الفصل 363 - إقتفاء أثر الطريدة
الفصل الثاني: إقتفاء أثر الطريدة

بياتريس: [――أصغِ إليّ جيداً يا سوبارو، على ما أظن؛ فمن الآن فصاعداً، عليك أن تدرك أنك غدوتَ دائماً على حافة الموت، في واقع الأمر.]
سوبارو: [مهلاً مهلاً، لقد ألقت هذه الفتاة الصغيرة-ساما مزحة تفتقر إلى أدنى ذرة من الطرافة.]
بياتريس: [بيتي ليست فتاة صغيرة، وهذه ليست مزحة على الإطلاق، على ما أظن! عليك أن تأخذ كلام بيتي بجدية، في واقع الأمر!]
وحين قالت بياتريس ذلك ووجهها يحمر خجلاً وغضباً، أومأ سوبارو برأسه مجيباً: “فهمتُ، فهمتُ.”
كان جالساً فوق سجادة نقية طاوياً ساقيه تحته، في خضم تلقيه توبيخاً من بياتريس-سينسي، التي عقدت ذراعيها القصيرتين؛ بيد أن الحديث كان يدور في حلقة مفرغة دون فائدة؛
والسبب في ذلك يعود أساساً إلى مقاطعة سوبارو المستمرة للمحاضرة وتدخله بين فترات صمتها القصيرة، ولكن――،
سوبارو: [كل هذا بسبب لطافة بياكو الزائدة؛ وهذا أمر لا يبشر بالخير……]
بياتريس: [ظنت بيتي أنك استجمعت وقارك ورسمت ملامح الجد أخيراً، لكن عن أي هراء تتحدث، في واقع الأمر!؟ ……حسناً، لطافة بيتي أمر بديهي لا يجهله أحد، لذا لا حيلة في ذلك الآن، على ما أظن……]
سوبارو: [مؤشر دلالكِ ورقّتكِ (الـ Dere) بلغ ذروة هائلة فور تجاوزنا لتلك الحادثة……]
بياتريس: [لقد تماديت كثيراً في إفحام بيتي وإحراجها!]
ضربت بياتريس الأرض بقدمها بحنق، معلنةً عن غيظها أمامه. وبدا تصرفها الحالي وكأنه لم يتغير عما اعتاده منها سابقاً، غير أن مشاعر سوبارو ونظرته، على العكس من ذلك، كانت قد اختلفت تماماً.
فحتى وقت قريب، كثيراً ما احتدم الخلاف بينهما حول آرائهما، وكانت تترك لديه انطباع قطة صغيرة في الحي تأبى أن تأنس به أو تقترب منه بسهولة. بيد أن بياتريس الحالية، في عيني سوبارو، غدت――،
سوبارو: [أشبه بقطة أليفة محبوبة أتمنى قضاء الوقت معها ودفن وجهي في بطنها الصغير.]
بياتريس: [خُذ! بيتي! على! محمل! الجد! على ما أظن!]
سوبارو: [بهااارغ!]
تمتم بتلك الكلمات مفعماً بالتأثر، ليطير جسد سوبارو في الهواء بقوة دفع بياتريس التي مدت يدها نحوه. وبينما التصق بالجدار قبل أن يسقط على الأرض، هزت بياتريس كتفيها بنفاد صبر.
بياتريس: [إياك أن تجعل بيتي تعيد كلامها، في واقع الأمر. هذا أمر بالغ الأهمية، على ما أظن؛ وهو شيء شديد الخطورة إن غفلت عن سماعه، في واقع الأمر. ――إنه يتعلق بمشكلة بوابتك، على ما أظن.]
سوبارو: [……الأمر يتعلق ببوابتي إذن، هاه.]
اعتدل بجسده فجأة، وجلس متربعاً في البقعة ذاتها التي سقط فيها.
واضعاً يده برفق على صدره، فكر في ذلك العضو الموجود في داخله ― ذلك الشيء الذي تعجز عيناه عن رؤيته، ولا تستطيع يداه لمسه.
فالبوابات أعضاء أساسية في أجساد الكائنات الحية، تُستخدم لممارسة السحر في هذا العالم الذي تختلف مفاهيمه عن المألوف لدى سوبارو؛ وكان نقاء جودتها يرتبط بمدى قابلية المرء لأن يصبح مستخدماً للسحر، وفي حالة سوبارو، لم تكن جودة بوابته جيدة على الإطلاق.
أو بالأحرى “لم تكن كذلك”، لأن بوابته قد تلفت وزالت بالفعل.
بياتريس: [على وجه التحديد، أنت لم تفقدها، بل حطمتها بنفسك، في واقع الأمر.]
سوبارو: [لأنني أفرطتُ في استخدامها بتهور حتى بعد أن حُذرتُ من ذلك. حسناً، في المرة القادمة التي أرى فيها فيريس، سأنال ما هو أسوأ بكثير من مجرد توبيخ قاسٍ؛ فقد أفسدتُ كل جهود العلاج التي قدمها لي.]
بياتريس: [هنيئاً لك بهذه المخاوف الجديدة، على ما أظن…… فوجود “مرة قادمة” ليس أمراً مضموناً لك أصلاً، في واقع الأمر.]
كانت تلك هي النتيجة الحتمية لتجاهل نصائح فيريس بالكامل، وهو الذي تولى ترميم بوابة سوبارو التي أرهقها فرط الاستخدام. وارتعد سوبارو خوفاً، موقناً أن فيريس سيستشيط غضباً كأونيّ هائج، غير أن نظرات عيني بياتريس كانت تدل على أن الموقف أخطر بكثير مما يبدو.
بياتريس: [بسبب بوابتك المحطمة، أصبحتَ عاجزاً عن تصريف المانا وإخراجها من جسدك بشكل سليم، على ما أظن. ومع ذلك، ستستمر المانا في التولد داخلك، والامتصاص من حولك طالما أنك حي، مواصلةً تراكمها في جسدك، في واقع الأمر؛ ولأنك لا تملك طريقة لإخراجها……]
سوبارو: [لا يعقل أنكِ تقولين إنني سأمتلئ بالمانا حتى أتفجر وأتمزق إرباً؟]
بياتريس: [――――]
سوبارو: [مـ-ماذا، بياتريس-سان!؟ صمتكِ هذا يرعبني حقاً!]
رفع سوبارو صوته حين شاحت ببصرها عنه ولاذت بالصمت وعلى وجهها أمارات القلق؛ ولما رآها تبدي انتباهاً حقيقياً لما تود قوله، رفعت بياتريس إصبعاً وهي تبتدر: “أصغِ،”
بياتريس: [بمنتهى الجدية، فهمك للأمر صائب لا ريب فيه، في واقع الأمر؛ فإن استمرت الأمور هكذا، ستتدهور حالتك الجسدية بفعل المانا التي تتراكم تدريجياً في بدنك، وسينتهي بك المطاف متفجراً ومدوياً بـ ‘بوم’ جراء تلك المانا العكرة، على ما أظن.]
سوبارو: [مرعب جداً! أثمة طريقة لفعل شيء حيال هذا الأمر!؟]
بياتريس: [هنا تحديداً يأتي دور بيتي، في واقع الأمر؛ فلحسن الحظ، أبرمت بيتي عقداً معك…… يا سوبارو، وارتبطت أرواحنا ببعضها، على ما أظن؛ وكما قالت بيتي، فإن بيتي تختلف قليلاً عن سائر الأرواح، وتحتاج لتلقي المانا من الآخرين، في واقع الأمر؛ وهذا يعني……]
سوبارو: [――أنكِ ستتكفلين بأمر المانا المتراكمة في جسدي من أجلي!]
ولسماعه فكرة بياتريس تلك—والتي بدت كضربة قاضية قلبت مجريات مباراة كاملة—نهض سوبارو بنشاط وحمل جسدها الصغير بين يديه.
وواصل رفعها عالياً في الهواء بينما أطلقت صرخة: “نـهـ، كياه!؟”، وأخذ يدور بها في مكانه:
سوبارو: [أنتِ مذهلة يا بياكو! في الواقع، أنا مدينٌ لوجودكِ بالكثير لدرجة تجعلني أشعر بعجزي عن الوقوف معكِ نداً لند! وبهذا، أصبحنا في مركب واحد اسماً وفعلاً!]
بياتريس: [لـ-لا يمكنك إنهاء الأمر هكذا ببساطة، على ما أظن! فمن الآن فصاعداً، عليك أن تتذكر أنك في كل مرة تعكر فيها مزاج بيتي، ستغدو حياتك هشة كحفنة من الزبد، في واقع الأمر؛ فإن كنت تأبى الموت، فواصل بذل قلبك وروحك لكسب ود بيتي ورضاها، على ما أظن.]
سوبارو: [هه، إذن تطلبين مني الاستمرار في تدليلكِ وإغداق المودة عليكِ؛ بل إن الأمر يعتمد على مدى قدرتكِ على مواصلة التألق والإبهار؛ وتلك مسؤولية كبرى على عاتقكِ يا بياكو.]
بياكو: [ولِمَ يتعين على بيتي سماع هذا الكلام أصلاً، في واقع الأمر! بيتي ترفض قبول هذا بتاتاً، على ما أظن!]
وواصل سوبارو دورانه وهو يستمع لصياح بياتريس المحتقن حمرةً وخجلاً وهي لا تزال محمولة بين ذراعيه.
يدور بها دوراناً مستمراً.
يدور ويدور، ويدور ويدور، ويدور ويدور――،
△▼△▼△▼△
وعلى هذا النحو، انقشع فجأة ذلك الإحساس بدوران مجال رؤيته، واستفاق وعيه مباغتةً.
تلك السكرة من الألم التي عاناها قبل قليل—والتي شابهت شعور الغرق—تبددت دون سابق إنذار، ليداهمه ألم ناجم عن اضطراب وتيرة أنفاسه، فضلاً عن امتداد الأرض التي يستشعرها تحت ظهره.
سوبارو: [――كـ، آه، غهاغـ،]
اعتدل في جلسته وهو يفرك عنقه، مسترجعاً شريط ما حدث له لتوه.
وفي الوقت ذاته، حين ألقى نظرة خاطفة على منتصف صدره، لم يرَ السهم الذي يفترض أن يبرز مخترقاً إياه؛ وفضلاً عن ذلك، فإن الخدوش التي أصابته من احتكاك جسده بالأشجار قد اختفت أيضاً.
وكان من البديهي أن ينتهي الأمر هكذا؛ فقد قُدّ صدره واختُرق بتلك الضربة الفردية المرعبة.
سوبارو: [لقد… متّ……]
مكابداً شعوراً مبهماً أشبه بانهيار الأرض من تحت قدميه، تجمدت الدماء في عروق سوبارو وارتعدت فرائصه.
أما عن تتابع الأحداث التي قادته إلى هذا المآل: فقد ابتلعه الظل الأسود في برج مراقبة الثريا، وما هي إلا بضع عشرات من الدقائق بعد نقله بعيداً عن هناك―― حتى كان ذلك كافياً ليفقد سوبارو حياته.
ومرة أخرى، استوعب خطورة الموقف الذي يرزح تحته، ونهض واقفاً؛ وبجهد جهيد نجح في إسناد جسده المترنح، وتفحص أرجاء محيطه.
وعندئذ――،
سوبارو: [تباً، هذا سيئ للغاية……]
متيقناً من كونه يقف وسط سهل عشبي أخضر يمتد واسعاً على مد البصر، ورائياً بأم عينيه أن القوام الذي تمنى لو ظل إلى جانبه لا أثر له في أي مكان، لعن سوبارو سوء حظه.
كان هذا بلا ريب المرج ذاته الذي قُذف إليه هو والآخران من البرج.
كانت المشكلة تكمن في عجزه عن العثور على ريم، التي نُقلت إلى هنا معه، كما اختفت لويس أيضاً. وخلاصة القول، إن النقطة الزمنية التي عاد إليها بـ “العودة بالموت” كانت――،
سوبارو: [بعد أن خنقتني ريم وأفقدتني الوعي……!]
كانت نقطة بدايته الجديدة هي تلك اللحظة التي تلت فقدانه للوعي مخنوقاً على يدي ريم التي كان يحملها فوق ظهره.
لم تُرجعه النقطة إلى الوراء لدرجة تجعل استيقاظ ريم كأنه لم يحدث، كما أنها لم تمسح حلقته الأخيرة في برج مراقبة الثريا؛ وذلك بحد ذاته كان ما أراد سوبارو اعتباره خبراً ساراً.
أو بالأحرى، لو كان بإمكانه العودة إلى الحلقة الأخيرة في البرج، لم يكن ليمانع وجود فرصة لتبادل الحديث مع ريم الغائبة، وهو أملٌ لم يدم سوى للحظة عابرة، ولكن――،
سوبارو: [أأنا غبي؟ كلا، أنا غبي دون أدنى شك.]
فلو كان يحمل كل هذا الندم، لكان عليه أن يخصص لها وقتاً أطول حين كان قادراً على البقاء بجانبها، وحين كان يملك وقتاً للحديث معها وسماع ما تشعر به.
أما ناتسوكي سوبارو الذي لم يفعل ذلك، فلا حق له في التحسر والندب هكذا.
وعلى أية حال، في هذه اللحظة بالذات――،
سوبارو: [――سأعثر على ريم.]
كان عليه اللحاق بالفتاة الهاربة، وتوضيح سوء الفهم الذي وقعت فيه.
فإن كان سبب فرار ريم هو ميازما الساحرة المحيطة به، فبما أنه عاد لتوه بـ “العودة بالموت”، فالأرجح أن حدة تلك الرائحة قد ازدادت قوة.
وكان من المتوقع جداً ألا تصغي لكلامه مقارنة بالسابق؛ غير أن ذلك العام الذي أمضاه ناتسوكي سوبارو لم يكن بلا معنى لدرجة أن يستسلم ويتخلى عنها لسبب كهذا.
سوبارو: [وفوق ذلك، هناك من قتلني…… ومع هذا، لا يعقل أن يكون ذلك السهم هجوماً من ريم.]
فأسوأ الاحتمالات هو أن تكون ريم قد هاجمته بنفسها، وهو احتمال وارد، لكنه لم يتخيل قدرتها على جمع الأدوات اللازمة لفعل ذلك في وقت قصير كهذا.
والأهم من ذلك، أن القوس والنشاب أدوات لا يمكن تجهيزها بمثل هذه السرعة والسهولة.
سوبارو: [السهم الذي اخترق جسدي كان له نصل حاد، ومثبت عليه ريش…… ولأنه اخترق قلبي مباشرة، لم أشعر بالكثير من الألم؛ ومع ذلك……]
لو أصيبت ريم بذلك السهم القوي المنطلق من القوس، فلن تصمد أمامه مهما بلغت قوتها.
وبما أنها عاجزة عن تحريك ساقيها بحرية، فسيكون نجاح هروبها أمراً بالغ الصعوبة؛ ومهما كانت المخاطر، وجب على سوبارو إنقاذها من هذا المكان قبل أن تقع ضحية لذلك السهم.
حتى وإن كانت ريم الفاقدة لذكرياتها لا تعتبره حليفاً لها.
سوبارو: [حان وقت الانطلاق يا ناتسوكي سوبارو. ――أرِهم ما يمكنك فعله.]
صافعاً وجنتيه، طرد من ذهنه مؤقتاً صدمة “الموت” التي عاشها قبل قليل، وما شعر به من حزن بسبب نفور الفتاة المهمة لديه؛ ورغم أنه لم يعرف إن كان سينجح في البقاء معها إن وجدها، إلا أن العثور عليها كان الأهم قبل أي شيء.
فالحزن والغضب كلاهما من شأن الأحياء ما دامت في الجسد حياة.
سوبارو: [――――]
زافراً نفساً عميقاً، وبالطريقة ذاتها التي اتبعها سابقاً، تتبع سوبارو أثر الخطوات التي استنتج أن ريم سلكتها—مستدلاً بميلان الأعشاب نحو الأسفل—وانطلق متوغلاً في الغابة.
غير أنه ظل متردداً بشأن ما إذا كان يجدر به الصياح بصوت عالٍ للبحث عنها، أم التزام الصمت.
لقد تلقى ضربة استهلالية قاتلة بواسطة ذلك السهم، والسبب الأرجح هو مباغتة العدو لسوبارو وهو أعزل وبلا حماية.
وأياً كان ذلك العدو، فإن هويته وهدفه مجهولان، لكن يصعب اعتباره شخصاً مسالماً بالنظر إلى استهدافه قتله بضربة واحدة؛ فالعثور عليه يعني “الموت” لا محالة؛ وعليه أن يتعامل معه كعدو خطير من هذا النوع.
سوبارو: [ولكن، بما أنهم يستخدمون أدوات…… قوساً وسهاماً، فالخصم الذي أواجهه ليس وحش سحر، بل هو بشريٌّ من لحم ودم.]
فإن كان خصمه إنساناً، فثمة أمل في الخروج من هذا المأزق دون أن يقتل أحدهما الآخر، اعتماداً على كيفية تفاوضه معه؛ وإن كان لا يدري أصلاً إن كان سيتنازل للجلوس إلى طاولة المفاوضات ابتداءً.
وعلى وجه العموم، فإن إجمالي المرات التي مات فيها سوبارو بـ “العودة بالموت” حتى الآن، تجعل كفة هلاكه على أيدي البشر ترجح قليلاً مقارنة بوحوش السحر.
فمجرد كون خصمه إنساناً يفهم ما يقوله، لا يعني أبداً أن بوسعه بناء علاقة ودية معه دون حذر.
ورغم أنه ظن أن احتمالية العثور على ريم ستزداد إن بحث عنها عدد أكبر من الناس، غير أن――،
سوبارو: [――كور ليونيس (Cor Leonis – قلب الأسد).]
مغمضاً عينيه، طرد سوبارو أفكاره المشوشة، مفعلاً السلطة الكامنة في داخله.
تلك القوة الجديدة التي أظهرت بأسها في برج مراقبة الثريا؛ كان “كور ليونيس” مهارة استشعار تمكنه من تحديد مواقع رفاقه، أولئك الذين يساندون “الملك الصغير”.
وباستخدامها، تشبث سوبارو باستماتة بأمل أن يحدد موضع ريم بدقة.
بيد أن――،
سوبارو: [……لا فائدة، لا استجابة إطلاقاً. ربما ابتعدت عني كثيراً، وإن لم يكن ذلك هو السبب… فهل لأنها لا تراني حليفاً لها؟]
لم يكن يُعرف سوى القليل عن المدى الدقيق لـ “كور ليونيس”، غير أن سوبارو لم يرَ ذلك الضوء الشاحب الذي يدل على حلفائه في نطاق تأثير القدرة.
وبالتفكير في سبب عجزه عن تحديد مواضعهم، تبادرت إلى ذهنه المسافة الفاصلة وطبيعة علاقته بهم.
فإيميليا والآخرون كانوا من قبل ضمن نطاق تأثيرها، غير أنه عاجز عن استشعارهم تماماً في الوقت الحالي.
وحتى مع معرفته الوثيقة بكلٍّ من ريد والشراهة، لم يعرف موقعهما أيضاً.
لقد تأكد بوضوح من تفعيل “كور ليونيس”.
وإن صح التعبير، فقد كان رادار الحلفاء يعمل، لكنه في حالة خمود بلا استجابة. وسبب ذلك يعود إلى أن إيميليا والبقية خارج نطاق تأثيره، بينما ريم—التي يفترض أن تكون داخل نطاقه—لم تضع سوبارو في خانة الحلفاء أصلاً.
――وحقيقة جهله أيضاً بموقع لويس، التي تتحرك جنباً إلى جنب مع ريم، كانت دليلاً يثبت صحة نظريته.
سوبارو: [مستحيل أن أعتبرها حليفة بأي شكل، ولهذا لن تظهر على راداري الذي لا يحمل سوى حبي أحادي الجانب لريم.]
ومع وصوله لهذه النتيجة، ندم سوبارو على سوء التواصل الذي وقع بينهما حين التقى بريم.
فبما أنه كان محاطاً بميازما الساحرة، لم يعرف أي الكلمات كان يمكن أن تكسبه ثقتها؛ وفوق ذلك، حتى لو لجأ إلى الكذب، فإنه يعجز تماماً عن قول أي شيء يتعلق بحماية لويس أو اصطحابها معهما.
سوبارو: [تباً، سحقاً…… لماذا……؟! لقد استيقظت ريم أخيراً… استيقظت في النهاية، فلماذا عليّ……]
أن أخوض معها لعبة مطاردة كهذه؟
لقد كان ينتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي تقف فيه ريم على قدميها وتتحرك بحرية، لكن حين تحركت فعلاً على هذا النحو، لم يملك إلا أن يشعر بالضيق.
وإن فكر فيمن يجدر به صب غضبه عليه، لم يزد ذلك حقده إلا اشتعالاً نحو مطارنة خطيئة الشراهة، بما فيهم لويس نفسها.
سوبارو: [――――]
حاملاً في رأسه تلك الأفكار التي تدور في حلقة مفرغة، تحرك سوبارو في الغابة بحذر شديد.
وظل خافضاً جسده أثناء مشيه خشية ذلك الشخص الذي قتله في المرة الماضية―― ولتسهيل الأمر على نفسه، سينعته بـ “الصياد”، إذ كان ذلك تصرفاً اضطرارياً لتفادي أي احتكاك مع ذلك الصياد المتربص.
راود سوبارو خاطرٌ بأنه يجدر به اتخاذ مزيد من الحيطة، كأن يلطخ وجهه بالوحل، ويموّه ثيابه بأوراق الشجر، ويستغل تأثيرات الألوان الخادعة للتخفي، غير أنه لم يملك وقتاً لإهداره في مثل هذه الأمور للأسف.
فلو أنه يعلم بدقة كم من الوقت مرّ منذ انقطاع سبيله عن ريم، لكان لمساعيه في البحث عنها أثرٌ أوضح.
سوبارو: [فكّر، شغّل عقلك…… في مثل هذه الأوقات فقط يمكنني الاستفادة من دهائي. لقد نسيت ريم كل شيء، ولا تذكر أي تفصيل؛ ومع ذلك، ظلت محتفظة بقدرتها على تثبيتي، واستشعار ميازما الساحرة بفطرتها؛ وهذا يعني أن ما سُلب منها هو “الذاكرة العرضية” (Episodic Memory).]
كثيراً ما كانت فكرة “فقدان الذاكرة” تظهر في المانغا والألعاب، لكن فقدان الذاكرة في معظم تلك الأعمال كان يقتصر على غياب ما يُعرف بالذاكرة العرضية المرتبطة بالأحداث.
وهي الحالة ذاتها التي مر بها سوبارو حين فقد ذكرياته في البرج نتيجة مواجهته للشراهة ― كلا، فسوبارو آنذاك فقد فقط الذكريات التي تشكلت بعد مجيئه إلى هذا العالم، لذا لم تكن حالة ريم مطابقة لحالته تماماً، لكنها كانت شبيهة بها.
وبعبارة أخرى، فهي في حالة تفهم فيها أسماء الأشياء، وتتذكر ردود الأفعال والمهارات التي اعتاد عليها جسدها، لكنها فقدت ذكرى اسمها وأسماء الناس، وأي تفاصيل ترتبط بذكريات الأوقات التي أمضتها معهم.
ومناداة ريم لنفسها بضمير “أنا”، وحذرها الغريزي من سوبارو بسبب الرائحة، كانا دليلاً واضحاً على ذلك.
سوبارو: [لا بد أنها مشتتة؛ ولن تستطيع الاستمرار في الهرب إلى ما لا نهاية. وإن ابتعدت عني لمسافة ما، فستأخذ وقتاً لتهدأ وتراجع نفسها؛ ويزداد الأمر وضوحاً إن أخذت لويس معها.]
كان من الغباء أن يتمنى ذلك، لكنه تمنى من كل قلبه لو كانت لويس عائقاً كبيراً يقطع على ريم طريق هروبها.
أن تصرخ وتبكي، وتمتنع عن المشي أحياناً، وتستمر في التسبب بالمتاعب لريم؛ فإذا حدث ذلك، فستتاح له فرصة للحاق بها في النهاية.
أو حتى، لا بأس إن تخلت ريم عنها وتركتها.
فإن رأت ريم عجزها عن رعايتها واستحالة التعامل معها، فربما يؤدي ذلك أيضاً إلى――،
سوبارو: [……في الواقع، لا أعلم إن كان هذا سيحدث.]
لم يكن يدري إن كانت ريم ستتخلى عن لويس، وهي التي تبدو على الأقل كطفلة عاجزة لا حيلة لها.
وبفقدانها لذكرياتها العرضية وبقائها بلا ماضٍ، يمكن القول إن ريم لم تعد تعاني من عقدة النقص التي كانت تشعر بها تجاه رام، وفقدت هويتها الخاصة.
ورغم غياب ريم التام عن الذاكرة، كان من المريب كيف استطاعت رام البقاء متماسكة دون أن يتغير فيها شيء؛ وتساءل إن كان الشيء ذاته سيحدث لريم.
فلم تعد أخت رقيقة لرام، وتلاشت عقدة النقص وفخرها بكونها من عشيرة الأوني، ولم تعد ترى ناتسوكي سوبارو شيئاً يُذكر؛ تلك الـ ريم――،
سوبارو: [――غهكـ!]
وفور أن تخيل ذلك، شعر سوبارو بحرقة في صدره، واندفع يخطو خطوة واسعة وقوية للأمام.
تلك الأغصان التي صب غضبه عليها بوطئها بأقدامه أصدرت صوتاً حاداً قبل أن تنكسر، وانحنى بجسده للأمام متفادياً الأعشاب العالية أمامه، وكاد يزل ويسقط فوق الأرض الطينية الرطبة،
سوبارو: [――آه؟]
وعلى غير انتظار، انفرجت الغابة عن أرضية مختلفة، ليجد سوبارو نفسه قد خرج منها نحو سهل عشبي آخر.
وظناً منه بأنه ربما دار في حلقة مفرغة ليعود إلى البقعة ذاتها، شحب وجه سوبارو خوفاً؛ غير أنه حين دقق النظر في المكان، أدرك أن الأمر ليس كذلك.
كان شبيهاً بالمرج الأول، لكن طول الأعشاب تحت قدميه كان مختلفاً؛
فمقارنة بالسهل العشبي الأول، كانت الأعشاب هنا أطول قليلاً؛ بالإضافة إلى أن تلك البقعة السابقة كانت محاطة بالغابات بالكامل بزاوية ثلاثمائة وستين درجة، في حين أن هذا المكان لا يحده سوى الغابة التي خرج منها سوبارو للتو.
وأمامه، بينما كانت الغابة خلف ظهره، تراءى له أفقٌ ممتدٌ فسيح بين فجوات السهل العشبي؛ وبدت السماء بعيدة للغاية وعالية، حتى إن الإحساس الغريب بالانجذاب نحوها كاد يفقده توازنه فوق الأرض.
غير أن تلك السماء البعيدة لم تكن الشيء الوحيد الذي لفت انتباهه؛
ففي موضع أقرب إليه من ذلك، وُجدت مساحة صغيرة ومكشوفة تشكلت عبر قطع الأعشاب من السهل، وأدوات تخييم متناثرة هناك ― باختصار، كانت أمارة واضحة على وجود شخص هنا في وقت سابق.
سوبارو: [――――]
وللتو واللحظة، تصاعد الحذر في سائر جسد سوبارو، وضاق مجال بصره بشدة.
ولحسن الحظ، لم تكن هناك أي أشباح أو ظلال في ذلك الموضع الذي يصح وصفه بمخيم بسيط؛ ولم تتبقَ سوى آثار شخص أقام هنا، وكان من الصعب اعتباره فخاً منصوباً.
والمشكلة كانت تكمن في تحديد هوية من أقام هذا المخيم على وجه الدقة.
سوبارو: [الاحتمال الأكبر هو الشخص الذي قتلني…… أليس كذلك؟]
لقد فكر في الصياد الذي أرداه قتيلاً؛ وعند التوجه للصيد في الغابة، فإن احتمالية اتخاذ هذا المكان كمعسكر رئيس لهم كانت عالية جداً.
فإن كان الأمر كذلك، فعلى سوبارو الابتعاد فوراً وضمان سلامته أولاً.
وسواء واجههم في الغابة أو في السهل المكشوف، فلا شك في أن ذلك الصياد شخص شديد الخطورة.
وكثيراً ما قيل إن صيادي الـ “ماتاغي” [1] قد يطلقون النار على البشر بالخطأ لظنهم أنهم غزلان، بيد أن إصابة شخص يبحث عن رفيقته وينادي بأعلى صوته بالخطأ بحجة الالتباس بينه وبين غزال، كان أمراً مستحيلاً بالنظر إلى مهارة ذلك الصياد.
لقد كان الصياد عدواً يهدد حياته، وعليه أن يحسم أمره على هذا الأساس قبل التصرف.
ومع ذلك――،
سوبارو: [……لو أستطيع سرقة سكين واحدة على الأقل.]
ففي سبيل شق طريقه بين الأشجار الكثيفة للغابة، أراد سوبارو مساعدة من أداة حادة؛ وللأسف، فإن الأداة الوحيدة التي في حوزته حالياً هي ذلك السوط الذي يستخدمه عادة ― سوط “غيلتي وِيب” (Guiltywhip)، المصنوع من أجزاء خصم قوي.
ورغم أن ثيابه المخصصة لبحر الرمال كانت مفيدة في اجتياز الغابة، إلا أن وضعه سيتغير تماماً إن امتلك سكيناً يقطع به فروع الأشجار ليمضي قدماً.
لذا، ستختلف الأمور كثيراً لو استطاع الحصول على أداة من هذا النوع.
وبناءً على هذا التقدير، أنهى سوبارو تفكيره السريع، ومشى نحو أرض المخيم.
وكان بإمكانه أيضاً الالتفاف والعودة فوراً إلى الغابة، لكن بالنظر إلى ما يسعى إليه، فضّل تفادي الرجوع خالي الوفاض.
مراقباً خطواته ومحيطه بدقة، دخل سوبارو موقع المخيم.
سوبارو: [هناك آثار نار أوقدت هنا، ومفرش رث، ولكن…… أهذا فراش؟]
لاحظ بقايا نار مشتعلة في وسط المخيم، وبجانبها ما يشبه الفراش المصنوع من أعشاب مقطوعة ومصفوفة؛ ولا شك في أن أحداً كان يعيش هنا.
وكان الفراش فارغاً أيضاً، وبدا كأن المكان يخلو من أي شيء آخر، بيد أن――،
سوبارو: [لو أجد فقط سكيناً، أو شيئاً كهذا――]
؟؟؟: [――هه، إذن تريد نصلاً حاداً؛ حسناً، لقد كان ظهورك في الوقت المناسب تماماً.]
وفي اللحظة التي حاول فيها سوبارو البحث عن أداة تنفعه أثناء تفقده السريع للمخيم، تجمد في مكانه حين سمع صوتاً يتحدث خلفه وشعر بشيء بارد يلامس عنقه.
واحتبست أنفاسه في صدره، وحين خفض نظره ببطء، رأى سوبارو أن الشيء الموجه نحو الجانب الأيمن من عنقه لم يكن سوى نصل سيف، مصقول ولامع بدقة فائقة.
سوبارو: [――――]
حابساً أنفاسه، أدرك سوبارو أنه قد وضع حياته وموته بالكامل تحت رحمة خصمه.
(ملاحظة: [1] الـ “ماتاغي” هم صيادون شتويون تقليديون في المناطق الشمالية الجبلية باليابان، ويضرب بهم المثل في مهارات تعقب الطرائد واقتفاء الأثر).
غير أن عقله كان في حالة من التشوش جراء مباغتته والحديث إليه من الخلف. ――لقد كان حذراً ومتيقظاً؛ كان متوجساً لدرجة جعلته يطرح كل الحسابات جانباً، نظراً لوقوعه في موقف تقف فيه حياته على المحك.
وبطبيعة الحال، من بين الخارقين في هذا العالم، كان يعلم بوجود أناس يتحركون بسرعة يعجز بصره عن ملاحقتها، كما يوجد من يقوى حتى على الانتقال الآني.
ومع ذلك،
سوبارو: [أيعقل أنني صادفتُ أحد تلك الاستثناءات النادرة هنا، وفي هذا التوقيت بالذات؟ ……إلى أي مدى يبلغ سوء حظي؟]
؟؟؟: [يا لك من أحمق. من أذن لك بالكلام؟ عليك أن تنتقي كل كلمة بحذر شديد؛ ولا تنسَ أن حياتك بين أيدينا…… بين يديّ أنا.]
وحتى مع لعن سوبارو لسوء طالعه، لم تكن هناك أدنى ذرة من الرحمة في نبرة ذلك الشخص الواقف خلفه.
وكما توعده، فالأرجح أنه سيطيح برأسه فوراً إن حاول فعل أي حركة مريبة؛ ومستشعراً ذلك الضغط الساحق الذي يؤكد أن الأمور ستؤول حتماً إلى ذلك، جاهد سوبارو باستماتة للتفكير في أي سبيل للنجاة.
واستناداً إلى الصوت، كان ذلك الشخص رجلاً.
ولأنه بدا شاباً، فقد يكون في مثل سن سوبارو أو أكبر منه بقليل؛ وكانت طريقته في اختيار كلماته غريبة، لكنها بدت مألوفة على نحو يثير العجب في نفسه.
وفوق كل شيء――،
الرجل: [أرى أنك تعصر عقلك في تفكير عميق بينما فمك مغلق؛ ومع ذلك، لا تفكر في التضحية بحياتك والمجازفة بشن هجوم مضاد…… همم.]
كان ذلك الرجل يملك من الفراسة ما مكنه من قراءة أفكار سوبارو الصامت ومعرفة ما يجول في خاطره.
وبدا أنه استنتج أمراً ما وهو ينظر إلى ظهر سوبارو، إذ أطلق تنهيدة توحي بأنه يقلب أفكاره، ثم أردف:
الرجل: [أنت ترتدي ثياباً لا عهد لي برؤيتها في هذه النواحي؛ ولا أظنها تناسب مناخ “بودهيم” كذلك؛ يدان وقدمان شاحبتان…… أنت لستَ من أهل هذه البلاد.]
سوبارو: [أنا…… وواه!]
الرجل: [اصمت! من أذن لك بفتح فمك؟ إن أثرت سخطي في المرة القادمة، فسيسرني أن أراك تحاول التحدث بعد أن يفارق رأسك جسدك.]
لم تكن لدى الرجل أي نية لتبادل الحديث؛ وأُجبر سوبارو على استيعاب ذلك حين شعر بجرح سطحي أصاب عنقه.
ومع ألم الوخز الحاد، بدأت الدماء تسيل رويداً رويداً من الجرح على عنقه، غير أن الرجل لم يكن قد انتهى بعد من تفحص سوبارو.
الرجل: [كما أن هذا السوط على خصرك غير عملي وصعب الاستخدام داخل غابة كهذه؛ وتبدو أطرافك مدربة إلى حد ما، لكن ليس بالقدر الذي يجعلك تنضم لصفوف الذئاب…… يبدو أنك لم تأتِ إلى هنا لمطاردتي.]
سوبارو: [――――]
الرجل: [ما بالك لزمت الصمت؟ إن كنت ترفض توضيح أمرك، أتفضل أن تموت هنا؟]
سوبارو: [إيييه!؟ أصار مسموحاً لي بالكلام هذه المرة!؟ أليس هذا ظلماً وتناقضاً!؟]
وحين احتج سوبارو على تعنت الرجل، ازدادت تلك النظرة الصارمة الموجهة نحو مؤخرة رأسه حدةً وقسوة.
فتصلب سوبارو في مكانه مدركاً أنه تفوه بما لا داعي له، غير أن جسده المشدود ارتاح أخيراً حين تراجع ذلك السيف الموجه نحو عنقه.
بيد أن،
الرجل: [――التفت ببطء؛ وإن حاولت فعل أي شيء مريب،]
سوبارو: [ستقطع رأسي وتطيح به؟]
الرجل: [كلا؛ سأقطع أطرافك، وأنتزع قلبك، ثم أحرقه أمام عينيك.]
سوبارو: [هذا تهديد شديد الشناعة والشر!]
أدرك سوبارو جدية التهديد من نبرته القاطعة؛ فرفع كلتا يديه وبدأ يلتف ببطء ليثبت أنه لا ينوي شن أي هجوم مضاد.
ثم تمهل في النظر إلى ذلك الرجل الذي نجح في مباغتته من الخلف――،
سوبارو: [……أأنت جاد؟]
――ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام ذلك الرجل، الذي حُجب وجهه خلف خرقة قماش لُفّت حوله.
△▼△▼△▼△
لقد كان حقاً رجلاً غريب الهيئة والمظهر.
لم تكن قامته تفوق قامة سوبارو إلا بمقدار يسير، وبدا قوامه نحيلاً إلى حد ما؛ مبرزاً أطرافه الرشيقة في وقفته، وممسكاً بيده شيئاً أشبه بسيف مبارزة أو خنجر طويل رفيع؛ نصلٌ رقيق الحافة وهو ذاته الذي ألحق ذلك الجرح السطحي بعنق سوبارو.
أما ملابسه، فكانت تتألف من ثياب نبلاء فائقة الجودة ومتقنة الصنع، ويمكن القول إن أسلوبه كان أكثر شذوذاً وغرابة عن هذا المكان من مظهر سوبارو نفسه؛ وإن دقق النظر، استبان له أن تلك الخرقة الملفوفة حول وجهه ربما كانت عباءة في الأصل.
وسواء كان قد ألمّ بوجهه جرح، أو كان يفضل ببساطة ألا يُبدي ملامحه للعيان، لم يكن واضحاً الدافع وراء ارتدائه تلك الخرقة على وجهه، بيد أن――،
الرجل المقنّع: [ما خطبك؟ وما هذا الوجه الأبله الذي تظهره؟]
سوبارو: [بمعزل عما إن كنت تقصد “نظرة بلهاء” بذلك، فقد وُلدتُ بهذا الوجه، ألا يُعدّ ذلك إساءة وشتيمة بحقي……؟ هناك أمور كثيرة، بيد أن ردة فعلي لا مفر منها، لا سيما بعد رؤية مظهرك وهيئتك هذه.]
الرجل المقنّع: [أنت تطلق التخمينات والظنون جزافاً؛ وأنا بدوري أنظر إلى وجهك هذا، وتعاودني الريبة في هذه اللحظة عما إن كنتَ مغتالاً أم لا.]
سوبارو: [المرء لا تُحدد مهنته استناداً إلى شكل عينيه! فوظيفتي في الأصل هي النقيض التام لمهنة المغتال؛ وبدلاً من الهجوم، فأنا شخصٌ يميل إلى الدفاع والتحصن.]
ودون أن يخفف من يقظته وحذره قيد أنملة، واصل الرجل ― كلا، الرجل المقنع توجيه سيفه نحو سوبارو.
ومجيباً على نبرة صوته المشوبة بالشك، تطلع سوبارو إلى عتاد الرجل المقنع، ثم إلى متاعه الموضوع خلفه، قبل أن يعقد حاجبيه بضيق.
إن ملابس الرجل، غير المناسبة تماماً للتخييم أو الحركة في الغابات، قد لفتت انتباه سوبارو بالفعل، بيد أن ما استأثر بجلّ تركيزه كان ذلك الجراب الملقى خلفه ― وهو شيء لم يستطع سوبارو إلا أن يراه متجسداً فجأة في هذه الفسحة المكشوفة دون سابق إنذار، تماماً كحال ذلك الرجل الذي ظهر خلف ظهره مباغتةً.
وفضلاً عن ذلك، كان الأمر يتعلق بعتاد الرجل المقنع. ――فلم يكن يحمل قوساً، ولا يحوز أية سهام.
سوبارو: [……يبدو أنك لستَ الصياد على الأرجح.]
الرجل المقنّع: [الصياد؟]
سوبارو: [أمرٌ شخصي. وبالمناسبة…… هل بمقدورك فعل أمور مثل طي المسافات في لحظة، أو الاختفاء لتصير غير مرئي… وأشياء من هذا القبيل؟]
الرجل المقنّع: [――――]
وفي اللحظة التي طرح فيها سوبارو ذلك السؤال، ضاقت عينا الرجل السوداوان اللتان ظهرتا من فجوة قناعه.
غير أن ردة فعل الرجل المقنع لم تكن غضباً ولا رغبة في تركه والابتعاد عنه، بل كانت استجابة تظهر اهتمامه وفضوله تجاه سوبارو.
وفي الواقع، حين أطلق الرجل تنهيدة خافتة متبوعة بـ “هه”، أردف:
الرجل المقنّع: [ما الذي جعلك تصل إلى فكرة كهذه؟ اذكر حجتك وسببك.]
سوبارو: [……لقد توخيتُ الحذر الشديد من محيطي قبل أن أقترب من هذا المكان، تحسباً لأي طارئ. وبطبيعة الحال، أعلم يقيناً بوجود الكثيرين ممن يمكنهم كسر حذري المتواضع واختراقه بسهولة، لكنك لستَ واحداً منهم.]
الرجل المقنّع: [وما سبب ذلك؟]
سوبارو: [أرجو منك أن تستمع إليّ دون أن تغضب، لكن أتيحت لي مصادفات وفرص كثيرة للاحتكاك بجمع كبير من المهرة والأقوياء، أو من يمكنك نعتهم بالخوارق. وبالمقارنة مع أولئك الوحوش، يراودني إحساس بأنك…… حسناً، عاديٌّ وبسيط.]
لو كان يخاطب محارباً ذا صيت ومكانة، لكان قوله هذا كفيلاً بإهانته وإثارة غضبه بلا شك.
ومع ذلك، كان ذلك هو ما شعر به سوبارو بعد مواجهة الرجل المقنع في هذا الحديث؛ فقد أدرك أن الرجل الواقف أمامه يجيد استخدام السيف دون شك، غير أن مهارته متوسطة، وقد وصل إليها بقدر معين من التدريب المعتاد.
وبالنظر إليه من منظور سوبارو، الذي عهد مقاتلين مثل راينهارد، وغارفيل، وفيلهلم، ويوليوس، لم يكن يسعه سوى القول بضعف هذا الرجل المقنع مقارنة بهم حين يضعهم جنباً إلى جنب.
سوبارو: [فإن كان الأمر كذلك، فإن فرضية قفزك إلى هنا متجاوزاً إدراكي باطلة؛ وما يتبقى هو احتمال طيك للمسافة فجأة والظهور خلف ظهري، أو إن لم يكن هذا……]
الرجل المقنّع: [فإما أن يكون الأمر كذلك، أو أنني تواريتُ عن ناظريك مستخدماً “التخفي والتستر”.]
سوبارو: [――غهكـ!?]
وسرعان ما انتفض سوبارو مأخوذاً بالدهشة حين اختفى الرجل من مجال بصره، رغم أنه كان يقف أمامه قبل لحظة.
غير أن ذهوله لم يقف عند هذا الحد.
سوبارو: [لقد اختفيت…… ولكن، أأنت تقف أمامي مباشرة؟]
الرجل المقنّع: [――أصبتَ؛ فـ “التخفي” يعجز عن طمس حضوري بالكامل.]
ومجيباً على سؤال سوبارو، عاد الرجل المقنع للظهور مجدداً في اللحظة ذاتها التي نطق فيها برده، واقفاً في البقعة ذاتها وبالهيئة عينها كما كان من قبل.
وكما توقع، لم يكن الرجل قد اختفى بمعنى الرحيل، بل كان اختفاؤه مقتصراً على كونه غير مرئي فقط. وحقيقة عودته من تلك الحالة فور إجابته على سوبارو كانت تعني――.
سوبارو: [أيبطل مفعولها إن لمستَ أحداً، أو إن انتبهوا لوجودك؟]
الرجل المقنّع: [ومع ذلك، تظل الأداة المثلى لحبس الأنفاس والكمون أثناء الاختباء.]
وعقب قوله هذا، خفض الرجل المقنع السيف الذي كان يوجهه نحو سوبارو، وصوّبه شطر طرف أرض المخيم؛ كان يوجهه نحو الموضع الذي استقر فيه جرابه.
الرجل المقنّع: [ذلك الفراش ليس إلا طعماً وخديعة؛ لقد كنتُ أحبس أنفاسي هناك، على مسافة قريبة منه. وقد رأيتك تتسلل إلى هنا منذ البداية؛ كم بدوتَ مثيراً للضحك.]
سوبارو: [بالنظر من الخارج، يبدو المرء في غاية الحماقة والغباء حين يكون في حالة تأهب…… مهلاً، ليس هذا المهم الآن! لقد خفضتَ سيفك، وهذا يعني……]
الرجل المقنّع: [أنك لستَ من المتعقبين الساعين خلفي؛ ولا علم لي بالوسيلة التي قادتك، ولا بالدوافع التي تحركك، لكنك مجرد شخص تائه ضل طريقه. فإن كان الأمر كذلك، فما من سبب يدعوني لمعاقبتك بقسوة على هذا، ولا حاجة بي لتلقينك درساً بهذا السيف.]
وكأنه يوضح انعدام أي رغبة لديه في القتال، أعاد الرجل المقنع سيفه إلى غمده عند خصره؛ ومراقباً ذلك المشهد حتى آخره، زال التوتر الذي سيطر على جسد سوبارو أخيراً.
وفي اللحظة التي شعر فيها بالهدوء، تذكر خطته الأصلية.
سوبارو: [آاخ، ليس هذا وقت التراخي! اسمع، معذرة على كثرة الأسئلة، لكن هل رأيت فتاة ذات شعر أزرق؟ لقد افترقنا في هذه النواحي.]
الرجل المقنّع: [شعر أزرق؟ كلا، لم أرها؛ بل في الواقع، وحين وصلتُ إلى هذا المكان، كان أول ما وقع عليه بصري هو وجهك هذا؛ فماذا تنوي أن تفعل حيال هذا؟]
سوبارو: [ولن أفعل شيئاً أصلاً!؟ لن أفعل شيئاً، ولكن…… سحقاً، فشلت المحاولة هنا أيضاً إذن، هاه؛ اسمع، هذا مجرد احتمال، لكن هل يمكنك مساعدتي في البحث عن……]
الرجل المقنّع: [――――]
سوبارو: [أجل، تماماً كما ظننت……]
فشل في العثور على شاهد عيان، كما انقطع آخر أمل له في الاعتماد على عون الآخرين أمامه.
تلقى سوبارو نظرة الرجل المقنع الباردة—التي بلغت من الحدة كأنها شفرة تقطع ما يلامسها—كإجابة حاسمة ترفض طلبه. وعلى هذا النحو، وفي سبيل استعادة الوقت الذي أضاعه، همّ بالعودة إلى الغابة،
الرجل المقنّع: [قف مكانك؛ إن كنتما قد افترقتما في هذه الغابة، فإن اللقاء مجدداً ليس أمراً يتحقق بمثل هذه السهولة. ومع ذلك، ألا ترى أن التصرف الأمثل هو أن تجعل نجاتك وبقاءك أولوية أولاً؟]
سوبارو: [――. المعذرة، لكن هذا مستحيل؛ الأمر ببساطة أنها أهم من حياتي؛ وسأجتمع بها مهما كلفني الثمن؛ كلا، بل عليّ إعادتها إلى الديار سالمة.]
الرجل المقنّع: [أهم من حياتك، هاه؛ وبمعزل عن قصائد المغنين وشعرهم، لا يمكنني رؤية تلك الكلمات إلا ككلام فارغ إن سمعته في الواقع؛ لا يمكنني تخيله إلا كذلك، بيد أن ما يثير اهتمامي حقاً هو بريق عينيك.]
وحين ازدادت نظرات سوبارو حدة إثر استهزاء الرجل بتهوره، أشار الرجل بإصبعه مباشرة نحو عينيه؛ وحين تراجع سوبارو للخلف ظناً منه أنه يريد فقء عينيه، أطلق الرجل المقنع ضحكة خافتة:
الرجل المقنّع: [تلك أعينٌ لا تنطق كذباً ولا خداعاً؛ ولا أدري إن كانت ستظل ثابتة هكذا إن وُضعت في كفة ميزان مقابل حياتك، غير أنك في هذه اللحظة، لا تبدو كمن ينسج الأكاذيب.]
سوبارو: [و…… وماذا في ذلك؟ إن كان كلامي صادقاً، فما الفائدة،]
الرجل المقنّع: [――سينال الأمر بعض اهتمامي؛ وسأعيرك عقلي وتفكيري.]
وبإصبعه، نقر الرجل المقنّع على موضع صدغه نقرات خفيفة.
ولسماعه إجابته تلك، جال بخاطر سوبارو أنه حريٌّ به أن يصرخ في وجهه صائحاً: “كفّ عن الاستهزاء بي!”؛ غير أن أي نبرة حادة أو غاضبة من هذا القبيل لم تقوَ على الخروج من حلقه.
وعلى نحو غريب يثير العجب، عجز عن توجيه أدنى ذرة من الشك أو الريبة صوب هذا الرجل. ――كلا، فالرجل كان مريباً بلا ريب؛ ومع ذلك، كان يملك حجة وقوة إقناع تطغى على تلك الشبهات وتكتسحها تماماً.
والأرجح أن ذلك يعود إلى سطوة تلك الكاريزما الفطرية التي وُلد بها.
الرجل المقنّع: [فصّل لي دقائق ما حدث واشرحه؛ وسأجد لك طريقة تبحث بها عنها.]
سوبارو: [……أنا وهي قُذفنا فجأة إلى هذا المكان.]
ودون أن يشعر، بدأ سوبارو يجيب عن سؤال الرجل، متحدثاً بهدوء وثبات.
ولم يكن الأمر وكأنه يصدقه حقاً، ولا أنه وثق به؛ ――جلّ ما في الأمر أنه كان يائساً لدرجة تجعله يتشبث بقشة. وحين يسيطر عليه هذا الشعور، يرغب المرء بالاعتماد على أي أحد، حتى لو كان أقل جدارة بالثقة من حزمة قش.
ولعله لم يكن أكثر من ذلك الدافع فحسب.
△▼△▼△▼△
الرجل المقنّع: [لقد كنتَ مهملاً ومغفلاً.]
وهكذا، بعد أن فرغ من سماع شرح سوبارو لظروفه، كانت الكلمات الأولى التي رد بها الرجل المقنع قاطعة ولاذعة.
وكما طلب منه ذلك الرجل، قدّم سوبارو وصفاً واضحاً وموجزاً لما حدث بينه وبين ريم ― دون الخوض في التفاصيل المعقدة المحيطة بموقفهما.
فأخبره باضطراب ذكريات ريم، وفرارها بعد أن أسقطته فاقداً للوعي؛ وأضاف أيضاً حقيقة تحركها برفقة طفلة صغيرة خطيرة.
سوبارو: [أعلم ذلك؛ أعلم أنني تصرفتُ كأحمق كبير؛ ولكنك لن تكتفي بهذا الحد… أليس كذلك؟ كشف ماضيّ المظلم الذي حدث لتوي، ثم تركي بعد أن تسخر مني……]
الرجل المقنّع: [يا لك من أحمق! وهل أضيع وقتي الثمين للسخرية من مهرج مثلك؟ ――تلك الفتاة تجيد التصرف والبديهة السريعة إلى حد ما، أليس كذلك؟]
سوبارو: [آه، أجل، أظن ذلك، على الأرجح.]
متأثراً بالهيبة التي يفرضها الرجل المقنع، أومأ سوبارو برأسه مجيباً بصدق.
فكخادمة متعددة المواهب، أدت ريم دوراً بارزاً وفعالاً في تفاصيل الحياة اليومية، غير أن مكانة كهذه لا تُنال بمجرد إتقان الأعمال المنزلية فقط؛
بل بمعرفة قدرات الناس ووضع كل شخص في مكانه المناسب قبل التصرف؛ ――وحتى أثناء القتال، كانت تتوقع تحركاته وتنسجم معها ببراعة دون أن ينطق بحرف لتوجيهها.
لقد كانت ريم ذكية؛ حتى وإن فقدت ذكرياتها――،
الرجل المقنّع: [إن كان الأمر كذلك، فمن المرجح جداً أنك وقعتَ في فخ مكيدة دُبرت لك.]
سوبارو: [مـ-مكيدة دُبرت لي؟ أتقصد أنني خُدعت؟ هذا… لا يعقل، أنا لا……]
الرجل المقنّع: [في هذه الحالة، ليس بقاء ذكرياتها أو ضياعها هو المشكلة؛ بل المهم هو إدراك الفتاة لكونها ملاحقة، وامتلاكها القدرة على تدبير الخطط لمواجهة متعقبها؛ فعلى سبيل المثال――]
قاطعاً حديثه عند تلك النقطة، صوّب الرجل المقنع عينيه السوداوين ليتفحص سوبارو من رأسه حتى أخمص قدميه.
ومستشعراً أن طيشه وسوء تدبيره تحت مجهر النقد، ضم سوبارو كتفيه بخجل.
ورامقاً سوبارو بنظرة ثاقبة، ضيّق الرجل المقنع عينيه:
الرجل المقنّع: [على سبيل المثال، تعمد ترك آثار واضحة فوق العشب، للتمويه على الاتجاه الحقيقي الذي هربت نحوه.]
سوبارو: [――――]
الرجل المقنّع: [لا بد أن القلق والاضطراب استبدا بك بعد أن استيقظتَ من إغمائك؛ وحين شعرتَ بوجوب العثور عليها بأسرع وقت، ماذا ستفعل إن رأيتَ آثار أقدام وُضعت هناك وكأنها تُعرض عمداً أمام عينيك؟]
باندفاع وعجلة، جرى سوبارو يقتفي أثر تلك الخطوات ككلب ضال.
كان ذلك هو ما حدث بالفعل، وكان هو الجواب الذي انصاع لتلك النظرة الساخرة الصادرة عن الرجل المقنع؛ وبطبيعة الحال، كان بوسعه الاعتراض والقول بأن الأمر ليس كذلك، ولكن――،
سوبارو: [――. حقاً كما تقول، عجزتُ عن إيجاد أي أثر كلما تعمقتُ في الغابة انطلاقاً من مدخلها؛ غير أنني ظننتُ أن السبب وعورة الطريق وصعوبة السير فيه……]
الرجل المقنّع: [أنت لا تشيح ببصرك عن الحقيقة حتى وإن كانت لا تصب في مصلحتك ومزعجة لك.]
سوبارو: [أعلم يقيناً منذ زمن طويل أنني أحمق وغبي؛ جلّ ما في الأمر أنني أملك موهبة التكيف وقوة الإرادة، وهو أمر أتفق فيه تماماً مع ذاتي الأخرى.]
ورغم علمه باستحالة إيصال معنى كلامه هذا، إلا أن سوبارو رد على الرجل المقنع بذلك.
وفي الحقيقة، كان لافتراض ذلك الرجل وتخمينه وقعٌ منطقي وسليم تماماً؛ فبالنظر إلى الوراء، بدت الآثار المتروكة فوق العشب “واضحة ومكشوفة” أكثر من اللازم.
فمن بين الحيوانات البرية كالثعالب والأرانب، هناك من يعمد إلى ترك آثار أقدامه متعمداً ثم يقفز فجأة وسط شجيرات العشب في منتصف الطريق، مستخدماً حيلة لتضليل ومراوغة الحيوانات المفترسة التي تطارده.
والعلامات التي تركتها ريم فوق العشب كانت من النوع ذاته؛ فماذا لو كانت فخاً ذكياً وخديعة للإيقاع به وتضليله؟
سوبارو: [أجعلتني أذهب في اتجاه آخر، ومضت هي في الاتجاه المعاكس بدلاً من ذلك……؟]
الرجل المقنّع: [في حالة كهذه، فإن الاتجاه الذي يختاره المرء غالباً ما يكون النقيض التام للمسار الظاهر؛ ومن المنطقي اختيار الطريقة التي تبعدها قدر الإمكان، بالنظر إلى حالتها النفسية. ――أفهمتَ ما أرمي إليه؟]
سوبارو: [……الأمر يثير الغيظ، لكنني فهمتُ قصدك؛ سحقاً! يا لكِ من ماكرة يا ريم!]
وتماماً كما قال الرجل المقنع، إن كانت ريم قد تعمدت ترك آثار واضحة كطُعم للتمويه، فهناك احتمال كبير بأنها هربت نحو الاتجاه المعاكس تماماً.
ومع ذلك، إن استطاع سوبارو تخمين تحركاتها بدقة وتوجه نحو الغابة في الجانب المقابل، فقد يتمكن من تدبير طريقة للحاق بها والإمساك بها. ومع أنه شعر وكأنه يلعب دور الشرير، ولكن――،
سوبارو: [لقد اعتدتُ على ترك انطباع أول سيئ لدى الآخرين بسبب وجهي ورائحة جسدي؛ لكني سألحق بها دون شك!]
الرجل المقنّع: [يا لك من فتى مفعم بالحماس. ――هاك، خذ هذا معك.]
سوبارو: [أوويه!؟]
واقفاً على قدميه، وحين همّ سوبارو بالركض لعجزه عن البقاء ساكناً أكثر من ذلك، رمى إليه الرجل المقنع بشيء بعد أن أخرج يده من جراب أمتعته.
وبينما نظر سوبارو إلى ما تلقفه بيده لتوه، وجد أنه خنجر صغير مثبت داخل غمد جلدي.
وحين اتسعت عيناه دهشة، هزّ الرجل المقنع كتفيه قائلاً:
الرجل المقنّع: [إنها ليست غابة يمكنك مواجهتها بسوط بمفرده؛ لذا استخدم هذا النصل بأقصى ما تستطيع.]
سوبارو: [أنا ممتن لك حقاً على هذا، ولكن…… أأنت متأكد؟ فأنا عاجز عن رد الجميل لك في الوقت الحالي.]
الرجل المقنّع: [لا بأس، لا مانع لدي؛ ففي بعض الأحيان، يعجبني أن أكون الطرف الذي يمنح ويهب؛ أم أنك ستجهد نفسك لتجريدي من كل ما أملك بحد ذلك الخنجر؟]
بدا كلامه وكأنه مزحة، غير أن الحقيقة أنه منح سوبارو الأداة لفعل ذلك حقاً.
فالرجل المقنع كان يمتلك مهارة لا بأس بها، لكن لا يمكن الجزم باستحالة تغلب سوبارو عليه مهما بدت الفرصة ضئيلة؛ ومن هذا المنطلق، كان تصرف ذلك الرجل نوعاً من المجازفة.
ومع ذلك――،
سوبارو: [――اسمي ناتسوكي سوبارو؛ وهذا دَينٌ في رقبتي لك دون شك؛ وسأرد لك هذا المعروف حتماً؛ ولن أفعل ما فيه نكران للجميل.]
مثبتاً الخنجر الذي أخذه عند خصره بإحكام، انحنى سوبارو باحترام. ورامقاً إياه، أطلق الرجل المقنع سخرية خفيفة قائلاً: “همف،”
الرجل المقنّع: [لقد دللتك على الطريق بالفعل؛ فتحرك واذهب؛ وعليك بذل كل ما في وسعك لكسب ثقة تلك الفتاة الهاربة.]
سوبارو: [أتفق معك تماماً في هذا؛ شكراً على المساعدة! أوه مهلاً، هذا أمر مفروغ منه، ولكن……]
الرجل المقنّع: [ما خطبك أيضاً؟]
ملوحاً بيده امتناناً، توقف سوبارو فجأة في اللحظة التي كاد يدخل فيها الغابة؛ وبدا في نبرة الرجل المقنع أثر من نفاد الصبر لرؤية سوبارو مستعجلاً ومنشغلاً، غير أن سوبارو أشار بإصبعه نحو الغابة أمامه:
سوبارو: [سأعبر من هنا لأعود إلى المرج الذي كنت فيه، لكن لا أنصحك أبداً بسلوك هذا الطريق؛ فهناك صياد مرعب يتربص في الداخل؛ وسيستهدفك من مسافة بعيدة بقوس وسهام، ومهما كانت لديك حيوات فلن تكفيك أمامه؛ فإن كنت ذاهباً لمكان ما، فأنصحك بأن تسلك طريقاً يلتف حول الغابة.]
الرجل المقنّع: [――. فهمت. استوعبتُ مرادك؛ وسأضع هذا في حسباني.]
سوبارو: [أجل، عليك بذلك أرجوك. ――إلى اللقاء!]
ولسماعه رد الرجل المقنع، نجح سوبارو في درء الهلاك الفوري عن ولي نعمته من أن يغتاله الصياد، متفادياً مآلاً محتملاً كان سيترك في نفسه مرارة لا تُطاق.
وعقب ذلك، مندفعاً في جوف الغابة بأقصى ما لديه من سرعة، أطلق ساقيه للريح عادياً نحو المرج الأول بكل ما أوتي من قوة.
سوبارو: [――إنه يقطع ببراعة مذهلة!]
ولحسن الحظ، لم يواجه سوبارو صعوبة كبيرة في رجوعه إلى السهل العشبي الأول؛
فقد كان النصل الذي أخذه من الرجل المقنع ذا حدٍّ قاطع، مما منحه عوناً هائلاً في قطع الأغصان وتجريف الأوراق الكثيفة التي اعترضت سبيله.
وفي العادة، حين يتعلق الأمر بخنجر كهذا، فمن المتوقع أن يثلم حده ويتضرر جراء فرط الاستخدام، غير أنه لم يواجه أي مشكلة من هذا القبيل؛ ولعله نصلٌ ممتاز من أعلى طراز.
سوبارو: [كما أن ثيابه بدت باهظة الثمن أيضاً؛ من تراه يكون ذلك الرجل بحق……؟]
وبينما كان يتساءل في نفسه، عاد سوبارو إلى المرج الأصلي في عجلة من أمره. وإثر ذلك، وحين تفحص الأرجاء المحيطة بالبقعة التي قادته زيفاً شطر الاتجاه المعاكس――،
سوبارو: [――وجدتها؛ لا بد أنه هذا الموضع.]
فلتوه، وفي الناحية المقابلة لتلك الآثار التي وُضعت للتمويه، اكتشف سوبارو موطئ أقدام خُلّف على هيئة غير منتظمة فوق العشب؛ وبدا واضحاً أن ريم بذلت جهدها لمحو تلك الآثار، غير أن الأرجح أنها لم تنجح إلا في محو آثارها هي، وعجزت عن طمس آثار لويس بالكامل.
وبما أن شواهد الجهد المبذول في إخفاء الآثار كانت شاخصة للعيان، فقد كان من غير المنطقي اعتبار ذلك تمويهاً إضافياً.
وهذا يعني أن――،
سوبارو: [أخيراً، أمسكتُ بطرف خيطكِ يا ريم……!]
ورغم إدراكه قبيل ذلك، نطق بتلك الكلمات التي جعلته يبدو كشرير تماماً، وهو يعدو بأقصى طاقته مقتفياً تلك العلامات التي غدت دليله المكتشف حديثاً لموضع ريم. وتلك الآثار الممتدة حتى مشارف مدخل الغابة كانت مطابقة لما رآه في المرة السابقة؛ غير أنه كان من المستحيل التستر على الأغصان المكسورة عند المدخل، أو موطئ الأقدام المنغرس في الطين.
سوبارو: [لقد عثرتُ عليه! فإن استعنتُ بهذا――]
سألحق بريم، هكذا ظن سوبارو وهو يهم باقتفاء موطئ الأقدام في الطين بحماس وشغف.
وكان ذلك في اللحظة التالية مباشرة.
سوبارو: [――غهكـ!?]
وبينما كان تركيز سوبارو منصباً على موطئ الأقدام، انقطع حبلٌ من اللبلاب المشدود من تحت قدميه؛ وأدت قوة الارتداد بالفرع الذي كان يثبته إلى الانطلاق صوبه، لتنال جنبه ضربةٌ عنيفة.
سوبارو: [غهـ، أوغـ،]
متلقياً ضربة أفقية من غصن يماثل غلظ ذراعه، طار جسد سوبارو في الهواء ليرتطم على مسافة بعيدة؛ وخرجت منه أنة ألم وهو يتدحرج فوق الطين، عاجزاً عن النهوض من قوة الضربة.
وراحت رؤيته تومض وتتأرجح بين النور والظلام، وإثر مباغتته بهجوم لم يكن في حسبانه إطلاقاً، دار وعي سوبارو وترنح كالضوء الدوار لسيارات الشرطة من شدة الألم والصدمة.
سوبارو: [الـ-الآن لتوي، أيعقل أن ذلك كان……]
وحين خفت حدة الألم بعد برهة، استقام سوبارو على قدميه في مكانه أخيراً؛ ورغم ذلك، أدرك أن أثر الضربة قد طال ركبتيه، كما تأكد من وقوع قدر كبير من الضرر الداخلي في جنبه.
غير أن صدمته تجاوزت حدود ذلك بكثير.
سوبارو: [――فخ؟]
فرغم كونها في حالة هروب، لم تكن لتكتفي بمجرد النجاة والابتعاد.
ورغم فقدانها لذكرياتها، كانت قادرة على بذل غاية جهدها واستنفاد طاقتها؛ إلى هذا الحد تبلغ مهابة تلك الفتاة ― ريم وقوة بأسها.
وهناك، في تلك البقعة بالذات، أدرك ناتسوكي سوبارو في نهاية المطاف:
――بأن هذا كان بداية لنزاله الحقيقي الثاني مع ريم، منذ وطئت قدماه هذا العالم.
(ملاحظة: [1] الـ “ماتاغي” هم صيادون شتويون تقليديون في المناطق الجبلية بشمال اليابان، ويضرب بهم المثل في مهارات تتبع الطرائد واقتفاء الأثر).
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※