الفصل 364 - في مواجهة ريم
الفصل الثالث: في مواجهة ريم

سوبارو: [――أوواه، تماماً كما قيل لي؛ ما هذا؟ لم يُنظف بعناية على الإطلاق.]
مسترقاً النظر إلى مؤخرة الرف الذي أماله، قطّب سوبارو جبينه امتعاضاً من سوء صنيعه.
فبعد أن خلع سترة بزّته كخادم وشمّر عن ساعدي قميصه، اتخذ سوبارو هيئة عامل نظافة متمرس بالكامل ― غير أن نتيجة عمله لم تكن تستحق سوى نعتها بـ “المبتدئ” أو “الرديء”.
مظهراً ذلك القدر الضئيل من المهارة الفطرية التي يمتلكها، صار سوبارو قادراً على أداء مهامه في القصر بكفاءة أعلى مقارنة بالسابق؛
وبينما كانت تلك الخواطر تراوده، شعر وكأن غروره قد افتُضح ولُوحظ على الفور.
إذ كان هناك ظلٌّ يرنو إلى سوبارو وهو يراجع نفسه من الخلف، مطلقاً سخرية مصحوبة بـ “هاه!”:
رام: [يا للهول، في النهاية لا عجب، فهو باروسو على أية حال؛ تتردى إلى هذه الحال المزرية حين ظنت رام أن بإمكانها توسيع نطاق مهامك ظناً منها أنك تحسنت…… يجدر بك أن تخجل من نفسك.]
سوبارو: [أجل، لا أملك ما أرد به على ذلك…… مهلاً، بل أملك! من أين لكِ الحق في الوقوف بمثل هذا الكبرياء والتعالي!؟ أنتِ لا تؤدين من العمل ما يخولكِ إلقاء مثل هذه المحاضرة عليّ!]
رام: [على خلافك، رام ماهرة للغاية في الكفاءة وحسن التنظيم؛ لذا، ومنذ اللحظة التي وزعنا فيها أعباء العمل هذا الصباح، وجّهت رام الأمور لتضمن تكليفها بأقل قدر ممكن من الجهد.]
سوبارو: [ليست مهارة إنجاز العمل بكفاءة، بل مهارة التهرب من العمل أصلاً!؟]
فالفن العسكري لا يكمن في إحراز النصر في المعركة، بل في الظفر به دون خوض قتال أصلاً.
هكذا بدا الأمر إن نُظر إليه من زاوية إيجابية، في حين كان يُعد حيلة بارعة للتهرب من الواجبات إن فُسر بسوء نية؛ غير أنه قد فات الأوان على أي اعتراض يود سوبارو إبداءه، لعجزه عن تفنيد الأمر في الصباح الباكر.
ومع ذلك――،
سوبارو: [لكن انزياح عبء العمل الزائد ليرزح فوق كاهل ريم…… هو أمر لا نرتضيه، لا أنا ولا أنتِ، أليس كذلك؟]
رام: [همم…… وقحٌ وجريء كعادتك رغم كونك باروسو؛ لكنك محق في هذه النقطة.]
وحين نطق سوبارو بذلك وهو يحك مؤخرة رأسه بخيبة أمل، ضيقت رام عينيها نحوه؛ وهكذا، عندما أدار الاثنان وجهيهما شطر زاوية الغرفة، تراءى لهما قوام شخص يتحرك بخفة ونشاط، وصوت خطوات أقدامها يتردد فوق الأرضية.
فتاة ذات شعر أزرق، تمسح الزوايا الدقيقة والمهملة من الغرفة قرب البقع الرطبة على الأرض، بينما تتمايل أطراف تنورة ثوب خادمتها――،
سوبارو: [――ريم.]
ريم: [آه، نعم، المعذرة؛ لقد استغرقني العمل بعض الشيء؛ كيف سارت الأمور مع مؤخرة الرف يا سوبارو-كون؟]
ابتسمت الفتاة، ريم، برقة ولطف وهي تلتفت مجيبةً على ندائه، طارحةً سؤالها عليه.
وحين توجهت تلك الابتسامة الدافئة نحوه، اعتصر سوبارو خجلٌ وأسف لاضطراره لتقديم جواب مخزٍ وبائس، غير أنه استسلم للأمر الواقع بما أنه ليس بالشيء الذي يسعه إخفاؤه.
سوبارو: [أجل، كان الأمر تماماً كما قلتِ؛ مسح الأماكن التي يصعب الوقوع عليها بالبصر بعناية تامة…… حقاً، سلوكي القائم على الاكتفاء بتلميع السطح الظاهر ليس جيداً على الإطلاق.]
ريم: [كلا، ليس الأمر كذلك؛ فحين يتعلق الأمر بالتظاهر وتنميق الواجهة للتستر على المشكلات الأخرى، فأنت لا يُعلى عليك؛ بل أنت الأفضل على الإطلاق بين جميع قاطني المملكة!]
سوبارو: [لقد صغتِ مديحكِ بطريقة تجعلنا عرضة لمقاضاة قانونية بتهمة التشهير وتشويه السمعة!]
كان يعلم علم اليقين أن ريم لا تضمر سوءاً ولا تعني تجريحه، غير أن تقييمها ذاك نفذ إلى صدره كوخز الإبر.
فحذقه في التظاهر وإخفاء معضلاته كان خصلة يعيها في قرارة نفسه تماماً،
رام: [كما هو متوقع منكِ يا ريم، تجيدين النفاذ إلى جوهر الأمور وحقيقتها.]
سوبارو: [أنتِ كثيرة الجلبة والضجيج يا نيه-ساما (الأخت الكبرى)! أنا على دراية تامة بذلك، فلا تزيدي من إحباطي وانكساري أكثر مما أنا عليه!]
صوب سوبارو نظرة صارمة نحو رام، التي كانت تعقد ذراعيها جالسةً فوق السرير؛ غير أنها قابلت نظراته ببريق عينيها الحادتين، بنظرة أشد ضراوة وثباتاً من نظرته، مما جعله يتراجع مدحوراً.
فصاحب أدنى مكانة وأضعف سلطة في هذا المكان قاطبة لم يكن سوى ناتسوكي سوبارو.
سوبارو: [تباً، كم هو شاق أن يتعرض المرء للتنمر والتقريع على يد خادمة خبيرة…… وفي هذا الجانب، ريم بالغة الرقة واللطف، أليس كذلك؟]
ريم: [أجل، بطبيعة الحال؛ فرم لن تغلظ لك في القول قط؛ وتؤمن ريم إيماناً راسخاً بأنك ستفهم مرادها حتى لو لم تنطق بكلمة إضافية.]
سوبارو: [إن رقتكِ هذه كفيلةٌ بأن تُحدث صدعاً في صميم قلبي وتفتك به من الداخل.]
ممزقاً من الخارج بلسان أختها الكبرى السليط، ومقطوعاً من الداخل إلى أشلاء بسمّ ريم العذب والقاتل.
وخُيل لسوبارو أن الحيرة ستعصف به، أفي كنف بيئة رخية وادعة رُزق المقام، أم في غير ذلك؟ غير أن الأمر يرتبط بلا شك بكيفية رؤيته للأمور وتقييمها.
سوبارو: [مهلاً، إياك أن تتجاهل عيوبك يا ناتسوكي سوبارو؛ وبمعزل عن نيه-ساما (الأخت الكبرى)، أليس جوهر المسألة كله يدور حول بلوغ آمال ريم وتلبية تطلعاتها؟ سأقوم بالأمر حتماً! أليس كذلك يا ريم؟]
ريم: [كما عهدتك تماماً، هذه هي الروح المطلوبة! ريم معجبةٌ بعزيمتك من صميم قلبها!]
سوبارو: [هه، هذه الإيجابية الكامنة في طبعي هي أيضاً إحدى ميزاتي الفريدة؛ حسناً، بمَ يجدر بي أن أبدأ؟]
ريم: [همم، أجل…… أولاً، إطارات النوافذ ومجاريها لم تُمسح بعناية البتة، فلنعد تنظيفها مجدداً؛ أما عن الموضع الذي يعلو الرف، فرجاءً استخدم مسنداً لقدميك لتمسحه مسحاً تاماً، ولا تكتفِ بالوقوف على أطراف أصابعك؛ وكما رأيتَ، لا حاجة لتنظيف خلفية الرف كل يوم، غير أن الأمر سينقلب إلى فوضى عارمة إن لم يُنظف من وقت لآخر؛ وفضلاً عن ذلك، فالأمر يتعلق بأسفل السرير والجهة الأخرى من البساط، ولكن……]
سوبارو: [آااه، إنني أرزح تحت وابل نيران كثيف! هذا القصف كفيلٌ بأن يطرحني صريعاً على وجهي!]
وحين انطلقت ريم تسرد مواضع التحسين موضعاً تلو الآخر بفيض لا ينضب، متحدثةً بسلاسة تماثل جريان الماء، عجز سوبارو عن ملاحقتها في تدوين الملاحظات الذهنية؛ غير أنه، وبالنظر إلى الغرفة من منظور سوبارو—وهو الذي حاز أعلى تقييم في عموم المملكة في تزييف المظاهر والتستر على المشكلات الأخرى—أخذه العجب حين قيل له إن المكان يزخر بجوانب كثيرة تستدعي التقويم، رغم أنه يبدو نظيفاً إلى حد معقول.
سوبارو: [حقاً، إنكِ لشديدة النباهة ودقيقة الملاحظة؛ أهو إخلاص الخادمة أيضاً؟]
ريم: [بالتأكيد؛ آه، ولكن، إن فكر المرء من منظور الشخص الآخر، فهناك أمور ستتضح له ويبدأ برؤيتها في نهاية المطاف؛ فريم تفكر فيك وتضعك في حسبانها دوماً، سوبارو-كون.]
سوبارو: [إنني مسرورٌ للغاية، غير أن عيوب تنظيفي وإهمالي…… وتلك النواحي المغبرة تُكشف وتُفضح واحدةً تلو الأخرى……]
ضامةً قبضتها برقة، كانت إجابة ريم مفعمة باللطف، بيد أنها كانت حرجة ومربكة لسوبارو في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فقد كان بمقدورها توجيه نظراتها الفاحصة لأدق التفاصيل وأصغرها، وإنجاز عملها بمنتهى الإتقان، وتلك أمارة واضحة على إحكامها لأصول مهنة الخادمة وقواعدها، مهما بدت متواضعة في حديثها.
ولقد أثبتت بيقين أنها جديرة بلقب الخادمة الفذة متعددة المواهب بلا مراء.
رام: [هذا أمرٌ بديهي؛ لأن ريم هي أخت رام الصغرى اللطيفة والمحبوبة.]
سوبارو: [مهلاً، أأنتِ من يتباهى وينتشي بالنصر حيال هذا الأمر!؟]
ريم: [لأن كبرياء نيه-ساما وجرأتها تلائمان مقامها تماماً، وتلك خصلة من خصال جاذبيتها.]
وبينما كانت رام تتصرف بكل تعالٍ فوق السرير، مائلة برأسها بلا خجل ومنحنية بظهرها إلى الوراء لتؤكد هيمنتها وشموخها، تطايرت أصوات سوبارو وريم من حولها بمرح ومشاكسة.
لقد كان ذلك مشهداً آخر من مشاهد الحياة اليومية للخادمتين والخادم التابع، أولئك الذين اجتمعوا في خدمة قصر روزوال جميعاً، و――،
△▼△▼△▼△
سوبارو: [――غهـ، ووااه! ههـ، دااه!]
إحساسٌ بالطوفان وانعدام الوزن لم يدم إلا لبرهة خاطفة، أعقبه ألمٌ مبرح إثر ارتطامه بالأرض الصلبة.
وعالماً بأنه سيسقط لا محالة، فرغم أنه كوّر جسده وتدحرج إلى الأمام ليخفف من وطأة سقوطه، ظلت الصدمة شديدة الوقع.
وكانت الضربة اللاحقة المنبعثة من الغصن الغليظ المستقر في البقعة التي تدحرج فيها قد فاقت جلّ توقعاته؛ فقد انغرس في لوحي كتفيه بعنف، وأسال ذلك الألم المباغت الدموع من عينيه.
سوبارو: [آي آي…… آااه، حمداً لله أنه لم تكن هناك هجمات لاحقة سوى ما جادت به الطبيعة الأم؛ والفضل معقودٌ لهذا الخنجر……]
مستوياً على قدميه وعيناه تترقرران بالدموع، أطلق سوبارو زفرة ارتياح بعد أن أعاد الخنجر الذي في يديه إلى غمده.
ثم استدار على عقبيه ليرفع بصره نحو جذع الشجرة الضخمة، التي ظل يتدلى متأرجحاً من فروعها حتى هذه اللحظة.
امتد حبلٌ طويل من اللبلاب نحو الأرض متدلياً من أحد الأفرع الغليظة للجذع؛ وقد بُتر من منتصفه بحد الخنجر، بيد أن ما استقر خلف ذلك اللبلاب المبتور كان――،
سوبارو: [أنشوطة…… لقد اعتدتُ رؤية أمثالها في المانغا وما شابه، لكن هذه الأنواع من الفخاخ تعمل بنجاح في الواقع حقاً، هاه.]
قال سوبارو ذلك وهو ينزع حبل اللبلاب الذي كان معقوداً وملتفاُ بإحكام حول كاحله الأيمن.
لقد نُصب ذلك الفخ فوق الأرض، وكان يعمل بآلية تطبق بها الأنشوطة على قدم العابر إن مر فوقها، لتتركه معلقاً يتأرجح في الهواء ― وبصراحة تامة، فرغم وقوع سوبارو في شِراك ذلك الفخ، لم تكن لديه أدنى فكرة عن الكيفية التي جعلت ذلك ممكناً.
كما لم يملك ترف الوقت للتقصي والبحث عن تفاصيل ذلك لمعرفة سر الصنعة.
سوبارو: [رغم فقدانها لذكرياتها، فإن معارفها ومهاراتها ظلتا كما هما، هاه…… وحين أكون في موقع المطارد لها هكذا، أدرك حقاً أن ريم هي أخت نيه-ساما الصغرى بلا مراء.]
كان ذلك أمراً واضحاً منذ البداية، غير أنه أُجبر على تذكره قسراً مرة أخرى؛ وبطبيعة الحال، لم يكن يرغب في أن يُلفت نظره إلى ذلك بهذه الطريقة، مما ترك في نفسه شعوراً بالضيق.
――مضت أكثر من ساعة منذ دخل سوبارو الغابة مقتفياً أثر ريم.
واتباعاً لنصيحة الرجل المقنع الذي لقيه في الناحية المقابلة من الغابة، استطاع سوبارو كشف حيل ريم للتمويه على مسار هروبها بصحبة لويس معها.
وبفضل ذلك، أمكنه التأكد بأن المسافة الفاصلة بينه وبينهما تتقلص باستمرار؛ غير أن المشكلة الكبرى التي حالت دون تقليص تلك المسافة تماماً، تمثلت في حذر ريم وتوجسها اللذين وقفا كأكبر عقبة في وجهه.
فقد كانت ريم شديدة الحذر من رائحة الساحرة ― تلك الميازما المحيطة به، ولم تكتفِ بالتمويه على خطوات أقدامها وأقدام لويس فحسب، بل نصبت فخاخاً متنوعة في سائر أرجاء الغابة لتعطيل تقدمه.
ومنذ أن تلقى تلك الضربة العنيفة في مستهل هذه الملاحقة، استكشف سوبارو (أو قل إنه وقع في شِراك) فخاخاً تجاوز عددها العشرة؛ وعلمه بأن ريم تنصب تلك الأعداد من الفخاخ وهي تركض بساقين متعبتين لا تطاوعانها تماماً، متحملة فوق ذلك عبء طفلة تشكل حملاً ثقيلاً، جعل سوبارو مأخوذاً بالإعجاب والدهشة أمام قوتها وقدرتها.
سوبارو: [لو اقتصر الأمر على ربط حزم من العشب أو حفر أخدود ضحل للإيقاع بي، لكان أمراً هيناً ولطيفاً، ولكن……]
فخاخ بسيطة كان هدفها إسقاطه أرضاً أو التواء كاحله؛ ولو اقتصر الأمر على تلك الشِراك، لما تسببت بضرر كبير، ولما عطلت استمراره في تتبع أثر ريم.
غير أن عددها كان كبيراً بشكل غير معتاد، وكان الحذر منها واكتشافها أمراً مرهقاً، لا سيما حين يعبر مناطق تكثر فيها الأعشاب والأوراق المتساقطة.
سوبارو: [إنه لأمرٌ شاق عليّ حين تكفي ضربة واحدة بقوة ريم لحفر حفرة تطبق على إحدى ساقيك…… الفارق الكبير في البنية الجسدية التي وُلدنا بها يظهر بوضوح هنا.]
وبين تلك الشِراك البسيطة، وُجدت فخاخ متوسطة الشدة صُنعت من أحبال اللبلاب وجذوع الأشجار المتساقطة، تشبه ذلك الفخ الذي رفعه وعلقه في الهواء، وكلها تهدف لإبطائه.
ولو لم ينل سوبارو نعمة الحصول على ذلك الخنجر بمحض الصدفة، فكم من الوقت كان سيلزمه لتحرير نفسه من فخ اللبلاب ذاك؟ وكان من المرجح جداً أن يتأخر استئناف مطاردته أكثر، بسبب فقدانه لرباطة جأشه بطريقة أو بأخرى.
أما أكثر ما جعل سوبارو المذعور يتردد ويحذر، فكان――،
سوبارو: [شّـه!]
أطلق سوط “غيلتي وِيب” الذي سحبه من وراء خصره، ليصيب طرف سلاحه بقعة مريبة في الأرض بضربة قوية.
وفي اللحظة التالية مباشرة، وانقضاضاً نحو تلك البقعة، هوت غصنان أو ثلاثة من الأعلى لترتد بقوة مدمرة في الهواء؛ ضربةٌ كانت كفيلة بكسر ذراع أو اثنتين لو أصابته مباشرة.
فخاخٌ ضخمة، وُجدت لتجريد سوبارو من القدرة على المبادرة والحركة ― لم تكن كثيرة، غير أن وجودها كان يعرقل سرعة تقدمه في جوف الغابة ويحدّ منها.
وكان بإمكانه الجزم أيضاً بأن تلك الضربة التي تلقاها من الغصن الغليظ عند المدخل لم تكن سوى واحدة من فخاخ ريم الكبيرة.
وكلما توغل سوبارو في أعماق الغابة، ازداد خطر تلك الشِراك وقوتها؛ وعوضاً عن الظن بأن ريم، تحت وطأة المطاردة، قد تخلت عن شفقتها، بدا الأمر وكأن مهارتها تزداد وتتطور في كل خطوة.
سوبارو: [إنها تتعلم وتزداد براعة في نصب الشِراك، وتصنعها في خضم هروبها…… سحقاً، تماماً كما عهدتكِ في تفانيكِ واجتهادكِ يا ريم؛ غير أنني لم أكن أتمنى أن تستعرضي ذلك ضدي الآن.]
كان يعلم تماماً أن ريم مجتهدة تبذل كل ما لديها، وكان يفرح أيضاً لبقاء تلك الصفات دون أن تضيع، حتى في هذا الواقع حيث لم تعد إليها ذكرياتها بعد؛ غير أن ذلك لم يكن في صالحه في هذا الموقف.
وباختصار، كانت ريم تتطور وتصقل مهاراتها خلال نزالهما؛ ومع وصول تطور سوبارو إلى حدوده، وزيادة في الطين بلة، فإن الفارق الكبير بين قدراتهما سيصبح أشد وضوحاً.
وكان عليه الإمساك بها قبل أن يترسخ هذا الفارق نهائياً، ولكن――،
سوبارو: [――――]
مفككاً ذلك الفخ الكبير أمامه، حبس سوبارو أنفاسه لبرهة.
مجيلاً بصره في محيطه بتوتر، كان كل ما يبحث عنه هو مسار الهروب التالي لريم التي نصبت الشرك الذي انتهى من تفكيكه لتوه؛ ومن أجل معرفة ذلك، كان لا بد من تتبع ذلك النزر اليسير من الآثار التي حاولت إخفاءها.
وبطبيعة الحال، كان يمكنه تصور وضع لا تترك فيه أي أثر إطلاقاً، لكن ريم الحالية لم تكن تملك القدرة ولا الوقت لفعل ذلك؛ ولهذا السبب――،
سوبارو: [――وجدتها.]
وفي الفجوة بين الأشجار، حيث كان الفخ منصوباً من قبل، لاحظ سوبارو علامة تدل على تقشير لحاء إحدى الأشجار، وإن كان أمراً بسيطاً جداً.
كان خدشاً صغيراً لا علاقة له بالفخ الكبير، يشبه أثر قطة تسحب مخالبها على عمود في المنزل؛ غير أن تلك العلامات الطفولية قد أدت غايتها في توجيه سوبارو حتى هذه النقطة.
ففي النهاية، لم تكن تلك الخدوش سوى الآثار التي خلّفتها تلك “العقبة”.
سوبارو: [――――]
كان أمراً يحمل سخرية لاذعة ومريرة، غير أن السبب الأساسي الذي عطل ريم وسمح لسوبارو بمواصلة ملاحقتها، هو وجود مطرانة الخطيئة التي تصطحبها معها في فرارها ― لويس أرنيب.
ريم ولويس؛ لم يكن سوبارو يعلم مدى التوافق بينهما، لكن ما استنتجه من تلك الخدوش الصغيرة هو أن لويس لم تكن هادئة ولا متعاونة مع تحركات ريم على الإطلاق.
فمهما حاولت ريم طمس آثار أقدامهما، كانت لويس تفسد كل جهودها.
سوبارو: [سحقاً……!]
ورغم ملاحظته لتلك العلامة واستخدامها لدعم مطاردته، ظلت مشاعره كئيبة، ولم يخالجه أي شعور بالراحة.
وكان ذلك طبيعياً تماماً؛ فمع انتهاء الأمر بجعل وجود لويس وسيلة مساعدة لسوبارو، فإن تذكره لعلاقته بتلك المطرانة الشريرة لم يكن ليجعله يفرح أو يطمئن لذلك قط.
وحتى لو لم تكن لويس هي التي سلبت “اسم” ريم و”ذكرياتها” بشكل مباشر، فإن الإخوة الثلاثة، الذين يمثلون مطارنة خطيئة الشراهة، يشتركون جميعاً في الآثام بالدرجة نفسها؛ ولن يحصل أي منهم على تخفيف في ثقل خطاياه.
ولا يهم إن كانت تفتقر إلى جسد حقيقي في هذا العالم، أو إن كانت قد حادت عن الصواب في مسار حياتها.
كان ذلك هو الحكم الذي أصدره سوبارو على لويس أرنيب، وهي تصرخ وتبكي بحرقة في ذلك العالم الأبيض.
ولهذا، حتى لو نجح سوبارو في اللحاق بريم وبدأ بمحاولة إقناعها، فإنه لا ينوي أبداً التهاون في مسألة كيفية التعامل مع لويس.
وفي الأصل――،
سوبارو: [لماذا بحق…… عليّ خوض مطاردة كهذه مع ريم……!]
ومع استحضاره لفكرة اللحاق بريم ومناقشتها فيما يخص شأن لويس، عض سوبارو على شفتيه غيظاً من ذلك الغضب الذي عاوده واجتاحه، بعد أن كان قد نحّاه جانباً حتى هذه اللحظة.
لقد وضع في حسبانه احتمال أن تستيقظ ريم وهي فاقدة لـ “ذكرياتها” و”اسمها”.
وبطبيعة الحال، لكان الأمر الأمثل أن تعود ريم بكامل ذكرياتها، غير أنه بالنظر إلى الحالات السابقة مثل كروش ويوليوس، لم يكن يتوقع حقاً أن تستيقظ ريم على حالتها السابقة.
وقد أصابت مخاوفه كبد الحقيقة تماماً، لتكون النتيجة نسيان ريم لنفسها، ونسيانها لسوبارو أيضاً.
وحتى لو سارت الأمور هكذا، فقد ظن سوبارو أنه قادر على الصمود ومساندتها.
إيميليا ورام، وبياتريس، والبقية ― بتعاون الجميع ومساندة بعضهم البعض، كان بإمكانهم دعم ريم معاً؛ وذلك هو السبب الذي جعل سوبارو يصبر ويثبت.
غير أنه الآن، في غابة مقطوعة دون وجود أي شخص يمكنه الاعتماد عليه، كان يطارد ريم الهاربة.
سوبارو: [لماذا… حدث كل هذا……؟ لماذا يرفض كل شيء دائماً……]
أن ينتهي بهدوء وسلاسة دون تعقيد؟
أن تستيقظ ريم بعد أن تتذكر كل شيء، ورغم دهشتها من الوقت الذي مضى أثناء نومها، كانا سينسجان القصة القادمة معاً؛ وكان ذلك كافياً ليرضيه.
وحتى لو استيقظت ريم على هذه الحال التي هي عليها الآن، فلو كان رفاق سوبارو—أولئك الذين يبذلون جهدهم كفريق واحد—حاضرين بجانبها، لما عانى من ورطة كهذه؛ وكان سيرضى بذلك أيضاً.
لقد اعتاد القدر دائماً أن يخبئ أقسى الطرق وأشدها قسوة لناتسوكي سوبارو.
ولم يكتفِ بإعداد ذلك لسوبارو وحده، بل وجه تلك القسوة أيضاً نحو من يحبهم ويحرص عليهم.
سوبارو: [――أفرغتَ من التذمر يا ناتسوكي سوبارو؟]
صاكاً على أسنانه، صفع سوبارو وجنتيه بقوة بكلتا يديه.
زلزل ذلك الألم الحاد والصدمة وعيه، ليتخلى سوبارو مؤقتاً عن تلك الأفكار الضعيفة التي سيطرت عليه للتو.
نعم، فالقدر لا يكف عن إظهار أقسى المسالك أمامه في كل مرة.
ولهذا السبب تحديداً، ظل ناتسوكي سوبارو يتلقى ضربات المحن والمصائب وكأنها سياط تنهال عليه، ناهضاً في كل مرة يسقط فيها رغم شعوره بأنه على وشك تقيؤ الدم، مواصلاً النظر للأمام.
سوبارو: [الرجل الذي حوّل مصائبه في النهاية إلى سوط في يده؛ هذا هو أنا.]
وإن توخينا الدقة، فإن وحش السحر “غيلتي لو” (Guiltylowe)—الذي صار مادة صُنع منها سوطه—لم يكن بتلك العقبة الصعبة أمامه، بل كان من أقل العقبات صعوبة قياساً بالأهوال التي وقفت في طريقه؛ هكذا أعلنها سوبارو بصراحة.
الكلام بثقة لرفع معنوياته، وإشعال حماسه، وتركيز دهائه، والبحث عن وسيلة للمواجهة؛ ذلك هو ما فعله سوبارو دائماً حتى الآن.
وظل متمسكاً بذلك بجدية تامة؛ لأنه لم يملك طريقة أخرى للتعامل مع واقعه؛ لذا، سيفعل الشيء نفسه اليوم أيضاً.
سوبارو: [فكّر، أعمل عقلك، تدبر أمرك يا أنا؛ حتى لو واصلتُ ملاحقة ريم، فستدرك عاجلاً أم آجلاً أن لويس تفسد خطتها؛ وإذا حدث ذلك، فستنقطع الآثار في النهاية؛ وقبل أن يحدث هذا……]
――فإما أن يلحق بهما، أو يجد طريقة لقطع الطريق عليهما واستباقهما.
سوبارو: [――――]
محللاً الفارق في القوة القتالية، عصر سوبارو عقله بكل ما أوتي من جهد، محاولاً تحديد نقاط القوة لدى الطرفين.
وحتى الآن، كانت نقاط قوة ريم تكمن في مهارتها ودقة ملاحظتها، وهما صفتان لم تفقدهما حتى مع غياب ذكرياتها؛ وكان يود لو تأمل في سرعة تطورها في نصب الشِراك، ولطافة وجهها وصوتها، وطريقة تحركها، لكن كل ذلك يمكن تأجيله لوقت لاحق.
وعلى النقيض من ذلك، كانت نقاط قوة سوبارو تتمثل في براعته في استخدام السوط والخنجر، وتلك الأدلة التي تتركها لويس في طريقه—رغم ما يثيره في نفسه من غيظ أن يرى فيها عوناً له—واعتبار النظرة الحادة في عينيه جزءاً من جاذبيته؛ وفوق ذلك، كان بإمكانه القول إنه يعرف حقيقة ريم وطبيعتها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها في الوقت الحالي.
سوبارو: [……لا بد أن ريم قد انتبهت بالفعل إلى ملاحقتي لها.]
فوجود تلك الفخاخ الكثيرة كان دليلاً واضحاً على ذلك؛ إذ كانت ريم تدرك أن سوبارو يتعقب خطاها عن قرب.
وإلا، فما كان هناك أي داعٍ لإعداد هذا الكم الكبير من الفخاخ؛ لكانت اكتفت بنصب القليل منها تحسباً، وجعلت أولويتها للهروب والابتعاد.
لكنها بدلاً من ذلك، واصلت تجهيز مختلف الشِراك ليقينها التام بأن سوبارو يطاردها؛ وسبب يقينها ذاك يعود إلى ميازما الساحرة، تماماً كما توقع.
سوبارو: [ما مقدار تلك الرائحة النتنة التي تفوح من جسدي الآن……؟]
اشتمّ سوبارو ذراعه، ورغم إحساسه برائحة الرمال والعرق، لم يكن الأمر لدرجة نشر رائحة كريهة ظاهرة للجميع؛ وبطبيعة الحال، يُقال إنه يصعب على المرء ملاحظة رائحة نفسه، لكن المشكلة في هذه الحالة تكمن في كون ميازما الساحرة أمراً لا يلاحظه إلا من يملك القدرة على استشعارها.
وسابقاً، سمع من ريم وبياتريس كلاماً يفيد بأن تلك الرائحة تتلاشى تدريجياً يوماً بعد يوم، غير أن حدتها ونتانتها تتضاعفان بشدة فور استخدامه لـ “العودة بالموت”، أو بحسب وتيرة تكرارها.
وفي غضون نصف يوم، تكررت قفزات سوبارو وحلقاته في برج المراقبة لتراكم ما يقارب ضعف ناتسوكي سوبارو، ثم أُلقي به في مكان كهذا.
وهذا يعني――،
سوبارو: [――أنه في تاريخ حياتي كلها في هذا العالم، فإن أكثر رجل تفوح منه رائحة الساحرة هو أنا الآن بلا شك.]
ولم يكن يعلم إن كان هناك حد أقصى لميازما الساحرة أم لا، لكن سوبارو استنتج أن جسده يفرز قدراً كبيراً منها في الوقت الحالي؛ وإن كان الأمر كذلك، فإن مسعاه في مطاردتها قد كُشف بالكامل بالفعل.
وحين تجد ريم نفسها عاجزة عن توسيع الفارق بينهما رغم محاولات الهروب المستمرة، فإن التوتر والاضطراب سيتسللان إليها عاجلاً أم آجلاً.
وفي العادة، كان استفزاز الخصم وجره لارتكاب الأخطاء أسلوباً معتاداً لدى سوبارو، غير أنه كان يطمح لبناء علاقة ودية جديدة مع ريم، لذا فضّل عدم الإفراط في الاعتماد على تلك الطريقة.
سوبارو: [ما ينفع طرفاً يضر الآخر…… وإرضاء الطرفين مستحيل.]
وحقيقة انطباق هذا القول على واقعه كانت تظهر سوء الموقف الحالي بوضوح.
ومع هذه الفكرة، أبطل سوبارو مفعول فخين أو ثلاثة من الشِراك البسيطة والمتوسطة، وواصل اقتفاء الطريق الذي سلكته ريم مستدلاً بالعلامات التي تركتها لويس.
وشعر وكأنه يحاكي هانسل وغريتل وهما يجمعان فتات الخبز المتناثر في طريقهما؛ غير أن الفارق هو أن سوبارو وحيد، بينما الاثنتان في الطرف المقابل هما الهاربتان.
سوبارو: [والأثر يظهر في مكان واضح هذه المرة؛ التالي هو……]
وبعد أن لاحظ اللحاء المقشور عن إحدى الأشجار، حدد سوبارو المسار الذي سيسلكه تالياً.
لم تكن لويس تنوي إرشاد سوبارو إلى مكانهما إطلاقاً؛ ولغياب أي ترتيب منظم بين تلك العلامات، كانت هناك أوقات كثيرة يصعب فيها العثور عليها.
والأرجح أنه بينما كانت ريم تنشغل بنصب الفخاخ، كانت لويس المتروكة وحدها تتصرف على هواها؛ وكان ذلك هو الواقع على الأغلب.
وظلت الأدلة التي تتركها لويس صعبة الاكتشاف لبعض الوقت، لكن العثور على أمارة واضحة أخيراً كان مساعدة كبيرة له.
سوبارو: [جيد أنها بقيت هنا؛ فلو رأتها ريم ومحتها، لكان أثر تلك العلامات قد……]
انقطع، كاد ينطقها بلسانه، قبل أن يتوقف فجأة عن الكلام.
ثم عاد إلى الشجرة التي تجاوزها لتوه، وتأمل الموضع الذي قُشر منه اللحاء؛ كانت شجرة ضخمة وقوية، وقد قُشر لحاؤها في موضع بارز يلفت النظر بوضوح.
فهل يعقل حقاً أن تغفل ريم عن أمر بارز كهذا؟
سوبارو: [――――]
تلك النقطة المتمثلة في ارتباكه من مواطئ الأقدام في المرج، وبلوغ ريم تدريجياً درجة من المهارة في نصب الشِراك بدءاً من هناك، وصولاً إلى تقشير جزء كبير من لحاء الشجرة أمامه بطريقة مبالغ فيها.
تلك الأمور الثلاثة تجمعت في عقل سوبارو، ليكتمل لغز شعوره الغريب.
وفي النهاية، توصل إلى إجابة واحدة في داخله.
سوبارو: [إن كانت هي ريم التي أعرفها……]
لو كانت ريم، الفطنة وواسعة الحيلة، لكانت أزالت أي آثار واضحة للعين تماماً.
وبما أن الدليل أمامه تُرك هكذا، ما لم تكن ريم قد وقعت في حالة شديدة من التركيز الأحادي والعمى الإدراكي――،
سوبارو: [――هاه!]
نحو المسار الذي حاول عبوره، اقتلع سوبارو كتلة كثيفة من العشب من تحت قدميه وقذفها في ذلك الاتجاه.
العشب، العالق بتراب جذوره، رسم قوساً في الهواء وهو يطير نحو رقعة العشب الطويل――،
――وفوراً، أصدرت رقعة العشب صوتاً مرعباً هائلاً وهي تنهار، وابتلعت هوة ضخمة الأرض.
سوبارو: [واو……!]
ظهرت حفرة كبيرة أمامه، لدرجة جعلته يتساءل عن الغاية من الحفر الأخرى في الفخاخ الصغيرة. ومع ذلك، لم ينتهِ الفخ عند هذا الحد.
مستهدفة تلك الحفرة الضخمة التي ظهرت، أطلقت الأشجار المحيطة صريراً وهي تنكسر وتتهاوى؛ وسقطت الأشجار المقطوعة في الحفرة الكبيرة الواحدة تلو الأخرى، لتمتلئ الحفرة المفتوحة حديثاً على الفور.
لو سقط سوبارو في تلك الحفرة الهائلة، لكان قد علق ودفن حياً بداخلها حتى هذه اللحظة.
وهكذا، تم تنفيذ تقنية جريئة وقوية، مستخدمة الفخاخ السابقة كخديعة نفسية.
القرائن التي كانت دليلاً لمطاردة سوبارو، كانت تنتظر بفاغرة فاهها كفخ لدفنه حياً.
أراد أن يصفق لها على هذا التدبير الشبيه بأسلوب ريم تماماً، لكن――،
سوبارو: [――ريم التي أعرفها لا تكتفي بهذا وحده.]
إن وضع أحدهم فخاخاً نفسية، فستكون النتيجة المثلى هي وقوع متعقبهم فيها وتوقفهم عن الحركة.
لكن ريم التي عرفها كانت دقيقة الملاحظة، مجتهدة، ذات وجه ووجه جميل، يدفئ قلبها فؤاده بمجرد رؤية إصرارها، و――،
سوبارو: [لكانت شنت هجومها بنفسها إن ملّت الانتظار. ――أليس كذلك يا ريم!?]
استدار سوبارو بعد أن قال ذلك، رافعاً بصره نحو الشجرة التي قُشر لحاؤها.
وفي تلك اللحظة بالضبط.
[――فـه!!]
صرّت تلك ريم على أنيابها، منقضةً على سوبارو بكل قوتها من أحد فروع الشجرة نفسها.
△▼△▼△▼△
عاجزة عن إبعاد متعقبها، ولم تكن الفخاخ كفيلة بتثبيته في مكانه.
في موقف كهذا، ماذا ستفعل ريم التي عرفها سوبارو؟
إذا تمكنت من تحديد موقع خصمها بدقة بسبب الرائحة، واستطاعت أيضاً معرفة مصدر القرائن التي يعتمد عليها، فسوف تستخدمها ضده وتوقعه في الشرك، محاولة القضاء على سبب هروبها مباشرة.
وتوقع سوبارو كان في مكانه تماماً.
المشكلة كانت في――،
ريم: [――هااااه!]
الفارق في القوة القتالية بينهما، حيث عجز سوبارو عن إيقاف هجوم ريم المباغت.
وبينما صرخ: [غهـ، واو!]، أطاحت به ذراع ريم الساقطة بعيداً.
في الواقع، تحرك ريم بكل تلك الحركة رغم عدم قدرتها التامة على استخدام ساقيها، وردة فعل جسده الفورية للإمساك بها، كانا أمرين تجاوزا توقعاته.
ريم: [أنت عنيد جداً! عنيد إلى أبعد الحدود!]
سوبارو: [مه… مهلاً يا ريم، أرجوكِ استمعي إلى……]
ريم: [يا لك من لزج ومصرّ……!]
ألوحت بذراعيها، فأصابت إحداهما سوبارو مسببة تدفق الدماء من أنفه بغزارة. حاول استمالتها رغم تلطخه بالدماء، لكن ريم لم تكن لتستمع إليه لغضبها الشديد.
كانت ريم على أرضية الغابة على يديها وقدميها، ترمق سوبارو بعينيها الزرقاوين بغضب.
ريم: [لو أنك استسلمتَ وتخليت عنا في تلك اللحظة وذاك المكان، لما أقدمتُ على فعل أكثر من ذلك؛ ومع ذلك، تواصل ملاحقتنا وتعقب خطانا…… أرجوك، توقف عن هذا!]
سوبارو: [يؤلمني حقاً أن تُلقى عليّ هذه الكلمات بمثل هذه البساطة……]
ريم: [أنفي يكاد ينخلع من مكانه! وحين تدنو وتتقرب، أستطيع إدراك ذلك وفطنت إليه فوراً؛ والأسوأ من ذلك كله، أنه بات أشد ضراوة وقوة مقارنة بالمرج قبل قليل……]
ممسكاً بأنفه النازف، ترنح سوبارو لينهض واقفاً على قدميه.
سوبارو القادر على الوقوف، وريم المرتكزة على كفيها وقدميها؛ بدا الموقف وكأن الكفة تميل لصالح سوبارو، بيد لم يكن ذلك سوى افضلية عابرة يسهل قلبها في طرفة عين بفضل أمر واحد حاسم: القوة البدنية.
وإضافة إلى ذلك، لو شرعت ريم في التحرك السريع على هيئة “تيكي تيكي” مستخدمة ذراعيها فحسب، لكان سوبارو مطروحاً لا محالة داخل تلك الهوة الهائلة هذه المرة، ولتكلل الأمر بنهايته الحتمية.
لذا توجب عليه تبديد سوء ظنها ومخاوفها، مع الحفاظ على مسافة آمنة بينه وبينها، خطوة بخطوة.
سوبارو: [ريم، أرجو أن تصغي إليّ؛ يبدو أن رائحتي منفرة وكريهة للغاية بالنسبة لك……]
ريم: [……أجل، رائحتك منتنة.]
سوبارو: [يا لها من طريقة مألوفة في التعبير……! يبدو أن رائحتي كريهة، وأدرك أنك ترين ذلك أمراً مستهجناً، لكنني لا أضمر لك أدنى سوء أو نية خبيثة!]
رافعتً كفيه عالياً في الهواء، أبان لها سوبارو بأنه لا يضمر أي نزعة عدائية تجاهها.
غير أنه، ورغم دعواه، أبت نظرات التوجس والحذر المرتسمة على محياها أن تخبو أو تتراجع. وإلى ذلك الحد، كانت ميازما الساحرة العامل الأشد فتكاً في إحكام الطوق على ريم الخالية الذاكرة ووضعها في مأزق خانق.
ومهما بلغ به المطاف، فإن كل ما يمت بصلة للساحرة لم يكن يوماً ليفرز واقعاً حسناً أو وضعاً محموداً.
سوبارو: [إلى جانب مشكلة رائحتي، فأنا أعلم تمام العلم أن انطباعي الأول أمامك كان بائساً وفظيعاً. ورغم هذا، فقد تجرعتُ وجودي وتلطفتُ مع نفسي طيلة ثمانية عشر عاماً؛ لذا، أرجوكِ أتيحي لي فرصة لتصحيح ذلك والبدء من جديد.]
ريم: [……البدء من جديد؟]
سوبارو: [أنا من تحمل وزر الخطأ؛ ورغم ما غمرك من هلع واضطراب لطمس كل ذكرياتك، عجزتُ عن تبيان أي شيء لك أو توضيحه. وبسبب ظروفي الشخصية البحتة، لم أكن قادراً على الإصغاء إليك ومراعاة مكنون مشاعرك……]
خواطره المندفعة وماعترته من عجلة واستعجال، تلك كانت العلل التي حالت دون إظهاره للرعاية الواجبة تجاه ريم.
وكان الوزر ملقى برمته على عاتق هذين الأمرين ― وكان يسيراً على سوبارو أن يدافع عن نفسه بهذه الحجة، غير أن أي جدوى ترتجى من تبرير ذاتي هزيل وناقص؟
فما كان بحاجة إليه حقاً لم يكن الكلمات التي تقيه وتدفع عنه.
بل الكلمات التي تستمال بها ريم، وتفك وثاق التوتر المطبق على فؤادها الأبي.
سوبارو: [أنتِ تعنين لي الكثير؛ وما أبتغيه سوى حمايتك؛ لذا أرجوكِ أن تصغي إليّ، وألا ترديني خائباً. ――أرجوكِ، امنحيني فرصة أخرى واحدة.]
ريم: [――――]
وما زالت كفاه مرفوعتين في الهواء، انحنى سوبارو ليطأطئ هامته بعمق في مكانه، متوسلاً إليها بصدق.
ولم يكن دارياً إن كان قد أفلح في إظهار إخلاصه بكيانه وروحه، بيد أنه صبّ خالص مشاعره الداخلية في تلك الكلمات. فإن كان ذلك كفيلاً بهز فؤاد ريم ولو بمقدار ذرّة، وإن كانت ستفسح له المجال لبيان أمره وبسط عذره――،
ريم: [――أهذا كل ما تملك النطق به؟]
سوبارو: [……هاه؟]
ريم: [أهذا هو جلّ ما تقدمه من تبرير لي؟]
رفع سوبارو رأسه بوجوج وتوجس إثر الرد الذي وافته به.
فالمشاعر التي استبدت بنبرة صوتها وتغلغلت فيها كانت مغايرة لما كان يرتجيه؛ بيد أنها لم تكن مطابقة لتلك التي توقع هبوبها إن ساءت الأمور، وهو ما أوقعه في حيرة وذهول.
إذ كانت نبرة ريم مصبوغة بغضب صامت، وبكمية لا تُطاق من السخط العارم.
سوبارو: [ريـ، ريم……؟]
ريم: [حقيقة أنك تواصلت في تعقبنا وملاحقتنا، وحقيقة أنك تبث رائحة خبيثة ومنفرة إلى حد مفزع لهي أمور مريبة بلا ريب، وأراها بالغة الغرابة والشذوذ؛ ولكن،]
قاطعتاً سياق حديثها عند تلك النقطة، أطبقت ريم شفتيها بشدة وحزم.
وكأنها كانت ترمق سوبارو—الذي ظل عاجزاً عن التكهن بالجواب الذي يتربص به في النهاية—بعينين تقدحان شراً وعداءً، عادّةً إياه شريراً لا يُغتفر من صميم فؤادها.
ريم: [بل أكثر من أي سبب آخر، لا يمكنك أن تمحو تلك الحقيقة الماثلة في أنك حاولت التخلي عن طفلة صغيرة كهذه. فكيف تطالبني إذن بأن أضع ثقتي في شخص قاسٍ ودنيء إلى هذا الحد؟]
سوبارو: [――آه،]
أُسقط في يدي سوبارو وخرس لسانه، عاجزاً عن النطق أمام نظرة الإدانة تلك.
تغلغلت تلك الكلمات التي رمتها في وجهه داخل عقله، وأدرك سوبارو أنه أخطأ الاختيار منذ خطوته الأولى في محاولته نيل ثقة ريم، بغض النظر عما إذا كان سيظفر بها أم لا، وبصرف النظر عن ميازما الساحرة.
فتلك العينان الحادتان اللتان ورثهما عن والدته، وذاك الأثر الشرير للميازما الذي تلبسه قسراً، لم تكن قط هي الأسباب الحقيقية التي حطمت ثقة ريم فيه من الأساس.
لم تكن الأشياء التي وُجدت معه منذ البدء، بل كانت أفعاله وتصرفاته هي التي نسفت إيمانها به.
فحتى لو كانت لويس مطرانة خطيئة، وتجسيداً خالصاً للشر؛ ففي نظر ريم، التي لم تكن تعلم شيئاً عما جرى، لم تكن سوى طفلة صغيرة ضعيفة، ومع ذلك فقد تجاهلها سوبارو.
سوبارو: [――――]
عجز عن الاهتداء إلى جواب يسعفه بالنطق به فوراً.
لقد قاسى سوبارو أهوالاً جمة وعبرها في مناسبات لا تُحصى؛ وأحياناً كان يفقد حياته عاجزاً عن قهرها، فكان يبحث عن حلول من زوايا مغايرة، بيد أن جواب هذه اللحظة بالذات لم يكن ليوجد في داخله.
اعتذاره، أم تبريراته، أم الحقيقة المجردة؟ أيهما كان حرياً به أن يقدمه على ما سواه؟
أيعتذر عن محاولته التخلي عن طفلة؟
أم يختلق المعاذير لتسويغ الأمر مدعياً وجود سبب قاهر؟
أم يصارحها بالحقيقة بأن تلك “الطفلة الضعيفة” لم تكن سوى وحش صغير؟
ومهما كان الخيار الذي سينتقيه، لم يكن يشعر بأنه قادر على تبديل تلك النظرة المفعمة بانعدام الثقة من ريم الماثلة أمامه.
وكانت تلك هي عاقبة أفعال سوبارو، التي أُبرم أمرها واستقرت بفعل “العودة بالموت”.
ريم: [――لا كلام عندك تفوه به بعد الآن.]
وحين تشتت نظر سوبارو، وتصلب وجنتاه عاجزتين عن إخراج حرف، ضاقت ريم ذرعاً بانتظاره.
رفعت جسدها بجهد شاق، محاولة الابتعاد عنه. ――وبدا وكأنها لم تكن تبتغي إرداه قتيلاً على الفور، بل أرادت فقط قطع دابر مصادر قلقها حيال مستقبلها.
ولعلها ظنت أن سوبارو المنهك لن يعقبها مطارداً.
وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك واقعاً؛ فحتى لو رُدّ خائباً هنا، لظل يمد يده نحوها حتى تقبلها.
أن يفترقا ― لم يكن ذلك ممكناً، ولكن،
سوبارو: [――ريـ،]
مغيراً اتجاه جسده، حاول سوبارو مناداة ريم التي كانت على وشك مبارحة المكان ليأمرها بالتوقف.
نطق باسمها مجرداً، دون أن يختلق كلمات أخرى، محاولاً مناداتها فحسب.
وعندئذ――،
سوبارو: [――――]
وفي اللحظة التي كاد فيها سوبارو يمد يده نحو ظهر ريم التي التوت بهيئتها، طرأ تبدل مباغت على نطاق رؤيته.
ومضت ومضة خاطفة لظلال خفية، متوارية خلف كثافة الأشجار ― فعرفها واستبانها فوراً.
سوبارو: [――ريم!!]
إنها قادمة. وأسرع من تفتق الفكرة في ذهنه، ألقى سوبارو بجسده ليحتمي به ظهر ريم. ومباغتة بصنيعه المفاجئ، تصلب جسد ريم الضئيل.
وكانت تلك هي اللحظة التي أحاط فيها جسد الصغير بذراعيه.
――فانطلق سهم أُطلق من قوس عاتٍ وقوي محلقاً فوق رؤوسهما، ليخترق شجرة عملاقة مقتلعاً قلب جذعها ومخترقاً إياه حتى المنتصف.
(ملاحظة: [1] الـ “تيكي تيكي” (Teke Teke): كائن شبحي أو كيان مرعب في الفولكلور الياباني الحديث، يُصور غالباً كامرأة أو فتاة قُسّم جسدها نصفين وتتحرك زحفاً مستخدمة ساعديها لتصدر صوتاً مميزاً).
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※