الفصل 365 - اختيارٌ شجاع
الفصل الرابع: اختيارٌ شجاع
سوبارو: [ووواح!]
انتُزعت قبضته عن سوطه انتزاعاً، تماماً في اللحظة التي شعر فيها بضربة حادة وقاطعة على يده اليمنى.
وحاول جاهداً مقاومة ذلك فوراً، باذلاً قصارى طاقته في كف يده، بيد أنها لم تكن تضاهي بتاتاً تلك القوة التي سلبت منه سوطه غصباً. وفوق ذلك كله، جُذب إلى الأمام بعنف ليهوي ساقطاً، منقلباً رأساً على عقب نحو الأرض وسط صرخة مباغتة: [“أبيشي!”] [1]
سوبارو: [آااه، يؤلم……]
؟؟؟: [السبيل الوحيد للارتقاء والتحسن، هو أن يكرس المرء نفسه لبذل غاية وسعه في كل يوم. يبدو أنك ما زلت تفتقر إلى القدر الكافي من التدريب. أداء هزيل للغاية.]
سوبارو: [لا يسعني حيال قولك هذا سوى التزام الصمت……]
هوى سوبارو على الأرض المكشوفة، ممتعضاً من تقريع صنيعه والإشارة الفجة إلى عجز مهارته. واستوى جالساً ببطء، لتتطابق نظرتاه مع ذلك الرجل الوسيم المتزن المتبحر بالفطنة.
واتسم الرجل بنظرة حادة في عينيه توحي بالزواحف، وشعر أزرق داكن قُصّ وترتيب بانتظام متناهٍ. وتماماً كالهالة التي يبثها حوله، بزيّ الخدم الرسمي والنظارة أحادية العين التي يرتديها على إحدى عينيه، كان احترافياً، نظامياً، وشديد اللياقة والتهذيب.
وكان اسمه――،
؟؟؟: [――كليند! كيف تجرأت على ارتكاب صنيع مشين كهذا بحق سوبارو-ساما!]
كليند: [――――]
ذاك الشاب المسمى بكليند، حوّل بصره بصمت إلى الجانب. وفي غمرة ذلك، ظهرت أمام عينيه فجأة امرأة طويلة القامة تتقدم نحوهما بخطى ثقيلة.
وكانت امرأة أنيقة وفائقة الجمال ذات عيْنَيْن خضراوين ساحرتين، يتأرجح شعرها الأشقر الطويل يميناً ويساراً. مرتدية زياً للخادمات يطغى عليه اللون الأسود، تجاوزت كليند مقبلة نحو سوبارو، الذي كان لا يزال جالساً على الأرض، ومدت إليه منشفة بيضاء بلطف ورفق.
المرأة: [أتحتفظ بسلامتك يا سوبارو-ساما؟ بحسب ما رأيت، لقد هويتَ على الأرض بوجهك أولاً……]
سوبارو: [أجل، أنا بخير يا فريدريكا. لقد علق ببعض ثيابي نزرٌ من الوحل، بيد أن ذلك أمرٌ معتاد يقع أحياناً.]
تلك المرأة الجميلة ― فريدريكا، ركزت نظرة مشفوعة بالقلق نحو سوبارو، متمسكة بموقفها بعبارة: [ولكن……] بينما تقبل سوبارو المنشفة بامتنان، مستعيناً بها لمسح وجهه.
غير أن كليند هو من بادر إلى هز كتفيه نافثاً ضيقه من كلمات فريدريكا.
كليند: [وتماماً كما تفضل سوبارو-ساما بقوله، فهو أمرٌ معتاد في خضم تدريبه. على حين وجه، ألسْتِ أنتِ من تحرجه وتثير البلبلة بتضخيم الأمر؟ يا لكِ من فضولية متدخلة.]
فريدريكا: [ماها!]
وممتعضاً وجهها حمرة من منتقى كلمات كليند، رشقته فريدريكا بنظرة غاضبة، مبرزة أسنانها الحادة في تحدٍّ.
وواقعاً بين الاثنين اللذين استهلا تبادل النظرات الحارقة، شعض سوبارو برغبة عارمة في وضع رأسه بين كفيه، متمتماً بضيق: [ها هما يعاودان الكرة مجدداً……]
――كليند وفريدريكا.
بزيّ الخدم والخادمات تباعاً، شغل اثناهما مقام العاملين المخلصين تحت إمارة عائلة ماذرز. ورغم سماعه بأنهما يعرفان بعضهما منذ أمد بعيد، إلا أن وشيجة الود بينهما لم تكن على ما يرام قط.
وعادة ما كان الاثنان خادمين كفؤين يجمعان بين اللياقة التامة وفرط الانتباه، بيد أنهما متى التقيا على هذا النحو، كانت تشتعل الجدالات بينهما فوراً عند أدنى فرصة تسنح لهما.
فإن لم تكن نقاشاتهما متمحورة حول تبادل الآراء حيال شؤون روزوال السياسية، وهو صنيع راقٍ ومتقدم للغاية بالنسبة للخدم، لاندلعت نزاعات تافهة حول أبسط الأمور كإفساح الطريق لبعضهما في الممرات.
وخلاصة القول، بدا أنهما عنصران متنافران لا يلتقيان، ولكن――،
سوبارو: [يا فريدريكا، يغمرني السرور لاهتمامك بأمري والقلق عليّ، بيد أنني بخير حقاً، اطمئني.]
فريدريكا: [كلا، لستُ قلقة عليك خصوصاً. جل ما في الأمر أن تعابير هذا الرجل الزائفة وموقفه المتعالي، فضلاً عن ملاحظاته الطائشة والمستخفة، أشياء تثير الغيظ والحنق إلى حد لا يُطاق……!]
سوبارو: [أوه، إذن لم تكوني قلقة عليّ! لقد شعرت بالحرج والكسوف!]
فريدريكا: [آه، ليس الأمر كذلك…! وليس كأنني لم أكن قلقة! بالطبع، أنا مهتمة بسلامتك وعافيتك يا سوبارو-ساما. وليس أنا وحدي، بل بترا أيضاً تشاركني الشعور.]
وبدَت فريدريكا وكأنها أفصحت عن مكنون سرها وصدق خواطرها زلة لسان عفوية، ولم يسع سوبارو إلا مبادلتها ابتسامة مريرة وهو يحك وجنته بإصبعه، متأثراً بسماع اسم بترا من بين شفتيها.
لقد كان يثير قلق نساء القصر باستثناء رام عليهن جميعاً ― لا سيما بترا وحدها.
وفي ظل المعطيات الراهنة، ما كان يُرجح وقوعه هو أن فريدريكا قد كُلّفت بتفقد أحوال سوبارو والاطمئنان عليه نيابة عن بترا، التي كانت غارقة حتى أذنيها في أعبائها ومهامها.
سوبارو: [لكن، أنا من طلب منه ذلك؛ وكنت قد هيأت نفسي مسبقاً لأن يكون هذا التدريب شديد الصرامة والتقشف…… ومهما كلف الأمر، يتحتم عليّ كسر قوقعتي والخروج من عزلتي قبل أن يعود إلى ديار أنيروس.]
كليند: [――عزمك راسخ ومبهر؛ مما يضرم في نفسي جذوة حماس أشد لإرشادك وتدريبك، بل ويلهموني.]
ولسماع جواب سوبارو، ألوح كليند بذراعه، ليلتوي سوطه العاجي اللون محدثاً صوتاً يضارع انفجار الهواء وتمزقه.
وباستخدام السلاح ذاته، كان كليند يعاون سوبارو على تعلم أصول استخدام السوط وقواعده. ونظراً لتقديره الفائق لمهارة كليند ومقامه، كان سوبارو ينعته بـ “المعلم”.
سوبارو: [حقا، التعلم بمفردي لن يبلغ بي سوى مدى محدود، ولقد كنت لأصطدم بحائط مسدود لو لم أحظَ بتوجيه مرشد آخر؛ من الرائع حقاً وجود شخص يجيد استخدام السوط في جوارك؛ شكراً جزيلاً ليدك المعاونة.]
كليند: [يسعدني ويسرني أن أكون عوناً لك، ومسرور بذلك. بيد أنه، إن تحدثنا عن أفراد يجيدون استخدام السوط سواي، فهناك شخص آخر.. مرشح جدير.]
سوبارو: [أه، أثمة شخص آخر يجيد السوط؟ لعل المقصود ليس رام بضربة سوط الكلمات، أليس كذلك؟]
فريدريكا: [يا سوبارو-ساما، تلك الفكرة التي تدور في خلدك هي…… كلا، لا يسعني إنكار قولك إن كان حديثك منصباً على رام.]
تراءت أمارات السخط على محيا فريدريكا حين أطلق سوبارو دعابته، متناولاً سوطه من حيث هوى واستقر، ليمسكه بيده. ورامق كليند وجهيهما، مقارناً بين سلوكهما وتصرفاتهما قبل أن يطبق عينه الواقعة في جهة النظارة أحادية العين،
كليند: [الأمر أبسط مما تظن؛ فأنا أعني المعلم السيد. شخص متعدد المواهب.]
سوبارو: [حسناً، إذن فأنا آبي تماماً أن يتولى تعليمي!]
وفي غمرة حديثه، وطأ سوبارو الخيار الذي يكاد يكون منعدماً بقدمه بحنق، ملوحاً بسوطه بعنف.
انطلق بأقصى سرعة، بسرعة قد تتجاوز حاجز الصوت لو عزم سوبارو على ذلك جدياً؛ واستهدف طرف السوط قطعة خشب مثبتة فوق جذع الشجرة القائم بينه وبين سوبارو، محدثاً صوتاً عميقاً وأجوف.
مشتبكاً ومطبقاً بقطعة الخشب المستقرة فوق الجذع الدائري بواسطة السوط.
تلك كانت المهمة التي ألقاها كليند على عاتق سوبارو، وكانت عقبة منيعة لم يفلح في قهرها ولو لمرة واحدة حتى يومنا هذا.
ولم يكن ذلك حصراً لعجز سوبارو عن الإمساك بقطعة الخشب بسوطه لقصور خبرته وافتقار مهارته.
كليند: [هدفُك مكشوف وواضح للعيان؛ سأعترض طريقك وأحبطه.]
سوبارو: [غوه……!]
بدقة مرعبة ورهيبة، أبطل سوط كليند الطرف المدبب للسوط الذي أطلقه سوبارو ورده على أعقابه.
وكان شرط إنجاز المهمة هو اختراق هذا الشكل من الاعتراض، وجذب قطعة الخشب إلى كفيه بسوطه الخاص؛ وتلك كانت العلة بالضبط وراء عجز سوبارو عن اجتياز تلك العقبة ولو لمرة واحدة.
كليند: [ضرب الموضع الذي ترنو إليه، والاشتباك مع الكائن الذي تستهدف الإمساك به، وإظهار النتائج التي ترجو بلوغها؛ عوضاً عن التعويل على سيف أو رمح، إن لم تستطع الوفاء بالعلة التي من أجلها اخترت السوط…… فلا قيمة لك.]
سوبارو: [داه! ديه! دوه! تبا! إنك تصدني وتزجرني كأن الأمر هين وغير مكترث! أعلم ذلك، وليس ثمة حاجة لتذكيري! فهذا هو مسلكي الأوحد لاستثمار دهائي ومكر…… اااااه!؟]
حاول جذب سوطه الذي أُبعد قسراً، بيد أن طرفه وقع في شرك سوط كليند مجدداً.
وكان الأوان قد فات حين تفطن سوبارو لذلك. وفي اللحظة التالية، اختل توازن إدراكه، ليُطرح سوبارو أرضاً بيسر شديد على يدي كليند، الذي لم يكن يبذل حتى جلّ طاقته في سلاحه.
سوبارو: [واااه! عمود الصوت!] [2]
كليند: [لقد هويتَ بشكل استعراضي صاخب؛ فإجادة السقوط وتخفيف وقعه أمر بالغ الأهمية كذلك؛ فخذ حذرك.]
فريدريكا: [سـ-سوبارو-ساما!]
هوى سوبارو من الأمام ليخر صريع الأرض مجدداً، وأسرعت فريدريكا لنجدته مهرولة نحو جانبه. وفي هذه المرة، اصطدم وجهه بالأرض أولاً، لتتصدع الدماء سالفة من أنفه دون توقف.
فريدريكا: [كليند! مهما نظرت إلى الأمر، فهذا مبالغ فيه ولا يغتفر!]
كليند: [إنه أمر حتمي لا مفر منه، بالنظر إلى مقام سوبارو-ساما ومركزه. ضروري. كما أنه لا ينبغي لك التدخل في مساعي رجل ينهض للعمل والكفاح. تفهم.]
فريدريكا: [رجل ينهض للعمل والكفاح……؟]
ارتسمت على محياها إمارة توحي بأنها تكاد تصدق ما تسمعه، بيد أن كليند هز رأسه نافياً. وعقب ذلك، بنظراته الحادة، رشق سوبارو الذي كان يمسح دماء أنفه،
كليند: [سوبارو-ساما، أنا أقدر عالياً مسعاك والتزامك بطلب التوجيه والإرشاد. أمر جدير بالإعجاب. وطالما أنك تقف إلى جانب إيميليا-ساما بصفتك فارسها، فلا غنى لك عن القوة؛ القوة الكفيلة بحماية إيميليا-ساما ونفسك حتى الرمق الأخير. أمر لا غنى عنه ولا مندوحة عنه.]
سوبارو: [……أجل، أدرك ذلك يقيناً؛ ولهذا السبب أنا ممتن لصرامتك هذه معي.]
ورغم احتقان أنفه وتأثر نبرة صوته بالغصة، إلا أن عزيمة سوبارو وروح معنوياته أبتا الانكسار.
ومرامقاً إياه، أطبقت فريدريكا شفتيها على أسنانها بحدة.
فريدريكا: [أنتما الاثنان غبيان ومغفلان تماماً مثل غارف……]
سوبارو: [سيكون أمراً بالغ النفع والفائدة لو أن قوتي، لا غبائي وحده، كانت كافية لأقف جنباً إلى جنب معه أيضاً، بيد أن ذلك لا يبدو واقعاً محتملاً، لذا……]
ممسكاً بأنفه، والدماء تفور متدفقة من منخريه معاً، عمل سوبارو على وقف نزيفه بقوة وعزم.
وحين انتصب واقفاً عقب إنجاز ذلك، تفرس فيه كليند مطولاً، محاذياً ذقنه ومستقراً في وقفته.
كليند: [مواجهة الأمام ورفض التوقف قط…… مسلكك جميل حقاً يبهج النفس. انتظرناه طويلاً.]
سوبارو: [جزيل الشكر لك…… إن تحسن أدرائي للسوط، فستتضاعف أمامي الخيارات والبدل المتاحة؛ وحين تتنوع خياراتي، ستمتلك المحيطة بي حركات ومناورات أوسع، لا أنا وحدي فحسب.]
كليند: [أجل. بيد أنه، أرجوك ألا تفرط في الثقة والتعويل على ذلك. فأنا أجزم بأنه لن تتاح لك مناسبات جمة تحارب فيها وحيداً فريداً. دعم.]
أشار كليند بذقنه إشارة خفيفة، مصوباً بصره نحو فريدريكا.
ومبتدئاً بها، حاز سوبارو حوله أشخاصاً كغارفيل وأوتو، وكانت بياتريس تقف في أقرب مقام إليه، متجاوزة كل اعتبار آخر. وإن دار الرحى حول قتال في سبيل الحماية، فمن الطبيعي إذن أن تقف إيميليا إلى جانبهم كذلك.
ولهذا كان قول كليند سداداً وصواباً لا ريب فيه.
ففي معارك سوبارو، لم يكن ليظفر بنصر شق طريقه إليه بمفرده؛ بل كانت معاركه تؤتي أكلها وتكلل بالنجاح عبر استثمار قدرات الجميع على الوجه الأكمل.
سوبارو: [بالمناسبة، ماذا لو وجدتُ نفسي مصادفة في موضع لا يضم سواي ولا أحد غيري على الإطلاق؟]
كليند: [عليك بالفرار. بأقصى سرعة ممكنة.]
سوبارو: [――――]
نطق سوبارو بذلك، رامياً نصف جاد ونصف مازح، بيد أن كليند لم يبدِ ابتسامة أو بشاشة حيال قوله.
لقد كان مأزقاً يستبعد وقوعه إلى حد بعيد، بيد أن استحالته المطلقة لم تكن محسومة. وفي خضم ظروف قد يُطارد فيها ويُقذف به إلى زاوية خانقة، مستنداً بظهره إلى الجدار، جاءت نصيحة كليند مصيبة كبد الحقيقة تماماً.
كليند: [يتحتم عليك الفرار يا سوبارو-ساما؛ وأن تبذل آخر قطرة من جهدك في العدو والابتعاد، بأقصى سرعة تحملها ساقاك، بصورة مخزية مشينة، ودون أدنى اكتراث بما يبدو عليه مظهرك وأنت تفعل ذلك؛ فهذا هو التدبير الأرشد والأحكم؛ بل إنه خيارك الأوحد فحسب.]
سوبارو: [إن ختمتَ قولك بهذا، فيبدو الأمر وكأنني مجرد من أي خيار آخر، عوضاً عن كونه خياراً مفضلاً أو أفضل.]
لم يجب كليند، وظلت تعابير وجهه ثابتة لا يطرقها تبدل أمام كلمات سوبارو.
فلم تكن هناك حاجة لرد أو جواب؛ أكان صمته ذاك دليلاً ساطعاً على صحة ما استنتجه سوبارو في نهاية المطاف؟
سوبارو: [يا سامي، معلّمي هذا لا يرحم قط!]
فريدريكا: [ذلك الرجل دأب على هذه الحال منذ أمد بعيد؛ أن يكون صارماً مع من تبدو منهم بوادر الأمل ويتولى تدريبهم…… بيد أنه يتنصل من ذلك كله ويلقيه خلف ظهره متى خبا شغفه وانعدمت رغبته؛ ببرود وقسوة.]
سوبارو: [ديريكا-سان؟ أه، ألا ترين أن نبرة صوتك باتت تكتسي ببرود قارص؟]
مستشعراً طعنة مميتة في نبرتها، تكاد تقطعه إن لامسته، بادر سوبارو بسؤالها بحذر ووجل، لتلوي وجهها شطراً آخر بسخط وضيق وهي تتمتم: [إياك وسؤالي!]
ثم ملوحة بحاشية زيها كخادمة،
فريدريكا: [لقد عقدت العزم؛ سأشجعك أنا أيضاً في مسعاك لنجاح تدريبك. أرجوك، أذلّ كليند واجعله يحني ذلك المحيا المتبلد، واجعله يبكي ذلاً.]
سوبارو: [هذا طلب قاسٍ وعسير للغاية……!]
فريدريكا: [أوه، أأنت من تقول هذا، يا من تطالب وتتمنى أن تعتلي إيميليا-ساما عرش الملكة؟]
وكما هو عهدنا بخادمة كفؤة، حتى مشاكستها وتحديها كانا من الطراز الرفيع، رغم أن سوبارو هو من استفزها ودفعها لذلك.
اتسعت عيناه إثر كلماتها، ثم أومأ بابتسامة خبيثة ومكرعة، مجيباً: “أنت على حق.” وعقب ذلك، اتخذ وضعية قتالية شرسة بسوطه،
سوبارو: [سيطال شرفي كرجل لو عجزت عن تحقيق ذلك، رغم كل ما قيل لي! راقبيني، سأنجز الأمر لا محالة!]
ومتزامناً مع صرخة مشجعة ومقدامة، ألوح سوبارو بسوطه، ليلقيه منطلقاً بأقصى طاقة يمتلكها.
رسم مساراً حاداً، ملوحاً بطرفه في الهواء مستهدفاً جذع الشجرة مباشرة――،
كليند: [حماسك جدير بالإعجاب، بيد أن مهارتك هزيلة. أداء غير كافٍ.]
سوبارو: [غوه، غواااااااه――!!]
فريدريكا: [سـ-سوبارو-ساما――!!]
ومجدداً، جُذب سوبارو إلى الأرض ليُهوى به صارخاً ومصطدماً بوجهه أولاً.
△▼△▼△▼△
انقصف الجذع الضخم إلى نصفين في الأعالي، وضربت موجته الصدمية سوبارو في سائر جسده. ومع تكسر ظهره جراء ذلك، بصق دماً مشوباً بلون الصدأ وتجمع في جوف فمه.
سوبارو: […]
كان جسد ريم الوادع والدافئ ملفوفاً ومحتضناً بين ذراعيه.
وظلت يداه وساقاه سليمتين لم يصبهما أذى، وبدا وكأنه قد أفلح في تفادي السهم الغادر. وفور أن أدرك ذلك، أيقن أن هذه اللحظة كانت علامة نجاح واجتياز.
ريم: [م-ما الذي تفعله بغتة هكذا…]
سوبارو: [اصمتي! وإلا فستعضّين لسانك وتندمين!]
كانت ريم بطيئة في ردة فعلها جراء فجائية الأمور؛ بيد أن سوبارو لم يلتفت إلى تذمراتها وشكواها. ولكي ينتشلها ويرفع جسدها، وقد هوى هو نفسه إلى الأمام أولاً، تدحرج نحو الخلف متهادياً ومتقلباً قدر استطاعته بينما ظل محتضناً ريم قريباً منه.
وملتفاً بين ذراعيه، استشعر ريم وهي تكتم غريزة إطلاق صرخة هلع؛ غير أن ذلك انقطع على صوت أضخم وأعنف بكثير ― ألا وهو دوي تهاوي جذع الشجرة الضخم وانقضافه محطماً كل ما يلقاه.
فالموضع الذي رقد فيه سوبارو وريم قبل برهة خلت قد سُوّي بالأرض تماماً، مع امتداد أثر الدمار وتناثر الأشجار المجاورة في طريق السقوط.
وبصفته شخصاً منسجماً مع الطبيعة، كان ذلك الواقع يغرس غصة في قلبه، بيد أن…
سوبارو: […في الوقت الراهن، نحن أهم بكثير!]
مستغلاً الغبار المتطاير جراء الشجرة الساقطة كستار ومموّه، لم يتوقف سوبارو عن التدحرج. وبدت بعض المقاومة من جانب ريم، غير أنه، متغلباً على ذلك باندفاع الأدرينالين في عروقه، أحكم قبضته عليها وجذبها نحوه بأقصى قوة أوتيتها يداه.
وظلا يدوران، ويتقلبان، ويفران، حتى اختفت الأرض أمامهما مباغتةً.
سوبارو: [غووواح!]
ريم: [كياا!؟]
لبرهة خاطفة، خامرهما إحساس بالتحليق وانعدام الوزن، بيد أن قاع الأرض وضع حداً لهبوطهما مفاجأة بعد ذلك بقليل.
حفرة فسيحة غصّت بالأشجار المتساقطة وأكوام التراب والرمال ― بعبارة أخرى، كانت تلك هي الحفرة والفخ الذي بنته ريم للإيقاع بسوبارو. وعبر إلقاء نفسه فيها عمداً، قطع خط الرؤية عن ناظري خصمه.
ومع ذلك، لم يكن ذلك بلا ثمن باهظ يدفعه في المقابل.
سوبارو: [غهـ، غكـ… تبا، إياك أن تفكري في……!]
كان ذراعه اليسرى ملفوفة بهستيريا حول ريم، وكانت بعض أصابع تلك الذراع، التي تشبثت بها، مكسورة ومنكسرة. إصبعه الوسطى، والبنصر، والخنصر؛ كلها، باستثناء الإبهام والسبابة، تحطمت عن آخرها.
وهويةً في الحفرة الكبيرة ذاتها التي هوى فيها سوبارو، زحفت ريم مبتعدة، محتفظة بمسافة آمنة تفصلها عنه. وكان يعاني سكرات الألم، باذلاً قصارى جهده لكي لا يطيل النظر إلى أصابعه التي أشارت في اتجاهات شاذة وغريبة.
ريم: [ما الذي كنت تتوقعه! أفعال كهذه فجأة… ما الذي يجري ماذا بحقك!؟]
سوبارو: […لقد فاتني ذكره، ولكن، للعلم فقط، هناك صياد خطير يجوب هذه الغابة. وإن كان، فهذا يقضي تماماً على احتمال كونهم يصطادون طرائد البرية وأخطأوا الهدف… دزاااه]
متصبباً عرقاً بارداً على جبينه، أصلح سوبارو أصابعه الثلاثة المكسورة ومددها؛ ومؤقتاً، ثبتها في مكانها مستعيناً بمنشفة وجعل فرع شجرة جبيرةً لها.
ولقد كانت نعمة خفية أن الأصابع التي كُسرت كانت تلك التي تخص يده اليسرى. ولو كانت تخص يده اليمنى، يده المهيمنة التي يتحكم بها بسوطه، لتهاوت قدرته على الحركة والمناورة لتدنو من قدرة طفل في المرحلة الابتدائية.
ريم: [صياد خطير… أليسا حليفين لك؟]
سوبارو: [أيسدي حليفٌ يطلق نيران غطاء بهذه القوة؟ وعموماً، لأي غرض يمدون نيران الغطاء أصلاً… أوووااه!؟]
انفجرت شجرة أمام عينيه مباشرة في اللحظة التي أخرج فيها رأسه بحذر من الحفرة مسترقاً النظر لاستطلاع الوضع في الخارج.
وبدا وكأن الصياد قد شرع في إعطاء الأولوية لتطهير مجال رؤيته وتوسيع نطاقه أولاً، ليتسنى له التصويب وإطلاق النار بدقة نحو سوبارو وريم. لا بد أنه أدرك أنهما لا يملكان أي وسيلة للهجوم من مسافة بعيدة.
سوبارو: [تقضي القاعدة الشائعة عادة بأن يغير الرماة المهرة مواضعهم متى انكشف أمرهم وتمترسهم… تبّاً، إنهم يستهينون بنا تماماً؛ بيد أنني لا أجد ما أرد به على ذلك.]
ريم: [――. أهذه هي قوة القوس والنشاب؟ أكاد أرفض تصديق هذا؛ فهذا أمرٌ يتنافى مع المألوف.]
سوبارو: [ممم، أنا أشاطرك الرأي تماماً! فمن المؤكد أنك ستنتهين بثقب هائل يخرق صدرك لو أصابك سهم منه!]
وفي واقع الأمر، لقد انتهى به المطاف في المرة السالفة مخترقاً بسهم من سهامهم، ليلقى حتفه كحشرة عالقة مسمرة في جذع شجرة؛ ومع ذلك، كانت هناك نقاط غامضة ومبهمة تحيط بالأمر. ――في المرة السالفة، كان سوبارو قد انتهى به المطاف في الجانب المقابل من الغابة.
سوبارو: [لماذا ماذا بحقك أتيت إلى هنا…؟]
كان الألم المتدفق من أصابعه المكسورة ينخر في ذهنه بضراوة؛ وصك سوبارو على أضراسه الخلفية، كاد يكسرها من شدة الوجع، وغرق في أتون التفكير بهستيريا.
لقد عسر عليه تماماً تصور أن يكون هذا الصياد والصياد الذي أزهق روحه شخصين مختلفين. فكلاهما وفد لمهاجمة سوبارو، علاوة على أن سلاحهما المفضل كان القوس الباطش ذاته؛ وبقي السؤال قائماً حول ما إن كان هجومهما عرضياً أم لا.
وأياً ما يكن الأمر، ففهرس الأسئلة المتعلقة بسبب استهداف سوبارو في هذه اللحظة لا ينتهي. لقد تلاقى سوبارو وريم وتواجهَا، ورغم صحة توقف سوبارو وتجمده مبهوتاً أمام رفضها له، إلا أنه لم يظن البتة أن ذلك سيجعل تصويبه أيسر مما كان عليه سلفاً.
وفضلاً عن ذلك، إن كانوا يستهدفونه عمداً، فاحتمالية تعقبهم له كانت تتضخم وتتعاظم أكثر فأكثر.
وما ألمّ بهما كان لا يزال يكتنفه الغموض والضبابية، غير أن ما عجزوا عن إدراكه هو كيفية قذفهما بعيداً عن برج مراقبة الثريا. وظل الاحتمال قائماً دائماً في أنهما، لربما، حلقا عبر السماء كشهاب ساطع وهويَا فوق السهل العشبي.
وطبيعيّ أنه لو كان الأمر كذلك، وحتى بغض النظر عن ريم، لما وُجد أي تفسير يبرر كيف لم ينتهِ جسد سوبارو الضئيل إلى أشلاء متناثرة؛ لذا كان الافتراض المنطقي والمعقول هو أن ما حدث لهما كان أمراً مغايراً.
سوبارو: [لعلهما يستهدفان المارقين والشُذّاذ الذين هبطوا هناك، أو ما شابه…]
أو ربما كانت هذه أرضاً ملكية خاصّة، فشرعا في طرد أي دخيل يتجاوز الحدود بأسلوب متطرف وعنيف. ومقابل دقة تصويب قوسهما، ألا ينبغي لهما اعتبار ذلك دليلاً على عجز الصياد عن الرفق بالآخرين؟
سوبارو: [إن كان الأمر هكذا، ألا يسعني محاورتهما وتسوية الأمور بالحسنى! أيتها! أنا لا أضمر شراً! وجودنا في هذه الغابة محض صدفة بحتة، لذا…]
ريم: [مهلاً لحظة! حين تقول “نحن”، أأنت تحسبني وتلك الفتاة معك أيضاً؟ أنا أرفض تماماً أن يُزج بي في ذات الزمرة معك!]
سوبارو: [ليس هذا أوان قول أمور كهذه―― دّهواااز!؟]
وجاء سهم واحد اخترق أديم الأرض ليكون هو الرد الحاسم على نداء سوبارو المطالب بوقف إطلاق النار.
تلك القوة المهيبة التي تكفي حتى لإخماد خصومته مع ريم في منتصفها، كان من المرجح أن تجهز قريباً على سائر العراقيل الماثلة في مجال رؤيتهم، لتوجه أنيابها المكشرة نحو سوبارو وريم المحبوسين في الحفرة العميقة.
ريم: [يبدو أنه ليس من النمط الذي تجدي معه محاولات الحوار والتفاهم…]
سوبارو: [حين تواجه السهام، يتوجب عليك أن تضع في الحسبان احتمال إطاحتها بك عبر رمية قوسية ساقطة… وإن تمكنوا من الثبات في مواقعهم لساعات طويلة، تماماً كقناص ماهر يعلم تماماً ما يفعله… كلا، بالنظر إلى أننا نتباحث هنا بشأن قوس ونشاب، فالأمر يختلف حتماً عن التطلع عبر منظار مقرب. لذا… أيعني ذلك استحالة الحفاظ على تلك الوتيرة طويلاً؟]
في أوساط الأفلام والمانغا، كثيراً ما تصادف مشاهد لقناص يرابط طوال ساعات متواصلة مسمراً بصره نحو طريدته عبر بنادق القنص. بيد أن الأمر، حين يتعلق بالقوس والنشاب، يأخذ منحىً مغايراً تماماً ومختلفاً كلياً.
فعلى النقيض من البنادق التي لا تتطلب سوى الضغط على الزناد لتنطلق، تستلزم الأسهم تثبيتها بإحكام على القوس أولاً، قبل الشروع في جذب وترها. وهناك حدود مرسومة حتى لأولئك الذين حُبوا بقوى خارقة في هذا العالم المغاير.
وعليه، فإن الصياد الخصم الذي يصوب نحوهما، كان هو الآخر…
سوبارو: […معركة قصيرة الأمد.]
متوقعاً أن خصمه سيقدم على خطوة ما عاجلاً غير آجلاً، حدد سوبارو لنفسه مهلة زمنية، نظراً لعجزه عن التمادي في الإمعان والتفكير طويلاً هنا.
فلن يكون بوسعهما اجتناب القتال طالما أن عدوهما يأبى الإذعان للتفاوض ومحاولة التفاهم. ورغم حتمية المواجهة، فإن الأوراق الرابحة التي يمتلكانها كانت هزيلة وأقل من أن يعولا عليها.
سوبارو: [وتماماً كما علمني معلمي، السبيل الوحيد هو الفرار والنجاة.]
ولحسن الطالع، عجز العدو عن رصد موقع سوبارو وريم بفضل مبادرتهما بالقفز إلى داخل هذه الحفرة الفسيحة. فإن تسلقا جرف الحفرة من الناحية المعاكسة ولاذا بالفرار لاصقين بأديم الأرض، فربما أفلحا في التواري والتسلل إلى عمق الأحراش الكثيفة.
أو لعل…
سوبارو: […]
ريم: […? ما بال إطباقك لفاك فجأة هكذا؟ ألم تكن لتوك تشرع في حبك خطة للفرار والنجاة؟]
سوبارو: […نحن حقاً في ورطة كبرى ومأزق عصيب، وفوق ذلك كله، يبدو أنك شرعتِ أخيراً في الإصغاء لما أنا بصدد قوله، هاه.]
ريم: [أوغ.]
عقدت ريم حاجبيها المرتبين بوجوم وهي تجلس على أديم الأرض، ملامحةً عن وجهها أمارات التبرم والسخط. ومع ذلك، بدا أنها استوعبت استحالة خوضها لجدال عقيم مع سوبارو، طالما أنها لا تبادر بمهاجمته فوراً.
وسيوفر عليهما ذلك وقتاً طويلاً إن هي تمكنت من كبح جماح عدائها مؤقتاً، وإبرام هدنة عابرة.
سوبارو: [أصغي إليّ جيداً يا ريم. سأثب إلى الخارج لأستأثر بانتباههم وأجذب أنظارهم نحوي. وبينما أنا منشغل بذلك، عليك بتسلق الجانب الآخر من الحفرة والفرار للاحتماء بالغطاء النباتي.]
ريم: [ماذا…؟]
سوبارو: [رغم أن بأس سهامهم وشدتها تثير الرعب إلى حد مرعب، فستجدين متسعاً للخيارات لتظفري بمخبأ آمن بين أحضان خضرة الطبيعة الأم. لذا سأبذل قصارى جهدي لأشتري لك بعض الوقت بأية طريقة، لتتمكني من الفرار والنجاة.]
كان الخيار إما اصطحاب ريم رفقته والفرار معاً، أو ترك ريم تسبقه بالفرار والنجاة وحدها.
وظن سوبارو أن البديل الأرجح حظاً في بلوغ النجاح هو الخيار الثاني غالباً. فمهما بلغ الخصم من براعة فائقة في فنون الرماية بالقوس، فهما في غابة يجللها تداخل الأشجار وكثافتها. وعليه، كان سوبارو قد وضع في حسبانه احتمالية انطلاق السهام نحوهما، مرجحاً أنها لن تخترق كل تلك الحواجز وتنفذ منها بسهولة بالغة.
سوبارو: [سأعقبك بالفرار أنا الآخر، فور أن أشتري لك وقتاً كافياً. بيد أنني لا أبتغي الانفصال عنك بعد فرارك ونجاتك، لذا إن أمكنك ذلك، فرجاءً اترك لي بعض العلامات والإشارات. ورغم أن استيعاب هذا الأمر قد يشكل عُسراً لك، ففي مسقط رأسي رمزٌ يُعرف بالسهم، وهو يمنحك توجيهاً تقريبياً للوجهة نحو…]
ريم: […أتستطيع التوقف عن الهذيان وإطلاق العنان لكل ما يجيش في خاطرك.]
سوبارو: [ريم؟]
كان سوبارو قد أفضى لريم بعجالة عن خطته المرسومة لفرارها، بيد أنها قاطعت استرساله في الشرح رامقة إياه بنظرة حادة وشديدة القسوة.
أُسقط في يدي سوبارو وتملكه الذهول من حدة تعابيرها، عاجزاً عن استيعاب كنه ما ألمّ بها. وبدت ريم أشد تبرماً وانزعاجاً من حيرته تلك.
ريم: [أنت تقرر كل شيء، تماماً كل شيء، بمفردك… وبعد كل ذلك، تأمرني بالفرار والنجاة؟ أتأمرني أنا، التي تغتاظ منك لمحاولتك التخلي عن طفلة ومغادرتها؟]
لقد ردّت مقترح سوبارو للعلة ذاتها التي جعلتها ترفضه في مستهل الأمر.
وكان موقفها منطقياً إلى أبعد الحدود؛ بل لعلك تستطيع القول إنه ردّ منبعث من إنسان سوي يملك قلباً حياً. بيد أن سوبارو لم يحسب حساباً لتلك النتيجة، ظاناً أنها لن تأبي تركه يفر دونهما في ظل هذه الظروف.
سوبارو: [لكن… حسناً، أنا…]
ريم: [سأعفي نفسي من الاستماع إلى المعاذير والتبريرات، فليس ثمة متسع من الوقت لذلك. ومع ذلك، فإرشاداتك التي تأمرني أنا وحدي بالفرار والنجاة، أرفضها كلياً. فلن أستطيع ترك تلك الطفلة وراء ظهري بأي حال من الأحوال.]
محولة بصرها بعيداً عن سوبارو، الذي عجز عن مواراة دهشته، وجهت ريم اهتمامها نحو خارج الحفرة.
إذ صوبت بصرها نحو ذلك الجذع الضخم الذي دمّره السهم الأول — ومن ثم، نحو شجرة عملاقة أخرى تبعد عنه بمسافة يسيرة.
سوبارو: [وحين كنت أحسب أنها غير موجودة؛ أترأها متوارية هناك؟ كيف لها أن تبقى بهذا الهطول الصامت رغم كل هذه الجلبة والضجيج…]
ريم: […كان اصطحابها معي يمثل عبئاً شاقاً ومزعجاً، لذا أطحتُ بها وأفقدتها وعيها. ولا أظنها ستفيق أو تستعيد يقظتها قريباً.]
سوبارو: [أنتِ حقاً…]
وحتى في هذه اللحظة، تحولت لويس إلى عقبة تثقل كاهل انسحاب ريم وسوبارو. غير أن مشاعر الاستياء التي بدأت تبرعم حيال ذلك تبددت وتحطمت فور سماعه لتلك الإجابة المعهودة التي تطبع شخصية ريم.
ولم يسعه وصف ذلك القرار الحاسم والمتطرف سوى بأنه صنيع يشبه ريم تماماً.
ريم: […أدرك تماماً أنه لم يكن تصرفاً حسناً أو صائباً.]
سوبارو: [كلا، أعتقد أنه تصرف سليم بالنظر إلى ملابسات الأمور. ――بيننا وبين بعضنا، لن تتركيها وتفرّي معنا دونهما، أليس كذلك؟]
ريم: [حتى مع كوني جاهلة بهوية نفسي وحقيقتها، لأفضّلتُ أن أعضّ على لساني وأموت ميتة نكراء على أن أرتكب صنيعاً شبيهاً بذلك.]
شك سوبارو في أن تموت حقاً جراء أمر كهذا، بيد أنه لم يكن ليرغب قط في أن تقدم ريم على خطوة كهذه، حتى وإن كانت مجرد اختبار أو مكابرة.
وبمنتهى الصدق والأمانة، كان الخيار الأمثل لسوبارو هو ترك لويس في هذه البقعة والمغادرة برفقة ريم وحدها، إلا أن ريم ذاتها لم تكن لتدع أمراً كهذا يمر بسلام.
سوبارو: [تباً لحظي، لإظهاري جانبي الخيّر والمتعاطف قبل أن تبتلعنا الظلال…]
فقد انتهى به المطاف محمولاً لا جسد ريم وحدها، بل وجسد لويس أيضاً حين ابتلعت الغرفة الخضراء تلك الظلال حالكة السواد. وهو ما أفرز هذا الموقف العصيب برمته. ورغم أنه وضع لا يمكن إرجاعه أو تداركه مجدداً، إلا أنه يستطيع الجزم بملء فمه بأنه قد اتخذ الخيار الخاطئ في تلك البرهة الغابرة.
ريم: [إذن فما عساك فاعلاً؟]
سوبارو: […سأفعلها؛ سأذهب لإحضارها. تلك الشجرة الماثلة هناك، أليس كذلك؟]
ريم: [――أصبتَ. إنها غاطسة في سبات عميق داخل فجوة جذع الشجرة. فهل تملك بصيص أمل في بلوغها والعودة بها؟]
سوبارو: [حسناً، لقد أمرني معلمي دائماً بالفرار دون إهدار لحظة واحدة متى ما واجهت خصماً جباراً قوياً.]
لم يكن يرمي إلى تقييم التباين الشاسع في القوى بين الطرفين، أو ما شابه ذلك من اعتبارات.
ففي نهاية المطاف، وفي هذا العالم، كانت الغالبية العظمى من خصوم سوبارو تفوقه قوة وبأساً. وعليه، كان السبيل الأمثل والأجدى للدفاع عن نفسه هو افتراض مسبق بأن كل من يصادفه يعلوه مرتبة ومقاماً.
ولهذا السبب بالذات، كان دأبه إعطاء الأولوية القصوى للفرار والنجاة. بيد أنه في الحالات التي يعجز فيها عن ذلك…
سوبارو: [سأوظف كل ما أملكه وأستطيع تسخيره. ريم، لعلكِ تأبين ذلك، لكن أرجوكِ أمدّي لي يد العون.]
ريم: [――. إن كان الأمر في سبيل نجدتها.]
رمقت ريم الكف التي مدها نحوها، بيد أنها لم تمتد لتصافحها.
بل اكتفت بالإيماء لسوبارو، مجبرة نفسه على القبول بذلك المخطط الذي دبره لمعالجة الموقف.
△▼△▼△▼△
ألوح سوبارو بذراعه اليسرى بقوة وعنف، متفحصاً حالة أصابعه الثلاثة المكسورة.
يؤلمان. لذا، وبينما هو مستشعرٌ لهذا الألم الذي يرفض الزوال كأنما يغرز مخالبه العمياء في أعقابه وفي أعماق عقله، أحكم سوبارو رباطة جأشه وشحذ عزيمته لئلا يتحول ذلك الوجع إلى عائق يوهن سعيه نحو بلوغ غايته.
وعندئذٍ…
سوبارو: […زهاا!]
باذلاً عزمًا وقوةً في ساعديه، دفع جذع شجرة صغير الحجم نوعًا ما، كان مستقرًا في قاع الحفرة الكبيرة، ليرتفع صاعدًا نحو أديم الأرض في الأعلى.
وفي اللحظة التالية مباشرة، اخترق سهمٌ انطلق بسرعة جنونية خيالية ذلك الجذع الذي دفعه للتو. وقد انتزعت قوة الارتطام الجذع من بين ذراعيه بعنف، لتصدمه دافعة إياه إلى الوراء بقسوة.
سوبارو: [وواااااه!!]
ومرامقًا ذلك المشهد بطرف عينه، تسلق سوبارو حافة الحفرة الكبيرة محثًا خطاه ليرتكز بقدميه راسخين على الأرض الوعرة. لقد كانت هناك حدود مرسومة لمدى سرعة الصياد في إطلاق سهامه، مهما بلغ من إتقان وثقة مفرطة في فنون رميه. فعلى عكس البنادق والمسدسات، يتحتم على الرامي تلقيم السهم، وجذب وتر القوس، ثم اتخاذ وضعية التصويب بدقة.
وكان هذا الفاصل الزمني المقتضب يمنح سوبارو بصيص أمل واهنًا للبقاء والنجاة…
ريم: […إنه مقبل بسرعة أكبر!!]
تلفظت بذلك في اللحظة ذاتها التي تسلق فيها حافة الحفرة الكبيرة مطلقًا خطوته الأولى عدوًا.
وزمنيًا، لم تكن قد انقضت سوى ثوانٍ معدودة منذ أن أطاح السهم الأول بالجذع الذي اتخذه سترًا وستارًا وتمويهًا — ومع ذلك، وبالنسبة لصياد محنك، كانت تلك الثواني كافية تمامًا ووافية لإطلاق سهمه التالي.
سوبارو: [..هكـ]
انفجرت الأرض من خلف سوبارو مباشرة فور تناهي صرخة ريم إلى مسامعه.
وقد أثبت تيبسه في مكانه وعدم جنوحه لاتخاذ وضعية دفاعية فور نداءها أنه كان التصرف الأصوب والقرار الأصح. وبتعبير أدق، لم تكن أعصاب وعيه لتستجيب لندائها بالسرعة الكافية؛ بيد أن ذلك تدارك الأمر في النهاية على خير.
وهكذا تمامًا، انطلقت السهام متطايرة نحو سوبارو، وهو يعدو شطر شجرته، الواحدة تلو الأخرى — كل منها في فاصل زمني يقل عن ثانيتين.
ولو قدر لأي منها أن يصيبه، لتحول في طرفة عين إلى قنفذ بشري.
غير أن…
ريم: [لن أسمح بوقوع ذلك――!]
انقطع هجوم الصياد التالي إثر كتلة من التراب قذفتها ريم بعنف، مصحوبة بصرخة حماسية مقدامة.
ومستندة بظهرها إلى منحدر الحفرة الكبيرة، كان ما رمته ريم شيئًا مقذوفًا — كلا، بل كان هجومًا ضاريًا وشرسًا يكاد يصح وصفه بالقصف المدفعي، أطلقته مستخدمة صخرة ضخمة مغطاة بالتراب والطين.
سوبارو: [مع أن الأمر كان ليكون أفضل لو أنها أدركت كيف تسخر سحرها…]
حين كانا بصدد التحقق من مدى قدرتها على القتال وخوض المعارك، أبدت ريم امتعاضها ورفضها لاستخدام قوة قرنها الأوني، أو السحر وما شابهه. وبدقة أكثر، وفي الحقيقة، كانت قد عجزت تمامًا عن استذكار كيفية توظيف تلك القدرات.
ومع ذلك، لم يكن لديهما متسع من الوقت لإهدره في محاولة حثها على استذكار تلك التقنيات. ولهذا السبب، كان ما اقترحه سوبارو عليها عوضًا عن ذلك، هو اعتمادها على قوتها البدنية الخالصة، التي لا تزال تحتفظ بها في جوهر كيانها، حتى إن غابت عنها فنونها وتقنياتها…
فاعتراض سبيل عدوهما عبر عنف بدني أولي بحت، مسخرة الخصائص الجسدية الفطرية المتأصلة في قبيلة الأوني منذ الولادة؛ هجوم منبعث من ذلك انقض بقوة على الصياد، الذي كان قد تمترس في موقعه مستخفًا بسوبارو وريم وعدّهما مجرد طرائد ضعيفة.
سوبارو: [ألم تسمع بتلك المقولة، الفأر المحشور في الزاوية سيعض الهرّ حتمًا! فلتتجرع إذن قسطك من هذا!!]
قفز سوبارو فوق موجة الصدمة التي أحدثها السهم المندفع تحت قدميه مباشرة وسط زئير أطلقه بملء فيه. وفي غمرة ذلك، وفي نطاق رؤيته، انطلقت صخرة ضخمة ألقتها ريم محلقة نحو الوجهة التي انطلق منها سهم الصياد.
سوبارو: [غراااااااااه――!!]
حين تجد نفسها وجهاً لوجه أمام خصم عنيد، كانت ريم تجهل تمامًا معنى الرفق أو التهدئة. وتلك كانت أعظم مزايا ريم وخصالها.
لقد جمعت تلك الصخور توقيًا للسلامة الاحتياطية، بيد أنها استحالت بسرعة لتغدو أسلحة بالغة الخطورة جراء مجرد فعل قذفها وتوجيهها من ذراعيها النحيلتين.
سوبارو: [حسناً، وبينما تشغل ريم العدو وتشتري لي الوقت، فسأقوم بـ――!]
وفي الوقت الذي كانت تحطم فيه ريم نيران القنص بقصفها المكثف، مستثمرة أسلحتها المرتجلة على الوجه الأكمل، نجح سوبارو أخيرًا في بلوغ الشجرة المنشودة.
وفي غمرة ذلك اللجاج، التفت ليتخذ طريقه إلى الجزء الخلفي من تلك الشجرة الضخمة. وهناك تراءى له طيف لويس ماثلاً أمام ناظريه، وهي تغط في نوم عميق داخل فجوة متعفنة متوسدة فراشاً من شعرها الذهبي الخاص.
سوبارو: […]
لمح وجنتيها الورديتين بلون الورد، فضلاً عن صدرها الذي يعلو ويهبط برفق وهدوء، ليتأكد ويطمئن إلى أنها حية ونافعة بالحياة.
وهكذا، وحين همّ بإحاطة ذراعيه حول جسدها، استشعر سوبارو في قرارة نفسه إعراضاً قوياً وشعوراً جارفاً بالرفض. ورغم محاولته التصرف بمعزل عن مشاعره الشخصية ودواخله، إلا أن روحه، بل وكيانه بأسره لا عقله فحسب، أبى قبول لويس ورفضها.
فهذه مطرانة خطيئة، حتى وإن كانت تبدي الآن ملامح وجه وادع مسالم وهي نائمة غاطة في سباتها. إنها خائنة لا يمكن الصفح عنها أو غفران صنيعها…
ريم: [كفّ عن التباطؤ والتباطئ أرجوكِ!!]
سوبارو: [――هكـ!]
تلاشى تردده وتمزق حيرته على وقع حث ريم له وعجلتها.
وفور تناهي ذلك إلى مسامعه، تجرّع سوبارو شعوره بالرفض كظماً وتغلب عليه، حاملًا لويس بين ذراعيه. وبعد ذلك، وممسكاً بجسدها خفيف الوزن، قفز خارج فجوة الشجرة ليتخذ سبيله عائداً حيث كانت ريم…
سوبارو: […هاه؟]
وحين انبرى فجأة، اعترض ظل أسود حالك سبيله، قافزاً ومثباً مباشرة أمام عينيه.
وكان الظن الغالب أنه سيسلك المسار ذاته للعودة إلى الحفرة الكبيرة. ولم يخطر ببال سوبارو أبداً أن شيئاً كهذا سيعترض طريقه؛ ليرفع بصره شاخصاً نحو ذلك الظل الذي فرض وجوده فجأة هكذا. ――وعندئذ، عجز عن النطق وخرس لسانه مبهوتاً.
؟؟؟: [――ϡϡ!!]
لقد تسلل هذا الظل العملاق عبر خبايا الغابة دون أن يحدث أدنى صوت يُذكر، معترضاً سبيل سوبارو بلا مبالاة. وكانت ثعباناً هائلاً، يناهز طوله نحو عشرة أمتار على أرجح تقدير. وقد غُطي جسدها بأسره بحراشف خضراء متراصة بإحكام وشدة، وعيناها تقدحان ببريق أصفر. ولمح سوبارو قرناً أبيض ملتوياً نابتاً على جبهة ذلك الدخيل المباغت، ليستبان له ماهيته وهويته فوراً.
ثعبان من وحوش السحر: [――ϡϡ!!]
فتحت الحية الضخمة فاها الواسع الفسيح على مصراعيه، مستهدفة سوبارو بتصويب محكم.
وبدا فوها المفتوح أرحب وأوسع من أن يبتلع سوبارو وحده فحسب، بل وحتى لويس التي كان يحتضنها بين ذراعيه. ورؤيتها تقترب نحوه زاحفة، تباطأت وتيرة إدراكه للوقت وتجمدت حركتها حتى كادت تنعدم.
…أوه، هذا سيء للغاية.
خامر سوبارو إحساس وكأنما يختبر تلك اللحظات من منظور شخص آخر تماماً وبمعزل عنه.
فرؤية العالم وهو يومض ببطء مفرط وتراخٍ شديد تشبه إلى حد كبير تلك اللحظات التي يرى فيها المرء شريط حياته يمر أمام عينيه قبيل الموت، هكذا جرت العادة في الوصف. وفيما يخص هذا الشأن، كانت هناك نظريات تفيد بأن ذلك يمثل محاولة العقل الأخيرة للبحث عن مخرج أو حل باستخدام ما خبره الإنسان في حياته طوال ما مضى منها، حين يطل شبح الموت برأسه.
بيد أنه، حين يتعلق الأمر بسوبارو، فمهما أمعن في عصر ذهنه والتنقيب في ذاكرته، لم يجد شيئاً يماثل النجاة بأعجوبة من الابتلاع في جوف ثعبان عملاق. وإن أجبر نفسه على إيجاد شبيه، فأقرب ما أمكنه استحضاره هو ذلك السرب المرعب من الأرانب؛ بيد أن تلك كانت ذكرى أبت روحه إلا رفضها ونبذها، حتى وإن تعلق الأمر بشريط حياته العابر أمام عينيه.
وضاعف من هدر تلك اللحظات الخاطفة في هكذا هواجس عقيمة، أن تهدلت كتفا سوبارو بيأس.
وبينما هو يلعن جسده لبادرته المتسرعة في التحرك لحماية لويس بمثل تلك السرعة، كانا على وشك الابتلاع، من الرأس أولاً، في جوف فم الثعبان الضخم المفتوح على مصراعيه――
ثعبان من وحوش السحر: [――ϡϡ!?]
سوبارو: [وااههـ؟]
أغمض سوبارو عينيه بشكل لا إرادي، وحينها انسكب فوق رأسه شيء سائل ومبلل. وتسللت إلى ذهنه فكرة مزعجة مفادها أنه، بلا شك، من ذلك النوع الذي يرش عصاراته الهضمية قبل تناول وجباته. بيد أن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. فما غطى جسد سوبارو بأسره لم يكن سوى دماء حالكة السواد تناثرت ورُشت في كل مكان.
لقد كانت كمية مهولة وهائلة من الدماء التي تقطرت وتفصدت من فكي الثعبان الضخم، إثر تعرض جسده للاختراق بسهم حاد وقاتل.
ملاحظات الترجمة:
[1] – “أبيشي!” = إشارة إلى مانغا (سيف النار / Fist of the North Star).
[2] – “عمود الصوت!” = إشارة إلى أنمي (قاتل الشياطين / Demon Slayer).
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※