الفصل 362 - معمودية
الفصل الأول: معمودية
…ما إن انقشع عمود الدخان وتلاشى، حتى داهم رام شعورٌ نادرٌ بالعجز.
رام: […]
فتحت عينيها القرمزيتين الباهتتين، مجهدةً بصرها وهي تدقق النظر في أرجاء تلك الغرفة التي لا تزال سحب الدخان تحوم في أجوائها. ومع ذلك، ورغم بحثها وسط هذا الفراغ، لم يكن لمن تنشدهم أي أثر.
بحثت عن أولئك الأشخاص في الغرفة التي انفتحت فيها فجوة هائلة؛ أي حركة، أو أي شخص متشح بالسواد، إلى جانب تلك الزرقة المحبوبة؛ ومع ذلك، لم تجد لأي منهم أثراً…
؟؟؟: […رام!]
أُمسك كتف رام من الخلف وهي تحاول التقدم خطوة للأمام، لتعيدها تلك اللمسة إلى وعيها. وأدركت حينها أنها كانت على وشك أن تطأ موضعاً مشروخاً من الأرضية؛ فلولا إيقافها في اللحظة المناسبة، لهوت وسقطت نحو الأسفل.
يا لقلة انتباهها، لدرجة أنها لم ترَ ما تحت قدميها حرفياً.
؟؟؟: [الحمد لله أنكِ سالمة يا رام… وباتراش-تشان، هل أنتِ بخير أيضاً؟]
رام: [إيميليا… -ساما…]
عضت رام شفتها. وفي تلك الأثناء، كانت مَن أمسكت بكتفها هي إيميليا، التي كان يفترض بها أن تكون في الطوابق العليا. وبينما كانت تلتقط أنفاسها بخفة، تفقدت إيميليا سلامة رام واطمأنت عليها، ونظرت إلى حال تنين الأرض الأسود، باتراش، الرابضة خلفهما.
وأخيراً، وهي تنظر إليهما، استعادت رام ما يكفي من هدوئها لتستوعب ما حل بمحيطها.
الرواق الذي كان يفترض به أن يكون جزءاً من برج حجري منيع قد انهار، وتحطمت أرضيته وسقفه إلى شظايا. وبات بوسعها رؤية السماء ورمال بحر الرمال عبر ذلك الجدار الذي غدا فجوة واسعة؛ ونتيجة لذلك، هبت ريح جافة لتجتاح المكان.
غير أن الموضع الذي ناله النصيب الأكبر من الدمار كان تلك الغرفة التي مكثت فيها رام وباتراش والبقية حتى اللحظات السابقة مباشرة ― أي تلك الغرفة التي أطلقوا عليها اسم “الغرفة الخضراء”.
رام: […]
كانت الغرفة مليئة بالأعشاب واللبلاب المتسلق الذي يغطي جدرانها وأرضيتها ويمتد حتى سقفها؛ ومع ذلك، غدت الغرفة الآن مجهولة الملامح مقارنة بهيئتها الأصلية، بعد أن اقتُلع أثر تآكلها الطبيعي الممتد لسنوات طويلة من جذوره وفروعه.
وشمل ذلك أسِرّتها المنسوجة من العشب واللبلاب، إضافة إلى الضياء الخافت الذي كان يبعثه حضور الروح هناك؛ لقد زال كل ذلك تماماً.
وفوق كل هذا، كانت معضلتهم الكبرى تكمن في…
إيميليا: [رام… أين ذهب سوبارو وريم؟ هما بخير، أليس كذلك؟]
واقفةً بجانب رام، حدقت إيميليا في البقعة التي كانت تحتضن “الغرفة الخضراء” سابقاً. وعجزت رام عن الرد على سؤالها فوراً، رغم إدراكها أن صمتها المؤلم كان جواباً بحد ذاته.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: […أولاً وقبل كل شيء، دعونا نرتب ما حدث خطوة بخطوة؛ فلن نتمكن من مناقشة الأمور بهدوء إلا إذا فعلنا ذلك.]
ملقيةً نظرة على كل من تجمع داخل الغرفة وهي تقول ذلك، تولت أناستازيا زمام الموقف.
وكان وشاح الثعلب الأبيض الخاص بأناستازيا ― إيكيدنا ― لا يزال يلتف حول عنقها. وراحت تمرر أصابعها عبر فرائه الذي غطاه بعض الغبار وهي تتحدث.
أناستازيا: [إذن، بخصوص ذلك الظل الأسود الذي هاجم البرج للتو…]
يوليوس: [لقد انقشع، على الأقل في الوقت الراهن؛ وأستطيع القول إن الفضل يعود لقوة التنين السامي، فولكانيكا.]
إيكيدنا: [كانت تحركات التنين والظل مفاجئة للغاية، لدرجة جعلتنا نتساءل بذهول عما كان يحدث بالضبط.]
وداخل البرج، بدأ أولئك الذين عادوا سالمين في مشاطرة ما شهدوه، بدايةً من أناستازيا، ثم تبعها يوليوس وإيكيدنا.
وتماماً كحال أناستازيا وإيكيدنا، كان رداء يوليوس الأبيض الخاص بالفرسان ملطخاً هو الآخر بالأتربة؛ ولم يكن ذلك عائداً فحسب إلى وطيس المعركة الشرسة التي دارت في البرج، بل كان مرده أيضاً إلى تبعات ذلك الحدث.
ورغم كل ما جرى، لم يصب أي من هؤلاء الثلاثة بأي جروح إضافية؛ ومن هذه الناحية، كان الأمر مدعاة حقيقية للارتياح.
وهذا بحد ذاته كان بفضل ذلك الإنجاز الذي حققه التنين السامي، فولكانيكا، في الطابق الأعلى للبرج.
بياتريس: [لقد شق فولكانيكا ذلك الظل المتربص بأنفاسه، على ما أظن. ولولا ذلك، لكنا حتماً قد ذقنا عذاباً لا يطاق، في واقع الأمر.]
أومأت أناستازيا برأسها موافقةً على ما قالته بياتريس، بينما عقدت الأخيرة ذراعيها القصيرتين معاً.
وبكل أمانة، حين أطلق فولكانيكا أنفاسه على حين غرة، كانت أناستازيا—على غير عادتها—قد استسلمت للموت ورضيت به؛ فقد جرت الأمور بسرعة خاطفة لم تترك أي مجال للتصرف.
ورغم ذلك، لا يمكنها بطبيعة الحال القول بأنها أرخت دفاعاتها بالكامل لمجرد تلك النفثة من التنين.
يوليوس: [كانت استجابة التنين السامي للأزمة المحدقة بنا استثنائية وباهرة بحق، ولكن حتى مع ذلك، فإن حالته المضطربة لم تتحسن، وهذا أمر لم يتغير بعد… ومع هذا، يبدو في الوقت الحالي مطيعاً ومنقاداً لتعليمات إيميليا-ساما.]
أناستازيا: [مراعاةً لمشاعر يوليوس، سأحاول تجنب نعته بـ ‘المخرف’… لكن المعنى واحد في النهاية، فالتنين السامي-سان يظل كائناً مرعباً ومهيباً. على أية حال، ما جرى مطابق تماماً لما قالته بياتريس-تشان.]
بياتريس: [هذا ما أظنه.]
الوحيد الذي كان بوسعه التعامل مع موقف بتلك المفاجأة هو فولكانيكا وحده؛ فما الذي كان سيحل بهم الآن لو لم يطير التنين ذلك الظل الداهم ويبدده عنهم؟
ومع ذلك، لم يكن الموقف ليدعو للابتهاج والسرور…
ميلي: [كان عددهم كبيـ~ـراً جداً. لكنهم جميعاً اندفعوا نحو أخي الكبير والبقية…]
أناستازيا: [ميلي-تشان.]
ميلي: […آه، عـ~ـذراً.]
أناستازيا: […]
لم تزن ميلي كلماتها بعناية كأنها كانت منزعجة، فوبختها أناستازيا لذلك؛ وقدمت ميلي اعتذاراً صادقاً وهي تنظر نحو رام وإيميليا، اللتين التزمتا الصمت تماماً.
وبالنظر إلى ما مضى، فإن المتضررين من ضربة ذلك الظل كانا عضوي معسكر إيميليا ― سوبارو وريم ― وعليه، فإن الخسائر التي لحقت بمعسكر أناستازيا كانت معدومة عملياً.
أناستازيا: [مع أنني لا أستطيع الجهر بذلك، فنحن في النهاية رفاق سفر ونسير في الدرب ذاته.]
تمتمت أناستازيا بذلك في سرها قبل أن تختلس نظرة نحو يوليوس وإيكيدنا؛ فقد عملا جنباً إلى جنب مع جماعة إيميليا طوال الفترة التي تبادلت فيها الأدوار مع إيكيدنا، حين كانت غارقة في أعماق وعيها.
وفضلاً عن إيكيدنا التي تعرفها منذ نحو عشر سنوات، حتى يوليوس الجديد كلياً بالنسبة لذاكرتها كان يدرك بوضوح مدى اهتزازها وصدمتها.
ومن هذا المنطلق، تفاجأت أناستازيا بحضور بياتريس لهذا الاجتماع، وهي التي يفترض أن تكون الأقرب إليهما.
أناستازيا: [بياتريس-تشان، هل أنتِ بخير؟ آه مهلاً، لا يجدر بي استخدام كلمة ‘بخير’ في موقف كهذا؛ لكنكِ لم تقعي في نوبة ذعر، أليس كذلك؟]
بياتريس: […هلع بيتي لن يعيد سوبارو وريم إلى هنا، في واقع الأمر. والمشكلة الأساسية المطروحة الآن هي إفساد خطوتنا الأولى بسبب الذعر والتخبط، على ما أظن؛ وهذا تحديداً ما أريد تجنبه، في واقع الأمر.]
أناستازيا: [خطوتنا الأولى؟ تقصدين بذلك…]
إيميليا: […استعادة سوبارو وريم؛ والتحرك لأجل ذلك، أليس كذلك؟]
رفعت أناستازيا حاجبيها بحيرة وهي تحاول استيضاح مقصد بياتريس؛ غير أن إيميليا قاطعتها، وهي لا تزال تسند كتف رام بيدها.
اخترقت عينا إيميليا البنفسجيتان كحجر الجمشت أناستازيا حتى الصميم، لتتسع عينا الأخيرة بدهشة طفيفة أمام حدة تلك النظرة وضراوتها، وبللت شفتيها بلسانها:
أناستازيا: [يا للهول، ظننتكِ ستكونين غارقة في الحزن والإحباط، لكن النظرة في عينيكِ حكاية أخرى تماماً. ماذا تقصدين بالضبط؟]
إيميليا: [الأمر ليس معقداً؛ لقد ابتلع ذلك الظل سوبارو وريم وجُرفا بعيداً عنا… صحيح أن فولكانيكا قد طرده، لكن تدخله كان متأخراً قليلاً؛ ورغم كل ذلك…]
رام: [لم يموتا جراء ذلك، وأنا واثقة من هذا الأمر كل الثقة.]
بينما كانت لا تزال متكئة ومسنودة من قِبل إيميليا، فتحت رام عينيها وأجابت؛ ثم لمست جبينها برفق― ذلك الموضع الذي يُفترض أن قرنها من عشيرة الأوني كان فيه سابقاً― بينما أطلقت زفرة مفعمة بالإرهاق. وكان ذلك اللمس هو السند لكلماتها التي جاءت ممتلئة باليقين.
أناستازيا: [حق عشيرة الأوني… آه، تقصدين التخاطر والحس المشترك بين الأختين؟ يعني تقولين إنكِ مرتبطة بـ ريم-سان حالياً؟]
رام: [نعم، هذا صحيح؛ ريم على قيد الحياة… أما باروسو فلا علم لي به إطلاقاً.]
بياتريس: [سوبارو بألف خير أيضاً، على ما أظن! بيتي تضمن ذلك تماماً، في واقع الأمر!]
صاحت بياتريس بغضب واحمر وجهها حنقاً من كلمات رام المعتادة؛ ففي النهاية هي بياتريس، الروح التي أبرمت عقداً مع سوبارو، ولكلامها مصداقية لا شك فيها.
وبعبارة أخرى، كان ذلك يعني أن الشخصين اللذين تلاشت آثارهما قد تأكدت نجاتهما من مصدرين منفصلين وموثوقين.
يوليوس: [فيما يخص سوبارو، لدينا رابط عقده مع بياتريس-ساما؛ وفيما يخص الآنسة ريم، لدينا الحس المشترك لدى الآنسة رام… وكلا الأمرين يستحقان التصديق؛ وفوق ذلك، أنا شخصياً أود التمسك بهذا الأمل.]
أناستازيا: [يا عيني على الصراحة… على كل حال، أنا أيضاً أتمنى من كل قلبي أن يكون ناتسوكي-كن وريم-سان سالمين ومعافين.]
مسحت أناستازيا على وشاحها بعد جواب يوليوس، وكأنها تحاذر من أن يوقعهم الإفراط في التعاطف في حرج؛
فهم يتعاونون مع جماعة إيميليا كحلفاء مؤقتين الآن ― لكن حقيقة كونهم متنافسين في الانتخابات الملكية لم تتغير؛ ولم تكن تريد أن يُساء فهم موقفهم وتتضاعف مشاكلهم.
ومع ذلك، فلأنهم يتنافسون بشرف، فإن رد الجميل دين لا مفر منه.
ميلي: [حــسناً إذن؟ يعني، هو أمر رااائع وممتاز جداً أن أخي الكبير والبقية أحياء، ولــكن، أين هم أصلاً؟]
دون مراعاة للجو العام، طرحت ميلي هذا السؤال وهي تعبث بالعقرب القرمزي الصغير المتوازن فوق رأسها. ففتح يوليوس فمه استجابةً لسؤالها وبدأ يتحدث:
يوليوس: [حسناً، رغم أنني قد أعجز عن شرح الأمر بدقة، إلا أن ذلك الظل كان نتاجاً لسحر الين (Yin Magic)… أو على أقل تقدير، يعود لعنصر الين؛ ويفترض أن يكون شبيهاً بالسحر الذي يختم أمثال ساحرة الحسد في ضريحها، وروي ألفارد داخل عربة التنين. وإن صح هذا الافتراض، فإن الخبيرة بيننا هي…]
بياتريس: […تلك ستكون بيتي، على ما أظن؛ وتشخيصي لا يختلف كثيراً عما قاله يوليوس، في واقع الأمر. ذلك الشيء كان كتلة مكثفة من عنصر الين، على ما أظن؛ وهو أشبه بتعويذة “شاماك” (Shamak) جرى توجيهها بمسار محدد، في واقع الأمر.]
إيكيدنا: [شاماك؟ أليست تلك التعويذة الأساسية لعنصر الين؟ فكيف بلغت كل تلك القوة إذن؟]
بياتريس: […كنت أعلم أن الكثير من البشر سيقعون في هذا اللبس لندرة مستخدمي هذا العنصر؛ لكن المحرج حقاً هو أن تفكري بهذه الطريقة وأنتِ روحٌ مثلي، في واقع الأمر.]
تلقت إيكيدنا، التي اتخذت هيئة الثعلب الأبيض، نظرة عتاب حادة من بياتريس جعلتها تنكس رأسها خجلاً. فتنهدت بياتريس ورفعت إصبعها قائلة: “هل لي بالإيضاح، على ما أظن؟”
بياتريس: [خاصية تعويذة شاماك الأساسية تكمن في “الفصل”، في واقع الأمر. فالشاماك الضعيف يفصل جسد المرء عن وعيه، بينما الشاماك عالي الرتبة يفصل الفضاء عن نفسه، على ما أظن. وتعويذة “اجتياز الأبواب” (Door Crossing) الخاصة ببيتي هي أحد تلك التطبيقات؛ إذ تربط غرفتين ببعضهما لتحقق شيئاً شبيهاً بالانتقال اللحظي، في واقع الأمر.]
رام: [كانت تلك الحيلة التي نصبتها بياتريس-ساما في القصر السابق؛ كان مناداة سيادتكِ لمواعيد الوجبات عذاباً حقيقياً، وبصراحة، كنتُ قد ضقتُ بها ذرعاً تماماً.]
بياتريس: [يزعج بيتي أن تصارحيني بهذا بكل وقاحة في هذا المكان والوقت بالذات، على ما أظن! وأعتقد أنني آسفة حيال ذلك، لكن الاعتذارات تؤجل لوقت لاحق… على أية حال، الشاماك في أصله قادر على فصل الفضاء عن الفضاء إن وُجه لذلك؛ وفضلاً عن هذا، يمكنه فصل الأجسام ونفيها مهما بلغت قوتها؛ وهذا تحديداً هو اختصاص ساحرة الحسد، في واقع الأمر.]
أناستازيا: [من شرحكِ هذا، ألا يعني كلامكِ أن ناتسوكي-كن وريم-سان قد تمزقا وتناثرا إرباً؟]
لو كان ذلك الظل فتاكاً إلى هذا الحد، فإن ما قالته يبدو كأنه يحكم على نجاة سوبارو وريم—اللذين ابتلعهما ذلك الشيء—بأنها أمل ميؤوس منه تماماً.
غير أن بياتريس هزت رأسها نفياً رداً على سؤال أناستازيا.
بياتريس: [ما ذكرته للتو كان مجرد تشبيه، على ما أظن؛ فعلى الأقل، لم يكن ذلك الظل يهدف إلى تقطيع سوبارو وريم إلى أشلاء، في واقع الأمر؛ بل كان يسعى لاحتوائهما ودفعهما بعيداً نحو مكان آخر، على ما أظن.]
إيكيدنا: [مكان آخر… عبر أبعاد الفضاء… وفي حالة كهذه، أتخيل أن يكون ذلك المكان هو حيث تقبع هي؟]
رام: […في النهاية، هناك مسألة ميازما (Miasma) باروسو.]
بسطت إيكيدنا شرح بياتريس إلى معانٍ أوضح، وفي ختام ذلك، بيّنت رام السبب وراء هذا الاحتمال.
فالميازما التي تغلف سوبارو—والتي هاجت بسببها وحوش السحر في طريقهم إلى برج المراقبة—باتت حقيقة معروفة لدى مرشحي الانتخابات الملكية.
وحول حقيقة هذه الميازما، فإن مسبباتها وتفاصيلها الدقيقة لا تزال طي المجهول.
رام: [كل ما أعلمه عن الميازما هو أنها تجتذب وحوش السحر نحوها، وأن المرتبطين بطائفة الساحرة غالباً ما تنبعث منهم بكثرة… وهذا كل ما في الأمر تقريباً.]
إيميليا: [امم، صحيح أن وحوش السحر لاحقت سوبارو مرات عديدة، لكن لا صلة له بطائفة الساحرة على الإطلاق؛ أعلم أن الأمر يبدو مريباً جدااااً، ولكن…]
أناستازيا: [لا داعي للقلق، فأنا لا أشكك في هذا الأمر الآن يا آنسة إيميليا.]
إيميليا: [أوه؟ الحمد لله؛ فسوبارو فتى طيب حقاً، لذا…]
ربتت إيميليا على صدرها بارتياح، غير أن المشكلة الأساسية ما زالت قائمة.
وكما قالت أناستازيا، فإن فكرة ارتباط سوبارو بطائفة الساحرة لم تعد تراودها؛ ومع ذلك، فإن جهلهم بأصول سوبارو ومصدره ظل يثير الشكوك في نفسها.
لم تكن تظن أن سوبارو يحمل نوايا خبيثة؛ بيد أن النوايا السيئة التي لا يعيها المرء واردة أيضاً.
وثمة احتمال بأنه، وخلف كل نواياه الطيبة، فإن مجرد وجود سوبارو بحد ذاته قنبلة موقوتة.
أناستازيا: [حسناً حسناً، فقلقكِ هذا لا داعي له، وقد فهمتُ قصدكِ منذ البداية. الظل الذي ابتلع ناتسوكي-كن وريم-سان هو ما نقلهما لمكان آخر؛ والسؤال الحقيقي الآن: إلى أين تحديداً؟]
إيكيدنا: [بالإضافة إلى ما حدث نتيجة لتدخل أنفاس فولكانيكا واعتراضها لذاك الهجوم.]
بياتريس ورام—المرتبطتان بكل من سوبارو وريم على التوالي—تملكان على الأرجح فكرة تقريبية عن مكان وجودهما.
وسيكون البحث عنهما مهمة شاقة للغاية إن كان كل ما يعرفونه مجرد بقائهما على قيد الحياة، دون أدنى علم بالوجهة التي قُذفا إليها بدقة―― وعلى أقل تقدير، فإن خيار التخلي عن البحث عنهما لم يكن وارداً لأي أحد في هذا المكان.
إيميليا: [أرجوكما، أين سوبارو وريم الآن؟ أخبراني أرجوكما.]
تبادلت بياتريس ورام النظرات أمام رجاء إيميليا الصادق؛ ثم بعد بضع ثوانٍ من الصمت…
بياتريس: […إنه في جهة الجنوب، في واقع الأمر.]
رام: [ورام تشعر بدورها أنها في الاتجاه نفسه؛ لستُ متأكدة من موقعها بدقة، لكنني أظنها بعيدة للغاية.]
إيميليا: [الجنوب؟ جنوباً من هنا لدينا الـ… ممم…]
عقدت إيميليا حاجبيها فور أن ذكرت كل من بياتريس ورام أنهما في جهة الجنوب؛ ورغم أنها كانت تبذل جهدها لتستحضر خريطة العالم في ذهنها، رفعت أناستازيا يدها لتتولى الرد بدلاً عنها.
يقفون حالياً في كثبان أوغريا الرملية الواقعة في أقصى الشرق من خريطة العالم. وبقدر ما يعنيه الامتداد جنوباً من هذه النقطة، فإن بيكوتاتي أو فلاندرز—من بين المدن الكبرى الخمس—كانتا الخيارين الأرجح، ولكن…
يوليوس: [فيما يتعلق بهذا الأمر بمفرده، فإن حال الاثنين يظل لغزاً غامضاً.]
وبدا أن يوليوس قد وصل إلى الاستنتاج ذاته، فتحدث معبراً عما يجول في خاطر أناستازيا.
ومن الطريقة التي انسجم بها تفكيره مع سرعة خواطرها، ازداد تقدير أناستازيا له ورأته الفارس المثالي لها أكثر من أي وقت مضى، بينما أغمضت إحدى عينيها قائلة: “بالتأكيد.”
أناستازيا: [المسافة شاسعة حقاً، لكن إن كانا في تلك النواحي، فيمكننا القول إن الضرر الواقع طفيف ولا يُذكر. ومع ذلك، فإن وجهيكما شاحبان… هل تقصدان أنهما توغلا جنوباً أبعد من ذلك بكثير؟]
إيميليا: [أبعد بكثير جهة الجنوب… لا يعقل أنكِ تقصدين…]
ميلي: […أيعني هذا أنه انتهى بهما المطاف في أقصى إمبراطورية فولاشيا جنوبـ~ـاً؟]
كانت دهشة ميلي بسيطة مقارنة بحجم الصدمة التي اعترت إيميليا؛ لكن من الإنصاف القول إن ردة فعل ميلي ناتجة عن عدم استيعابها لأبعاد الموقف وحجمه الحقيقي؛ وعليه، كانت ردود أفعال بياتريس والبقية مفهومة تماماً.
فإن كان سوبارو وريم قد تجاوزا حدود البلاد… وعبرا إلى الإمبراطورية الجنوبية، فهما أمام مشكلة جسيمة وأزمة حقيقية.
أناستازيا: [إن لم تخني الذاكرة… فإن مملكة لوغنيكا وإمبراطورية فولاشيا في الجنوب قد أبرمتا معاهدة عدم اعتداء تمتد طوال مدة الانتخابات الملكية، أليس كذلك يا يوليوس؟]
يوليوس: [هذا صحيح تماماً؛ وأرجح أنكِ لا تملكين علماً بهذا، لكنني توجهتُ إلى هناك بنفسي لإبرام الاتفاق؛ أنا، وراينهارد، وفيريس والبقية قابلنا الإمبراطور وجهاً لوجه.]
إيميليا: [وفق ما سمعته، كانت علاقتنا مع الإمبراطورية سيئة للغاية؛ لكن إن كنتم قد فعلتم ذلك، فهل صرنا على وفاق معهم الآن؟ أي إننا لو انطلقنا إلى هناك للبحث عن سوبارو وريم…]
يوليوس: […كلا، لن ينجح الأمر إطلاقاً.]
خفض يوليوس حاجبيه وهو يهز رأسه نفياً رداً على تساؤل إيميليا المتردد؛ وأرخى بصره برفق، لتنكسف عيناه الصفراوان اللتان تلألأتا كالجواهر فوق ملامح محياه الوسيم:
يوليوس: [لقد منعت الإمبراطورية العبور بينها وبين المملكة منذ بضعة أشهر كإجراء مؤقت. وبسبب الانتخابات الملكية، اتخذت مملكة غوستيكو السامية في الشمال الإجراء ذاته، غير أنها ألغت حظرها بالفعل…]
إيكيدنا: [أظن أن ذلك يعني أن الحظر الذي فرضته الإمبراطورية لم يُرفع بعد. وبما أننا ارتحلنا إلى برج المراقبة، فإننا نفتقر إلى أحدث المستجدات والأنباء… فإن كان الوضع هناك لم يتغير…]
إيميليا: [فإن التوجه إلى هناك لنجدة سوبارو وريم سيكون أمراً بالغ الصعوبة؟]
يوليوس: [نعم، للأسف الشديد.]
ورغم تداولهم لمختلف الآراء، ختم يوليوس كلامه بتلك العبارة التي يقطر منها الأسى.
وأناستازيا بدورها لم تجد مفراً من الوصول إلى النتيجة ذاتها؛ فالدخول عبر المنافذ الرسمية لإمبراطورية فولاشيا أمرٌ مستحيلٌ تماماً.
ولن يتبقى أمامهم سوى البحث عن طريق سري، فضلاً عن حاجتهم لتدبير الوقت المناسب والوساطات الضرورية.
لا يوجد حل سريع وسهل هنا؛ ومن المؤكد أن إيميليا ستكون في عجلة تامة وهي تفكر في شخصين لا يزال مصيرهما مجهولاً…
إيميليا: […علينا التحرك بسرعة؛ سنحصل على دم فولكانيكا ونعود به إلى بريستيلا… ثم ننقل مطران خطيئة الشراهة الذي أسرناه إلى العاصمة الملكية، أليس كذلك؟]
بياتريس: [إيميليا…؟]
إيميليا: [أنا أعلم يا بياتريس؛ ولا يسعني منع نفسي من الشعور بنفاد صبر شديد، شديد للغاية؛ لكننا لن ننقذ سوبارو وريم إن تسرعنا وتخبطنا هنا… علينا التزام الهدوء.]
غير أن قرار إيميليا الهادئ والصارم أثار دهشة أناستازيا، في اللحظة التي بدا فيها أنها ستسقط في وهدة الهلع؛ لتهز إيميليا رأسها بثبات نحو بياتريس التي خالجها الذهول ذاته. ومع أن مقلتيها كانتا ترتعدان وصوتها يرتجف قليلاً، إلا أنها كانت تبذل كل ما تملك لتحافظ على تماسكها.
كان لسان حالها يعلن أنها لن تقف مكتوفة اليدين أو تتراخى للحظة، إن كان في ذلك سبيل لاستعادة سوبارو وريم.
إيميليا: [أنتما الاثنتان، سوبارو وريم معاً، أليس كذلك؟]
رام: […تحققتُ لتوي مع بياتريس-ساما، ونعتقد أنهما معاً على الأرجح.]
إيميليا: [حسناً إذن… إن كان الأمر كذلك، فأنا واثقة من أن سوبارو سيبذل كل ما في وسعه لحماية ريم؛ ولهذا السبب لا داعي للقلق على ريم، مع أن سوبارو نفسه يثير قلقي قليلاً.]
ومع أن إيمانها بسوبارو كان راسخاً، إلا أن أناستازيا شاركتها المخاوف ذاتها بالقدر نفسه؛
فقد سبق لناتسوكي سوبارو أن فقد ذكرياته لبرهة في البرج نتيجة تركه لتدبير أمره بمفرده؛ وذلك الفتى، بميله لجلد الذات، يحمل عادة سيئة في الاستهانة بنفسه والتقليل من شأنها في سبيل حماية من يعزهم.
ومثلما كان ذلك التصرف يبعث العزيمة في نفوس الآخرين تارة، كان بالقدر ذاته مبعثاً لقلق لا يهدأ.
أناستازيا: [ومع ذلك، أرى أن جلّ ما في وسعنا هو التعويل على نباهة ناتسوكي-كن وحسن بديهته. إيميليا-سان على صواب تام؛ فما لا يسعنا فعله هو البقاء هنا نتأفف ونندب حظنا في أرجاء البرج، بل يتحتم علينا التحرك دون تأخير.]
يوليوس: [الأمر واضح تماماً… بياتريس-ساما، هل هناك أية بواعث للقلق ينبغي لنا وضعها في الحسبان؟]
بياتريس: […جسد سوبارو، على ما أظن؛ فبوابة سوبارو عاجزة عن تصريف المانا بمفردها لكونها محطمة، في واقع الأمر؛ وإن تركناه بمفرده لوقت طويل، فإنها ستنفجر حتماً بسبب انسداد المانا وتكدسها، على ما أظن.]
أناستازيا: [فهمت الأمر؛ وأنا في الموقف ذاته تقريباً، لذا يسعني استيعاب حال ناتسوكي-كن تماماً في هذه النقطة.]
كانت بوابة أناستازيا معيبة منذ ولادتها؛ فلم تكن قادرة على امتصاص المانا على النحو السليم، وذلك عيب قاصم لأي مستخدم للسحر؛ بيد أن هذا القصور لم يؤثر إطلاقاً على التوفيق والحس التجاري اللذين تتطلبهما مهنة التاجر، لذا لم يكن الأمر يقلقها كثيراً.
إيكيدنا: [آنا…]
أناستازيا: [أعلم، أعلم؛ وفيما يخص مشاكلنا الخاصة، ألسنا بصدد التحدث بشأنها على انفراد بعد قليل…؟ وبمعزل عن ذلك، يبدو واضحاً أننا لا نملك وقتاً للتباطؤ.]
صفقت أناستازيا بيديها معاً، لتأتي إيماءات البقية موافقة لإشارتها.
كان مقصدهم هو تقصي أثر سوبارو وريم اللذين تلاشت أخبارهما؛ ولأجل ذلك، لزمهم العودة من برج مراقبة الثريا (Pleiades Watchtower) في أقرب وقت، وتجهيز فرقة بحث وتتبع.
وفضلاً عن ذلك، كان عليهم إنجاز أحد الأهداف الرئيسة التي قادت خطاهم إلى هذا البرج من البداية.
ميلي: [الأمور في غاية الفوضى والاضطراب، لدرجة أنني أوشك على فقدان الوعي تقريـ~ـباً…]
إيميليا: [معكِ حق؛ ومع هذا، فلا بد أن سوبارو وريم يقاسيان أموراً أشد صعوبة وقسوة بمراحل.]
أطبقت إيميليا قبضتها بإحكام وهي تستحضر صورة سوبارو، الذي قُذف بعيداً إلى أماكن نائية. وبرؤية جانب وجهها، ضيّقت ميلي—والعقرب القرمزي الصغير يستقر فوق رأسها—عينيها قائلة: “أجل، بطبيعة الحال”، مع هزة خفيفة لكتفيها.
وعلى هذا النحو، شرع الجميع في الانشغال بإتمام استعداداتهم ― أو بالأحرى، كادوا أن يشرعوا في ذلك.
ميلي: [بالمناسبة، يا أختي الكبرى رام، ألم تخبريهم عن ذ~لك الأمر بعد؟]
رام: […ما زلتُ لم أفعل.]
أناستازيا والبقية: [..؟ ذلك الأمر؟]
امتقع وجه رام وبدا ممتعضاً إثر سؤال ميلي المفاجئ. وتحولت أنظار الجميع صوب رام، بعدما خلت معرفتهم من أي تفصيل حول هذا الشأن.
وتحت وطأة نظراتهم المصوبة نحوها، سكتت رام لبرهة، ثم قالت:
رام: [إيميليا-ساما، رغم أنني لستُ متأكدة مئة بالمئة من هذا الأمر بعد… إلا أن من ابتلعهم الظل وقُذفوا نحو الإمبراطورية قد لا يقتصرون على باروسو وريم فحسب.]
إيميليا: [ليس هما وحدهما فقط…؟ لكن وجودكِ أنتِ، وباتراش-تشان، وميلي مؤكدٌ هنا أمامنا، أليس هؤلاء هم كل من كان في الغرفة الخضراء أصلاً؟]
ميلي: [حسناً، ظهرت فتاة فجأة وبشكل مباغت، قبل أن يقتحم ذلك الظل المكان مقتلعـ~ـاً كل شيء؛ وفوق هذا، وفق ما ذكره أخي الكبير، كانت تلك الفتاة هي مطران خطيئة الشراهة الثالث، أو شيئاً من هذا القبيــل.]
أناستازيا والآخرون: [مطران الشراهة الثالث!?]
سقط الجميع في دهشة وذهول تام بعد سماع هذه المعطومة التي يستحيل تجاهلها بأي حال.
وعلى إثر ذلك، احتدم النقاش وازدادت حدته حول ما إذا كان لزاماً عليهم تعديل خططهم القادمة، واستخلاص كافة التفاصيل التي تكتمت عليها رام.
وفي خضم ذلك الجدل، وتحت سقف برج مراقبة الثريا الذي آل إلى فوضى عارمة، ضمت إيميليا كفيها إلى صدرها متمنية برجاء، بينما كانت عيناها ترنوان عبر ذلك الصدع العظيم حيث كانت الغرفة الخضراء في سابق عهدها.
إيميليا: [أرجوك يا سوبارو… كلي أمل أن تكون سالماً أنت وريم.]
△▼△▼△▼△
――وفي اللحظة التي تلاشت فيها دعوات إيميليا الخافتة في سماء بحر الرمال القاحلة، وفي مكانٍ ناءٍ، ناءٍ للغاية في الوقت ذاته،
سوبارو: [――――]
كان فتى يجلس فوق مرجٍ مفتوح تداعبه نسائم الريح العابرة برقة، وتستقر بين ذراعيه فتاة.
كان الفتى ذا شعر أسود، وعينين حادتين كحد خنجر مسموم، يبرز بياضهما بوضوح شديد فيما يُعرف بأعين الـ “سانباكوغان”؛ وهي نظرات تجعل محياه يبدو في عبوس دائم، نظرة شاع أنها تكفي وحدها لترويع رجل حتى الموت.
ومع ذلك، في تلك اللحظة بالذات، انفرجت شفتاه برقة بالغة، وترقرقت الدموع في مآقي تلك العينين؛ وبذل كل ما يملك كي لا يجهش بالبكاء.
وكانت تلك نتيجة طبيعية وبديهية دون أدنى شك؛
فقد انتظر هذه اللحظة طويلاً وتجرع مرارة الصبر لأجلها؛ وذكريات كل يوم انقضى في ترقب وحزن لم تكن لتسمح له بأن يشيح بنظره ولو لطرفة عين عن الفتاة التي أمامه.
والفتاة، التي ضمها إليه بكل ذلك الشوق، نظرت إليه من بين خصلات شعرها الأزرق البديع.
اتسعت عيناها، رغم أن ملامح القوة للمقاومة كادت تنعدم في وجهها الرقيق؛ وبدت وكأنها استيقظت للتو من نومها، ولا تزال أسيرة النعاس والذهول.
وإنصافاً للحق، كانت تلك هي الحقيقة والواقع بعينه؛ فقد أفاقت أخيراً من سبات طويل، طويل للغاية، ومن الطبيعي جداً أن تستشعر انفصالاً عن هذا الواقع.
ريم: […آه… أُم… ]
تحركت شفتاها، وكأنها تتدبر في عقلها ما نطق به قبل لحظات.
وبينما كان يرقبها، أومأ الفتى―― ناتسوكي سوبارو برأسه بحماسٍ جارف.
سوبارو: [أجل، بالضبط، هذا هو الأمر عينه يا ريم؛ أنا بطلكِ؛ لقد انتظرتُ طويلاً، طويلاً حتى… ]
ريم: [――――]
سوبارو: [ريم؟]
محاولاً كبت الارتجاف في نبرة صوته، سعى باستماتة لالتقاط أدنى صوت يصدر عن ريم.
ولعل ذلك كان لعطشٍ أصابها أو ما شابه، إذ رغم حركة شفتيها وارتعاش لسانها، عجزت حنجرتها عن إخراج أي صوت مسموع؛ ومع ذلك، قرّب أذنه من فمها، متلهفاً لالتماس ولو شذرة يسيرة مما تحاول ريم إيصاله إليه.
إن مجرد محاولاتها الضعيفة للإفصاح عن أي شيء غمرت فؤاده بفيضٍ عارم من البهجة والسرور.
ريم: […ـم. ]
سوبارو: [أنا أصغي إليكِ، لا داعي للعجلة، حسناً؟ ريم، ما الذي تحاولين… ]
أن تخبريني به، هكذا كاد أن يقول، لكن كلماته قُطعت في منتصفها؛
فبمجرد أن دنا بأذنه ليصغي إليها، انقطع حبل أفكاره حين دُفع رأسه وفكه بقوة بيدٍ حازمة.
ومع انسياب تلك الحركة، شعر بنفسه ينقلب ويسقط مرتطماً بالأرض.
وعندئذ――،
سوبارو: […ريـ… ريم؟]
وجد سوبارو نفسه ملقىً على ظهره فوق العشب، بينما استوت ريم جاثية فوق جسده.
تجمد في مكانه من فرط الحيرة والذهول؛ وإذ بها تنظر إليه من الأعلى، وعيناها تمسحانه مسحاً دقيقاً من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.
ثم أطلقت تنهيدة خافتة، وأردفت:
ريم: [ما غايتك ومأربك هنا؟ أخبرني عمّا تنوي فعله بي الآن!]
سوبارو: [――――]
ريم: [تنعت نفسك بالبطل فجأة و… ومن هي ريم أصلاً؟! أخبرني في الحال!]
ضاغطةً بركبتيها بقوة على كتفي سوبارو، انقضت يداها على عنقه مباشرة؛ ومع ثقل وزنها الضاغط فوقه، جاهد سوبارو ليتحرك، بينما ارتعشت ساقاه بعجز واضطراب.
ومع ذلك، فإن المهارة الفائقة التي قيدته بها ريم كانت تدعو للذهول؛ فلم تدع له أي مجال ليسترد حريته.
سوبارو: [غـو… آه… غهكـ…]
ريم: [إن أبيتَ الكلام، فسأواصل الضغط حتى تقرر التحدث؛ أرجوك ألا تطيل أمد عذابك بنفسك؛ تكلّم! ما أنت وما هويتك تحديداً…]
سوبارو: [――غها.]
لم يكن يدري إن كان ذلك التصرف منها عفوياً أم متعمداً، لكن القوة التي اعتصرت بها ريم عنقه لم تترك له أي مجال للرد بكلمة.
ومع غياب وعيه تدريجياً نتيجة شح الأكسجين، أدرك أن استمرار هذا الحال سيقوده إلى الموت لا محالة.
لقد مضى وقت طويل، وحتى لو كان هذا لقاءً أحادي الجانب لا ذكرى له عندها، فما كان لسوبارو أن يقبل بأن تكون نهايته خنقاً على يدي ريم؛ ليس على هذا النحو المؤلم إطلاقاً.
حتى وإن لم يتبقَ أي أثر لسوبارو في ذكرياتها.
سوبارو: [آ- آه…]
ريم: [أراودتك الرغبة في التحدث الآن؟ إن كان الأمر كذلك، فسأرفع يدي بحسن نية――]
وفي تلك اللحظة بالذات، بينما قطبت ريم جبينها وهي ترى أمارات الاختناق الشديد مرتسمة على وجهه،
؟؟؟: [آه-! أووه-!]
ريم: [――كيا-!?]
وفجأة، اصطدم ظلٌ ضئيل بجسد ريم من الجانب―― أو بالأحرى، وثب فوق ريم واشتبك معها فوق العشب.
ومع زوال ذلك الثقل، تدحرج سوبارو على جنبه وأخذ يسعل بعنف، ثم نظر نحو ريم بعينين غائمتين ومبتلتين؛ وهناك، رأى قوام طفلة صغيرة تتصارع مع ريم.
الطفلة الصغيرة: [أوووـ! أووووـ!]
ريم: [مـ-ماذا تفعلين… توقفي عن هذا، أرجوكِ! ليس هذا الوقت المناسب لـ…]
بينما غطى شعرها الأشقر ريم بالكامل، كشّرت الفتاة الصغيرة عن أسنانها ووجهها يشتعل حمرةً وهي تصرخ بنحيب مضطرب. تجمد سوبارو في مكانه، عاجزاً عن التفكير أمام هول هذا المشهد.
أخذ سوبارو نفساً عميقاً وهرع نحوهما دون تردد.
وعندئذ――،
سوبارو: [أوي! ابتعدي عن ريم في الحال!]
الطفلة الصغيرة: [آهـ، أوووـ!!]
دفع سوبارو الفتاة الصغيرة التي كانت تحاول شد شعر ريم―― مطران الخطيئة لويس أرنيب، وثبّتها بقوة ممسكاً بيديها خلف ظهرها.
حاولت تلك “الشراهة” خفيفة الوزن المقاومة عبثاً؛ فجلّ ما استطاعت فعله هو التخبط والركل بساقيها، مع التلوي وإطلاق الأنات دون أن تزيد على ذلك شيئاً.
لويس: [آووـ! أوووـ، أووووـ!!]
سوبارو: [تباً لكِ، أنتِ…! كفي عن المقاومة… الزمي الهدوء فحسب! ريم، هل أنتِ بخير؟! هل فعلت بكِ أي شيء؟!]
ريم: [كـ-كلا، أنا بخير. بل الأهم من ذلك، ما زلتُ أسألك مراراً وتكراراً…]
صاح سوبارو وهو يثبت لويس بقوة، لترد عليه ريم وقد عقدت حاجبيها بضيق؛ وبأعين شاخصة نحوه، حاولت الوقوف على قدميها――،
ريم: [――إيه؟]
ثم هوت مرتطمة بالأرض من جديد، بعد أن خذلتها ركبتاها تماماً.
أثارت طريقة سقوطها الغريبة الحيرة في ذهن سوبارو؛ غير أنها، ودون أن تنتبه إلى أنه يراقبها، ضغطت على ركبتيها وحاولت النهوض مرة أخرى. ومع ذلك――،
ريم: […ساقاي لا…]
سوبارو: [انتظري، أتعجزين عن الوقوف؟]
ريم: [كـ… كلا، ليس… ليس كذلك… ليس صحيحاً أبداً…]
ارتجف صوتها وهي تحاول دحض افتراضه الحازم؛ غير أن كل ما تملكه من عزيمة لم يكن كافياً لتجعل جسدها يستجيب. وفضلاً عن عجزها التام عن حفظ توازنها، لم تكن قادرة حتى على بث أي قوة في قدميها.
سوبارو: [أتشعرين بالوهن لأنكِ كنتِ نائمة لتلك المدة الطويلة؟ مهلاً، لا يعقل ذلك؛ فالقوة التي طرحتِني بها أرضاً قبل قليل يستحيل أن تكون قوة شخص طريح الفراش لتلك المدة مثلكِ.]
كثيراً ما يقال إن المرء يضعف تدريجياً خلال مكوثه الطويل في المشفى بسبب انعدام الحركة.
ومن المعلوم أن هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى إعادة تأهيل ليستعيدوا قدرتهم على الوقوف والمشي، ولكن هل يقتصر هذا الوهن على الساقين فقط؟
فلم تكن ريم تحرك الجزء العلوي من جسدها طوال “فترة استلقائها في المشفى”؛ لقد كانت نائمة لأكثر من عام كامل، وبناءً عليه كان من المنطقي أن تشعر بوهن يعم جسدها كله، لا أن ينحصر في ساقيها وحدهما.
ومع ذلك، فإن هذا الانفصال الغريب كان واقعاً في جسدها، في جسد ريم بالذات؛ ولعل السبب في ذلك يرجع إلى――،
سوبارو: [――مهلاً، أيعقل أن يكون ذلك بسبب الأثر العكسي الذي تلقته من معركة نيه-ساما (الأخت الكبرى)؟]
وبينما كان عقله يستعرض الأسباب المحتملة التي تجعل جسد ريم يتصرف على هذا النحو، كان ذلك هو الاستنتاج الوحيد الذي وصل إليه.
لقد سمع من رام في الغرفة الخضراء تفاصيل معركتها الشرسة حتى الموت ضد “الشراهة”؛ فبسبب تفاقم حالة سوبارو، اضطرت رام لتغيير مجرى الأمور كي تتفادى الهزيمة، فاختارت مشاطرة “عبئها” مع ريم كورقتها الرابحة الأخيرة.
ونتيجة لذلك، تدفق القسط الأكبر من عبء الألم الذي كابده ذلك الجسد—الذي قيل إنه الأقوى في تاريخ عشيرة الأوني—ليستقر في جسد ريم؛ وتذكر سوبارو خوض ذلك الحوار بمرارة.
فإن كان الأمر كذلك حقاً، إذن――،
سوبارو: […كل هذا بسببي أنا.]
نطق بتلك العبارة التي كانت رام ستوبخه عليها بلا شك.
ولكن في الواقع، عجز سوبارو عن الوفاء بالواجب الذي ألزم به نفسه، مما دفع رام لإرهاق طاقتها، وهو ما ألقى بظلاله على ريم في النهاية؛ ليعود اللوم برمته فوق كاهل سوبارو.
وفي ظل هذا الموقف العصيب، دون وجود أيٍّ من رفاقه ليعتمد عليهم، وحيث لا يقف في هذا الفضاء سوى هو، وريم، ولويس التي تواصل تصرفاتها الغريبة لسبب يعلمه الله وحده، كان ثقل المسؤولية يزداد قسوة وصعوبة.
ريم: [تقول إن كل هذا بسببك أنت… هل فعلتَ بي شيئاً وسلبتَ مني عافيتي؟!]
سوبارو: [كلا على الإطلاق، كان ذلك مجرد تعبير مجازي؛ ولكن…]
ريم: [الأهم قبل كل شيء! من تكون أنت؟! ومن أكون أنا أصلاً؟!]
سوبارو: […]
ضاربةً ساقيها اللتين لا تطيعان إرادتها بضربة حازمة، رمقت ريم سوبارو بنظرة تفيض بعاصفة من الغضب. وداهم سوبارو شعورٌ بالمرارة حين أدرك أن حدسه السيئ قد صار حقيقة، وهو يستمع إلى شكوى ريم المفطرة للقلب والتي بدت وكأنها على وشك فقدان صبرها تماماً.
…لقد قالت ريم: “من أكون أنا”؟
لو اقتصر سؤالها على “من أنت” لكان أهون بكثير؛ غير أن تساؤلها عن هويتها كان أمراً يعتصر قلب سوبارو اعتصاراً، بالنظر إلى انتظاره الطويل للقائها مجدداً.
وكان يساوره شك خافت بأن الأمر سينتهي إلى هذا النحو، انطلاقاً من حقيقة أنها أشارت إلى نفسها بضمير المتكلم “أنا” بدلاً من التحدث بذكر اسمها “ريم” كما اعتادت دوماً.
سوبارو: [أرجح أنها في ذات الحالة التي آلت إليها كروش-سان…]
لقد سُلبت ريم اسمها وذكرياتها معاً، مما أفضى إلى غرقها في ذلك السبات الطويل.
وثمة نمطان آخران ظهرا في ضحايا خطيئة الشراهة؛ أحدهما تجلى في حالة يوليوس، الذي سُلب اسمه فبات منسياً لدى الجميع؛ والآخر تجسد في كروش، التي انتُزعت ذكرياتها ففقدت ذاتها وماضيها.
وحين أفاقت ريم، استيقظت وهي فاقدة لذكرياتها بالكامل؛ في حالة تامة من فقدان الذاكرة.
وكان ارتباكها أمراً طبيعياً تماماً بالنظر إلى وقوعها في موقف مبهم كهذا، بصحبة فتى تعلو عينيه نظرات خبيثة، وطفلة لا تقوى إلا على إطلاق الأنين، وساقين عاجزتين عن الحركة كما تريد.
لويس: [أوواااه!]
ودون أن يدرك أن لويس قد لزمت الهدوء بعدما أنهكت نفسها من التخبط، انزلقت من بين ذراعي سوبارو المجهد، لتسقط على مؤخرتها مطلقةً صرخة وجيزة.
ثم راحت تتدحرج وهي تفرك موضع سقطتها؛ بيد أن سوبارو لم يلقِ لها بالاً، بل تقدم بهدوء نحو ريم.
ومع اقتراب سوبارو منها، ثبّتت ريم بصرها عليه مع التزام الحذر والترقب التام.
وبرؤية تلك النظرة الحذرة في عينيها، استعاد سوبارو أول مرة وجهت فيها ريم تلك العدائية والريبة نحوه.
كان من السهل نسيان ذلك بعدما توطدت علاقتهما وألف كل منهما الآخر، غير أن ريم كانت في أصلها فتاة متحفظة للغاية، وكان التقرب منها أمراً عسير المنال.
ومن هذه الناحية، كان التعامل مع رام أيسر بكثير؛ إذ لم تغير أسلوبها الساخر والجاف معه قط، سواء قبل توطد علاقتهما أو بعدها.
والمرعب حقاً، واستناداً إلى أحد الاحتمالات، هو احتمال ألا يكونا على وفاق أصلاً.
سوبارو: [على أية حال، دعي مسألة نيه-ساما (الأخت الكبرى) جانباً الآن… اسمعي، أتعلمين…]
ريم: [مـ-ماذا هناك؟ لمجرد العلم فقط، إن كنتَ تنوي فعل أي شيء بي، فسوف…]
سوبارو: […ريم.]
ريم: [هاه؟]
تحولت ملامح ريم المشدودة إلى تعابير دهشة وذهول؛ وتوقف سوبارو في مكانه أثناء مشيه نحوها، محافظاً على مسافة كافية تفصل بينهما لتكون أبعد من متناول يدها بخطوة أو أكثر:
سوبارو: [إنه “ريم”؛ هذا هو اسمكِ.]
نادى باسمها مرة أخرى بهدوء.
ريم: […]
سكتت ريم عاجزة عن إخفاء حيرتها بعد أن نطق بذلك الاسم برقة أمامها؛ ومع ذلك، حركت لسانها الأحمر الذي بالكاد يظهر من بين شفتيها، وأعادت ترديد “ريم” كأنها تتأكد من صحته.
بدت وكأنها تستأنس باسمها وتتعرف عليه من جديد.
سوبارو: [بصراحة، أنا نفسي لا أعلم بدقة ما حدث للتو؛ جلّ ما أعرفه أننا انفصلنا عن رفاقنا، وها نحن هنا في مكان لا يعلمه إلا الله. وبوسعكِ إدراك حجم هذه الورطة، أليس كذلك؟]
ريم: [حسناً، أنا…]
وبينما كانت الحيرة مستبدة بها، تفحصت عينا ريم المروج المحيطة بهما بدلاً من النظر إلى سوبارو.
هب نسيم خفيف فحرك الأعشاب، وكانت الشمس في كبد السماء، وشعر برطوبة واضحة على بشرته؛ إحساس رطب وثقيل يختلف تماماً عن ذلك الهواء الجاف والقاحل في كثبان أوغريا الرملية.
لقد كان في مكان مختلف تماماً، لدرجة أن طبيعة الإحساس بالهواء نفسه قد تغيرت جذرياً.
وبعبارة أخرى…
سوبارو: [لا يمكننا انتظار نجدة فورية؛ لذا علينا اتخاذ التدابير اللازمة لإنقاذ أنفسنا بأنفسنا من الآن فصاعداً بطريقة أو بأخرى، ولهذا السبب…]
ريم: [ولهذا السبب ماذا؟ ما الذي تنوي طلبي لفعله؟ وأنا وساقاي اللتان بالكاد تطاوعانني على الحراك وكل هذا العجز؟]
سوبارو: […أعلم أن الشكوك والريبة ستعاودانكِ فور أن أقول هذا، لكنني أكتفي بمجرد وجودكِ هنا معي؛ أن تتنفسي، وتتحدثي إليّ، وتجيلي بصركِ فيما حولنا؛ هذا وحده كافٍ ليملأ قلبي بالرضا.]
ريم: [..؟ تقصد أن أجول ببصري وأخبرك إن كانت الساحة آمنة؟]
سوبارو: [ليس هذا مقصدي تماماً، وإن كان هذا الصنيع مرحباً به أيضاً.]
كان راضياً تماماً بمجرد استيقاظ ريم، وسماع أنفاسها، وتبادل الحديث معها.
ورغم أن طلبه بدا مجرداً من أي مصلحة، فإن كل ما تمناه سوبارو عند استيقاظ ريم هو أن تنعم بالصحة والعافية، وتلك—دون أدنى مبالغة—كانت حقيقة مشاعره الصادقة.
وبطبيعة الحال، كان عليه حل معضلة ذكرياتها المفقودة؛ فضلاً عن أن إيميليا، وبياتريس، ورام، وكل من بقوا في البرج بعد انفصال سوبارو ومجموعته عنهم، لا بد أن القلق يمزق قلوبهم في هذه اللحظات.
كان يتوق للالتحاق بهم ولمّ الشمل في أقرب وقت. ――وكان يريد جمع رام بريم من جديد، بعد أن أبدت كل ذلك الحب لأختها الصغرى التي حُجبت ذكراها عنها.
سوبارو: [أرجوكِ، ألا تضعين ثقتكِ بي هنا؟ حتى لو كلفني الأمر حياتي… كلا، لن يجدي الأمر نفعاً إن هلكتُ، لذا سأحميكِ مهما كان الثمن؛ أقسم بهذا؛ ولهذا السبب…]
ريم: [――. وبافتراض أنني وافقتُ على عرضك، فما الذي ستفعله إذن؟]
سوبارو: [آه، صحيح؛ فالتصرف دون خطة ضربٌ من العبث، وحين يتعلق الأمر بالخطة…]
ملتقطاً سؤال ريم الحذر، شرع سوبارو في جمع المعطيات اللازمة لرسم خطة عمل.
وكما سلف الذكر، كان سوبارو والبقية في مرج شاسع، غير أنهم رأوا أشجاراً ضخمة متقاربة تطوق المرج بأكمله.
وحين رأى امتداد الأفق محجوباً بتيجان تلك الأشجار المحيطة بهم بزاوية كاملة تبلغ ثلاثمائة وستين درجة، بدا واضحاً أنهم في فسحة عشبية مكشوفة داخل غابة كثيفة.
وفي الحقيقة، لم يكن التوغل في غابة على أرض يجهلها تماماً سوى مجازفة محفوفة بالمخاطر، ولكن――،
سوبارو: [أولاً، القاعدة الثابتة عند الضياع في غابة هي إبلاغ الرفاق بموقع المرء باستخدام نظام تحديد المواقع (GPS)، ولكن…]
ريم: [نظام الـ “جي-بي-إس”؟]
سوبارو: [أعلم، لا وجود لمثل هذا الشيء هنا… غير أن بياكو ترتبط معي بعقد، وثمة إمكانية لأن تحدد موقعي عبر آلية شبيهة بذلك؛ ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن وجودي بحد ذاته يماثل جهاز تحديد مواقع.]
وحسب الظروف، كان هناك أيضاً احتمال أن يكشف “الحس المشترك” لدى رام موضع ريم؛ وبذلك، كان كل من سوبارو وريم يقومان بدور جهاز إرشاد يربطهما برفاقهما.
سوبارو: [وما يتبقى هو تأمين مصدر للماء… فتأمين الماء أمر حاسم مهما حدث؛ والأفضل أن نتخذ موقعنا هذا كمعسكر رئيس، ثم نشرع في توسيع نطاق البحث انطلاقاً منه. أما الأعشاب والثمار الصالحة للأكل فـ… آاه، كم كنتُ محقاً حين تعلمتُ ذلك على يدي كليند-سان؛ عليّ شكر أستاذي…]
فخلال الفترة التي كان يتمرن فيها على الباركور واستخدام السوط، غرس كليند في ذهنه مهارات ومعارف متنوعة. ولقد مر سوبارو بلحظات كاد يتذمر فيها من تعاليم ذلك الخادم متعدد المواهب، غير أن فائدتها الآن مكنته من التمسك بمسار واضح رغم هذا المأزق.
وعلى أية حال――،
سوبارو: [هناك أمور أخرى كثيرة أيضاً، لكنني لا أتحرك دون خطة؛ فهل فهمتِ الوضع الآن؟]
ريم: […إلى حد ما؛ فحتى لو أردتُ الاعتراض، فأنا في هذه الحال، لذا…]
سوبارو: […تلك إجابة تكشف عن حقيقة مشاعركِ بصراحة.]
حاول سوبارو التبسم ليطمئنها، غير أن ردة فعلها لم تكن مشجعة كما أمل.
بفقدانها لـ “ذكرياتها”، لم تكن لدى ريم أي أرضية تبني عليها ذرة ثقة تجاه سوبارو؛ ولو كان بمقدورها تحريك ساقيها بحرية، لربما كانت قد فرت هاربة منه وتوارت عن الأنظار منذ وقت طويل.
ومع ذلك، لم يكن يود أن يرى في هذا المصاب الذي حل بها جانباً إيجابياً لنفسه.
سوبارو: [بخصوص ساقيكِ؛ أتمنى أن تستعيدي القدرة على المشي بهما قريباً.]
ريم: [――غهـ، حتى وإن قلتَ لي ذلك، فلا علم لي بحالي؛ ما الذي تنوي فعله الآن؟]
سوبارو: [أخبرتكِ؛ أولاً، أخطط للبحث عن ماء؛ وبسبب وضع ساقيكِ، سأكون ممتناً لو تجنبتِ معاداتي إن كان ذلك في وسعكِ…]
وعقب قوله هذا، قطع سوبارو الخطوة الأخيرة بينه وبين ريم، وجثا على ركبتيه مديراً ظهره لها.
وبالنظر إلى هيئته تلك، كان بمقدور ريم إدراك ما ينوي فعله.
ريم: [أتعتزم حملي على ظهرك والمضي بي؟]
سوبارو: [هناك أيضاً خيار حملكِ بين ذراعي كالأميرات، لكن طاقتي لن تصمد طويلاً؛ لذا إن سمحتِ لي بحملكِ على ظهري، فسيكون ذلك عوناً كبيراً لي من وجهة نظري.]
ريم: [――――]
لزمت الصمت لبرهة وهي تنظر إلى ملامح وجه سوبارو المليئة بقلة الحيلة؛ ثم أطلقت تنهيدة بطيئة، ومدت يديها نحو ظهره بتردد.
انسابت ذراعا ريم الرشيقتان من فوق كتفيه لتتشابكا أمام صدره؛ ومستشعراً ذلك الثقل الخفيف على ظهره، تمهل سوبارو في وقوفه حرصاً على ألا يخل بتوازن ريم المتشبثة به.
أحس بوزنها؛ بيد أن ما جال بخاطره وهو يحملها على ظهره كان خفتها الواضحة.
فخلال هذا العام الماضي، سنحت له فرص عديدة لحمل ريم أثناء نومها، وفي كل مرة كان يدرك المشقة الكبيرة لحمل شخص غائب عن الوعي وفاقد للإرادة.
أما الآن، فقد اختلف الأمر تماماً بفضل تمسك ريم به بمحض إرادتها.
ريم: [――؟ أهناك خطب ما؟]
سوبارو: [كلا، جلّ ما في الأمر أنني شعرتُ بتأثر عميق في داخلي على نحو غريب؛ حسناً، بخصوص البحث عن الماء، ولكن…]
ريم: [قبل ذلك… ما الذي سنفعله بشأن تلك الفتاة هناك؟]
سوبارو: […آه.]
شاخصاً ببصره نحو الموضع الذي أشارت إليه ريم بذقنها من فوق كتفه، تذكر سوبارو تلك المشكلة المقلقة.
فوق العشب، ممددة وهي تربت بيدها على موضع سقطتها، كانت لويس تقبع هناك غارقة في خصلات شعرها الأشقر الطويل المنسدل. ――ما الذي يتعين عليه فعله حيال مطران الخطيئة هذه التي تتصرف بمثل هذه الغرابة؟
سوبارو: [――――]
حتى سوبارو كان يدرك أن حالة لويس الراهنة غير طبيعية على الإطلاق.
لقد كانت خصماً لا يمكن وصف بنيته العقلية بالاستقامة، بيد أن ذلك كان بسبب مكرها وخبثها، لا لظهور جانب خفي من الانحدار الطفولي.
وفي الواقع، كانت تتسم بذكاء حاد يفوق سنها، وكانت تملك قدرة على تدبير أفكارها الشيطانية؛ وهو مسلك أشبه بتمرير لسانها متلذذة فوق جراح الآخرين.
فما شأن هذا التصرف الذي يصدر عن لويس الآن إذن؟
لويس: [آااه، آأوووهـ―]
لقد أخذت تلعق وجه سوبارو لحظة استيقاظه، وتصدر أصواتاً كطفلة تعجز عن الكلام، مجهشة بنوبات غضب كرضيعة لا تعقل شيئاً.
ولا شك في أن أمراً بالغ الأثر قد أصاب عقلها.
ومع ذلك――،
سوبارو: [أيكون ذلك مبرراً لي لأشفق عليها؟]
لقد كانت شراً محضاً؛ وتلك حقيقة ثابتة لن تتغير أبداً.
فلويس—التي واجهها في المشهد الأخير داخل “قاعة الذكريات”—أصابتها صدمة مروعة بعدما عاشت أهوال “العودة بالموت”، فاستبد بها الرعب ليس من سوبارو وحده، بل من كل ما في هذا الوجود.
وعند تلك النقطة تحديداً، كانت قد أصبحت بالفعل فتاة بائسة ومثيرة للشفقة.
ومع ذلك، لم ينقذها سوبارو، ولم يفكر أصلاً في إنقاذها؛
فرغم كثرة الخيارات المتاحة أمامهم، اختار هؤلاء دائماً المسالك المنافية للإنسانية، لينتهي بهم الأمر بخسارة كل فرصة لتصحيح أفعالهم، قاطعين بأيديهم كل طريق للنجاة؛ هكذا كان شأن مطارنة الخطايا وتلك حقيقتهم.
ولم يكن أخواها الأكبر منها، ولا لويس نفسها، استثناءً من هذه القاعدة.
وبارتكابها لشرور شنيعة لا تغتفر، انحدرت لويس أرنيب إلى دركٍ يجعلها تستحق العذاب والهلاك.
――ولماذا يتحتم على سوبارو إنقاذ كائن كهذا أصلاً؟
ريم: [ألن تمد لها يد العون؟]
سوبارو: […الأمر معقد؛ لقد كنتُ في المكان ذاته معها، بيد أنها ليست حليفة لي على الإطلاق، بل هي على النقيض التام من ذلك؛ ولن يوجعني قلبي إن تركتها ورائي هنا.]
ريم: [――――]
ومن خلف ظهره، سمع احتباس أنفاس ريم في حلقها، غير أن تلك كانت ردة فعل لا حيلة فيها.
فبالنسبة لريم التي تجهل حقيقة ما مر به سوبارو، لم تكن لويس لتبدو في عينيها إلا كفتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة، تماماً كما يوحي مظهرها؛ حتى وإن كانت هويتها الحقيقية مجردة من الإنسانية، كإحدى من استباحوا أرواحاً لا حصر لها.
ولهذا لم يكن أمام سوبارو سوى خيار واحد:
سوبارو: [سنتركها مكانها… لا يمكننا اصطحاب عنصر خطر ومريب معنا، فكيف بعبء إضافي فوق كاهلنا.]
إن انتشال لويس من براثن الظلال الزاحفة كان خطأ في التقدير ارتكبه في البرج؛ ولعله لو نبذها هناك في تلك اللحظة، لما وقع هذا الشقاق بينه وبين ريم.
لقد كان الأمر حقاً كما يقال: جلبٌ لمئة مشكلة دون فائدة واحدة تُذكر.
ريم: [أهكذا… إذن.]
سوبارو: [أجل، هذا صحيح؛ ولا يمكنني القول إن استيقاظي كان مريحاً أيضاً، ولكن…]
كانت الأولوية القصوى لسوبارو هي ريم أولاً، ثم نفسه تالياً؛ ولم يكن ليلتبس عليه الأمر في هذا قط.
وبناءً على هذا العزم، تجاهل سوبارو لويس المستلقية فوق العشب، وتوجه نحو الغابة في الجهة المقابلة لكي――،
ريم: [――كما ظننتُ تماماً؛ فحتى لو أصبحتُ خاوية الوفاض، فقد كنتُ محقة في تصديق حدسي.]
قيلت تلك الكلمات بنبرة باردة وقاسية للغاية.
ومع ترامي ذلك الهمس الحاد قريباً من أذنه، لفظ سوبارو أنفاسه قائلاً: “إيه؟”؛ غير أن ذراعين نحيلتين التفتا حول عنقه مانعتين إياه من إبداء أي حركة أخرى.
――ريم، المحمولة على ظهر سوبارو، كانت تخنقه من الخلف بقوة.
سوبارو: [――غهكـ،]
ريم: [تُسمعني كلاماً معسولاً قبل أن تدعوني للمضي معك، ثم تتخلى عن فتاة صغيرة وتتركها لمصيرها! كيف لي أن أصدق شخصاً مثلك يطلب مني أن أثق به؟! كف عن الاستخفاف بي!]
إن القوة الكامنة في الذراعين الملتفتين حول عنقه كانت بلا ريب قوة من قوى الأوني، على عكس ساقيها العاجزتين عن الحركة.
وعاجزاً عن إبعاد ذراعيها، انقطع مجرى تنفس سوبارو بالكامل؛ فانحنى بجسده إلى الوراء دون قصد منه، ليسقط فوق المرج على ظهره.
ورغم انطباق جسده فوقها، أبت ريم أن ترخي قبضتها عن عنقه؛ وبحكم وجودها خلفه، عجز عن تحريك ذراعيه لتخليص نفسه من إحكام قبضتها.
لماذا؟ راحت التساؤلات والشكوك تعصف برأسه.
ما كان ينبغي له أن يتساءل بـ “لماذا؟”، لأن ريم قد باحت له بالجواب بالفعل؛ فبين يديها وهي تجهل كل شيء، تسرع سوبارو بدافع من مشاعره المضطربة.
وها هو يلقى جزاء ذلك هكذا――،
ريم: [أن تترك مثل هذه الرائحة الخبيثة تفوح من حولك، ثم تزعم أنك لا تخطط لشيء، فهذا كذب صريح ووقاحة بعينها!]
سوبارو: [――――]
رائحة خبيثة؛ استرجع سوبارو ذكرياته فور أن سمع ذلك.
فحين التقى بريم أول مرة، لم يكن السبب الأكبر لشكوكها فيه وتوجسها منه انطباعاً سيئاً تركه، ولا شكل عينيه الحاد.
――بل ميازما الساحرة.
فحتى بعد أن سُلبت “ذكرياتها”، ورغم أنه لم يتبقَ لريم سوى ذاتها المجردة، ظلت قادرة على استشعار تلك الرائحة.
كان ذلك هو العامل الأكبر الذي جلب عليه ريبتها.
لقد فات الأوان على تذكر الأمر، فضلاً عن الانتباه له من البداية، و――،
سوبارو: [――آه.]
ملتوياً بجسده في كل اتجاه، حاول سوبارو إيجاد عذر لأفعاله، بيد أن ذلك كان مستحيلاً.
وهكذا، غرق وعي سوبارو رويداً رويداً في ظلمات الإغماء.
كان آخر ما يتمناه هو أن يُقتل على يدي ريم بهذه الطريقة؛ فصرخ بتلك الرغبة المستميتة في صمت.
غير أن صوته انحبس، وعجز عن الخروج.
△▼△▼△▼△
سوبارو: [――غهـ، ريم!?]
وانتفاضة وعيه المباغتة تلك أيقظت الجزء العلوي من جسد سوبارو وكأنها ارتطمت به عنوة.
وفي تلك اللحظة بالذات، وهو يسعل بعنف جراء الألم الحارق الذي يفتك بحلقه، باصقاً ما علق فيه من بلغم، رفع سوبارو جسده بصعوبة ونظر في الأرجاء.
كان المكان هو المرج ذاته الذي أُلقي فيه؛ تلك كانت حدود واقعه وظروفه.
ورغم استيقاظه بحالة ألفها وخبر تفاصيلها جيداً، أدرك للتو واللحظة أن هذا المشهد لم يكن نتاجاً لـ “العودة بالموت”.
――ذلك أنه لا أثر لهيئة ريم ولا لقوام لويس في محيطه على الإطلاق.
سوبارو: [هذا المكان… هو بلا شك البقعة التي قُذفتُ إليها؛ أنا…]
مسترجعاً اللحظات السابقة، وفي اللحظة التي تحسس فيها عنقه، استعاد ذلك الألم ذكريات تبعث على الاشمئزاز والنفور.
لقد اعتُصر حلقه على يدي ريم التي كان يحملها، وعلى هذا النحو سُلبت حياته. ――كلا، لم يكن الأمر كذلك البتة.
سوبارو: [حلقي يؤلمني… وهذا يعني أن ريم لم تقتلني.]
لقد خنقته حقاً، لكنها لم تبلغ حد إزهاق روحه.
مأخوذاً بقرار ريم وتصرفها—وهي التي نطقت بمثل ذلك الصوت الصقيعي القاسي—أطلق سوبارو زفرة ارتياح، وسرعان ما زجر نفسه وعنّفها؛ فليس هذا أوان التماس الراحة أو الاسترخاء.
لم يمت إذن؛ وبعبارة أخرى، كان العالم يواصل مسيره انطلاقاً من أسوأ منعطف محتمل للأحداث جرى قبل قليل.
لقد جعل ريم تشك في إنسانيته بفعل رائحة الساحرة، واختفت عن ناظريه وهي تحتفظ بأسوأ انطباع ممكن عنه. ――والسبب وراء غيابهما عن هذا المكان هو بلا شك سعيهما للفرار والابتعاد عن سوبارو.
وفي المحصلة، استشعرت ريم نفوراً واشمئزازاً من قرار سوبارو الرامي إلى ترك لويس خلفهما.
فنبذ طفلة صغيرة في مرج مجهول المعالم كفيلٌ بأن يجعله يبدو في عينيها رجلاً قاسي القلب ومجرداً من كل رحمة.
سوبارو: [أقول لكِ إنه سوء فهم محض، وإن كانت لن تصدقني حتى لو أخبرتها بذلك…!]
وبينما كان يندب توالي سوء تقديره وأخطائه، شد وجنتيه بكفيه ليستجمع شتات نفسه واستقام واقفاً.
وعندما تطلع إلى السماء، استدل من موضع الشمس على أن وقتاً طويلاً لم ينقضِ بعد. ولم يكن يود نعت هذا بالأمر الميمون، غير أن ساقي ريم لم تكونا في حال يتيح لها كامل الحرية في الحركة أيضاً.
ومع اعتلال ساقيها على ذلك النحو، فلن تقوى على الابتعاد كثيراً في فرارها؛ والدليل على ذلك――،
سوبارو: [هناك آثار سحب وجر فوق العشب…! الآن أستطيع الركض في إثرهما!]
فلو قُدّر له أن يطارد اثنتين توغلتا في غابة تمتد بزاوية ثلاثمائة وستين درجة دون أي أثر يستدل به، لكان ذلك بداية للعبة مطاردة بلغت أقصى درجات الاستحالة والتعقيد.
غير أن اقتفاء تلك الآثار المتروكة فوق العشب سيمكنه من معرفة النقطة التي دخلت منها الاثنتان إلى الغابة؛ وإن كان التمكن من مواصلة ملاحقتهما بعد ذلك ضرباً من الرهان،
سوبارو: [أما عن الرهانات غير المواتية، فقد خضتُ غمارها مرات لا حصر لها!]
صارخاً بما لا يستحق الثناء، انطلق سوبارو يقتفي الآثار فوق العشب بضراوة؛ وبفضل سرعة قدميه، استطاع تمييز الموضع الذي عبرت منه الاثنتان إلى كنف الغابة على الفور.
ومع كثافة الأوراق والأشجار المتشابكة، تراءى المشهد مطابقاً لما يحمله ذهن سوبارو من انطباعات عن الغابات الاستوائية المطيرة.
ولبرهة خاطفة، قفزت إلى ذاكرته تلك المعلومات التي شاهدها عبر التلفاز؛ بأن غابات الأمازون تعني الموت المحتوم للبشر كأمر بديهي――،
سوبارو: [إن كانت ريم قد دخلت إلى مكان كهذا، فذلك مدعاة أكبر لئلا أغض الطرف أو أتهاون.]
فقد تواجد كلاهما، سوبارو وريم، في هذا الموضع دون أدنى استعداد أو جاهزية لاقتحام غابة مجاهل.
وحين راوده خاطر ريم، التي فرت ملتجئةً إلى الغابة بساقين معتلتين بدافع من اليأس، عض أصابع الندم على اقترافه حماقة كهذه، ولعن كل ذرة من أحكامه وقراراته.
سوبارو: [――ريم! اخرجي! أرجوكِ! لقد كنتُ أنا المخطئ!]
وداخل أدغال الغابة، وهو يطأ الأرض الرخوة والأعشاب الطويلة المتشابكة، نادى سوبارو بأعلى صوته؛ وبالطبع، كان ثمة احتمال بأن صوته هذا سيثير هلع ريم وتوجسها، مما يدفعها للاستماتة في الابتعاد عنه أكثر.
ومع ذلك، ظل هذا المسلك أفضل بألف مرة من التخبط تائهاً على وجهه في الغابة بلا دليل يسترشد به، وبلا شيء يستند إليه.
وفوق كل شيء، كان عليه الاستمرار في البحث عن ريم، وإلا شعر بأن صدره سينفجر تمزقاً من وطأة الذنب ومقت الذات.
ورغم أن الكثيرين بذلوا كل ما يملكون في سبيل إنقاذ ريم، فلو أصابها مكروه، فبأي وجه وبأي كفارة يمكنه الاعتذار؟
حتى وإن كان فداء ذلك بحياته أمراً غير مجدٍ ولا يكفي للاعتذار.
سوبارو: [ريـ――م! أين أنتِ! ردّي عليّ أرجوكِ! أرجوكِ، لا تبتعدي عني!!]
موطناً نفسه على ألا يبالي حتى لو جف حلقه وبُحّ صوته، رفع نداءه عالياً بين الأشجار المتشابكة في تلك الأدغال الكثيفة.
ومع توغله في الغابة، أحس بثقل رهيب يرزح على أطرافه مصحوباً بإنهاك شديد؛ والآن بعد أن فكر في الأمر، تذكر جسد سوبارو الذي خاض مواجهات طاحنة في برج مراقبة الثريا ولم ينل بعدها سوى سويعات قليلة من النوم.
وحتى لو سانده الشفاء المنبعث من روح “الغرفة الخضراء”، فإن طاقته لا بد أن تنفد في النهاية.
ولو تهاون في أخذ حذره، فربما يسقط مغشياً عليه من فرط الراحة لحظة عثوره على ريم.
متأهباً ضد هذا الاحتمال السيئ، سار سوبارو في الغابة على غير هدى――،
سوبارو: [ريم! ردّي علـ~ـيّ! أتوسل إليكِ، أنا آسف!]
واضعاً يديه حول فمه، عاود سوبارو الصياح بصوت جهوري.
نداء نابع من أعماق قلبه، غير أن غياب أي رد منها جعل فؤاده على حافة الانهيار.
ومع بقاء الحال هكذا، باحثاً عن أثر ريم المتلاشي، راح يجول بنظراته باستماتة بين الأشجار الكثيفة――،
سوبارو: [――――]
وحين فتح فمه على وسعه مجدداً لينادي باسم ريم، لمح شيئاً في أطراف مجال بصره.
كان ذلك تحركاً طفيفاً ظهر من بين فجوات الأشجار الكثيفة خلف الأوراق الساقطة؛ ولرؤيته يتحرك بحركة تختلف عن تمايل العشب مع الريح――،
سوبارو: [ريـ――]
كانت تلك اللحظة التي استبد به فيها الأمل والتفت شطر ذلك الاتجاه.
――انقضت صدمةٌ عاتيةٌ مشحونةٌ بسرعة هائلة، لتستقر في صدر سوبارو من الأمام مباشرة.
سوبارو: [――غهكـ!?]
عاجزاً عن الصراخ، اختل توازن ساقيه بفعل قوة الصدمة، وطار جسد سوبارو إلى الخلف.
سوبارو: [غاه… مـ، اذا… غهـ!?]
وفيما تشتتت أفكاره بسبب تلك الضربة المباغتة المنطلقة من بين الأشجار أمامه، زاغت عيناه في كل اتجاه.
لكنه بمجرد أن استوعب الضربة التي تلقاها، أدرك في الحال أنها كانت هجوماً؛ لذا، وقبل حتى أن يرتب أفكاره، حاول سوبارو القفز بعيداً عن موضعه.
بيد أنه عجز عن مجرد القفز؛ والسبب في ذلك――،
سوبارو: [――آه؟]
لأن سهماً غليظاً قد اخترق صدر سوبارو، مسمراً إياه بإحكام في جذع الشجرة الضخمة خلفه.
سوبارو: [غوه، بوهـ… غهـ.]
وفي اللحظة التي انتبه فيها إلى موضع السهم، تقيأ دماً تدفق من حلقه دفعة واحدة.
نافذاً في جسده، أخذت كميات هائلة من الدماء تسيل دون توقف من أعضائه الممزقة؛ متجرعاً القيء دماً بدلاً من استنشاق الهواء، قاسى سوبارو وهو يجاهد للتنفس من جديد.
وتحت وطأة ذلك العذاب، أمسك بالسهم المغروس في صدره محاولاً انتزاعه.
لكنه لم يستطع تحريكه قيد أنملة؛ فقد اخترق السهم جسد سوبارو وجذع الشجرة معاً، مانعاً عنه كل قدرة على الحركة.
أي سهم هذا ماذا بحقك؟
ضربة مهلكة، غير طبيعية، مسددة بسهم ثخين وقوي؛ سهمٌ أُطلق من قوس مشدود بأقصى عزم، ليثبّت الجسد الذي أصابه ويجعله عاجزاً عن الحراك كحشرة عالقة تتخبط بضعف يثير الشفقة.
سوبارو: [إيغـ، ريـ، يـ، مـ، غهـ…]
ومن بين الدماء المتدفقة من فمه، نطق باسم تلك التي لا تزال في هذه الغابة.
وكان ذلك النداء العاجز عن إخراج الكلمات محاولةً منه للتحذير من الخطر المتربص في أرجاء الغابة.
ممسكاً بقوس وسهام، كان هناك شخص يكمن في الغابة وقد صوّب نحوه.
وهكذا، عاجزاً عن الوصول إلى ريم، وعاجزاً عن تحقيق أي شيء، كان سوبارو――،
سوبارو: [――ـم.]
ما الذي يحدث هنا؟ أين هذا المكان، وماذا ينبغي عليه أن يفعل؟
حرارةٌ ملتهبةٌ وألمٌ شديدٌ شعر بهما متأخراً بعد الصدمة، وأخذا يسريان في سائر بدنه، حتى تدفقت الدماء من عيني سوبارو وأنفه وأذنيه في وقت واحد.
متجرعاً الإحساس بتلاشي ذاته وغرقه في الخواء، ومستشعراً “الموت” الصقيعي يدنو منه رويداً رويداً، أجهد سوبارو عينيه، وجعل حنجرته المرتجفة تخرج صوته، ونادى باسمها حتى الرمق الأخير.
――نادى باسمها حتى النهاية.
مضرّجاً بدمائه.
وحتى أقصى حدود النهاية، نادى، ونادى، وظل يهتف باسمها دون توقف.
ظل ينادي باسمها――،
(ملاحظة ترجمة: في النص الياباني الأصلي، تستخدم ريم ضمير المتكلم “واتاشي” [私] للإشارة إلى نفسها بدلاً من مناداة نفسها باسمها “ريم”، وهو الأسلوب الذي اعتادت عليه قبل فقدان ذاكرتها).
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※