الفصل 374 - كمجرد فانٍ
الفصل الثالث عشر:
«كمجرد فانٍ»

――يترنح، يتداعى، يتأرجح.
كان وعيه يمور ويضطرب ببطء.
كسفينة تمخر عباب محيط شاسع، تتمايل ذات اليمين وذات الشمال.
تأرجح وعيه بثقل، وخُيل إليه أنه سيصاب بالدوار، رغم أن عينيه كانتا مغلقتين.
لم يكن كافياً؛ لم يكن يمتلك ما يكفي من كل شيء.
دماء، ولحم، وعظام، وسكينة، وغضب، وسعادة. من بين تلك الأشياء المختلفة التي تشكل كينونة الإنسان، لم يكن هناك ما يكفي منها.
كان ينقصه الكثير منها، كأن كل شيء قد انسكب في مكان ما، متساقطاً كالقطرات.
يجب أن أجمعها، هكذا فكر.
يجب أن ألتقطها من جديد، وأرتبها مجدداً، ثم يجب أن أقف على قدمي مرة أخرى.
هناك مكان يجب أن أذهب إليه؛ ولديه رغبة تتوق للذهاب إلى هناك.
هناك سبب يوجب عليه العيش؛ ولديه أمنية تصرخ: «أريد أن أعيش».
لهذا السبب، لهذا السبب، لهذا السبب…
حتى لو لم يكن هناك ما يكفي من كل شيء بداخله، وحتى لو ظل مليئاً بالعيوب والنقصان، كان عليه أن يواصل المضي قدماً.
ولهذا السبب، فإن ناتسوكي سوبارو سـ――،
▼△▼△▼△
سوبارو: [――أوبيهـ،]
وفور استيقاظه، لوى ناتسوكي سوبارو شفته امتعاضاً من ذلك الملمس اللزج على وجهه.
شعر وكأن المنطقة الممتدة من وجهه إلى صدره غارقة في البلل. ذلك الإحساس الفاتر الذي يشبه العرق الذي يشعر به في صبيحة يوم داهمه فيه كابوس.
ومع شرود ذهنه وثقل رأسه، راودته فكرة بأنه ربما يعاني من الحمى.
سوبارو: […هذا السقف غير مألوف.]
تمتم سوبارو بما رآه في مجال رؤيته، وهو سقف خشبي رث، بنية جعل الأمر يبدو كعبارة مبتذلة.
كان في كوخ شُيد بجمع الألواح الخشبية معاً بطريقة بدائية، وبعيداً كل البعد عن الالتزام بأي طراز معماري. احتار سوبارو فيما يجب أن يفكر فيه لبرهة، وهو يحدق في تلك التحفة التي عوّضت نقص الخبرة بالقوة العضلية المجردة.
ما الذي جعله يتواجد في هذا الكوخ؟ ولتذكر ذلك، استعاد سوبارو ذكرياته بوتيرة تدريجية.
سوبارو: [إذا كنت أتذكر بشكل صحيح، فبعد أن غادرت المتجر ورمشت، وجدت نفسي في عالم آخر، وقابلت إميليا-تان هناك، و―― القصة طويلة بعض الشيء، فلنتجاهل بقية التفاصيل.]
كان ذلك مونولوجاً لن يدع أي شخص آخر يسمعه، ولكن مع استمراره في إلقاء الدعابات، استعاد عقله سرعته المعهودة في معالجة الأفكار.
نعم، فبعد أن استُدعي الفتى ناتسوكي سوبارو إلى عالم آخر، التقى بفتاة ذات شعر فضي فائقة الجمال، وخاض بعدها مغامرات عظيمة مختلفة، حتى أخضع برج الرمال أخيراً، وأُرسل بعيداً إلى دولة مجاورة.
سوبارو: [ليس لدي أي فكرة عما أتحدث عنه…]
على أي حال، كان الوضع الحقيقي الحالي هو كيفية استمرار هذه المواقف الغريبة، لدرجة جعلته يود لو يندب ورطته الراهنة.
وبعد ذلك، ورغم بحثه في ثنايا ذكرياته، لم يتذكر أنه رأى هذا السقف الرث، كما كان متوقعاً.
سوبارو: [مكان ما مثل الذي كان في الملاذ هو احتمال ضئيل، لكن المبنى الذي حُبست فيه على يد غارفيل كان لائقاً.]
في هذه الأيام، كان غارفيل اللطيف يعجب به ويناديه بـ«القائد»، لكن ذكرى سجنه على يديه، مقيد اليدين والقدمين، ظلت تقبع داخل سوبارو، على الرغم من أنها ذكرى من عالم اندثر.
لم يكن الأمر وكأن سوبارو يحمل ضغينة ضده، لكن الوقوع في السجن تجربة ذات قيمة، لذا لم يستطع نسيانها تماماً حتى لو حاول.
ومع ذلك، فإن ذكرياته عن ذلك السقف لم تتطابق مع تلك البيئة الفقيرة آنذاك.
ففي النهاية، كان يعيش في عالم آخر، في مكان كان فيه مستوى الحضارة مرتفعاً نوعاً ما. وهناك، أدرك سوبارو، وهو رجل من العصر الحديث، إحدى مناسبات حظه النادرة في تلك اللحظة بالذات.
وبينما كان ممتلئاً بمشاعر عميقة، مفكراً في كم كان يود لو أدرك ذلك في بيئة أفضل――،
سوبارو: [――هكـ،]
وبينما كان يرتب محتويات رأسه المشوشة بتلك الطريقة، فكرة تلو الأخرى، اخترقته صحوة مباغتة دون سابق إنذار، كأنها قصف رعد.
نعم، فهذه ليست مملكة لوغونيكا، بل إمبراطورية فولاكيا.
وفي هذه البلاد المجاورة التي قُذف إليها بشكل غير متوقع، لم يكن هناك من يعتمد عليه ويضع فيه ثقته――،
سوبارو: [ريم…!]
تلك الفتاة التي تعين عليه حمايتها مهما كلفه الثمن كانت قد وصلت إلى هذه البلاد برفقته.
وفوق ذلك، انفصل سوبارو عنها، وظلت مع أولئك الرجال الخطرين――،
سوبارو: [أأنا أحمق؟ لا، بل أنا أحمق تماماً…! ليس هذا وقت الـ…]
؟؟؟: [――علامَ تشغل نفسك وتثير كل هذه الجلبة؟]
سوبارو: [――آهـ،]
وما إن استوى سوبارو جالساً في التو، على وشك الخروج للبحث عن ريم بعزيمة حازمة، حتى انحبست أنفاسه في حلقه إثر سماعه صوتاً جافاً صُوّب نحوه من جانبه.
لم ينتبه سوبارو للأمر إلا حين انتصب جالساً؛ إذ بدا أنه وُضع في سرير رث بقدر رثاثة السقف. والتقت عيناه بزوج من العيون الزرقاء بجواره، ترمقانه بنظرات تنضح بالازدراء.
كانت تلك العينان تعودان لفتاة ذات شعر أزرق قصير نوعاً ما، ترنوه بنظرات ضيقت فيها عينيها الجميلتين بصرامة.
سوبارو: [ريـ… م…؟]
ريم: [――. لست مطمئنة للرد بـ«نعم» على ذلك؛ فأنا لم أقر بعد بأنني ذلك الشخص الذي تدعوه ريم، في نهاية المطاف.]
اتسعت عينا سوبارو وريم تخاطبه بجفاء، كأنها تحاول أن تبدو باردة المشاعر بأقصى ما تستطيع.
ومع ذلك، كانت أمامه مباشرة، وكانت تتكلم، وكان بإمكانه أيضاً الشعور بدفء جسدها وشم ذلك الأريج اللطيف الذي يفوح منها، كدليل على أن هذا ليس حلماً ولا وهماً. نعم، حتى دفء يدها كان دليلاً على ذلك.
سوبارو: [هاه؟ يد؟]
ريم: [――――]
وفجأة، شُدِه سوبارو حين أدرك أن يده اليمنى كانت تمسك بيد تلك الفتاة ――يد ريم، تحت الغطاء الرث الذي يغطي جسده.
بيد أنه لم يذكر ما حدث بالتحديد.
سوبارو: [مهلاً، هل كنتِ تمسكين بيدي حتى استيقظت؟]
ريم: [هاه؟ لا تقل شيئاً مقززاً كهذا؛ يمكنك معرفة ذلك بمجرد النظر. أنت من قبض على يدي ورفض إفلاتها.]
سوبارو: [آ-أوه، فهمت. أظن أن الأمر كذلك. نعم، أنا من كان يمسك بيدكِ إذن…]
لقد عكّر مزاج ريم السيئ أصلاً، لعجزه عن التمييز بين التوقعات والواقع.
ويبدو أنه ظل ممسكاً بيد ريم طوال فترة فقدانه للوعي. ――ومع ذلك، فإن عدم نفضها ليده كان أمراً يشغل بسامي.
ريم: [ما تلك النظرة في عينيك؟]
سوبارو: [لـ-لا، لا، ليس هناك شيء. نعم، لا شيء.]
ريم: [فهمت. أفلتني إذن؛ فيدك لزجة بالعرق.]
سوبارو: [ضرر هائل يلحق بفتى في سن المراهقة…!]
حين يقال ذلك من فتاة لطيفة، فإنها تكون ضربة تلحق جرحاً لا يندمل، بحسب متلقيها.
ولحسن حظ سوبارو، لم يكد ينجو من الهلاك إلا لأنه مصنوع من طينة قوية، ولكن حين أفلت يد ريم بتردد، رفعت يدها إلى صدرها ومسحتها في ملابسها، مما وجه إليه هجوماً تالياً.
على أية حال، وبمعزل عما يجول في خاطر سوبارو――،
سوبارو: [ريم، هل أنتِ مصابة في أي مكان؟ إن كنتِ مصابة في أي موضع، فلا تخفي ذلك وأخبريني.]
ريم: [هاه؟]
سوبارو: [إيه، ما بال ذلك الوجه…؟ هل قلتُ شيئاً غريباً…؟]
وبعيداً عن تفاعلهما الأول، أراد سوبارو التأكد من سلامة ريم. ورغم أن سؤاله كان نابعاً من القلق عليها، إلا أن رد فعل ريم كان بارداً للغاية.
استبد الذعر بسوبارو تلقائياً، متسائلاً إن كان قد قال شيئاً لا ينبغي قوله، لكنه لم يملك أدنى فكرة عما قد يكون.
فكل ما قاله كان مجرد تعبير عن قلقه على ريم، دون أي شيء غير معتاد.
ريم: […أنت من تعرض لإصابات بالغة. ألا تدرك ذلك، مع أنك كنت تقف على أعتاب الموت؟]
سوبارو: [أدرك…؟ أمم، ذلك…]
ريم: [فهمت، يبدو أنك لا تدرك ذلك. ――لا يمكن الوثوق بك، تماماً كما ظننت.]
ابتلع سوبارو ريقه حين التقت عيناه بعينيها، بينما كانت لا تنفك عن إلقاء كلمات الصدّ والرفض في وجهه.
لقد فقدت ذكرياتها، وأسهمت رائحة الميازما الكريهة التي تُطوّق سوبارو في ترسيخ انطباع سيئ عنه، فظل موقف ريم تجاهه متسماً بالجفاء والبرود على الدوام.
وفوق ذلك كله، عجز هذه المرة عن إيجاد فرصة لرأب الصدع بينهما.
كان سوبارو مستميتاً بحق، باذلاً قصارى جهده لإنقاذ ريم من معسكر الإمبراطورية――،
سوبارو: [――آهـ،]
اكتملت قطعة أخرى من ذكرياته الناقصة، وشعر بوهم جعل دماغه ينتفض داخل رأسه.
كان الذهول الذي يعتريه في هذه اللحظة استثنائياً لدرجة أنه نافس دهشة وجود ريم نفسها.
لقد خاطر سوبارو بكل شيء لإنقاذ ريم، عقب وقوعه أسيراً في معسكر الإمبراطورية.
وفي نهاية المطاف، صادف تلك القبيلة القاطنة في الغابة ――شعب شودراك، وخاض طقسهم رفقة أسير الحرب الذي وُضع في القفص ذاته معه.
ومن ثم――،
سوبارو: […يدي اليمنى موجودة… وليست سوداء.]
تمتم سوبارو وهو يرفع ذراعه اليمنى، ناظراً إلى الكم الممزق والذراع التي تطل من خلاله.
ذلك النمط المظلم والمريب الذي ظهر على ذراعه اليمنى؛ الأثر المتبقي من مواجهته لمطارنة الخطايا في مدينة البوابات المائية بريستيلا، قد اختفى دون أن يترك أثراً، رغم أنه استعصى على الزوال حتى الآن.
――ذلك النمط الأسود هو من داوى جراح ذراعه اليمنى الممزقة.
كان حدثاً يتذكره كذكرى مروعة، لكنه لم يبدُ حلماً ولا كابوساً؛ بل لا، لقد كان كابوساً، غير أنه واقع حدث بالفعل.
ذراعه اليمنى المصابة قد شُفيت، وريم تجلس بجوار سريره.
وهذا يعني أن سوبارو قد أتم طقس دم الحياة دون أن يموت، ونجح فوق ذلك في استعادة ريم. ――مخلفاً وراءه أعداداً كبيرة من الضحايا في المقابل.
سوبارو: [――――]
ريم: […وجهك شاحب. أعتقد… أنه يجدر بك البقاء في الفراش.]
قالت ذلك وهي تنظر إلى سوبارو، الذي غرق في الصمت وهو يحدق في ذراعه النقية على نحو غير طبيعي.
إن إظهار قلقها على شخص يبدو مريضاً، حتى وإن لم تكن تكنّ له انطباعاً حسناً، نابع على الأرجح من لطفها الفطري؛ أو ربما لأن تعابير سوبارو بدت كتعابير رجل ميت.
وجزء منه كان يتوق إلى الاستناد على ذلك اللطف.
لكنه لم يستطع فعل ذلك؛ فهناك أشياء كثيرة للغاية كان عليه التأكد منها.
سوبارو: [شكراً لقلقكِ عليّ. ولكن، لدي الكثير من الأمور التي أحتاج لسؤالكِ عنها… مجرد سؤال، هذا البيت يخص شخصاً من شعب شودراك، أليس كذلك؟]
ريم: [يبدو أنهم كانوا يدعون أنفسهم بذلك.]
سوبارو: [فهمت… إن كان الأمر كذلك، فأنا أريد رؤية ميزيلدا-سان والآخرين. وأيضاً،]
كان موضوعاً لا يريد سؤالها عنه، لكنه لم يكن يستطيع تفويت التأكد منه.
فريم، التي كانت محتجزة في معسكر الإمبراطورية، ها هي ذي هنا. وإذا كان الأمر كذلك، فقد كان قلقاً وفضولياً أيضاً بشأن ذلك الشخص ――لويس، التي كانت محتجزة هناك بالطريقة نفسها.
وبصريح العبارة، كان القلق يساوره.
ليس حرصاً على سلامة لويس، بل خوفاً من الضرر الذي قد يقع إن تُركت وشأنها دون مراقبة.
سوبارو: [سأكون صريحاً معكِ، أين تلك الفتاة… لويس؟]
ريم: [――. تبدو على وجهك ملامح الاستياء. لماذا تصر على إبعادها ونبذها؟]
سوبارو: [يصعب عليّ شرح الأمر. ولدي أسباب لن تفهميها على الأرجح حتى وإن شرحتها.]
أي حديث يتعلق بلويس كان كفيلاً باستجلاب استياء ريم دوماً.
تألم سوبارو من ذلك، لكنه رأى أيضاً أنه أمر لا يمكن إيصاله بمجرد الحديث.
سوبارو: [على أية حال، أين هي؟ هل تُرِكت في المعـ…]
ريم: [――ستعرف لو نظرت إلى يسارك.]
سوبارو: [آه؟]
متأملاً فيما قالته له، اتسعت عينا سوبارو، ونظر نحو يساره ――شطر الجانب المقابل لريم، التي كانت عن يمينه.
وحين نظر إلى هناك، تصلبت ملامح وجه سوبارو من هول المفاجأة التي تأخر في استيعابها.
المستلقية هناك كانت――،
؟؟؟: [ززز… ززز…]
سوبارو: [مـ… اـ…]
كانت لويس تغط في نوم عميق، مظهرة وجهها البريء وهي نائمة.
كانت عن جانبه الأيسر، تنام في السرير نفسه وملفوفة بالغطاء الرث ذاته. وكان لعابها يسيل من فمها المفتوح على مصراعيه، وبرؤية مظهرها الخالي من الحياء، استوعب سوبارو الوضع أخيراً.
فحقيقة ذلك الملمس اللزج والشعور الرطب على صدره ووجهه عندما استيقظ لم تكن سوى――،
سوبارو: [――――!!]
أطلق سوبارو صرخة صامتة بلا صوت.
▼△▼△▼△
؟؟؟: [أوه، سوبارو! يبدو أنك استيقظت دون أي مشكلة.]
الشخص الذي رحب بسوبارو فور ظهوره في الفسحة، ترافقه ريم، كانت ميزيلدا.
بشعرها الأسود المصبوغ بالأحمر، مشت الزعيمة الشابة لشعب شودراك نحو سوبارو الذي خرج من الكوخ، وتفقدت حالته من رأسه حتى أخمص قدميه.
أطلق سوبارو ضحكة جافة وخافتة أمام هيئة ميزيلدا العفوية والقوية التي بدت مريحة للغاية.
سوبارو: [لقد عدت حياً بفضلكِ؛ ويبدو أنني جعلتكِ تقلقين أيضاً.]
ميزيلدا: [لا تقلق بشأن ذلك. فلو متَّ، فكل ما علينا فعله هو إعادة روح رفيقنا الشجاع إلى السماء، ودفن جثتك تحت التراب ونحن في حداد. من الجيد أن روحك بقيت بدلاً من حدوث ذلك.]
سوبارو: [ميزيلدا-سان…]
عاقدة ذراعيها العضليتين، رفعت ميزيلدا، ذات القوام الطويل والبشرة الزيتونية، رأسها بشموخ.
نفذت كلماتها البسيطة العفوية إلى صدره، وشعر سوبارو بإعجاب هادئ وعميق بها؛ رغم أنه بصراحة، حين قُبض عليه من قِبل شودراك ووُضع في ذلك السجن، كان قد وطن نفسه على موت آخر.
وهكذا، وبينما كان سوبارو معجباً بها، ضيقت ميزيلدا عينيها وهي تقول: [على فكرة،]
ميزيلدا: [من المؤسف حقاً أنك مأخوذ بالفعل. ريم ولويس… ألن تضم إليك شخصاً إضافياً على الأقل؟]
ريم: [ميزيلدا-سان!]
بجانب سوبارو، رفعت ريم صوتها معترضة على عرض ميزيلدا المشاكس.
ارتسمت على وجهها تعابير صارمة، ولا تزال خطواتها غير ثابتة وهي تمشي بعصاها الخشبية الجديدة. وبعد استيقاظها قبل قليل، كانت لويس متشبثة بذراعها، وقد اتسعت عيناها تفاجؤاً من صوت ريم.
وبينما كانت تداعب شعر لويس الأشقر، نادت ريم ميزيلدا باسمها مرة أخرى، ثم قالت:
ريم: [لا يجدر بكِ قول ذلك؛ فأنا لا أثق بهذا الشخص ولا أفهمه.]
ميزيلدا: [إذن، هل يمكن منحي إياه؟]
ريم: [نعم، بالطبع. سأعطيكِ إياه.]
سوبارو: [المحادثة لا تعكس إرادتي على الإطلاق!]
لويس: [آاا! أووو!]
وبموقف لاذع، وافقت ريم على اقتراح التنازل عن سوبارو.
وعندما سارع سوبارو لوضع حد للأمر، صرخت لويس أيضاً مجارية أجواء الحماس.
«إنما كنت أمازحك فقط»، هكذا ضحكت ميزيلدا وهي تستمع إليه، لكن سوبارو لم يستطع كبح دهشته فور رؤيته لطبيعتها الودودة.
بالكاد استطاع تذكر ما حدث بعد طقس دم الحياة مباشرة.
وحتى بعد ذلك، لم يستطع تحديد الحد الفاصل بين ذكرياته الحقيقية ورغباته التي تراءت له بصورة مواتية. ولكن برؤية تصرفات ميزيلدا، لم يبدُ الأمر مجرد خيال.
سوبارو: [إذن، ولأول مرة، تمكنت من بناء علاقة جيدة مع أشخاص قابلتهم لأول مرة. هذا رائع، ولكن…]
ميزيلدا: [مه، وجهك شاحب. هل تشعر بتوعك؟ يمكنني قطع أي أجزاء معطوبة من جسدك.]
سوبارو: [أشعر أن الأمر سينقلب إلى كارثة لو قلت باستهتار: «نعم، أرجوكِ!»، لذا سأرفض.]
لم تكن تلك مزحة، بل كانت على الأرجح عرضاً جاداً.
وأدرك أنه قد يرتكب خطأً قاتلاً لو قال: «نعم، أرجوكِ!» دون تفكير.
على أية حال――،
سوبارو: [في المرة السابقة، لم أملك الوقت للتجول والاستطلاع براحة، ولكن…]
جال سوبارو في حلقة دائرية ليتأمل قرية الشودراكيين، وتمتم.
كانت القرية تقع في أعماق غابة شاسعة، وبدت كعالم توقفت فيه عجلة التطور الحضاري، بما في ذلك الكوخ الذي استيقظ فيه سوبارو.
لقد كان مشهداً يلائم الانطباع المأخوذ عما يُعرف بأقلية عرقية تعيش في أدغال بكر لم تمسها يد العمران.
مقاتلاتٌ يقضين حياتهن بالخروج للصيد، دون وجود عمالة من الرجال ――لقد بدت بالفعل منطقة بدائية غير متطورة، إذ لم يرَ سوبارو أي علامة من علامات التحضر داخل القرية.
سوبارو: [أعدادهن قليلة، لذا يمكنهن مواصلة العيش بالخروج للصيد يومياً… لكن، أنا…]
ريم: [――――]
تمتم سوبارو بذلك، عاقداً حاجبيه بضيق وهو يعض على شفته.
كانت ريم تحدق في وجهه بصمت من جانبه، ونظرة غاضبة تعلو محياها. وأياً كان ما يدور في أعماق عينيها الزرقاوين، لم يستطع سوبارو في وضعه الحالي إدراكه.
كان يخشى عجزه عن قراءة أفكارها؛ كما لم يستطع رد الابتسامة بسهولة لميزيلدا التي ابتسمت له.
ولهذا السبب، ومن أجل تجاوز هذا الوضع――،
سوبارو: [أريد التحدث معكِ يا ميزيلدا-سان. ――وأعتقد أنني بحاجة للتحدث مع ذلك الشخص… أيضاً.]
ميزيلدا: […أجل. لقد قلت ذلك في وقت مناسب؛ فهو على الأرجح في منطقة الاجتماعات مع تاريتا والآخريات الآن.]
وسماعاً لكلمات سوبارو، أومأت ميزيلدا برأسها وأشارت بطرف ذقنها.
كانت تشير نحو مبنى كبير في مؤخرة الفسحة ――مكان يُشار إليه بمنطقة الاجتماعات. وعلى الأرجح كان مكاناً يؤدي الغرض كما يوحي اسمه، وبغض النظر عما إذا كان المبنى الأجمل مظهراً في القرية أم لا، يبدو أن هذه المهمة قد أُعطيت للمبنى الأكبر حجماً.
سوبارو: [――فلنذهب.]
محدداً وجهته، بدأ سوبارو بالمشي في ذلك الاتجاه.
مد يده لمساعدة ريم تحسباً لأي طارئ، لكنها رفضت مساعدته. وأخذت لويس معها، مشيرة بسلوكها إلى أنها ستمشي بمفردها.
ضحك سوبارو بضحكة جافة أمام رد فعل ريم الثابت نحوه، ثم شد من ملامح وجهه.
وبعدها، مر الجمع عبر مدخل منطقة الاجتماعات، ودخلوا إلى هناك.
وهناك――،
؟؟؟: [يبدو أنك استيقظت أخيراً. هل استمتعت بوقتك، ناتسوكي سوبارو؟]
نعم، لقد استقبله رجل مقنع، يجلس على أرضية منطقة الاجتماعات ناصباً إحدى ركبتيه.
▼△▼△▼△
وسط أفراد شودراك الذين كانوا يتحلقون حول النار، تسلل رجل ليستقر في منتصف مكان الاجتماع.
ارتجفت وجنتا سوبارو أمام هذا الاستقبال، وعقدت الصدمة لسانه عن الكلام.
سوبارو: [――――]
؟؟؟: [ما بك؟ بالتأكيد لن تعلن أنك فقدت صوتك، مقابل نجاتك بحياتك بالكاد؟ ثمن كهذا… ربما كان ثمناً مناسباً لدفعه، بالنظر إلى النتائج.]
سوبارو: [لا، لم أفقد صوتي؛ صوتي لم يذهب، لكني عاجز عن إيجاد الكلمات. ما قصة هذا القناع الذي ترتديه؟]
قائلاً ذلك، أشار سوبارو بسبابته نحو الرجل الذي كان يتحدث بطريقة متعجرفة.
وعلى وجه الرجل، حيث تشير سبابة سوبارو، استقر ما يشبه قناع أوني، مطلياً بالأحمر والأبيض. ومع ذلك، وبما أن الأوني عرق موجود في هذا العالم، فما كان له أن يكون قناع أوني حقيقياً.
مجرد قناع يشبه وجه كائن مخيف، هذا ما كان يرتديه الرجل.
ورد الرجل بنبرة غير مبالية على إشارة سوبارو قائلاً: [نعم،]
؟؟؟: [إنه قربان. في الأصل، كان في نيتي إبقاء وجهي مخفياً في المستقبل؛ وأعتقد أنه سيفي بالغرض. لقد كان من المزعج إعادة لف وجهي بالأقمشة في كل مرة أغسله فيها.]
سوبارو: [أجل، ويبدو أنك قد تصاب بالحكة إذا اتسخ… مهلاً، ليس هذا وقت الحديث عن ذلك.]
؟؟؟: [أوه؟]
عاقداً ملامحه أمام برود الرجل ولامبالاته، خطا سوبارو نحوه من الأمام دون تردد.
وعندها، حاولت تاريتا، التي كانت تجلس في دائرة مع الرجل، إيقافه قائلة: [هي.]
ولكن――،
؟؟؟: [توقفي يا تاريتا؛ يبدو أن لهذا الشخص عملاً معي.]
تاريتا: [نـ-نعم… ولكن…]
؟؟؟: [حين أقول إن الأمر لا بأس به، فهو كذلك. فهل هناك أي كلمات أخرى ضرورية؟]
تراجعت تاريتا وهزت رأسها حين أوقفها ذلك الرجل نفسه.
بدا وكأن الرجل قد نال قدراً كبيراً من ثقة شعب شودراك، وكل ذلك في فترة زمنية قصيرة. ――لا، بالنظر إلى ذلك الموقف، فإن كلمة “سيطرة” أنسب من مجرد “ثقة”.
لم تتصرف تاريتا بدافع الخوف ولا الثقة، بل بدافع الاحترام. والأمر نفسه ينطبق على سائر أفراد شودراك المحيطين بالمكان ذاته، على الأقل.
ومع ذلك، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عن الطريقة التي استخدمها الرجل لتحقيق ذلك.
سوبارو: [حالياً، أريد فقط التحدث معك، على انفراد. ――فينسنت أبلّوكس.]
فينسنت: [――――]
أعلن سوبارو ذلك وهو يقف أمام الرجل الجالس، ناظراً إليه من الأعلى. ولم يستطع رؤية كيف تبدلت تعابير الرجل خلف قناعه عند سماع كلمات سوبارو.
ومع ذلك، توتر الهواء حول مكان الاجتماع، وبدا وكأنه يشعر بأن درجة الحرارة قد انخفضت.
كاد الضغط في الجو يجعله يحبس أنفاسه دون قصد، لكن سوبارو تحمله بقوة إرادته وحدها.
ومن ثم――،
فينسنت: [سأتغاضى عن المرة الأولى بسبب ارتباكك، فلا تجعلني أكرر كلامي. وعليه، فاعلم أنه لن تكون هناك مرة ثالثة؛ عليك أن تمتنع عن النطق باسمي بغير حذر.] [1]
سوبارو: […وماذا إن قلتُ إنني لا أريد؟]
فينسنت: [سأنزل بك العقاب وفقاً لذلك. أعرف عدداً كبيراً من الطرق لإجبارك على الاستسلام.]
وقف الرجل في مكانه، محدقاً في سوبارو وهو يواجهه مباشرة.
وبالحكم من خلال نبرة إعلانه الصارم وسلوكه، لم يكن هناك أي كذب في كلمات الرجل؛ ولم يكن هناك أي احتمال لكونها مجرد خدعة أيضاً. وحتى لو كان عدد التحركات التي يمكنه القيام بها والإجراءات التي يستطيع اتخاذها محدوداً، كان سوبارو واثقاً من أن الرجل قادر على تنفيذ العقاب الذي كان يتحدث عنه.
سوبارو: [أنت شخص مزعج…]
فينسنت: [إذن، هل ستجعلني أقولها للمرة الثالثة؟]
سوبارو: [――. لا، سأتراجع. لم آتِ إلى هنا للجدال. ――آبل.]
«العناد بلا معنى»، هكذا فكر سوبارو، مستسلماً أولاً.
وهكذا ――قرر سوبارو الامتثال لنصيحة الرجل المقنع ومناداته بـ«آبل». ساحباً ذقنه إلى الخلف إثر قرار سوبارو، علّق آبل قائلاً: [خيار حكيم].
آبل: [لو لم تتراجع، لحدثت إراقة للدماء.]
سوبارو: [هاه، في أحلامك! ربما سأهينك إذا قلت هذا، لكني أعتقد أن النتيجة ستكون متعادلة بالكاد لو تقاتلنا معاً.]
آبل: [إذا كان الأمر كذلك، فأنت من يجب أن ينظر خلفه.]
سوبارو: [خلفي…؟]
قال آبل ذلك لسوبارو، الذي استقبل كلماته السابقة كاستفزاز وقطّب أنفه. وعندما امتثل والتفت، اهتز كتفاه وهو يصرخ: [أوويهـ!].
كانت ريم تقف هناك، تراقب الجدال الدائر بين الرجلين بنظرة جليدية.
سوبارو: [أ-أمم، ريم-سان؟ وجهكِ…]
ريم: [لا شيء؟ كل ما في الأمر… أنه حتى بعد أن كنت على وشك الموت، وظللت نائماً لثلاثة أيام، يبدو أنك عنيد بشكل يثير السخرية، وترفض الاعتناء بجسدك. لماذا لا تسقط ميتاً على جانب الطريق إذن؟]
سوبارو: [أنا آسف! أنا آسف حقاً، ولن أفعل ذلك مجدداً!]
مستسلماً أمام عيني ريم الباردتين، اعتذر سوبارو بلهفة.
في النهاية، لم يستطع إحداث أي تغيير في تعابير ريم الخائبة، لكنه أدرك أمراً فجأة.
لقد خطرت له الفكرة فجأة، ولكن كان هناك احتمال كبير بأن السبب في نجاة سوبارو، وإفلاته من الموت بأعجوبة، يعود إلى سحر الشفاء، ما لم يكن هناك نوع من الإكسير المعجز.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الشخص الذي فعل ذلك كان――،
آبل: [بما يشمل ذلك أيضاً، يجب أن أتحدث معك.]
سوبارو: [آبل…]
بدا أن آبل قد فهم مشاعر سوبارو بعد أن رآه يحبس أنفاسه. هز كتفيه بخفة، ثم أدار وجهه باتجاه ميزيلدا.
آبل: [ميزيلدا، اجعلي الجميع يغادرون. لا أحتاج هنا سوى لنفسي وهذا الرجل.]
ميزيلدا: [يا للهول، ها أنت تتصرف على هواك الآن؛ لكنتُ غضبت لو لم تكن وسيماً.]
تاريتا: [أختي، أرجوكِ اغضبي حتى لو كنتِ في مواجهة رجل وسيم…]
وفي حين أطاعت ميزيلدا أوامر آبل دون أي ممانعة، تدلى كتفا تاريتا وهي تنظر إلى أختها بعجز.
ومع ذلك، كانت تاريتا قد اتبعت أمر آبل في وقت سابق أيضاً، لذا لم تكن كلماتها مقنعة.
وما إن اقتنعت ميزيلدا، زعيمة القبيلة، حتى امتنع سائر أفراد شودراك عن البقاء في أماكنهم.
تدفقوا جميعاً خارجين من مكان الاجتماع، واحداً تلو الآخر. وباتت المشكلة تكمن فيما إذا كان ينبغي إدراج ريم، وم معها لويس، ضمن جموع الشودراكيين الخارجين، غير أن――،
آبل: [من غير المناسب لك التحدث في موضوعك المنشود بوجود تلك المرأة هنا، أليس كذلك؟]
سوبارو: [غـ…]
«لقد أدرك سبب ترددي»، هكذا فكر سوبارو، وانحبست أنفاسه في صدره إثر كلمات آبل.
غير أنه في نهاية المطاف، كان ما قاله آبل صحيحاً؛ فسوبارو لم يكن يريد لريم أن تستمع إلى المحادثة التي ستدور بعد هذا.
سوبارو: [ريم، هل يمكنكِ الخروج مع البقية؟ سينتهي الأمر قريباً… أو حسناً، لا أعلم إن كنا سننتهي قريباً، لكننا لن نستغرق وقتاً طويلاً.]
ريم: [حين تصوغ الأمر بهذه الطريقة، يبدو الأمر وكأنني أنا من يتصرف كطفلة مدللة.]
سوبارو: [لم أقصد ذلك بهذا الشكل… إذن، هل يمكنكِ الخروج الآن فحسب؟]
ريم: […ماذا ستفعل لو قلتُ لك: «أنا لا أريد»؟]
سوبارو: [إيه!؟]
أصابه الذهول من رد ريم، بعدما اعتقد أن طاقته مستنزفة بالفعل في التعامل مع آبل.
فهم سوبارو على الفور أنها كانت تسخر من حواره مع آبل قبل قليل، غير أنه كان يستسلم تماماً متى ما تمسكت ريم بموقفها.
ولو كان الأمر ممكناً، لود لو يحقق لها أي أمنية ويدعها تفعل كل ما يحلو لها.
ولكن――،
سوبارو: [――. ――――. أعتقد… أنني لا أريدكِ أن… تسمعي هذا.]
ريم: [يمكنني البقاء هنا بالقوة.]
سوبارو: [إذن… إذن، سيكون تصرفاً رخيصاً مني، لكني سأهرب في هذه الحالة.]
فإذا بدأ سوبارو بالركض، فلن تستطيع ريم اللحاق به بسرعتها تلك، نظراً لاضطرارها لاستخدام العصا.
كانت تلك النقطة الوحيدة التي يتفوق فيها عليها بوضوح في الوقت الحالي. وكان عليه الاعتراف بأن هذا تصرف مخزٍ منه، إذ عجز سوبارو عن التفكير في أي شيء آخر سوى ذلك.
لويس: [أووو.]
أطلقت لويس صوتاً خافتاً وهي تسحب ذراع ريم، أمام سوبارو الحائر. وبدا أنها تحاول إخراج ريم من مكان الاجتماع.
ناظرة إلى لويس، أطلقت ريم ضحكة خفيفة:
ريم: [أنا آسفة، لا بد أنني جعلتكِ تقلقين. كل ما في الأمر… أنني أردت قول بعض الكلمات القاسية لهذا الشخص ذي الرائحة الكريهة، مجرد القليل فقط.]
لويس: [أواوو.]
سوبارو: [شخص ذو رائحة كريهة…]
اخترقته تلك الكلمة بعمق وحدة كشفرة سكين، أكثر من أي “كلمات قاسية” أخرى، بيد أن ذلك لم يكن مهماً في الوقت الحالي.
وتماماً كما أخبرت لويس، انسحبت ريم بسرعة قائلة: «على كل حال»، وغادرت مكان الاجتماع برفقة الفتاة الشقراء، معتمدة على عصاها.
حك سوبارو خده وهو يراقب ظهر ريم المبتعد، دون أن تلتفت لتنظر إليه ولو لمرة واحدة.
وسواء أكانت ريم لا تبالي بسوبارو بصدق، أم أنها قالت ذلك بدافع المراعاة، كان من الصعب عليه الحكم على الأمر.
وبطبيعة الحال، سيكون أكثر سعادة لو كان الاحتمال الأخير هو الصحيح.
سوبارو: [لقد جُلبت إلى هنا بأسوأ انطباع عني؛ لذا لن أطمع في المزيد، فهذا هو نهجي في الحياة.]
آبل: [لديك قدر سخيف ومطلق من الصبر والغرور. ――اجلس، وسأستمع لما لديك لتقوله.]
وهكذا، بقي الاثنان بمفردهما في منطقة الاجتماع. واتباعاً لما قاله آبل، جلس سوبارو على الأرض متربعاً.
وأمامه، جلس آبل على الأرض أيضاً، ناصباً إحدى ركبتيه، يراقب سوبارو من خلف قناعه.
جالسين في مواجهة بعضهما البعض وتفصل بينهما شعلة النار المشتعلة في المنتصف، واجه الرجلان أحدهما الآخر.
سوبارو: [أول ما أريد سؤاله، ما هو نصيب الحلم مما حدث، وما هو نصيب الحقيقة؟]
آبل: [همم. أعتقد أن هذا سؤال لن يطرحه أحد سواك. فكيف ترغب مني أن أجيبك؟ كل ما حدث كان مجرد حلم، وتجنبنا الكارثة المطبقة والأمور تتجه نحو خاتمة سلمية. هل سيرضيك سماع ذلك؟]
سوبارو: [أنت تعلم أن اسم أوتاكاتا وكارثة مطبقة يتقاربان في النطق، ربما تخلط بيني وبين الفتاة إذا واصلت الحديث هكذا…] [2]
فتاة صغيرة من شعب شودراك؛ وكان سوبارو شبه متأكد من أن اسمها أوتاكاتا.
كان التلاعب اللفظي غير المقصود مربكاً، لكنه لم يكن المعنى الحقيقي الكامن وراء كلمات آبل. ――كلا، لقد فهم سوبارو ما كان يعنيه آبل، واستغل تلك المزحة الخفيفة كمهرب مؤقت.
ولم يتغاضَ آبل عن تردد سوبارو.
آبل: [لا أنوي مسايرة جبنك، يا ناتسوكي سوبارو.]
سوبارو: […أجل، أعلم ذلك. ――الهجوم على معسكر الإمبراطورية، كان حقيقياً، أليس كذلك؟]
آبل: [بالطبع، هذا صحيح. المعسكر الإمبراطوري المتمركز خارج غابة بودهيم دُمّر بالكامل بقوة شودراك. والمشهد الذي رأيته لم يكن وهماً.]
――مرة أخرى، أكد آبل حقيقة ذلك المشهد.
وسماعاً لذلك، شعر سوبارو بشيء ثقيل للغاية يخترق صدره. عاضاً على شفتيه بقوة، استخدم الألم لمنع وعيه من التلاشي.
فمثل ذلك المهرب السهل لم يكن مسموحاً به لناتسوكي سوبارو.
سوبارو: […أنا، أنا أفهم الوضع الآن. لقد قدت شعب شودراك وهاجمتم معسكر الإمبراطورية، وطردتموهم بعيداً. هذا هو جوهر الأمر.]
آبل: [نعم. لكن هذا الشرح ناقص؛ دعني أكمله.]
سوبارو: [تكمله؟]
آبل: [لقد أمرت شودراك بتدمير المعسكر. وعلاوة على ذلك، تم ذلك دون أن نتكبد أي خسائر في صفوفنا.]
سوبارو: [――. إذن، هل تتباهى فقط بمدى براعة قدرتك القيادية؟]
آبل: [لا، ليس الأمر كذلك. ――هذا العمل الفذ هو إنجازك أنت.]
نحو آبل الذي هز رأسه نافياً، اتسعت عينا سوبارو دهشة بصوت مسموع: «آه؟».
لقد كان تصريحاً غير متوقع تماماً. فاعتراف آبل بإنجازات سوبارو كان أمراً بحد ذاته، لكن سوبارو لم يستطع حتى استيعاب سبب حصوله على أي فضل.
عن ماذا ماذا بحقك يتحدث――
آبل: [ألا تفهم؟ السبب في تمكني أنا وشودراك من تحقيق نصر ساحق لا تشوبه شائبة هو معرفتنا التفصيلية بتنظيم العدو. وتلك المعلومات لم نحصل عليها من أحد سواك أنت شخصياً.]
سوبارو: [――هاه؟]
مسنداً ذقنه على يده فوق ركبته المرفوعة، تحدث آبل. وفي تلك الأثناء، توقفت أفكار سوبارو تماماً.
كانت تلك الكلمات معاكسة لتوقعاته كلياً؛ لم تأتِ على حين غرة فحسب، بل وجهت له ضربة مباغتة في الصميم. وواصلاً لصعوبة قبول المعاني الكامنة وراء تلك الكلمات، فتح سوبارو فمه وأغلقه بصمت كسمكة خارج الماء――،
آبل: [إذا كنت تعرف تمركز العدو وتخطيطه وأفراده بشكل تقريبي، فإن احتمالية نجاح الحصار ترتفع. وفي الواقع، لقد انتصرنا دون خسائر؛ كانت تلك مساهمتك. حتى أنك تلقيت مكافأة.]
سوبارو: [مـ… كافأة…؟]
آبل: [لقد أنقذنا امرأتك بأمان. أنا أكافئ على العمل، ولا أملك القدرة على مكافأة الموتى. ظننت أن ذلك لن يتم إلا ما دمت تتنفس، ولكن… همم، حظك الاستثنائي قوي للغاية.]
ورغم أنه قيل له إن لديه حظاً رائعاً، كان سوبارو لا يزال في حالة صدمة.
ربما كان من وجهة نظر آبل أن تلك الكلمات يُفترض أن تُعتبر إطراءً أو ثناءً. لكن ولسوء الحظ، لم يمتلك سوبارو القدرة على تقبلها، ولا الأخلاقيات المتجذرة فيه لفعل ذلك.
كان ذلك طبيعياً، بالطبع. ――فلماذا عليه أن يسعد بكونه كان مفيداً كأداة حرب؟
سوبارو: [لماذا… تحدثتُ أصلاً عن المعسكر…]
آبل: [كانت تلك الآثار الجانبية للدواء. فبعد إنهاء طقس دم الحياة، كنت على وشك الموت؛ وكانت هناك حاجة لإبقائك حياً حتى يكتمل الاستيلاء على المعسكر وإنقاذ المرأة. الدواء المستخدم أبقى عقلك في حالة مشوشة وغائمة؛ ولهذا السبب تحدثت.]
سوبارو: [أثرثرت بكل ما سُئلت عنه فقط…؟]
مصدوماً، وضع سوبارو وجهه بين يديه وصوته يرتجف.
كان ذلك صحيحاً؛ فسوبارو كان يملك فهماً عاماً للتفاصيل داخل المعسكر. ففي النهاية، كان قد أمضى عدة أيام هناك كعامل مهام.
كان يعلم موضع كل شيء هناك، والعدد التقريبي للجنود المتمركزين. كما كان يعرف أين تُخزن أسلحتهم ومعداتهم؛ لذا إن بادر المرء بضرب تلك المواقع كضربة استباقية أولى، فلا شك في أنهم سيحصلون على أفضلية ساحقة. لقد فهم ذلك تماماً.
فهم ذلك، ولكن حتى لو كان يفهم، فماذا إذن؟
سوبارو: [دواء!؟ أتهزأ بي أم ماذا!؟ أن تستخدم شيئاً كهذا دون أخذ رأيي! أنتَ…!]
آبل: [ومع ذلك، لولاه لكنتَ قد متَّ دون أن تتمكن من لقاء تلك المرأة مجدداً. وهذا يعني أن سحر الشفاء لتلك المرأة لم يكن ليصل إليك أيضاً. ولا يوجد أي سبب يدعوك للتحدث عني بسوء، وأنا من جعل رجلاً ميتاً يعيش.]
سوبارو: [بـ-بالطبع هناك سبب…! أنا… أنا لم أرد المساعدة في حرب! الكثير من الناس… ماتوا… ولكن، أنت…!]
آبل: [――يبدو أنك تسيء فهم شيء ما.]
قال ذلك بفظاظة لسوبارو، الذي كان يتنفس بصعوبة، متخذاً موقف المستنكر للشر.
وتصلبت وجنتا سوبارو إثر النبرة الباردة في صوت آبل.
سوبارو: [أسيء فهمه، أتقول؟ ما الذي أسيء فهمه تحديداً؟]
آبل: [على سبيل المثال، لنفترض جدلاً أن وعيك لم يكن مشوشاً بالدواء. لإنقاذ تلك المرأة، كنت ستظل بحاجة إلى مساعدة شودراك على أي حال. وبطبيعة الحال، لكنت كشفت عما تعرفه وبذلت كل ما لديك… وإذا كان الأمر كذلك، لكنت تحدثت عمن عُين وأين يتمركز في أرض المعسكر.]
سوبارو: [آه، أوهـ…]
آبل: [أنت تفهم ذلك، أليس كذلك؟ النتيجة كانت ستكون هي نفسها. سواء كنت على شفا الموت أم لا، فإن أسرار المعسكر كانت ستُكشف بمعرفتك، وأولئك الجنود كانوا سيهلكون.]
مستقبلاً حجة آبل تلك، بحث سوبارو عن طريقة للاحتجاج ضدها.
ومع ذلك، كان آبل محقاً، واستطاع سوبارو تخيل ما كان سيحدث في تلك الحالة على الفور.
في الواقع، لو أنه نجا من طقس دم الحياة بحالة أفضل، ولو دار نقاش لوضع خطة لإنقاذ ريم، لتحدث سوبارو بالتأكيد عن معسكر الإمبراطورية.
لكان قد كشف عن مواقع الجنود وأعدادهم، واستخدم معرفته لمساعدته في التفكير بأي تدابير لإنقاذ ريم.
سوبارو: [لكني كنت سأكون جزءاً من مجلس الحرب في تلك الحالة؛ وكنت سأعارض بالتأكيد أي استراتيجية تؤدي إلى سقوط ضحايا. لذا…]
آبل: [أتزعم أنك كنت قادراً على إقناعهم؟ هل كان بإمكانك إقناع أناس لا يعرفون ولا يملكون أي وسيلة أخرى سوى إراقة الدماء، بإيجاد طريقة أكثر ملاءمة لتنفيذ الأمور، وإنقاذ المرأة دون سقوط أي ضحايا، بسلام وتحضر؟]
سوبارو: [ذلك…]
آبل: [سأخبرك بهذا: ――ذلك… هو ما يُسمى بأضغاث الأحلام.]
مطعونةً بكلمات آبل، صرخت روح سوبارو وهي تنزف دماً.
«كلا!»، أراد أن يصرخ ملء صوته، أراد إنكار كلمات آبل. ومع ذلك، كان كل ما سيخرج من فمه بلا أساس، مدفوعاً بالعاطفة فقط، ولن يستطيع إحداث صدع واحد في قناع آبل، أو جعل تعابيره تهتز.
كانت الأشياء التي يرونها مختلفة عن بعضها؛ وعاش كل منهما حياته بطريقة مغايرة.
تباينت وجهات النظر حول الحياة والموت لدى سوبارو وآبل، وكذلك لدى شعب شودراك. وكان من المستحيل هدم ذلك الجدار واختراقه.
خلال ذلك الوقت القصير الذي فقد فيه ريم، على الأقل. بالتأكيد.
كان سوبارو متأكداً من ذلك.
سوبارو: […لم أرد الاستسلام لمجرد أمر كهذا.]
آبل: [في مقابل إصرارك هذا، كان سيموت شخص آخر غيرك. ربما يكون ذلك الشخص غريباً تماماً عنك، أو قد يكون شخصاً بمنزلة نصفك الآخر. عندما تقف ساكناً وتنغمس في أفكارك الحمقاء، فهذا يعني أنك تسمح بحدوث ذلك.]
واصل آبل إلقاء الحقيقة في وجهه، رغم أن سوبارو كان يلعن الواقع الذي لا يُغتفر وهو يصر على أسنانه.
ربما في مقابل الطريقة القاسية وعديمة الرحمة التي جرت بها الأمور، استطاع آبل تحقيق نتيجة حاسمة ومؤكدة. ولكن، لماذا يملك هو امتياز اختيار الأرواح التي ستُفقد في المقابل؟
سوبارو: [من تظن نفسك؟ أتحسب أنك صرت سامياً أو ما شابه……؟]
آبل: [أيها الأحمق. لستُ بسامٍ ولا ببطل. وبطبيعة الحال، أنا مختلف أيضاً عن أولئك «المراقبين» الخبثاء الذين ينظرون إلى هذا العالم من الأعلى. ――أنا ملك؛ ملك بين الملوك.]
سوبارو: [――――]
آبل: [من يقف على القمة تدعوه رعيته بالإمبراطور. ――وأنا، هو ذاك.]
أعلن آبل ذلك، واضعاً يده على صدره بجرأة.
لم يستطع سوبارو رؤية تعابيره من خلف القناع الذي يخفي وجهه. ومع ذلك، تخيل سوبارو وجه آبل، ذلك الوجه الذي لم يره سوى مرة واحدة، وهو يرسم ابتسامة جريئة، ونار ساطعة تشتعل في عينيه.
إمبراطور. وسماعاً لذلك، غابت فكرة حبس أنفاسه تماماً عن بسامي.
لقد أثبت الرجل وجوده بكلماته الخاصة، بتلك الطريقة المهيبة والآمرة.
ثم واصل آبل ――فينسنت أبلّوكس حديثه لسوبارو؛ وبينما كان الأخير مصدوماً تماماً، حافظ الأول على نبرته الوقورة.
فينسنت: [――الإمبراطور السابع والسبعون لإمبراطورية فولاكيا المقدسة. هذا هو أنا.]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [ومع ذلك، لقد تركت منصبي في الوقت الحالي، بعد أن أُقصيتُ من القمة.]
△▼△▼△▼△
ملاحظات الترجمة:
[1] – قد يشير فينسنت هنا إلى الوقت الذي كان فيه سوبارو تحت تأثير الدواء.
[2] – ملاحظة المترجم: في النص الياباني، استخدم آبل كلمة (泡沫 – Utakata) التي تعني الفناء أو الكارثة الزائلة/الفقاعة؛ وقد صنع سوبارو دعابة وتلاعباً لفظياً منها نظراً لأن الكلمة واسم الفتاة (ウタカタ – أوتاكاتا) يُنطقان بالطريقة ذاتها.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※