الفصل 8 - طعم الكحول المُر
الفصل الثامن: طعم الكحول المُر
بعد أن فرغ من جولة الانتقام في الزقاق، تغلغل سوبارو في أعمق نقطة من الأحياء الفقيرة― ليجد نفسه واقفاً أمام «بيت الغنائم» بهيبته القاتمة.
كانت الشمس قد مالت للمغيب بوضوح، وحل المساء.
”أخـيراً وجدته… أخذ مني وقتاً طويلاً بحق، تباً.”
فور وصوله، انهار جالساً على الأرض ومسح العرق عن جبينه بكم قميصه.
قضى قرابة ساعتين وهو يجوب الطرقات ذهاباً وإياباً حتى عثر على المكان أخيراً، واستطاع على الأقل التحقق من انقضاء الوقت عبر الهاتف في جيبه؛ ساعتان دون أدنى شك.
”ظننتُ أن الأمر لن يكون بهذه الصعوبة، خاصة وأني مررتُ من هنا قبل قليل فقط…”
في الواقع، شكّل عجزه التام عن قراءة أي لافتة عائقاً لا يستهان به.
كانت شوارع العاصمة تتشابه إلى حد مربك، وسوبارو، الغريب تماماً عن هذه الأرجاء، لم يكن يملك حتى رفاهية الاستدلال بأسماء المتاجر أو الأماكن.
في النهاية، لم يجد بداً من الاعتماد على الدأب والبحث العشوائي، مستعيناً بما جادت به ذاكرته.
”تبادلتُ أطراف الحديث مع ساتيلا وباك في أكثر من موضع، لذا لا تزال لدي ذكرى ضبابية عن الطريق.”
انطبق هذا الوصف بالأخص على مساره داخل الأحياء الفقيرة.
فعلى عكس ما حدث قبل بضع ساعات، وبما أن أحدهم كان قد نظف سترته الرياضية بعناية فائقة، واجهه سكان تلك الأحياء بنظرات باردة ونفور مطبق، رافضين تقديم أي عون.
ولم تكن مهارات سوبارو الاجتماعية تسعفه للتعامل مع هذا الجو المشحون بالإقصاء، لينتهي به المطاف متخبطاً بمفرده في هذه الورطة أيضاً.
إزاء ذلك، شعر برغبة في مكافأة نفسه على الصمود حتى بلغ وجهته، وقرر أن يمنح روحه تقديراً مستحقاً على هذا العناء.
”حان وقت فتحكِ أخيراً، بنكهة حساء الذرة. في الأصل، لم أذهب إلى المتجر إلا رغبة في التهام هذه الرقائق، ولا مبالغة إن قلت إنها السبب الحقيقي وراء استدعائي إلى هذا العالم.”
وسط سيل من الأعذار الواهية التي اختلقها، فتح سوبارو الكيس.
فاحت رائحة حلوة دغدغت فتحتي أنفه بنشوة مبهجة، فالتقط بعض الرقائق ووضعها على لسانه بأصابع مرتعشة. ―
غمرت لذة لا تُوصف حاسة تذوقه.
”لذيذة… لذيذة بجنون…! الآن فقط تذكرت، لم يدخل جوفي أي طعام بعد. مذاقها لا يُصدق.”
راح يلتهم القطع تلو الأخرى وهو يسترجع كل ما مر به.
ظلت معدته خاوية منذ حُرم من تلك الفاكهة الشبيهة بالتفاح، محتملاً عضات الجوع لنحو ست ساعات متواصلة.
ورغم أنه استطاع إلهاء بطنه الخاوي، أدرك سوبارو أنه عاجز عن فعل الأمر ذاته مع عقله.
كان فؤاده يضطرب في صدره بعنف، ونبضاته تتسارع على نحو غير طبيعي.
شعر بسريان الدم الحار في كامل عروقه؛ كان هذا الذعر في وادٍ، وتلك الحادثة في الزقاق في وادٍ آخر تماماً.
ثقلت أطرافه وجف حلقه لأسباب لا صلة لها بتلك الرقائق، بينما داهمه ألم حاد متكرر كأنما هُشمت جمجمته بمطرقة، ترافق معه طنين ثاقب مزق طبلتي أذنيه.
― فالجواب الذي ظل يلهث خلفه، يرقد الآن داخل بيت الغنائم.
ابتلع ريقه بغريزة المذعور حين طفا على سطح ذاكرته المشهد الذي بذل وسعه لنسيانه.
غرفة غارقة في بركة من الدماء، وعجوز قُطعت ذراعه، وبطنه الممزقة وهو يتخبط على شفا الموت، ويد ساتيلا التي سقطت بلا حراك… كان خطؤه هو، هو وحده من أوردهم تلك النهاية الفظيعة.
”إياك أن تفزع، لا تجزع، اهدأ تباً لك! هل أنا أبله؟ … بل أنا أحمق لا ريب. أيعقل أن أقطع كل هذه المسافة ثم أولي الأدبار دون أن ألقي نظرة؟”
فضلاً عن أنه لم يكن يملك مكاناً يأوي إليه على أية حال.
شد عزيمته وحدق إلى الأمام، وحين همّ بالخطو، أحس بركبتيه ترتعدان.
خانته قدماه وعجز عن لجم ارتعاش أطرافه السفلية؛ فضرب صابونتي ركبتيه بقوة لردعهما قسراً، ثم زفر ملء رئتيه واندفع للأمام.
تحت أشعة الشمس البرتقالية، بدا الباب الموصد لبيت الغنائم وكأنه يصدّه بقسوة.
طرد سوبارو تلك الهواجس التي اختلقها توتره، ومشى نحو الباب ورفع يده قائلاً:
”هل من أحد بالداخل؟”
ورغم إدراكه لضآلة هذا الأمل، إلا أنه قرع الباب قرعاً خفيفاً.
تردد صدى تلك الخبطة المكتومة وغير المتوقعة بين الداخل والخارج، غير أنه لم يتلقَ أي استجابة؛ لم يواجهه سوى صمت مطبق لا يُطاق.
استبد هذا الصمت بسوبارو وأرعبه بشدة، فراح يقرع الباب بهستيرية رغم يقينه بعبث ما يفعل.
”هل من أحد… هناك أحد بالداخل، أليس كذلك؟! أرجوكم، أجيبوني… أتوسل إليكم.”
لم يشأ أن يستسلم لفكرة أنهما قد فارقا الحياة هناك.
وفي محاولة مستميتة لإنكار الواقع، واصل سوبارو دك الباب بعنف حتى تناهى إليه صرير خشبه.
وأمام وطأة اندفاعه المحموم، بدأ الباب يئن مستسلماً مع التواء مفاصله الصدئة القديمة.
”―اخرس!! لا أنت تعرف الإشارة ولا كلمة السر، أتريد خلع الباب عن بكرة أبيه؟!”
انفتح الباب فجأة بعنف جارف، فطوح بسوبارو الذي كان متكئاً عليه بكامل ثقله.
تدحرج سوبارو على الأرض بمظهر يفتقر لأدنى درجات اللباقة، ليستقر على بُعد خمسة أمتار تقريباً، ثم رفع رأسه يلفه الذهول والارتباك.
اتسعت عيناه من هول المفاجأة، وارتسمت فيهما ملامح شيخ محتقن الوجه يرمقه بنظرات حارقة من عند عتبة الباب.
كان أصلع الرأس، عريض المنكبين وذا بنية ضخمة.
ربما كانت ثيابه ناصعة البياض يوماً ما، لكن الأتربة وعرق السنين الطويلة صبغتها بلون بني قذر ينفر منه الناظرون، ولعلها كانت مصدر تلك الرائحة النتنة التي تعبق في الأرجاء.
وراء تلك الأسمال كان يختبئ جسد مفتول العضلات؛ فعلى نقيض تجاعيد شيخوخته، لم تبدُ عليه علامات الوهن قط، بل كان ينضح بصلابة وقوة واضحتين.
باختصار، كان يقف أمامه عملاق أصلع طاعن في السن، يفيض بصحة استثنائية.
”من تكون أنت؟! لستَ من الوجوه التي أذكرها، وما خطبك هنا أصلاً؟! كيف عرفت بشأن هذا المكان، وكيف بلغتَه؟! من وشى لك به؟!”
طوى العجوز المسافة الفاصلة بينهما بلمح البصر، وقبض على سوبارو بيده الهائلة. وما إن شعر بقدميه ترتفعان عن الأرض، حتى أدرك أنه تسرع وتجاوز حده، ليرتطم فجأة بأرض الواقع مجدداً؛ ما جرى في الزقاق كان مجرد طفرة عابرة ليس إلا. ففي نهاية المطاف، هو مجرد فتى عادي، تافه، وبسيط لأبعد حد.
وحتى لو كانت بنيته لا تنهزم إلا أمام خصوم استثنائيين، فإن كل من يواجههم هنا يندرجون تحت هذا الاستثناء بالذات.
وبينما رفعه ذلك العملاق الشاهق الذي ناهز المترين، تبخرت من صدره أي رغبة في المقاومة.
”―تفضل هذا أرجوك، عربون مودة وحسن نية!”
وجه نظره نحو وجه الرجل المشتعل غضباً― وقذف برقائق حساء الذرة نحوه مباشرة.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
عقب ذلك اللقاء العاصف الذي رسم انطباعاً أولياً شديد السوء لكليهما، وجد سوبارو نفسه مدعواً للدخول إلى بيت الغنائم.
كانت ثمة مقاعد مخصصة للزبائن بجوار المنضدة فور تجاوز المدخل. جلس سوبارو على أحدها، وراح يعدل وضعية جلوسه غير المريحة على الإطلاق.
كان الخشب متشققا تملؤه الشظايا، ما جعل سوبارو يتلوى من لسعات الوخز المؤلمة أسفله؛ ولو كانت أمعاؤه على وشك الانفجار في تلك اللحظة، لكان خسر كرامته وأفرغ ما في جوفه ذعراً دون أدنى شك.
”ما بالك تتململ وتتلوى هكذا كالملدوغ… أحكةٌ في قاع سروالك؟”
”ليس الأمر كذلك إطلاقاً! مهلاً، أعد ذلك إليّ، لم أسمح لك بالتهام الكيس بأكمله!”
كان العجوز يقف خلف المنضدة في موضع صاحب المحل المعتاد.
ومقارنة بجثته الهائلة، بدا الكيس بين يديه ضئيلاً لدرجة تجعل المرء يشك في سلامة بصره وتقديره للمقاييس.
”يا لك من بخيل شحيح! ستُلقى في الجحيم إن حاولت الاستئثار بطعام بهذا المذاق لنفسك.”
”وإلى أين تظن نفسك ماضياً وأنت تسلب طعام غيرك هكذا؟ عجائز هذه الأيام، تباً… فالحون فقط في لوم الناس وتناسي قبائحهم.”
”عدتَ لتلك الترهات الغريبة مجدداً… لهذا السبب أنتم أيها الشباب… ممم، لذيذ بحق.”
”كفّ عن الأكل، يكفي!”
انحنى سوبارو للأمام ومد ذراعه، وتمكن بشق الأنفس من خطف الكيس من بين براثن العجوز؛ غير أن جلّ محتواه كان قد استقر في جوف الشيخ بالفعل.
تدلت كتاف سوبارو خيبةً حين لمح البقايا الشحيحة في القاع.
”آه… حساء الذرة الغالي. قد لا أحظى بفرصة تذوقك ثانية في حياتي.”
”ماذا، أهو نادر إلى هذا الحد؟ حسناً، لم أرَ مثله قط في حياتي بحق. ما رأيك إذن أن تستعين بسحر الإستنساخ على ما تبقى؟”
”سحر الإستنساخ؟”
”سحرٌ يضاعف الشيء الواحد إلى اثنين. يعجز عن استنساخ أكثر من الهيئة الخارجية للكائنات الحية، لكنه قادر حتماً على مضاعفة أشياء كالأطعمة.”
قال الشيخ ذلك وهو يفرك صلعة رأسه، ليدرك سوبارو مجدداً كم هو عجيب ومريح هذا السحر.
’حقاً، لا يعجزه شيء!’ هكذا فكر سوبارو بانبهار وهو يجول بناظريه في أرجاء المكان بلامبالاة مصطنعة.
بيت الغنائم في ساعة الغسق ― لا أثر فيه البتة لتلك الفاجعة التي عاشها سوبارو بين جدرانه.
ظلت الأصناف شتى والبضائع مبعثرة في كل زاوية، تبتلع بسهولة المساحة الشاسعة للمبنى.
ولعله لم يفته تلفت عيني سوبارو في الأرجاء؛ إذ ضيّق الشيخ حدقتيه وسأله:
”ما خطبك يا فتى؟ ― أعينك على بضاعتي؟”
بتلك الكلمات، أصاب كبد الحقيقة مباشرة.
هذا العملاق الطاعن في السن، الذي عرّف عن نفسه باسم «روم» (وسمح لسوبارو بمناداته بـ «العم روم»). سارت المفاوضات معه بسلاسة مدهشة على غير المتوقع حين قابل سوبارو فورة غضبه بتقديم قطعة من تلك الرقائق المقرمشة (بلا أدنى مبالغة، هذا بالضبط ما حدث!).
فما إن قذفها سوبارو في جوفه، حتى ذهل الشيخ بالنكهة الجديدة التي سحرت حواسه، وسارع بإنزال الفتى إلى الأرض بسلام وأمان.
بعدها، استطاع سوبارو إقناعه بأنه لم يطرق بابه إلا لأمر جلل عليه قضاؤه، وبأنه سمع عن هذا الوكر من كهل في حواري الأحياء الفقيرة؛ وهكذا انتهى بهما المطاف وجهاً لوجه عند المنضدة.
على الجانب الآخر، سكب روم بذراعيه الضخمتين خمراً في كأس يعلوها شيء من القذارة، وعلى شفتيه شبه ابتسامة:
”على كلٍ، لا يقصد هذا المكان إلا صنفان: إما حاملٌ لي بضاعة مسروقة، أو ساعٍ لشرائها― لا ثالث لهما.”
”أصبت، وهذا شطرٌ من سبب مجيئي.”
”شطر، هاه؟ إذن في جعبتك مأرب آخر؟”
عقد روم حاجبيه إزاء موافقة سوبارو المجزأة؛ فأومأ الأخير برأسه، ثم تجاسر على طرح سؤاله بتردد، موطناً نفسه على تلقي سيل من السخرية:
”قد يبدو سؤالي سخيفاً، لكن… يا عم، ألم تمت مؤخراً؟”
وعنقك وذراعك اليمنى مقطعان إرباً.
آثر كتمان هذا الشطر في صدره؛ فبقدر ما استطاع تمييزه، لم يكن لعنقه أو ذراعه أي أثر لمثل هذا التمزيق.
وما إن سمع روم السؤال ورمقته تلك النظرات، حتى اتسعت عيناه الرماديتان لبرهة وجيزة، قبل أن تتهلل أساريره فجأة بضحكة مباغتة كأنما عاد نبض الوقت للجريان من جديد:
”غهاهاهاها! ويحك، خشيتُ ما ستفوه به! حقاً إني شيخ هرم أقف على شفا القبر، غير أني لم أهلك بعد، معذرة منك! وإن كنت لا أظن الأجل ببعيد عمن بلغ سني.”
أطلق روم قهقهة مدوية كأنه استمع لأطرف نكتة في حياته، ودفع بالكأس نحو سوبارو قائلاً: “أتجرع معنا قطرة؟”
صرف سوبارو الكأس بإشارة من يده، إذ وخزت رائحة الخمر النفاذة أنفه، وتمتم باعتذار مقتضب عما بدر منه.
اعتذر بلسانه، لكن أوصال الشك في صدره راحت تستفحل وتتضخم.
ها هو يسامره الآن وجهاً لوجه، غير أن― سوبارو قد عاين جثته بأم عينيه!
هنا تحديداً، بين جنبات هذا الظلام، قُطعت ذراعه ومُزقت حنجرته بحد شفرة قاطعة، ومات ميتة بشعة تقشعر لها الأبدان.
ومع ذلك، وفي مشهد يناقض تلك الصورة المحفورة في ذاكرته، كان جثمان روم الهائل ماثلاً أمامه من لحم ودم، محشوراً خلف المنضدة في جلسة لا تخلو من مشقة.
كان وجه روم مورداً وهو يفرغ كأسه دفعة واحدة، والدم يتدفق حياً في عروقه بوضوح، أبعد ما يكون عن تلك الجثة الباردة الشاحبة التي نزفت حتى آخر قطرة.
العم روم حي يرزق، بلا ريب. والأمر عينه ينطبق على سوبارو أيضاً.
وباسترجاع ما حدث، كان سوبارو قد نال هو الآخر طعنة نجلاء مميتة؛ ورغم فداحتها، ها هو يقف على قدميه سليماً معافى دون أن تترك خلفها قيد ندبة.
تزعزعت ثقة سوبارو في مداركه وقواه العقلية، وساورته الشكوك فيما إن كان كل ما عاشه مجرد أضغاث أحلام ويقظة.
”أيعقل أن كل ذلك لم يكن سوى حلم…؟ وإن كان كذلك، فأي جزء منه هو الوهم، ولماذا زُج بي في هذا العالم من الأساس؟”
كان تذمره في الطرقات يلهيه عن توجسه لوقت يسير، أما الآن، وقد وجد موضعاً يستكين فيه، عادت تلك الهواجس لتنهش عقله بلا هوادة.
وخز الإحساس بالذنب، واللهيب الحارق لتلك الطعنة النجلاء، ودفء تلك الملامسة الخاطفة من أنامل الفتاة… إن كان كل ذلك محض أضغاث أحلام، فما الداعي لوجوده هنا إذن؟
لو كان الأمر كذلك، لكان الأجدر بعقله أن يستوعب أن رحلته برمتها، مذ وطئت قدماه هذا العالم، لم تكن سوى سراب في نوم عميق.
كان هذا الاحتمال أهون عليه بكثير من فكرة أنه استغرق في كابوس مباغت بعد انتقاله إلى هذا العالم الآخر.
”يا عم، ألم ترَ فتاة بشعر فضي في هذه الأنحاء؟”
”شعر فضي…؟ كلا، لا أذكر أني رأيت مثلها قط. ليس أمراً يغيب عن بالي، فجمالها يلفت الأنظار مهما تقدم بي العمر وخانتني الذاكرة.”
أطلق روم ضحكة جريئة مستخفاً بالأمر، غير أن سحابة داكنة غشت وجه سوبارو.
ولعله استشعر صدق الفتى وشدة كربه من وقفته، فانقطعت ضحكة روم فجأة.
”اشرب.”
ودون تردد، دفع بالكأس ثانية نحو سوبارو.
أمال قارورته فانسكب سائل عنبري ملأ الكأس حتى حافتها. تسمر سوبارو وهو يرمق الشراب بصمت، ليعيد روم نبرته الآمرة: “اشرب.”
”معذرة، لست في المزاج الملائم. ولست مراهقاً غرّاً يعاقر الخمر ليتظاهر بالرجولة.”
”أأنت أبله؟ الشرب والتظاهر بالقوة هما لب الصبا وأول خطى الشباب! أفرغه في جوفك ودع النار تتأجج في حشاك؛ فكل ما يثقل صدرك سيهرب من هذا اللهيب لتلفظه في سعالك دفعة واحدة.”
”لذا… تجرع!” كررها وهو يدفع الكأس نحو أصابع سوبارو مجدداً.
تناول سوبارو الكأس مستسلماً لصلابة الشيخ وإصراره، وقرب السائل العنبري من أنفه. هاجمته رائحة الكحول اللاذعة بعنف فكاد يشرق، وانعقد حاجباه اشمئزازاً.
ورغم نفوره الظاهر، كان ثمة صوت خفي في أعماقه يدفعه للانصياع لنصيحة العجوز.
كان يرى في الارتماء بأحضان المسكرات شيمة البالغين المبتذلين، ورغم ذلك―
”تباً… وليكن ما يكون!”
رفع الكأس دفعة واحدة، وابتلع السائل حتى آخر قطرة.
لم يكن يدري مدى قوته، لكنه شعر على الفور وكأن ألسنة اللهب قد اندلعت في أحشائه.
شق الخمر طريقه حارقاً بلعومه كأنه جمر ملتهب، فأطلق صرخة مكتومة وهوى بالكأس على الطاولة بقوة:
”فهاااه! غااه! مقرف! نار مشتعلة! يا للقرف، ما هذا السم الزعاف؟!”
”ويحك، كف عن النحيب! من عجز عن تذوق متعة الخمر فقد أضاع نصف حلاوة الحياة، ألا تدري؟”
وفيما كان سوبارو يسعل في محاولة لطرد الحرارة المتصاعدة في صدره، زجره روم قبل أن يعبّ جرعة أخرى.
قلب القارورة بمهارة وتجرع الخمر من فوهتها مباشرة.
وبعد أن أفرغ في جوفه ما يفوق جرعة سوبارو بثلاثة أضعاف، أطلق تجشؤاً فظاً فجاً، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ثملة:
”ورغـ-ـم هذا، لقد تـ-ـجرعتها ببراعة! ألا تـ-ـشعر برغبة في التـ-ـقيؤ؟”
”… بل أشعر! وبشدة! اسمع يا عم، دعنا ننتقل لمأربي الآخر.”
شاح بوجهه بعيداً عن وجه العجوز المتهلل، ومسح رذاذ الكحول المنسكب بكم ثوبه وهو يشير بسبابته نحو عمق المستودع. فعلى النقيض من هذه الخردة الملقاة هاهنا، لا بد أن المقتنيات الثمينة ترقد في الداخل.
عادت الصرامة فجأة لتكسو ملامح روم، وحين رآه سوبارو على هذه الحال، فاتحه دون لف أو دوران:
”أبحث عن شارة رُصعت بجوهرة. ―أريدك أن تسلمني إياها.”
باح بمراده الأكبر.
غايته الأصلية التي دفعته إلى هنا، بمعزل عن هاجس الاطمئنان على سلامة ساتيلا.
تلك الشارة المرصعة التي سُلبت منها. لم تبح له بسبب تمسكها بها، لكنها كانت مستعدة لخوض غمار الموت لاستردادها، إلى هذا الحد كان شأنها جليلاً في نفسها.
وإن كانت قد سلكت طريقها إلى هذه الأزقة العفنة، فلا مناص من استقرارها في هذا الوكر، أو هكذا ظن.
فلو ثبت وجود تلك الشارة على الأقل، لتيقن سوبارو أنه لم يكن يهذي في كابوس عابر.
”شارة مرصعة بجوهرة… معذرة يا فتى، لا أثر لشيء من هذا القبيل هنا.”
”… أأنت واثق؟ حاول أن تعصر ذاكرتك، لعل الخرف قد نال منك؟”
”عقلي في أوج يقظته وذكائه حين يجري الخمر في عروقي! إن لم تحضرني الآن، فليس لي إلا أن أقطع بجهلي بها.”
وفي اللحظة التي خُيل فيها لسوبارو أن بصيص أمله الأخير قد تبدد، ارتسمت على شفتي روم ابتسامة ذات مغزى:
”لكنني نمي إليّ أن صيداً ثميناً سيحط رحاله هنا اليوم. ―قد يكون هذا الصيد عين تلك الشارة التي تبحث عنها.”
”ومن سيجلبها… أيعقل أن تكون فتاة تدعى فيلت؟”
”عجباً، أتعرف السارق أيضاً؟”
بدا أن روم وجد الأمر مبتذلاً وعادياً، غير أن سوبارو لم يتمالك نفسه من اتخاذ وضعية النصر بزهو.
فخيط الأمل الرفيع الذي تيقن من انقطاعه كان لا يزال مشدوداً يقاوم.
لقد استوثق للتو من وجود فيلت، وإذا كانت السارقة حقيقة لا خيالاً، فإن ساتيلا، صاحبة الشارة المسلوبة، حقيقية لا ريب فيها أيضاً.
“كدت أظن أن شغفي بالبطلات ذوات الشعر الفضي قد أورثني أوهاماً وهلاوس، لقد أفزعني ذلك حقاً…”
“يؤسفني إفساد نشوتك، لكن قدرتك على شرائها فور جلبها إلى هنا مسألة أخرى تماماً؛ فشارة رُصعت بتلك الجواهر لن ترضى إلا بثمن يضاهي شأنها، أليس كذلك؟”
“هاه! عبثاً تحاول استعراض مقدرتي المالية، فجيوبي تشكو الإفلاس التام!”
“إذن طُوي بساط الحديث بيننا!”
صرخ روم بخيبة أمل واضحة، كأنه كان يمني النفس ببدء مساومة رابحة؛ غير أن سوبارو لوّح بسبابته يمنة ويسرة باعتراض واثق:
“توت، توت، توت! صحيحٌ أنني لا أملك نقيراً، ولـ-كـ-ن! النقد ليس السبيل الأوحد لاقتناء النفائس في دنيا الناس، أليس هناك ما يُعرف بنظام المقايضة؟”
لم يبدِ روم اعتراضاً، بل حث سوبارو بنظرة صامتة على الاسترسال. أومأ الفتى برأسه، ودس يده في جيبه ليخرج ما فيه:
“―ما هذا الشيء؟ لم تكتحل عيناي بمثله قط.”
“هذا الذي تراه أداة سحرية تحبس الأثر وتجمد الزمن، وأنا أسميه ‘الهاتف المحمول’!”
هاتف أبيض صغير الحجم. ارتسمت الحيرة على محيا روم إزاء رؤية شيء غريب كهذا للمرة الأولى، بينما كان سوبارو يعبث بأزراره بخفة وبراعة ― وفي غمضة عين، ملأ ضوء أبيض ساطع أرجاء المكان المعتمة.
دوّى صوت نقرة المصراع، وغمر الوميض روم الذي أُصيب بذعر مباغت هوى به خلف المنضدة. لم يملك سوبارو إلا أن يبتسم إزاء رد الفعل المبالغ فيه هذا:
“ما خطب ذلك التهور للتو؟! أتبتغي قتلي؟! إياك وتلك الحركات المريبة، لا تحسبنني صيداً سهلاً!”
“مهلاً، رويدك! تنفس بعمق واهدأ، ثم ألقِ نظرة على هذا.”
احتقن وجه روم بوهج لا صلة له بسكره، فقابله سوبارو ببسط شاشة الهاتف أمام عينيه.
تراجع روم خطوة إلى الوراء والشك يملأ عينيه، وهو يجهد بصره لتبين تفاصيل تلك الشاشة الصغيرة ― حتى جحظت حدقتاه.
كان معروضاً على الشاشة وجه روم نفسه، الذي صوره سوبارو قبل لحظات عبر كاميرا الهاتف، وهي تقنية لا عهد لأهل هذا العالم بها بطبيعة الحال.
وتماماً كما تكهن سوبارو، حدق روم في الشاشة بتركيز شديد وتمتم:
“أهذا… وجهي حقاً؟ ما الذي دهى هذا الشيء؟”
“ألم أصدقك القول؟ إنه يجمد الأشياء في مجرى الزمن. وما تراه أمامك الآن ليس إلا روم الذي كان هنا قبل هنيهة فحسب.”
ومع كلماته تلك، أدار الكاميرا نحو وجهه والتقط لقطة أخرى.
عرضها ثانية على روم الذي كان يترقب النتيجة بفضول جارف، لتبدو الشاشة هذه المرة حاملة رسم سوبارو وهو يشير بإصبعيه بعلامة النصر.
“هذا هو أصل عمله ومبتغاه. وعادة ما يُتخذ لحفظ اللحظات الثمينة وتخليد الذكرى، لا للهزل والمداعبة كهذا.”
“هكذا إذن… حقاً، هذا الشيء… هممم…”
أسند روم ذقنه إلى راحته، وبدا كأنه يغوص في بحر من التأمل وهو يدير بصره في جنبات الجهاز.
فعل الطعم فعله بنجاح فاق حسابات سوبارو، وأحس أن زمام التفاوض قد دان له بالكامل.
وكأنما أراد تعزيز ثقة سوبارو في موقفه، تناول روم الهاتف وفحصه عن كثب وهو يدمدم:
“إنها المرة الأولى التي أقع فيها على مثله، غير أنني… مما تناهى إلى مسامعي، أحسبه أداة من أدوات الـ’ميتيور’.”
“ميتيور؟”
أمال سوبارو رأسه مستنكراً غرابة اللفظ، فأومأ روم مؤكداً:
“هي أدوات تعين من حُرموا من فتح بوابات المانا على تسخير قوى السحر. لكنها نادرة وعزيزة المنال للغاية، لدرجة أن عيني لم تكتحل بواحدة منها حتى يومي هذا.”
أطلق روم زفرة إعجاب بعد أن أشبع فضوله من تأمل الجهاز ووضعه برفق فوق المنضدة.
ثم صوب نظره مجدداً نحو سوبارو،
“يعجز لساني عن تحديد قيمته بدقة؛ فقد أفنيت عمري في هذه الصنعة، غير أنني… لم أضع يدي على ميتيور من قبل. ومع ذلك… هو أثمن وأغلى من كل ما بعته طوال حياتي بلا ريب.”
بدا أن معاينة الميتيور لأول مرة واحتمالية إتمام صفقة به قد ألهبا فضول روم وحماسته، فاستطرد بنبرة يشوبها ارتعاش خفيف: “ومع ذلك،”
“إن طرحت هذا الشيء للمقايضة، فإنك تُلقي بنفسك في هوة خسارة فادحة. لست أدري كم تزن تلك الشارة التي تنشدها، لكنها تعجز حتماً عن مضاهاة هذا الميتيور. من زاوية مادية، الأجدى بك والأربح أن تبيعه بمفرده.”
وكر مشبوه لتصريف المسروقات في عمق الأحياء الفقيرة؛ نصيحة روم هذه شذت تماماً عما يُتوقع من زعيم يدير مكاناً كهذا.
وكان عرضه يحمل إغراءً لا يُقاوم.
فسوبارو عاجز لا وزن له في موازين هذا العالم: لا يتقن سحراً، ولا يملك بأساً ولا قوة استثنائية، يجهل كل شيء حتى قراءة الحروف، وفوق كل تلك الخيبات يبيت مفلساً على الحديدة.
ولو استطاع بيع هذا الهاتف، لانتشله ثمنه حتماً من الزاوية الحرجة التي حوصر فيها، ولأراحه على الأقل من كابوس تدبير قوته لفترة من الزمان.
فالمستقبل الذي ينتظره صراع مرير لمجرد سد رمقه بلقمة عيش، وكان من البديهي تماماً أي الخيارين يرجح هنا. ومع ذلك―
“لا، دعه كما هو. سأقايض هذا الميتيور مقابل الشارة التي ستأتي بها تلك المدعوة فيلت.”
“ما الذي يدفعك للذهاب إلى هذا الحد؟ أيعقل أنها أغلى من هذا الميتيور؟ أم أنك تزعم أن قيمتها لا تُقاس بالمال؟”
بدا أن عناد سوبارو قد ألجم عقل روم بالحيرة. وبينما استفسر عن قيمة الشارة، ترقرقت في شطر سؤاله الأخير نبرة ساخرة متهكمة.
هكذا كانت نظرة قاطني هذه الأزقة؛ ففكرة وجود ما يعلو فوق بريق الذهب، وإن استوعبوها نظرياً كأطروحة عابرة، لم تكن مما يسهل عليهم ابتلاعه في أرض الواقع.
ولإدراكه لطبيعة القيم التي تحكم نفوسهم، هز سوبارو رأسه قائلاً:
“لأصدقك القول، لم تكتحل عيناي برؤيتها قط. وحتى لو قايضتها بالمال، فلا أظنها ستدرّ ما يوازي هذا الميتيور، وأنا بلا شك أرتكب حماقة وأتكبد خسارة فادحة هنا.”
“إن كنت تعي ذلك جيداً، فلمَ الإصرار إذن؟”
“الأمر أظهر من الشمس. ―هذه الصفقة ليست خسارة في ميزاني.”
سرى دبيب الحماسة في أوصال سوبارو حين رأى حدقتي روم تتسعان من جديد.
أجل، هذا هو فصل الخطاب.
حتى وإن لم يكن يدري من أين يأكل غداً، وحتى وإن كان مستقبله يلفه الظلام الدامس، وحتى وإن كان يلقي بكنوز طائلة في اليم؛ فإن لخسارته هذه معنى وغاية.
“أريد رد الصنيع، فأنا لا أترك دَيناً في عنقي إلا قضيته؛ ولن تطيب لي حياة إن قصرت في ذلك. طبعي نزق متقلب لا يهدأ، صبي من أبناء العصر الحديث كما ترى! ―ولهذا تحديداً، ومهما عظمت خسارتي هنا، فلا بد لي من انتزاع تلك الشارة.”
“همم… بعبارة أخرى، الشارة لم تكن ملكك منذ البداية؟”
“بل تخص تلك الفتاة ذات الشعر الفضي التي أنقذت حياتي. أجهل مأربها، لكنها تعني لها الدنيا وما فيها.”
“وأين مكانها الآن؟ أليست في صحبتك؟”
“أنا في أثرها الآن أبحث عنها! أو بالأحرى، لعل إنقاذها لي وحتى وجودها برمته لم يكن سوى خيال ووهم نسجه عقلي!”
أطبق قبضته فجأة، وباح بمخاوفه السابقة بملء صوته ثم أردفها بقهقهة ساخرة.
فالخيوط تشابكت واستقامت شواهدها؛ ويستحيل ألا يكون لساتيلا وجود في هذا العالم.
وحين يضع يده على الشارة، سيلقاها ثانية دون أدنى شك.
وفيما كان سوبارو يشد من أزر عزيمته، كان روم يرمقه بنظرات ممتزجة بالدهشة كأنه يشهد مخلوقاً غريباً شذ عن كل مألوف:
“―حقاً، إنك لأحمق.”
ومع تلك الكلمات، انقشعت كل الهواجس ولم يبقَ في الأرجاء سوى صدى الضحكات.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※