أيضاً باقتراح آبل؛ ففي الحقيقة، لم يحلم قط بأن يقترح آبل ذلك من تلقاء نفسه.
سوبارو: […بصراحة، اعتقدتُ أن المشكلة الأساسية ستكون في كيفية إقناعك بالأمر.]
آبل: [في الأوقات العادية، سيكون هذا تصرفاً أحمق لا يستحق حتى التفكير فيه. لكن في وضعنا الحالي، لا نملك سوى أوراق قليلة للعب بها، وخططنا المحتملة محدودة أيضاً. وإذا كان الأمر فعالاً حقاً، فهو خيار ضروري يجب أن ننزل إليه.]
سوبارو: [تشه، طريقتك في التعبير مقرفة للغاية. لهذا السبب أكره هؤلاء الأوغاد أصحاب الهيبة والـ…]
بصرف النظر عن طرده من العرش، لم تكن هناك ذرة شك في حقيقة أنه هو الإمبراطور.
تلك كانت قناعة آبل، ومبدأً لا يتنازل عنه. وبرؤية لمحة واضحة من ذلك، لم يملك سوبارو خياراً سوى الإعجاب به بصدق.
فلو كان نموذجاً لشخص غير كفء يمتلك السلطة، لارتكب خطأ فادحاً بسبب انشغاله الزائد بسلامته الشخصية.
ومع ذلك، فمنذ أن قابل آبل سوبارو في الغابة لأول مرة، واصل الفوز برهانات ضخمة مستخدماً نفسه كورقة مساومة، بما في ذلك طقس دم الحياة.
وهذه المرة لن تكون استثناءً أيضاً، وعلى الأرجح لم تكن لديه أي نية للتراجع.
آبل: [الخطة الذكية تبدأ في تحقيق النتائج فقط عندما تُنفذ خارج توقعات العدو. وباستغلال ميول الجنرال، فإنها تختبئ في غفلته المحتومة. هناك فائدة من مناقشة هذه الخطة.]
سوبارو: [أجل، هذا مذكور أيضاً في كتاب يُدعى «الكوجيكي»؛ يقول إن التنكر بزي النساء هو الخيار الأفضل عند استهداف عنق قائد العدو.] [1]
ريم: [لا يعقل أنك تصدق محتوى كتاب مريب كهذا بكل بساطة…]
كانت تلك إشارة إلى كتاب قديم ذي أصل عريق ومحترم، لكن حتى لو شرح لـ ريم الآن مدى مصداقية «الكوجيكي»، فلن يحصل على رد من ريم الحالية؛ ففي الوقت الراهن، لم يستطع التفكير في طريقة لاستعادة ثقة ريم به بسرعة.
كان يخشى أن يُرفض طلبه دون أن تُتاح له فرصة لتفسير نفسه، لذا شعر بالامتنان والمفاجأة لقبول آبل باقتراحه.
سوبارو: [عندما قلتَ «السم»، اعتقدتُ حقاً أنك من النوع الذي يعدم أي شخص يعارضه، ولكن…]
آبل: [إذا تطلب الأمر، فأنا مستعد لفعل ذلك. ومع ذلك، فالمشاعر ليست ضرورية لاتخاذ القرارات المستقبلية؛ فعلى أية حال، ما يجب أن أحصل عليه لا يقتصر على مدينة غوارال فحسب.]
سوبارو: [――――]
آبل: [إذا تمكنا من الإيقاع بالجنرال زيكر عثمان، فيمكننا ابتكار وسيلة للحصول على ما أريد دون إراقة دماء. وإذا أمكن تقليل المخاوف من تمرد داخلي، فسيكون ذلك مدعاة للاحتفال.]
سوبارو: […صحيح. هناك بالتأكيد قيمة لكلمات شخص فقد مكانته بسبب تمرد داخلي.]
كانت سخرية مكبوتة قالها في فورة اللحظة، لكن تعابير وجه آبل لم تتغير قيد أنملة.
هل كان هذا المستوى من السخرية وقلة الاحترام لا يستحق الغضب؟ ――أو ربما، كما صرح آبل بنفسه، لم يكن عنيداً لدرجة عدم الاعتراف بعيوبه.
على أية حال――،
سوبارو: [إذا كنتَ متعاوناً، فهذا أكثر مما كنتُ أتمناه. اسمك… آبل، فولاكيا… هل يناسبك «بيانكا»؟]
آبل: [لستُ مهتماً باسمي المستعار، نادِني كما تشاء. والأهم من ذلك، بالكاد تكفي القوة البشرية بوجودي أنا وأنت والتاجر فقط. دعني أرى…]
عاقداً ذراعيه، تفقد آبل الوجوه في مكان الاجتماع.
ثم أغمض إحدى عينيه مع «همم»:
آبل: [من يمكننا الاستعانة بهما هما كونا وتاريتا، هذا كل شيء تقريباً.]
سوبارو: [ماذا؟]
آبل: [هذا هو الإعداد الضروري. فحتى لو نجحنا في استدراج زيكر عثمان، فسنحتاج إلى القوة البشرية اللازمة لإخضاعه. ومع ذلك، يجب تجنب أي شخص يمكن معرفة أنه من شعب شودراك فور رؤيته.]
قال آبل ذلك مشيراً بذقنه. وبسماع هذا، فهم سوبارو طريقة تفكير آبل أيضاً.
وبوضعهما فجأة تحت الأضواء، ارتبكت تاريتا وكونا. ورغم كونهما من شعب شودراك، إلا أنهما ――مقارنة بالبقية―― من النوع الذي لا يبعث على طابع بري جامح.
فميزيلدا، من النظرة الأولى، تبدو كمحاربة نارية وشرسة. وبالمثل، تترك هولي انطباعاً فريداً لدى الناس من الوهلة الأولى. لذا لم تكونا مناسبتين لهذا الموقف الذي يتطلب إخفاء هويتهما من شودراك.
في النهاية، ما كان مطلوباً لعدم إثارة الشكوك في ذهن العدو هو سحر أنثوي――،
سوبارو: [أعتقد أن هذا أقصى ما يمكن لملابسي ومساحيقي فعله. فلا يمكنني منحهما سحراً أنثوياً بهذه المستحضرات على أية حال.]
ريم: [――وأنا أيضاً.]
سوبارو: [ريم؟]
حينها، كانت ريم هي التي رفعت يدها بسرعة.
كانت هذه هي ريم التي لم تخفِ عدم تصديقها لسوبارو بعد مسألة فلورا. ومع ذلك، وكأنها أعادت التفكير في الأمر بعد رؤيتهم يواصلون نقاشاً جاداً حول هذه الخطة، كانت تعابير وجهها جادة بالمثل.
ومع لمعان العزم والإصرار في عينيها الزرقاوين الفاتحتين:
ريم: [أرجوك، دعني أشارك في هذا. سأكون مفيدة بالتأكيد.]
سوبارو: [ريم… أنا آسف، لكن هذا غير ممكن.]
ريم: [――هـك! مرة أخرى، تحاول إبعادي عن الخطر دون أي داعٍ…]
ومع اقتراب تحطيم عزيمتها، صوّبت عينا ريم نظرات حادة كالنصال نحو سوبارو.
ومما لا شك فيه، كان سوبارو يحمل رغبة مفرطة في حمايتها، وهو ما قد يثير غضب ريم على الأرجح. ولم تكن رغبته في إبعادها عن الخطر وتركها تقضي وقتها بسلام داخل مهد آمن كذباً.
ومع ذلك، لم يكن هذا هو السبب الوحيد لمنع مشاركتها في هذه المعركة.
سوبارو: [صحيح أنني قلق على سلامتكِ، لكن سبب رفضي لمشاركتكِ هو ببساطة أن نسبة نجاح الخطة ستنخفض… يا ريم، لقد رآكِ الجنود الإمبراطوريون بالفعل.]
ريم: [――آه.]
سوبارو: [حدث ذلك عندما أُمسك بكِ في المعسكر، وأيضاً عندما كنا نهرب من المدينة. ولا يمكننا الاستعانة بمساعدة ميديوم للسبب نفسه؛ فلقد أحدثنا ضجة أكبر من اللازم.]
بعد إثارة مثل هذه الفوضى، لن ينسى حراس نقطة التفتيش وجهي ريم وميديوم بالتأكيد؛ وينطبق الأمر نفسه على لويس أيضاً بطبيعة الحال.
كانت العملية هذه المرة معركة حول ما إذا كان بإمكانهم التفوق على تفكير العدو والتسلل دون لفت انتباهه. وما لم يرغبوا في تعريض هذا المبدأ الأساسي للخطر، فليس هناك أي سبيل لاصطحاب ريم معهم.
ريم: [ولكن… ولكن، إذا كان الشرط هو ما إذا كانت وجوهنا قد شوهدت أم لا، فالأمر ينطبق عليك أنت أيضاً!]
سوبارو: [أجل، ولا في الوقت نفسه. لأن من سيعبر البوابة الرئيسية لغوارال لن يكون أنا، بل ستكون ناتسومي شوارتز.]
ريم: [هاه؟]
وكأنها ظنت أنها تتعرض للخداع مجدداً، اشتعل الغضب في عيني ريم الحازمتين. ومع ذلك، ففي هذه الحالة، لم يكن من الممكن تفسير أي شيء بالكلمات.
فتماماً كما تحول فلوب إلى فلورا، كان على ناتسوكي سوبارو ببساطة أن يتنكر في هيئة ناتسومي شوارتز. ――كان عليه إثبات الأمر بالأفعال لا بمجرد الأقوال.
سوبارو: [على أية حال، سبب عدم قدرتي على أخذكِ معي هو تماماً كما شرحتُ. لكن تاريتا وكونا، أنتما أيضاً، ستكون هذه عملية خطيرة لذا عليّ إقناعكما أولاً قبل أن…]
ميزيلدا: [لا، هذا أمر مثير للاهتمام. أنا أوافق، خذهما كلتيهما معك.]
وفي اللحظة التي كان سوبارو يحاول فيها التأكد من أفكار ونوايا المرأتين من شودراك، قاطعته ميزيلدا بتلك الكلمات.
ملتفتاً برأسه في مفاجأة، رأى سوبارو عيني ميزيلدا اللامعتين تركزان عليه بفضول متقد. كانت تحدق بحدة صياد؛ وبدا الأمر وكأنها تقشر جلده محاولة استراق النظر إلى ما تحته.
وللحظة قصيرة، شعر سوبارو بخوف شديد يجتاحه.
سوبارو: [ميزيلدا-سان؟]
ميزيلدا: [سوبارو، لقد أثبتَّ أنت وآبل شجاعتكما بالفعل. وشودراك تحترم من حظي بنعمة الشجاعة. لكن هذا لا يعني أننا نتخلى عن الدهاء وننبذه كقيمة بلا فائدة؛ فالقوة والحكمة، من يتفوق في كليهما يصبح محارباً أسمى… اذهبا وأثبتا نفسيكما.]
احمرت وجنتاها من الفرح، وكأن العملية التي تستهدف نقطة ضعف العدو كانت محببة لديها أيضاً.
وبناءً على افتراضاته، اعتقد سوبارو دون شك أن ميزيلدا وبقية شعب شودراك سيكرهون هذا النوع من الحيل. ولهذا السبب خطط لسؤال تاريتا وكونا عما إذا كانتا ترغبان في المشاركة في هذه العملية أم لا.
ومع ذلك، وبعد أن أعطت ميزيلدا إجابتها، أومأت تاريتا وكونا برأسيهما وكأنه أكثر الأمور طبيعية في العالم.
كونا: [إذا كانت الزعيمة تقول ذلك، فليس لدي ما أقولـههه حقاً.]
تاريتا: [سأتبع توجيهات أختي… وأنا مهتمة أيضاً بهذا، مساحيق التجميل.]
شابكةً يديها خلف رأسها، وافقت كونا بموقف يوضح أنها لا تبالي في كلتا الحالتين. وحملت تاريتا الرأي نفسه لكنها كانت ترمق فلورا بنظرات خاطفة بين الحين والآخر.
بدا وكأنها أصبحت مهتمة ببراعة سوبارو في التجميل. وظن سوبارو أن المشهد يفتقر نوعاً ما إلى التوتر المتوقع من الاستعداد لعملية تحدد الحياة أو الموت، ولكن――،
آبل: [إذا لم تكن هناك اعتراضات، فلنستعد بسرعة. يجب أن نحسم هذه المعركة قبل أن يتلقى الجبناء في المدينة الحصينة تشجيعاً ودعماً من العاصمة الإمبراطورية.]
سوبارو: […حسناً، فهمت. إذا كان الجميع موافقاً على هذا أيضاً. ريم، هل يناسبكِ هذا؟]
ريم: [――. لن تستمع مهما قلتُ، أليس كذلك؟]
مثقلة بالحرج مما قالته سابقاً، حدقت ريم في سوبارو بحدة. كان آسفاً لرفض عزيمتها، لكن بعد التفكير في سلامتها ونجاح العملية، لم يكن هناك أي مجال لانضمامها إليهم.
ولهذا السبب نظر سوبارو إلى الأسفل، واستسلم لتحمل غضب ريم.
ومع ذلك――،
ريم: [لكن الشخص الذي طلب منك فعل شيء حيال هذا الأمر، الشخص الذي التمس ذلك، كان أنا.]
سوبارو: [ريم؟]
ريم: [وأن أثير جلبة واعتراضاً الآن، فمستحيل أن أفعل ذلك… أرجوك، حقق النجاح.]
لم تكن خيبة أملها قد تلاشت، ولم يكن الأمر وكأنها قد سامحت سوبارو أيضاً؛ غير أنها ستنزل عند القرار المتخذ وتحترمه، هذا ما نقلته إليه نظراتها التي أشاحت بها عنه.
وبمجرد ذلك، انقشعت الغيوم المظلمة التي كانت تخيم على صدر سوبارو.
سوبارو: [ريم وحدها القادرة على فعل هذا، لكن حقاً كم يبعث هذا على الاطمئنان… مهلاً، لا يصح التفكير هكذا، أليس كذلك؟]
فبمجرد إظهار موافقتها الطفيفة للغاية، غمرت سوبارو بهجة جعلته يشعر وكأنه يستطيع التحليق عالياً في السماء.
ولكن كذلك حين تبتسم إميليا، كان يشعر بأنه قادر على الصعود إلى عنان السماء بمجرد تلك الابتسامة، وعندما تشرح بياتريس شيئاً بوجهها الفخور الواثق، كان صدره يمتلئ بالدفء والراحة التامة.
ومع نبرة «هاه»، لاحظ سوبارو للتو فقط أنه شخص يسهل إرضاؤه والتعامل معه أكثر مما ظن.
آبل: [ما الخطب؟ أبدأ الخوف يتسرب إليك الآن فقط؟]
سوبارو: [ليس الآن، ليس هذا صحيحاً تماماً… كل ما في الأمر أن الحماس بدأ يشتعل في داخلي.]
آبل: [هووه؟ أثبت ذلك إذن ببذل أقصى ما لديك من جهد.]
مستلهماً الشجاعة من كلمات ريم، أجاب سوبارو بينما نفخ آبل أنفه استخفافاً.
وغني عن القول إن هذا ما كان ينوي فعله تحديداً. ――فبمجرد نجاح هذا «الحصار دون إراقة دماء»، قد يُفتح الطريق للعودة إلى مملكة لوغونيكا.
وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فلن يسمح سوبارو بوقوع أي مأساة في حدود مرماه وبصره؛ لن يدع ذلك يحدث أبداً.
؟؟؟: [――مهلاً يا أخييي! ليس من اللطيف بحق «بوتيه-تشن» ألا ندعها ترتاح، لذا أريد وضعها في مكان مااا.]
عندها، وفي مكان الاجتماع حيث كان الحماس يتصاعد، أطلت ميديوم بوجهها دون تردد.
وحتى مقارنة بنساء شودراك ذوات البنية العضلية، كانت ميديوم أطول برأس كامل، ولذلك كان طولها ملفتاً للنظر بشدة. وتلك الشخصية الملفتة نظرت في أرجاء مكان الاجتماع بعينيها المستديرتين و:
ميديوم: [إيه، أين أخي؟]
فلوب: [أوووه، يا أختي العزيزة! أن تفقدي أثر أخيكِ فهذه قسوة بالغة منكِ. أنا موجود، هنا بالذات!]
ميديوم: [――؟]
ونحو ميديوم التي أمالت رأسها حيرة، وقفت فلورا لتلفت انتباهها لوجودها. وأمام كلمات فلورا، عقدت ميديوم حاجبيها واستغرقت في تفكير عميق.
وبعد أن التزمت الصمت لفترة، صرخت فجأة وكأنها توصلت إلى حقيقة مذهلة:
ميديوم: [أخي، طوال هذا الوقت كنتَ في الحقيقة أختي الكبرى!]
فلوب: [الزوج-كن!؟ ما الذي يحدث هنا!؟ هذا مخيف حقاً!]
إذا كانت حتى عينا أخته الشقيقة قد خُدعتا، فسيكون هذا بالتأكيد أساساً متيناً تنطلق منه هذه العملية.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
تعليق المؤلف:
فيما يتعلق بهوس سوبارو بارتداء ملابس النساء (وهذا وصف مضلل بعض الشيء)، فقد حدث هذا من قبل في المجلدات القصيرة للرواية الخفيفة (LN Tappenshuu 3 و 6).
لم يكن هناك توقيت مناسب حقاً لإدراجه في رواية الويب، لذا لم يوضع هنا سابقاً؛ لكن بالنسبة لي كمؤلف، كان هذا جزءاً من الخطة منذ البداية دائماً. لقد استغرق تقديم هذا الأمر 8 سنوات منذ بدء الكتابة. ههههه، يا له من هوس جميل.
الهوامش والملاحظات:
[1] الكوجيكي (Kojiki): أحد أقدم الأعمال الأدبية الباقية التي تدون تاريخ وأساطير اليابان القديمة. وما يشير إليه سوبارو بخصوص التنكر بزي النساء هو على الأرجح القصة الأسطورية للأمير «أوسو-نو-ميكوتو» (الذي عُرف لاحقاً باسم ياماتو تاكيرو)، حين تنكر في زي خادمة حسناء لحضور مأدبة أقامها الأعداء، وتمكن من اغتيال قائدهم «كاواكامي تاكيرو» بعد أن خفض حراسته مفتوناً بجماله.