الفصل 366 - أن تكون رجلًا أمرٌ عسير
الفصل الخامس: ان تكون رجلًا أمرٌ عسير
سوبارو: [وابوه――!]
؟؟؟: [كياه! سوبارو-ساما، أنا أعتذر حقاً!]
وسط طرطشة المياه وتناثرها، غُمر سوبارو بوابل من المياه التي تدفقت وتدلت مسرعة من أعلى رأسه. وبينما أطلق صرخة استنفار، متسائلاً عما يدور ماذا بحقك، هبت في وجهه عذرة مرفوعة بنبرة حادة ومرتفعة.
وحين رفع سوبارو بصره ناظراً للأعلى وهو ينفض رأسه، استبان له الستائر وهي تتهادى من نافذة مفتوحة، لتتطابق نظرتاه مع ناظري فتاة ― بترا، التي كانت ترمقه من الأعلى نظرة منخفضة.
وبدا وكأن الأمر قد تزامن تماماً مع لحظة إلقاء بترا لبعض المياه من نافذة الطابق الثاني.
وبطبيعة الحال، لم تكن لتأتي بمسلك مشين أو غير لائق كإلقاء المياه عشوائياً في الحديقة؛ بل كانت ترمي المياه عند حافة حوض الزهور لتتأكد من عدم تطاير قطراتها لتصيب أحداً.
سوبارو: [ومع ذلك، ويا لسوء حظي العاثر، كنت أمارس البستنة في هذا الموضع بالذات……]
بترا: [أ-أنا آسفة جداً يا سوبارو-ساما! سأجلب لك ملابس نظيفة وبديلة حالاً……]
سوبارو: [آه، لا داعي لكل هذا العناء؛ فكل ما هنالك أنني ابتللت بالمياه، و…… إنها تنتن بشدة وفظاعة! ألم يكن الابتلال وحده ما حدث إذن!؟]
بترا: [لأنها المياه التي كنت أستخدمها لتنظيف الغرفة، و…… على أي حال! سأذهب الآن فوراً، فانتظرني عند مكان السقي!]
تلك الكلمات وجهتها بترا لسوبارو، الذي بدا مذهولاً ومندهشاً من رائحة المياه القذرة المغمور بها. وتبعاً لذلك، توارى محياها الفاتن واللطف إلى الجانب الآخر من النافذة، وطفقت تعدو لإحضار ثياب إضافية، متناهية نقرات وقع خطواتها الخفيفة فوق البلاط.
وابتسم سوبارو بمرارة متأثراً بحالة بترا المذعورة، متعاظمة تلك الابتسامة بفعل حظه العاثر، ليتجه صوب مكان السقي في حديقة القصر، تماماً كما أمرته بترا.
سوبارو: [حسناً، كنت أنوي في الأصل تغيير ملابسي فور الانتهاء من أعمال البستنة، على أي حال……]
عزّى سوبارو نفسه بحقيقة أن خططه قد تقدمت فقط بنزر يسير لا يذكر.
وإن كانت بترا ستجلب له ملابس جديدة، فعليه أولاً أن يغسل الأوساخ العالقة ببدنه. وقبل استخراج الماء من البئر، خلع قميصه بسرعة وعجلة――،
؟؟؟: [――همم، يبدو أنك شجاع ومتهور حقاً، إذ تتجرد من ثيابك هكذا بغتة ودون سابق إنذار.]
سوبارو: [انتظري…… كياااااااه!?]
؟؟؟: [وواح، التفكير في أنك ستطلق صرخة تضارع صرخات الفتيات…… ألا يفترض طبيعياً أن تنعكس أوضاعنا وتتبدل مواقفنا؟]
وناطقةً بذلك ومحدقة في سوبارو المرتعب المذعور، كانت فتاة ذات شعر وردي ― العجوز ريوزو، وهي جالسة على صخرة في الحديقة بجوار مكان السقي.
ورمقت سوبارو، الذي كان يستر النصف العلوي المكشوف من جسده محتضناً قميصه إلى صدره، عيناها المتوقدتان بالذكاء والفطنة في تباين لافت مع مظهرها الفتيّ الصغير بشدة،
ريوزو: [لا داعي لكل هذا التستر والإخفاء. فقد اعتدت رؤية الأجساد العارية للفتيان. فقد كنت أعايش غا-بو وأعيش بقربه، ألم ترَ ذلك.]
سوبارو: [حسناً، لعل قولك سديد وصحيح، بيد أن ما يبعث على الخجل والخزي يظل محرِجاً على أي حال، أليس كذلك؟]
ريوزو: [ليس هناك ما يبعث على الخجل أو الحرج إطلاقاً. فضلاً عن ذلك، فبنيتك الجسدية ليست بالسيئة أبداً يا سو-بو. بل إنها تسر الناظرين وترضي العيون. تسر الناظرين حقاً، صدقني.]
سوبارو: [إنه أمر مخجل ومحرج رغم كل شيء! ألا ترين أنك تخرجين عن المألوف يا ريوزو-سان، ألا تتصرفين بطريقة لا تلائم طبيعتك العادية!؟]
فقد عُرفت ريوزو بمسلك وطباع لا تتطابق مع مظهرها الخارجي، مثل أسلوب حديثها الهادئ والمسترخي، بيد أنها تركت أثراً بالغاً وعميقاً في نفس سوبارو بمدى التزامها بالدور المسند إليها في كل شأن، باستثناء مظهرها الخارجي وحده.
ولهذا السبب أبدى دهشته حين داعبته مازحةً ومشعرة إياه بالخجل إزاء النصف العاري من جسده.
سوبارو: [أأكون مصيباً في تخميني بأن مرد ذلك يرجع بمعظمه إلى تحررك من ثقل المسؤولية الجسيمة بكونك زعيمة الملجأ؟]
ريوزو: [أظن أن لذلك الجانب نصيباً وافراً يسترعي الاهتمام. ورغم خروجي خارج حدود الملجأ، إلا أنني انتقلت للعيش في الأرض التي هيأها روز-بو، وأُسند إليّ منصب شبيه بما سلف. لذا، لو سألت نفسي عما إذا كان الحمل قد أُزيح عن كاهلي، فحينئذٍ……]
تلك الكلمات تفوهت بها ريوزو، موجهة عينيها الضيقتين نحو الخلف ― اتجاه القصر.
وبالتحديد، لم تكن تنظر إلى القصر بحد ذاته، بل كان بصرها مصوباً نحو الأشخاص القاطنين بداخله. وبشكل أدق، كانت على الأرجح ترمق الشقيقين، الأخت الكبرى والأخ الأصغر، اللذين طالما أحبتهما وكأنهما من صلب أحفادها.
ومع اكتمال الصلح بين غارفيل وفريدريكا، تحرر غارفيل هو الآخر من الصليب الذي كان يحمله طوال تلك الأعوام. ورغم ذلك، تفاجأ سوبارو بأنه تحول إلى شقي ومشاكس يفوق توقعاته، نتيجة لتحرره من أعبائه،
سوبارو: [أتشعرين بالوحدة، وأنت تعيشين منفصلة عن غارفيل وفريدريكا؟]
ريوزو: [مم…… ما الذي دهاك فجأة لتسألني هذا؟]
سوبارو: [أكان الأمر مفاجئاً للغاية؟ لكنني فكرت في الأمر. بالطبع، لكان عوناً عظيماً لو بقيا معاً في القصر لمساندة إيميليا-تان في الانتخابات الملكية. ولكن……]
ريوزو: [لا حيلة لنا في ذلك. لكي نقيم في القصر، هناك مشاكل كثيرة تعترضني بالطبع، وكذلك بالنسبة للنسخ الأخرى…… أخواتي. ولا أظن أننا سنكون ذوات نفع هناك أيضاً.]
سوبارو: [――――]
أجابت ريوزو بضحكة خافتة، وأغلق سوبارو فمه إثر سماعه لحديثها.
لم أكن أتحدث عن كونكم ذوي نفع أو بلا فائدة، هذا ما أراد الجانب العاطفي في سوبارو أن يصرخ به.
غير أن تفاصيل أمر كهذا لم تكن لتقبل النقاش بمجرد نوبة غضب تشبه نوبات الأطفال.
ففي قصر روزوال الحالي، لم يكن يُسمح بالبقاء سوى لأولئك الذين يضطلعون بدور فاعل، ويستطيعون الوفاء بمسؤولياتهم. وفي أوقات كهذه، كانت الحاجة ملحة لفرض قوانين صارمة إلى ذلك الحد.
سوبارو: [……مع ذلك، فغارفيل في الرابعة عشرة من عمره. إنه لا يزال طفلاً.]
ريوزو: [――. كم أنت طيب. أأنت قلق بشأن غا-بو؟]
سوبارو: [حسناً، أجل…… حين كنت أنا في الرابعة عشرة، كنت صبياً غبياً وغير ناضج. وحتى الآن، لم يتغير جانب “الصبي الغبي” مني، لكنني كنت أسوأ في الماضي. لدرجة أنني كنت لأضيق ذرعاً بنفسي، لأنني أظن أنني لن أستطيع فعل أي شيء البتة لو انفصلت عن والديّ.]
وبطبيعة الحال، وعلى النقيض تماماً مما هو مألوف في هذا العالم، اختبر سوبارو حياة يومية متساهلة ولينة، حياة مسالمة تكاد تضاهي هزهزة المرء يميناً ويساراً في مهده.
كان غارفيل يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً ― حتى وإن كان في مثل سن طالب في المرحلة المتوسطة، فهذا لا ينطبق على هذا العالم، وكان غارفيل أكثر نضجاً بمراحل من سوبارو حين كان في سنه.
ورغم ذلك――،
سوبارو: [ما فعله الآخرون من أجلك، يمكنك فعله من أجلهم أيضاً… هذا ما أفكر فيه……]
ريوزو: [فوفو، دعني أعد صياغة ما قلته. لست طيباً فحسب، بل إنك طري العود وساذج أيضاً.]
سوبارو: [أعرف مقولة شهيرة تقول إن على الرجال ألا يكونوا أقوياء فحسب، بل طيبين أيضاً…… هاه؟ وبناءً على هذا المنطق، ألست رجلاً لأنني لست قوياً…؟ إذن ما أنا؟]
ورؤية سوبارو عاجزاً عن الدفاع عن نفسه حيال ما جره على ذاته، ترددت أصداء ضحكة عميقة في حلق ريوزو. استغرب سوبارو من ردة فعلها غير المتوقعة، فمسحت زوايا عينيها بإصبعها قائلة: “معذرة، معذرة.”
ريوزو: [أفهم ما تود قوله. سأزوركم بين الحين والآخر لأتأكد من أن غا-بو وفريدريكا لن يشعرا بالوحدة. أهذا يرضيك؟]
سوبارو: [أعتذر. لعل الأمر بدا وكأن شخصاً دخيلاً يزعجك بهذا الشأن.]
ريوزو: [ليس هناك ما تعتذر عنه…… فقط، إن كان الأمر يتعلق بطفل صغير جداً، لم يبلغ سن الرشد بعد، وابتعد عن والديه، أليس في هذا القصر من هو أصغر سناً من غا-بو؟]
سوبارو: [أأنتِ تقصدين……]
وفور أن خمّن سوبارو الشخص الذي تعنيه ريوزو، اقترب وقع خطوات منهما. وحين حول هو وريوزو أبصارهما صوب مصدر الصوت، رأيا بترا تركض نحوهما.
كانت بترا تحمل ملابس إضافية لسوبارو في يديها، منادية: “سوبارو-ساما~!” وهي تهرول نحوه، وبدت مفعمة بالطاقة. بيد أنها توقفت فجأة قبل أن تطأ قدمها مكان السقي.
بترا: [وااه! كيااه! سوبارو! لماذا أنت عارٍ تماماً!?]
سوبارو: [آه، تباً. كنت أنوي الاستحمام، لكنني اندمجت في هذا الحديث العميق.]
احمَرَّ وجه بترا وهي تعلق على جسد سوبارو شبه العاري بينما تغطي وجهها بكِلتا يديها. ومع ذلك، كانت تسترق النظر إليه عبر الفراغات بين أصابعها، في مشهدٍ اعتبره سوبارو مألوفاً وكثير التكرار في الأنمي والمانغا.
وحتى أذنا بترا اكتستا بلون أحمر قانٍ وهي تطلق هتافاً منفعلاً بعض الشيء: “وااه، وااه!”.
سوبارو: [انظري يا ريوزو-سان. هذا ما يُسمى برد فعل الفتاة المراهقة اللطيف.]
ريوزو: [إنك طمّاع للغاية لتطلب مني التصرف على هذا النحو…… ولا جدوى من ذلك حتى لو فعلتُه أساساً؛ فأنا امرأة طاعنة في السن.]
سوبارو: [أنتِ لا تبدين كعجوز أبداً، بغض النظر عن أسلوبكِ الناضج في الحديث……]
ومتجاوباً مع نبرة ريوزو الهادئة، سحب سوبارو دلواً من ماء البئر. ثم أفرغ ذلك الماء الشديد البرودة فوق رأسه، صارخاً: [أغـ! بارد!]
سوبارو: [على أي حال، ردة فعلكِ هذه تبدو ناضجة جداً بالنسبة لعمركِ يا بترا.]
بترا: [آه، سوبارو-ساما، ما زلت تعاملني كطفلة، أليس كذلك؟ أقول هذا للعلم فقط، لكنني بلغت الثالثة عشرة من عمري مؤخراً؛ أي بفارق عام واحد فقط عن غارف-سان!]
سوبارو: [حتى لو كان الأمر يتعلق بتواريخ ميلادهما، فإن حقيقة وجود فارق عام واحد بين بترا وغارفيل تبدو طريفة جداً بالنسبة لي……]
فمن جهة، هناك غارفيل، الذي لا توحي قوته القتالية ومظهره بأنه في الرابعة عشرة، رغم أن شخصيته توحي بذلك. ومن جهة أخرى، هناك بترا، التي تشبه برعماً يسعى تدريجياً ليتفتح كزهرة، محتفظة بمظهرها الصغير واللطيف.
كان ذلك هو المسار الطبيعي للأمور؛ فالزمن يمضي ولا يمكن إيقافه، غير أن مفهوم النمو يظل فكرة ثمينة.
سوبارو: [حسناً، أنا في الثامنة عشرة من عمري، بينما إيميليا-تان وبيكو لا يطرأ على مظهرهما أي تغيير يُذكر. ومن هذا المنظور، أرى قدراً هائلاً من الإمكانيات لدى بترا……]
ريوزو: [سو-بو، سو-بو. هل من اللائق بمراهق أن ينظر إلى الأمور من منظور كهذا؟]
سوبارو: [حتى لو قلتِ ذلك…… آه، شكراً لكِ على الملابس الإضافية يا بترا. مع أنها سقطت من يديكِ بينما كنتِ تحدقين بي.]
هزّ سوبارو رأسه لينفض الماء عن شعره، ثم التقط القميص الملقى عند قدمي بترا، وارتداه بعد أن نفض عنه التراب. وبدت بترا وكأنها استوعبت للتو أنها أسقطت ملابسه، مطلقة هتافاً مباغتاً: “وااه!” بينما احمر وجهها خجلاً من زلتها.
بترا: [أوو~، أنا آسفة. أعتذر عن إسقاط ملابسك، وعن المياه قبل قليل أيضاً……]
سوبارو: [لا، إنه مجرد خطأ لطيف وبسيط. وبغض النظر عن موضوع ملابسي، لقد ابتللت لأن حظي كان سيئاً. وفوق ذلك، أظهرت جانباً غير لائق مني أمام آنستين.]
ريوزو: [لقد حسبتني كآنسة…… حسناً، حسناً، أنت بارع حقاً في مغازلة العجائز.]
ابتسم سوبارو بمرارة لريوزو، التي هزت رأسها ببطء كعادتها. وعقب ذلك، ربت برفق على رأس بترا، التي كانت لا تزال تلوم نفسها، وابتسم لها قائلاً: “لا بأس.”
سوبارو: [الجميع يرتكبون الأخطاء بين الحين والآخر، وليس الأمر وكأن أحداً قد أُصيب بأذى بسبب ذلك. لا مشكلة قط، لا مشكلة على الإطلاق.]
بترا: [……أجل، أفهم ذلك. سأحرص على تدوين هذا في مذكراتي اليوم.]
سوبارو: [أأنتِ تكتبين مذكرات؟ هذا رائع. أنا من النوع الذي يجيد المواظبة على الأمور شيئاً فشيئاً كل يوم، لكن مذكراتي لا تدوم طويلاً مهما فعلت.]
لقد استطاع أن يجعل من تمارينه الرياضية والجري عادة يومية ثابتة، إلا أن مذكراته لم تكن تستمر طويلاً لسبب غريب. واعتقد أن السبب ربما يعود إلى أن محتوى ما كان يكتبه كل يوم لم يكن ثابتاً.
وعلاوة على ذلك، كانت أيامه التي قضاها متغيباً عن المدرسة تتسم بالرتابة والملل، لذا لم يكن لديه ما يكتبه آنذاك.
سوبارو: [رغم أن “مذكرات بيكو اللطيفة” لا تزال مستمرة حتى الآن……]
بترا: [هل ستريها لبياتريس-تشان لاحقاً؟]
سوبارو: [أجل، أريد أن أتباهى أمامها بمدى الدلال والحنان الذي أغدقه عليها يومياً.]
وعلاوة على ذلك، كانت ردود فعل بياتريس درامية ولطيفة؛ فإذا كان الأمر ينطوي على تدليل بياكو، فإن سوبارو سيتحدى نفسه بكل سرور للتغلب على ضعفه في المواظبة على كتابة مذكراته.
وعلى أية حال――،
بترا: [إذن، فيمَ كنتما تتحدثان؟]
سوبارو: [آه، مجرد حديث عابر؟ شيء من قبيل: “ألا تشعرين بالوحدة لفراق غارفيل؟” وأمور كهذه…… لكن، أنتِ أيضاً بعيدة عن والدكِ ووالدتكِ؛ ألا تشعرين بالحنين إلى منزلكِ أو ما شابه؟]
بترا: [“حنين إلى المنزل”…… أتسألني إن كنتُ أفتقد منزلي؟]
واضعةً إصبعها على شفتيها، عقدت بترا حاجبيها وهي تفكر في كلمات سوبارو وتستوعبها؛ وبدت غارقة في التفكير، متمتمةً: “هممم، دعني أفكر…” قبل أن تتابع:
بترا: [في بعض الأحيان، أشعر بالوحدة. لكن هذا ما قررتُ أن أفعله، وأنا أفعله الآن؛ لذا لا يحق لي أن أتذمر.]
سوبارو: [وااه، يا لكِ من ناضجة…… أسمعتِ ما قالته يا ريوزو-سان؟]
ريوزو: [سمعتُ ذلك، سمعتُه. يا إلهي، تبدو وكأنك فخور جداً بها، أليس كذلك؟]
أومأت ريوزو برأسها لسوبارو الذي استدار نحوها، وهو فخور حقاً بجواب بترا الواثق.
لقد كان الأمر تماماً كما قالت بترا.
فهو الآخر يسعى لإنجاز ما نذر نفسه له؛ وإن كان الأمر كذلك، فبدلًا من الشكوى الضعيفة، كان عليه أن يرفع رأسه ويبتسم، حتى لو كان يتألم ويعاني.
بترا: [سوبارو-ساما، هل كان جوابي جيداً؟]
سوبارو: [――. أجل، بالطبع؛ كما هو متوقع من بترا! إنه الجواب الذي كنتُ أريده!]
بترا: [كيااه!]
وتجاوباً مع سؤال بترا القلقة، رفع سوبارو جسدها بين ذراعيه.
كان الشعور مشابهاً لما يفعله مع بياكو، لكن بترا كانت أثقل وزناً مقارنة بها ― والسبب هو أنها كانت في مرحلة النمو.
سوبارو: [لم تعودي في السن التي يمكنني فيها حملكِ هكذا، هاه……]
بترا: [هذا واضح! ……ولكن، إذا كنت ستعطي هذا الوجه الحزين، فلا بأس بأن أجاريك.]
سوبارو: [أوه، شكراً لكِ!]
ورغم أنها أشاحت بوجهها عنه، إلا أنها سمحت له بالتمادي في أنانيته؛ ومستغلاً لطف بترا، قضى سوبارو بعض الوقت الإضافي في رثاء توديع طفولتها.
وكانت ترنو إليهما:
ريوزو: [يا للغرابة، أنا لا أعرف حقاً أيكما هو الطفل.]
تمتمت ريوزو بذلك بوجهها الشاب، ولكن بأسلوب كبار السن.
△▼△▼△▼△
――وسط تناثر السوائل وتدفقها، هطل على رأس سوبارو وابلٌ من الدماء السوداء، لتنقطع فجأة تلك المشاهد من شريط حياته الذي كان يمر أمام عينيه.
كان القاسم المشترك الوحيد بين ذلك المشهد من الذاكرة والواقع الحالي هو انسكاب سائل فوق رأسه؛ ولكن إذا أخبر بترا أن تلك الذكرى المتعلقة بها خطرت على بسامي في هذه اللحظة بالذات، فقد تخيل أن الموقف سينتهي بغضبها الشديد منه.
بيد أنه، لكي ينال حظه من ذلك التوبيخ لاحقاً، لم يكن بوسع سوبارو أن يتوقف في مكانه هنا.
سوبارو: [لماذا أصاب سهم الصياد الثعبان……!؟]
فالذي اعترض طريق هروبه، وهو يحتضن لويس على مضض بين ذراعيه، لم يكن سوى تلك الحية الضخمة التي كانت تختبئ داخل الغابة.
وفي اللحظة التي كادت فيها أشداقها المفتوحة تبتلع سوبارو بالكامل، تدخل عائق قوي فجأة بينهما، ليكون من حسن حظه أن ينجو من الموت بأعجوبة.
سوبارو: [――――]
وما اخترق جسد الثعبان — الذي يماثل سمكه ثلاثة أشخاص بحجم سوبارو مجتمعين — لم يكن سوى سهم أطلقه ذلك الصياد الذي كان يعذبه هو وريم حتى هذه اللحظة.
فكر في احتمال أن يكون الصياد قد أخطأ هدفه بشكل غير متوقع؛ غير أنه بالنظر إلى أن السهم قد اخترق منتصف الثعبان تماماً، شعر أن احتمالية الخطأ كانت ضعيفة جداً.
وهذا يعني――،
سوبارو: [أنهم قد أنقذوني……!؟]
ورغم أنه لم يستطع فهم ذلك على الإطلاق، لم يتبادر إلى ذهنه أي تفسير آخر.
فقد كان واثقاً من أن الصياد لم يتصرف بدافع نزوة، كما كان من الصعب تخيل أن الموقف سينقلب فجأة ليتخذ مساراً مشابهاً لقصص الشونين مانغا، بعبارات مثل: “أنا وحدي من سيقتلك!”.
غير أنه، إن اكتفى سوبارو بالنظر إلى ما حدث للتو، فقد أنقذه الصياد. وفضلاً عن ذلك، لم ينحصر أثر تلك الضربة الواحدة في إيقاف أنياب الحية المندفعة خلال هذه اللحظة فحسب.
ثعبان وحش السحر: [――――ϡϡ!!]
ومخترَقاً جسدُها بذلك السهم، أطلقت الحية النازفة صرخةً زلزلت السماء، دوت وكأن شيئين صلبين يحتكان ببعضهما ليصدرا صريراً يصمّ الآذان.
وهكذا، وعوضاً عن ملاحقة سوبارو الذي كان يحاول الهرب منها، التفتت الحية نحو الاتجاه الذي انطلق منه السهم ― مصوّبةً بصرها نحو الرامي الذي شقّ جسدها، لتبدأ في الزحف عبر الغابة، غير مبالية بما تحطمه من نباتات في طريقها.
لقد كان من المرعب رؤية حية يبلغ طولها عشرة أمتار تزحف فوق أرض الغابة، مقتربة من طريدتها.
ودون أن توحي بأي شعور بالبطء رغم ضخامة جسدها، كان مشهدها وهي تتحرك فوق الأرض وكأنها تنزلق بسلاسة، يبعث شعوراً بأن الأرض التي ترتكز عليها الغابة نفسها قد بدأت تتحرك.
رد الصياد على تقدم الحية بهجوم مضاد مستخدماً سهماً آخر، لكنه لم يصبها.
ثعبان وحش السحر: [――――ϡϡ!!]
كاشفةً عن أنيابها ولعابها يتقاطر منها، استهدفت الحية الضخمة الصياد وانقضت عليه.
وبقفزةٍ خاطفة، تفادى الصياد هجومها، ليطلق سهماً من مسافة قريبة جداً بغية الإجهاز عليها.
معركةٌ ضارية بين بشريٍّ ووحش سحر، يحاول فيها كل طرف قتل الآخر، كانت فصولها تدور خلف الأشجار.
وفي خضم أصوات الارتطامات والانفجارات المتناثرة في كل مكان، جراء ذلك النزال المستمر الذي لم يتراجع فيه الصياد ولا الحية قيد أنملة، عاد سوبارو مسرعاً نحو الحفرة الكبيرة التي توجد فيها ريم، محكماً إمساكه بلويس بين ذراعيه.
وعندئذٍ――،
سوبارو: [ريم، أعطني يدكِ! سنستغل الفرصة للهرب!]
ريم: [――هكـ، هل الفتاة بخير؟]
سوبارو: [أجل، إنها غارقةٌ في نوم عميق لدرجة تثير أعصابي! تفضلي، أسرعي!]
مدّ يده نحو ريم، التي كانت تسند ظهرها إلى الجدار داخل الحفرة الكبيرة. غير أن ريم نظرت إلى يده، قبل أن تهز رأسها قائلة “لا”، ووضعت يديها على حافة الحفرة لتخرج بنفسها.
كانت حركة نابعة من العناد، تعلن بها أنها ترفض الإمساك باليد التي مدها سوبارو نحوها. وإن كان الأمر كذلك، فلا بأس. سحب سوبارو يده، وأخرج سوطه بدلاً من ذلك ليثبت به لويس بإحكام على ظهره.
فلو تركها سوبارو، لاندلع الخلاف مجدداً بينه وبين ريم؛ وكان يريد تجنب حدوث ذلك.
سوبارو: [وبالإضافة إلى ذلك――!]
ريم: [انتظـ…]
بعد أن أحكم ربط جسد لويس على ظهره وتأكد من أنها لن تسقط، حمل سوبارو ريم بقوة — بعد أن زحفت خارج الحفرة — بين ذراعيه.
ومع انتهائها محمولة كأميرة، تصلبت ملامح ريم بسبب حركة سوبارو المفاجئة.
ومع ذلك――،
سوبارو: [فكري! أنا، أم الصياد، أم الحية؛ أيهم تفضلين في هذه اللحظة بالذات!؟]
ريم: [……لو كان التواصل معها ممكناً، لاخترت الحية.]
سوبارو: [هذا مستحيل، لذا تحمليني أنا، صاحب المركز الثاني! هيا بنا!]
أشاح سوبارو بنظره عن ريم، التي عجزت عن إخفاء اضطرابها الداخلي على وجهها، رغم اعتقاده بأن أولوياتهم كانت واضحة جداً. ومسترقاً النظر بطرف عينه نحو المعركة المستمرة بين الصياد والحية، ابتعد سوبارو عن ساحة القتال، راكضاً بأقصى قوته.
سواءٌ كان المنتصر هو الصياد أم الحية الضخمة، توقع سوبارو أن يشرع الفائز في مطاردته هو وريم فور انتهاء القتال. لم يكن يعرف متى سينتهي الأمر بالتحديد، أو إن كان سيُحسم عاجلاً أم آجلاً، لكنه أراد الابتعاد عنهم بأقصى ما يستطيع.
ريم: [――ما الذي ستفعله؟]
سوبارو: [كلاهما معتاد جداً على الغابة مقارنة بنا……! نحتاج إلى طريقة لتضليلهما وإيقاف ملاحقتهما، لكن الهروب من الحية أمرٌ ميؤوس منه بسبب رائحة جسدي؛ لذا……]
كان يود لو يدعو أن يكون النصر من نصيب الصياد.
فإن كان الصياد مطارداً لا صلة له بميازما الساحرة التي تحيط به، فإن سبل تضليلهم وإخفاء الأثر تستحق التطبيق والتجربة.
سوبارو: [اختيار المسار الذي لا يترك الكثير من آثار الأقدام، وطمس المعالم قدر المستطاع، وبعد ذلك يأتي……]
ريم: [ترك آثار في اتجاه مختلف، أليس كذلك؟]
قالت ريم ذلك وهي تكسر غصناً صغيراً كاد يلامس جسدها، لترميه بعيداً وتدعه يخدش الأشجار الواقعة في اتجاه يختلف عن مسار هروبهما.
فإن توزعت الآثار في مكانين، أحدهما ذاك الغصن المكسور والآخر تلك العلامة على الشجرة، فهل سيرتبك الخصم أمامها؟
سوبارو: [――――]
وبينما واصل سوبارو ركضه حاملاً ريم بين ذراعيه، انتابه شعور عميق لا يناسب الموقف، يشبه الحنين نوعاً ما. ففي الماضي، عاش تجربة الركض عبر الغابة بينما تطارده وحوش السحر، في وضع مشابه للوضع الحالي.
لكن الشخص الذي كان يحمله آنذاك لم تكن ريم، بل كانت رام.
سوبارو: [نيه-ساما قد نسيت الأمر أيضاً، لذا أنا الوحيد… هاه… الذي يتذكر ذلك، ولكن……]
ريم: [أنفاسك تنقطع. سيلحقون بنا إن استمر الأمر هكذا.]
سوبارو: [أعلم ذلك! تباً، أنتما الأختان… هاه… لا تملكان ذرة رحمة حقاً…!]
لم تكن رام هي من يحملها بين ذراعيه، لكن قسوة كلماتها كانت مطابقة تماماً لأختها.
سرت في داخله عاطفة قوية حين أدرك الشبه بينهما، مما أعطى ظهره دفعة مشجعة. حث سوبارو نفسه على مواصلة الركض رغم انقطاع أنفاسه، تاركاً لريم مهمة مراقبة ما يحدث خلفهما، واندفع باستماتة عبر الغابة.
على أي حال، كان سوبارو يركض طوال اليوم.
كان منهكاً ومستنزفاً جسدياً وذهنياً، وأراد أن يتمدد على الأرض إن أمكن. في الواقع، كان سيفعل ذلك بمجرد أن يضيع مطارده؛ سينام لثماني ساعات متواصلة.
سوبارو: [لذا، أرجوك تحمل حتى أتمكن من فعل ذلك، يا جسدي العزيز――!!]
ريم: [――هكـ، انتظر!]
سوبارو: [آي آي آي آي!? لماذا فعلتِ ذلك ماذا بحقك!?]
وبينما كان سوبارو يحفز نفسه بالصراخ على جسده ليتحرك، قامت ريم المحمولة بين ذراعيه بشد أذنه بقوة. وبينما عبس من الألم، أشارت ريم نحو اتجاه يبتعد عن المسار الذي كانا عليه:
ريم: [أسمع صوت ماء. نهر…… جارٍ؟ ربما يمكنك محو آثارنا به؟ كما أنك قلت إنك بحاجة للماء أيضاً.]
سوبارو: [لقد كنتِ تستمعين حقاً لحديثي عن معرفتي بالبقاء والنجاة…… أنا متأثر، لكن هذا يمكن أن ينتظر. أنتِ محقة، سيكون رائعاً لو كان هناك نهر! إذا عبرنا النهر مؤقتاً، فبالتأكيد لن يتمكنوا من مطاردتنا بسهولة……!]
لسوء الحظ، لم يكن صوت المياه الجارية مسموعاً لسوبارو، بسبب الضجيج المزعج لضربات قلبه السريعة وأنفاسه، لكن لم يكن لديه سبب للتشكيك في دقة سمع ريم في هذا المكان، وفي هذا الوقت.
ومطيعاً لريم التي أشارت بإصبعها قائلة: “من هناك”، غيّر سوبارو مساره، واندفع عبر الغابة باحثاً عن النهر.
وحين تجاوز مجموعة الأشجار وقفز فوق العشب، وبمجرد أن انفتح الطريق أمامه――،
سوبارو: [――إنه نهر! ……ولــكــن؟]
في اللحظة التي انقشعت فيها الغابة واتسع مجال رؤيته، تمكن سوبارو أخيراً من سماع صوت المياه الجارية بهدير هائل ― أجل، بهدير هائل جداً.
بالطبع سيصل صوت كهذا إلى أذنيه، فمصدره كان نهراً عظيماً. وعلى امتداد ما استطاع سوبارو وريم رؤيته وهما ينظران للأسفل، كانت المياه تتدفق بقوة من جرف يبلغ ارتفاعه حوالي عشرة أمتار.
بدا الأمر وكأنه يسخر منهما لتفكيرهما أنهما يستطيعان ببساطة عبوره لمحو آثارهما.
ريم: [مهما نظرت إلى الأمر، فهذا……]
بين ذراعيه، كتمت ريم شهقتها، وهي تحدق في النهر الهائل أسفلهما.
بالنظر إلى قوة تدفق المياه وارتفاع الجرف الشاهق، كان من الطبيعي أن تشعر بالصدمة أمام هذا المشهد. ولعلها كانت تلوم نفسها أيضاً لجلبهما إلى هنا، لمجرد أنها اعتمدت على حدسها.
غير أنه لم يكن هناك وقت لمعاتبتها على أمر تندم عليه بالفعل، ولا وقت لفعل العكس ومواساتها.
سوبارو: [――سحقاً، هل انتهى القتال!؟]
ومن الغابة خلفه، دوى زئير شرس من بعيد ليشق عنان السماء.
بدا وكأنه صرخة الحية الضخمة، مشحونة بنوع من المشاعر. وسواء كان ذلك علامة نصر أو علامة هزيمة، فإن من نجا منهما سيأتي لملاحقة سوبارو وريم.
سوبارو: [قبل أن يحدث ذلك، يجب علينا أن……]
ريم: [――اتركني.]
وبينما كان سوبارو يفكر في ضرورة مغادرة المكان، صرحت ريم بذلك، وهي لا تزال محمولة بالقرب من صدره.
لسماع نبرتها المتوترة، زفر سوبارو نفساً قصيراً، و،
سوبارو: [مـ… ماذا؟]
ريم: [اتركني. إنني المخطئة لأنني جعلتك تسلك طريقاً لا داعي له. لا يمكننا إضاعة لحظة واحدة. سأحاول تأخير العدو بطريقة أو بأخرى، لذا……]
سوبارو: [لا، لا تقولي تفاهات! ترككِ أمر لا أستطيـ……]
ريم: [إذن، ما الذي ستفعله ماذا بحقك!؟ كيف لك، وأنت تحمل طفلة وامرأة لا تستطيع تحريك ساقيها، وأنفاسك منقطعة وركبتاك ترتعدان، أن تفعل أكثر من هذا!؟]
سوبارو: [――――]
صرخت ريم في وجهه من مسافة قريبة، وقد احمر وجهها غضباً. لم يكن سوبارو عاجزاً بسبب حدة كلماتها، لكنه لم يتمكن من الرد الفوري.
لم يكن سوبارو ذكياً بما يكفي ليقترح خطة بديلة فوراً عند سؤاله.
غير أنه، ولأنه لم يكن ذكياً، استطاع التوصل إلى جواب لا يتطلب ذلك.
سوبارو: [――كلا، هذا لا ينفع. لن أترككِ هنا.]
ريم: [――هكـ، يا لك من عنيد……]
سوبارو: [أيّنا هو الأشد عناداً، هاه!؟ أفهم أنكِ تشعرين بالمسؤولية! لكنكِ تظهرين هذا الإحساس بالمسؤولية في المكان والزمان الخطأ! لا يمكنني ترككِ خلفي!]
ريم: [ماذا……]
سوبارو: [لا معنى لأي شيء إن لم تكوني معي! إن كنتِ ستموتين، فمن الأفضل أن أموت بدلاً منكِ. ما الذي يمكنني فعله لأجعلكِ تفهمين ذلك!؟]
تحدث سوبارو بصدق، محاولاً إبعاد فكرة ريم من الطاولة.
كانت كلماته نابعة من قلبه. بالطبع، سوبارو لم يكن يريد الموت أيضاً. حتى لو منحته “العودة بالموت” فرصة أخرى، فإنه لا يريد أن يموت. لهذا السبب كان الأمر مقتصراً على كونه عالقاً في معضلة، باحثاً عن الخيار الأفضل بين الخيار الأسوأ والخيار غير المرغوب فيه.
ومع ذلك――،
سوبارو: [سأختار الطريقة التي تضمن ألا يُقتل أيٌّ منا.]
ريم: [……وما الذي ستفعله بشأن تلك الفتاة المربوطة على ظهرك؟]
سوبارو: [أود استخدامها كطُعم لو سُمح لي بذلك، لكنني سأواجه مشكلة وتذمراً بسبب ذلك. لذا، في الوقت الحالي، سأستمر في الهرب وأنا أحملها معي.]
على أي حال، كان الأمر يثير استياءه؛ كيف أن لويس كانت دائماً تتورط في المشاكل بينه وبين ريم.
ومع ذلك، لو تخلى عن لويس الآن، فإن علاقته مع ريم ستتضرر بشكل لا يمكن إصلاحه. كان هذا الخيار مستبعداً تماماً. ولهذا السبب، ومهما كانت بغيضة، لم يستطع سوبارو التخلي عنها.
ريم: [――――]
عند سماعها لكلمات سوبارو النابعة من إرادته الحازمة، وسعت ريم عينيها وسكتت.
وحتى الآن، استطاع سوبارو أن يلمح صراع ريم الداخلي، فهي غير قادرة على فهم كيف ينبغي لها أن تحكم عليه، وهو المحاط برائحة شريرة لا تطيق تحملها.
مبقياً تعابيرها المترددة في طرف عينه، تفحص سوبارو محيطه باحثاً عن طريق للهرب.
بيد أن طريقاً يؤدي إلى نجاتهم لم يكن شيئاً يسهل العثور عليه بتلك البساطة. أدرك سوبارو أن الموقف كان يوفر سبباً كافياً لريم لكي تطلب منه استخدامها كطُعم.
وإن كان الأمر كذلك، فإن خيارهما المتبقي هو――،
سوبارو: [――أن نحلق في الهواء.]
ريم: [ماذا…… انـ-انتظر! هذا ما يُسمى بالتهور! هل تفهم الموقف الذي نحن فيه!؟]
سوبارو: [أنا هنا، منهك القوى من الوزن المربوط على ظهري، وأحمل ريم التي لا تستطيع تحريك ساقيها، وثلاثة من أصابعي مكسورة، وقفصي الصدري في حالة مريبة……]
ريم: [بخصوص أصابعك…… على أي حال! من السخف أن تحاول شيئاً كهذا في حالتك! من هذا الارتفاع…… بمجرد أن تقفز، ستفقد وعيك وتغرق!]
أشارت ريم إلى النهر العظيم تحتهم، مبدية اعتراضاتها الواقعية على خطة سوبارو.
كان الارتفاع يبلغ عشرة أمتار، وكانا في وضع يجب فيه على الشخص المصاب أن يعتني بشخصين لا يستطيعان حتى التحرك بشكل سليم. وإذا كان عليهما بطريقة ما الوصول إلى الضفة المقابلة وهما يصارعان المياه العنيفة، فمن الطبيعي اعتبار ذلك تصرفاً انتحارياً.
سوبارو: [لكن، هذا ليس انتحاراً. وحتى لو كان كذلك، إن متنا، فسنموت معاً.]
ريم: [مستحيل تماماً!]
سوبارو: [آيااه!]
وجهت له ريم صفعة قوية على ابتسامته التي أظهرت أسنانه اللامعة. التوى عنقه جانباً من قوة الضربة، وبينما أطلق أنيناً متوجعاً: “آي آي”، والوجنة التي تلقت الصفعة تحمر، قال:
سوبارو: [فهمت. بما أنكِ تقولين ذلك، فلن أموت.]
ريم: [――――]
سوبارو: [أنا من سيحقق أمنيتكِ. ――لأنني، بطلكِ.]
عند سماع كلماته، حدقت ريم فيه بعينين متسعتين.
لم يكن ذلك لأن ذكرياتها قد تحركت فجأة، بل كان من باب المفاجأة أن سوبارو قد كرر بوقاحة نفس الإعلان غير الجدير بالثقة الذي قاله فور استيقاظها، دون أن يتعلم من الكارثة التي أدت إليه.
لكن، ذلك كان لا بأس به.
لم يكن يريد بالضرورة أن يجعل ريم تستمع لما قاله للتو. ――كل ما أراد فعله هو إلقاء تعويذة على الرجل المنعكس في عيني ريم الزرقاوين الفاتحتين، والذي يخفي ضعفه خلف ستار من التظاهر.
سوبارو: [تشبثي بقوة.]
زفر سوبارو وهو يقول ذلك، مستشعراً الخطر يقترب منهما.
كانت ريم تحاول المقاومة حتى الآن، لكن سوبارو كان قد دفع الأرض بقدميه بالفعل، بينما كان يختار كلماته بعناية ليجعلها تتوقف. وتأهباً للسقوط، أمسكت ريم بملابس سوبارو بقوة.
وعندئذٍ――،
ريم: [――لن أسامحك إن مت!]
”آه، لا يمكنني أن أموت إذا قلتِ ذلك”، ضحك سوبارو بمرارة وهو يوجه ركلة قوية نحو الجرف.
△▼△▼△▼△
ارتفع عمود من الماء في الهواء إثر الارتطام، وابتلعت جسده قوة عنيفة، فبدأ يدور ويدور.
ولأنه تمكن من الغوص في الماء بقدميه أولاً، فقد أبقى الضرر الناتج عن السقوط في حده الأدنى.
ومع ذلك، كانت قوة السقوط كافية لإلحاق ضرر به، وبالنسبة لسوبارو، الذي كانت طاقته في المنطقة الحمراء بالفعل، لم يستطع محو انطباع أنه ضغط على أسنانه وتحمل الأمر بما تبقى له من قوة إرادة ضعيفة.
رغم ذلك، لم تكن هناك حاجة لمحو هذا الانطباع.
سوبارو: [غاه، بـه،]
بدون الحاجة لمسح ذلك الانطباع، كان جسد سوبارو مبللاً بالكامل. لقد تقاذفته قوة المياه المندفعة، وكأنه منشفة تُقلّب داخل غسالة.
أراد أن يطفو بطريقة ما إلى سطح الماء ويتنفس. ومع ذلك، لم يكن يملك حرية فعل ذلك. حتى لو أراد تحريك أطرافه في محاولة للطفو، لم يستطع لأنه كان يحمل من يعز عليه بين ذراعيه.
سوبارو: [――――]
كان الماء يعتصره بقوة، لكنه شعر بمن يحب ومن يكره بين ذراعيه وعلى ظهره بالتوالي. لم ينفلت السوط المربوط بجسده، ولا ذراعاه اللتان تحتضنان الفتاة بقوة.
سوبارو: [غابـه… غابـه…]
بسبب صدمة الغوص في الماء، تسرب معظم الهواء الذي استنشقه قبل القفز من رئتيه.
لم يكن سيبدأ بالسباحة، لكنه كان بحاجة إلى القدرة على التحمل والأكسجين ليحافظ على وعيه. وبما أن كليهما كان على وشك النفاد، لم يكن بإمكانه البقاء مرتاحاً وأخذ الأمور ببساطة.
سوبارو: [غابـه، غابـه……]
تدفقت المياه إلى فمه من أنفه، وشعر وكأنها تتسرب إلى عينيه وأذنيه أيضاً.
كانت قدماه تتخبطان في الماء بلا فائدة، وشعر بالعجز التام عن فعل أي شيء بينما يُسحب إلى مريء كائن عملاق ― والذي لم يكن سوى هذا النهر الضخم. وبمجرد وصوله إلى “هناك”، لن يكون من الممكن التراجع أبداً.
وقبل أن يصل إلى هناك، كان عليه أن يفعل شيئاً.
سوبارو: [غابـه… غابـه…]
وبينما كان يتخبط باستماتة في الماء، دارت الكثير من الأفكار غير الضرورية في رأسه.
تماماً كما تذكر بترا وريوزو عندما استحم بالدماء، ومثلما تذكر حمله لرام وهو يركض في الغابة، خطرت أشياء كثيرة بباله.
هل إيميليا وبياتريس ورام وميلي بخير؟ ماذا يفعل يوليوس وأناستاسيا وإيكيدنا الآن؟ سيشعر الجميع بالاطمئنان لو كانت باتراش هناك. لو كانت باتراش هنا، لكانت قد أنقذته. الإنقاذ والتعرض للإنقاذ. لقد كرر هذه الدوامة مرات عديدة، وكان من المفترض أن تكون ريم هي أكثر شخص كرر ذلك معه، لكنها كسرت أصابعه. لم يفكر في الأمر حتى الآن، لكنه أبلى بلاءً حسناً بعدم صراخه، رغم أن الأمر كان يؤلم حقاً. أحسنت. لم يكن يريد أن يفعل أي شيء غبي أمام ريم. أمام إيميليا، أمام بياتريس، وأمام بترا وغارفيل أيضاً. أوتو وكليند وفريدريكا يعرفون مدى بؤسه، لذا لا يهم الأمر معهم. ستأخذ الأمور منعطفاً مرعباً إذا علم روزوال بالأمر، لذا يجب عليه الاستمرار في إخفائه بطريقة ما. يجب عليه العودة إلى بريستيلا بسرعة، ومساعدة الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليه، الانتخابات الملكية، الغد، الجميع――،
سوبارو: [غابوه… غابـه……]
الجـ، ميع――،
△▼△▼△▼△
سوبارو: [――غاهكـ،]
مدّ يده بأقصى قوته، وسحب نفسه مقترباً من الغصن الذي تمكن من الإمساك به. أمسك به بيده اليسرى، فاجتاحه ألم مبرح عبر أصابعه الثلاثة المكسورة، لكنه لم يكترث لذلك.
تجمد جسده بالكامل حتى العظم، وباتت حواسه بعيدة ومتبلدة. كان هناك احتمال أن تكون كل أصابع يده اليسرى مكسورة بدلاً من ثلاثة فقط، لكن لم يكن لديه أي اهتمام بهذا الأمر.
سوبارو: [أورغ، بلهـ،]
دخل في نوبة سعال، متقيئاً كميات كبيرة من المياه التي ملأت معدته.
وفي غضون ذلك، تمكن من سحب الثقل الموجود في ذراعه اليمنى ليقربه منه، جاعلاً وجهها يطفو فوق سطح الماء. ومحدقاً في وجهها الغائب عن الوعي من الجانب، أسرع بالزحف صاعداً نحو ضفة النهر معتمداً على الغصن.
سوبارو: [غاكـ، أورغ،]
على الضفة التي تمكن أخيراً من الوصول إليها، استسلم لغثيانه ليلفظ كمية هائلة من المياه. وبعد ذلك، وهو يقاوم الشعور ببقاء مياه داخل جسده، أراح الفتاة التي سحبها من الماء على الأرض.
سوبارو: [――――]
مقرّباً أذنه من فمها، فحص أنفاسها. لم يكن هناك أي استجابة. عضّ على شفته، وضغط على منطقة صدرها بقوة، مجرياً لها الإنعاش القلبي الرئوي.
مع ذلك، لم تعد إلى الحياة. وفي اللحظة التي انحنى فيها مقترباً بوجهه منها وهو يتساءل عما إذا كان عليه إجراء تنفس اصطناعي، تقيأت بعض الماء مصحوباً بسعلة خفيفة. أمال سوبارو وجهها جانباً، سامحاً لها بإخراج الماء من جسدها.
سوبارو: [هاه، ها……]
متحاملاً على التعب الذي انتشر في جميع أنحاء جسده، فك السوط الذي ربطه حول نفسه، منزلاً الثقل الذي على ظهره. ولعل غيابها عن الوعي منذ البداية كان من حسن الحظ، إذ كانت تلك الحمولة تطلق أنفاساً ضعيفة.
وهذا يعني… أن الجميع… في… أمان――،
سوبارو: [في… أمـ… ان……]
تمايل رأسه جانباً وسط دواره، وسقط على الأرض في مكانه.
فكر أنه يجب عليه مغادرة الضفة بأي طريقة والابتعاد للاختباء في الشجيرات على الأقل، لكن جسده لم يكن يستجيب له على الإطلاق. لقد استُنفدت طاقته بالكامل.
وعاجزاً عن تحريك إصبع واحد، سقط وعيه تدريجياً في غياهب الظلام.
وكأنه وقع في فخ حفرة لأسد النمل، منحدراً نحو عالم مظلم ومجهول، إلى الأبد.
كل ما تمناه قبل أن يفقد وعيه، لم يكن يتعلق بالصياد ولا الحية، بل بأن يقوم شخص آخر بـ――،
سوبارو: [أنقذوا… ريم……]
أمنية وحيدة، أن ينقذ أحدهم ريم على الأقل، حتى لو كانت هي الوحيدة التي ستنجو.
△▼△▼△▼△
――.
――――.
――――――――.
سوبارو: [――آه،]
ببطء، انتُشل وعيه من أعماق ذلك الظلام البارد والمرير.
وفي صمت، تذكر أنه قد نسي كيف يتنفس، فابتلع جرعة هواء ليدخلها إلى جسده الخاوي. المزيد، المزيد. لقد تاق إلى مزيد من الأكسجين كمن كان يغرق، فاتحاً فمه على مصراعيه――،
؟؟؟: [――اخرس وتوقف عن هذا اللهث واللهاث، أنت.]
سوبارو: [مرغهـ،]
دُسّ شيء ما بعنف في فمه المفتوح، وانهال عليه وابل من الشتائم.
اتسعت عيناه، غير قادر على استيعاب الموقف، لكنه لم يستطع رؤية أي شيء. بدا وكأن شيئاً قد لُفّ حول وجهه ليغطي عينيه. ومع ذلك، كان يدرك أن شخصاً همجياً قد حشر شيئاً في فمه.
طعم التراب، وملمس صلب وضخم ― استطاع التخمين في الحال بأنه حذاء.
كان أحدهم يغرس مقدمة حذائه في فم سوبارو.
سوبارو: [أورغهـ! بوهـ! مـ، ما هذا…… غووهـ!]
؟؟؟: [لماذا تعصاني ماذا بحقك؟ ألا تفهم الموقف الذي أنت فيه؟]
سوبارو: [غورغهـ، غارغهـ،]
تلقى سوبارو ركلة قوية ومحكمة في فم معدته بمقدمة حذاء الرجل، بعد أن بصقه سوبارو دون تفكير. وبينما انقطعت أنفاسه من قوة الضربة، وتلتها نوبة من السعال، بصق عليه ذلك الرجل الهمجي.
وبينما كان الرجل يفعل ذلك، كان عقل سوبارو يتخبط في ارتباك شديد.
لم يكن يستطيع الرؤية وكان في غاية الحيرة، ومع ذلك تعرض للعنف.
وبالإضافة إلى ذلك، حتى لو حاول فرك صدره المؤلم، لم يستطع فعل ذلك لأن ذراعيه كانتا مقيدتين خلف ظهره. وكانت ساقاه مقيدتين أيضاً، لذا كان من المستحيل عليه الوقوف والهرب.
سوبارو: [مـ-ما… ما الذي يجري……]
؟؟؟: [آااه؟ إلى متى ستظل تتلاعب كالأحـ……]
؟؟؟؟: [――مهلاً، مهلاً، اهدأ! إنه يجهل ما يدور حوله تماماً! لا حيلة له في ذلك! بدلاً من هذا، هاك! دعنا ننزع العصابة عن عينيه!]
؟؟؟: [تشه.]
بدا أن رجلين يتجادلان أمام سوبارو، الذي كان متكوراً على الأرض ولعابه يسيل من فمه. أقنع الرجل الذي وصل لاحقاً الرجل العنيف، وشعر سوبارو أن ذلك الحضور الفظ قد ابتعد عن المكان.
وبعد ذلك، وصل صوت الرجل الهادئ إلى أذنيه قائلاً: “حسناً،”
؟؟؟؟: [آسف لما حدث لك فور استيقاظك. أظنك تشعر بالتشوش والارتباك، لكنني سأزيل العصابة عن عينيك، حسناً؟ رغم أنني لا أستطيع فك الحبال حول يديك وقدميك، لذا عليك تحمل ذلك.]
سوبارو: [――――]
وبينما ظل سوبارو صامتاً، وضع الرجل يديه برفق على رأسه، وفك العصابة المربوطة بإحكام حول عينيه. شعر سوبارو بالهواء يلامس بشرته، مع وخزة ألم خفيفة، وانتظر حتى يعود إليه بصره وهو يأخذ نفساً عميقاً، متحملاً الألم النابض في صدره.
وعندئذٍ――،
سوبارو: [――أين… أنا ماذا بحقك.]
وفي مجال رؤيته المستعاد حديثاً، كانت الساحة مليئة بالعديد من الخيام ومواقد النار. وإلى جانب ذلك، كان هناك رجال مدججون بالسيوف والدروع، يبعثون شعوراً بالشراسة، ويتنقلون بلا توقف في جميع أنحاء المكان.
وعاجزاً عن النطق تماماً، فكر سوبارو في الصورة الأنسب التي تمثل هذا المشهد أمامه――،
سوبارو: [……لقد رأيتُ مشهداً كهذا في إحدى درامات التايغا التاريخية.]
السبب الذي جعله يفكر في ذلك لم يكن لأنه واجه نهراً ضخماً قبل هذا بقليل، بل ما خطر بباله كان مشهداً من دراما التايغا―― معسكر لوحدة عسكرية، يعج بالاستعدادات قبل أن تبدأ المعركة الرسمية. [1]
بدا الأمر وكأن المشهد أمامه نسخة طبق الأصل من ― لا، لم يكن كذلك.
؟؟؟؟: [لقد عثرنا عليك بمجرد خروجنا لجلب بعض الماء، أجل. أعتذر منك، لكن تم القبض عليك. أنت أسيرنا.]
هل كان الشخص الذي وقف أمامه هو نفس الرجل الذي نزع العصابة عن عينيه؟
واضعاً يده على خصره، تحدث إلى سوبارو بتعابير قلقة بدت صادقة.
――لقد وقع ناتسوكي سوبارو في الأسر.
ملاحظات الترجمة:
[1] – دراما التايغا (Taiga drama) = مسلسلات تلفزيونية تاريخية طويلة.
كلمة تايغا (Taiga) = تعني حرفياً “نهر عظيم”.
(تلاعب لفظي ممتاز يا سوبارو).
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※