الفصل 707 - زهرة السوسن الدموية (الجزء الأول)
دعم سلالة المملكة لزيادة تنزيل الفصول :
ترجمة: MuhamedR
الفصل 707: زهرة السوسن الدموية (الجزء الأول)
“أوه! أوه! ما هذا؟ لقد أطاح أحدهم بمتنافسين متتاليين، ولم يكتفِ بذلك، بل يتجه مباشرةً نحو ثالث!”
دوّى صوت المعلّق في أرجاء ساحة المنافسة، مشوبًا بالدهشة والحماسة:
“آه! ابتداءً من هذه اللحظة، هناك من خرق الاتفاق الضمني الذي يحكم المبارزات، وبدأ يهاجم جميع خصومه دون تمييز! تُرى، هل يحاول إعادة صنع المعجزة المذهلة التي شهدناها قبل قرنين، حين شقّ “مطبق الأحكام المقدسة” مونتايو طريقه عبر ساحة المنافسة، ذابحًا كل من وقف في طريقه؟!”
كان نصف المشاركين في منافسات الفرق قد آثروا البقاء على الأطراف للحفاظ على قواهم، مكتفين بالدفاع والهجوم المضاد بحذر، آملين الصمود حتى النهاية وانتزاع ترتيب جيد. لكن ما إن كسر أحدهم ذلك الاتفاق الضمني حتى راحت الفوضى تنتشر كتموّجات الماء:
تراجع محارب تلقّى ضربة قوية وهو يتأوه من الألم، فاصطدم بظهر آخر. وكان الأخير متأهبًا أصلًا، فردّ بهجوم غريزي، فاصطدم نصله مصادفةً بنصل متنافس ثالث. أما المشاركون الأبعد، فبمجرد أن لمحوا فرصة سانحة، اندفعوا نحوهم بلا تفكير، لكن أحد المتربصين الذي ظل يراقبوهم طويلًا باغتهم وأسقطهم أرضًا…
“مهلًا، يبدو أن الآخرين لم يعودوا قادرين على ضبط أنفسهم! ها هم يشرعون في الهجوم واحدًا تلو الآخر! الجميع دخل المعركة، وأصبح المشهد الظالم الذي يتكاتف فيه عدة أشخاص للإطاحة بمتنافس واحد أمرًا مألوفًا…”
لقد أخلّت حركة واحدة بإيقاع الجميع، فاضطربت وتيرة القتال وتسارعت. وسرعان ما تحولت الساحة بأكملها إلى معركة ضارية تعمّها الفوضى، حتى بات من الصعب التمييز بين الصديق والعدو.
“لقد تغير الوضع! أيها الجمهور، لقد جاءتنا البشرى! معركة جماعية حقيقية، وها هي تبدأ أبكر مما شهدناه في الأعوام السابقة!”
وقف المعلّق على منصة مرتفعة هي الأقرب إلى ميدان المنافسة، وصاح في الميكروفون، قابضًا يده بحماسة.
حلّ الليل، لكن أضواء الساحة ظلت ساطعة كأن النهار لم ينتهِ، فيما أخذت الطبول تدوي بصخب أشد من ذي قبل. واشتدت حدة المعركة الجماعية، إذ انخرط المتنافسون المتزاحمون في قتال فوضوي مثير، يستحيل تقريبًا فكّ خيوطه. وكلما أُصيب أحدهم أو سال دمه أو سقط أرضًا، نهض المتفرجون على على المدرجات مدهوشين، وأطلقوا صيحات التشجيع بجنون، وهم يضربون بأيديهم كل ما تطاله.
“اضربه! اضربه! أَسقِطه! آآآه!”
“خلفك! خلفك! خلفك! انتبه لما وراءك! آه! تبًّا! أيها الوغد عديم النفع! أعد إليّ مالي!”
“الجميع يقاتل، فلا تكن جبانًا! هيا!”
“هل رأيتم الأخ باليغي؟ إنه يردّ الهجوم! إنه يردّ الهجوم! انظروا… آآآه، كاد يصيبه بفارق ضئيل!”
ومع انتقال أخبار المعركة إلى خارج الساحة، راحت الحشود المتجمعة في الخارج تطلق ضجيجًا وصخبًا كفيلين بهز مدينة اليشم، حتى طغت أصواتهم على هتافات المتفرجين في الداخل. لقد سادت أجواء مشحونة في تجمع اختيار القادة بأسره، وبلغ الحماس ذروته حتى أخذت القلوب تخفق بعنف.
“ماذا حدث؟”
قاطع الوضع المتزايد الفوضوي في الساحة حديث الأشخاص الثلاثة في مقصورة مشاهدة الدوق، فالتفتوا إليها دون إرادة منهم.
أفلت زاين كوفيندير تاليس، وحدّق في الساحة بوجه متيبس.
“لقد وصلوا.”
“من؟” سألت هيلي باستغراب.
“انظروا إلى الركن الشمالي الغربي المضطرب!”
عاد صوت المعلّق ليدوي:
“كاناماني من إقليم اتحاد تاروندي يؤدي دور صانع السلام! لقد تدخّل بالقوة في مبارزة بين شخصين، وواجههما بسيفه العظيم، من دون أن يتراجع أمامهما قيد أنملة! وكأنه يقول: “أهذا كل ما لديكما؟ هاتوا غيرهما!”… أوه، يبدو أن أمنيته قد تحققت! وها هو خصم ثالث قادم! بل من الخلف أيضًا! تا دا! خرج كاناماني من المنافسة! وهذا يعلّمنا درسًا مهمًا: لا تحاولوا فضّ شجار لا تضمنون قدرتكم على التعامل معه!”
“لكن المهاجم المتسلل لم يخرج سالمًا هو الآخر. فبعد إقصائه كاناماني، تلقى ضربة قوية جعلته يترنح! وكما يقول المثل القديم في مانِي ونوكس: حين يتصارع طائر الشنقب والمحار، ينال عشيق زوجة الصياد الغنيمة!”
“أما عن السبب، هاه، من قال للصياد أن يغادر منزله ليذهب للصيد؟!”
وبفضل تعليقات المعلّق المهيّجة للحماس، أخذت موجات الصخب تتردد بين داخل الساحة وخارجها، ذهابًا وإيابًا. وقد بعث ذلك في نفس تاليس، الجالس في المقصورة الرئيسية، وهمًا بأنه عاد إلى مؤتمر الشؤون الوطنية قبل سبع سنوات، حين كان كل ما ينطق به يقابَل باستجابة متأخرة، لكنها مدوية، من ساحة تجمع النجوم.
“يا له من مشهد رائع.”
أطلق تاليس صوت استهجان خفيفًا وهز رأسه، وهو يتأمل المعركة الفوضوية في الأسفل.
“لقد ولّى عهد السلام، والجميع فقدوا عقولهم. الفوضى هنا أشد من شجار في الشوارع… هل هذا أمر طبيعي؟”
قطّب زاين كوفيندير حاجبيه وهز رأسه ببطء.
“في الأعوام السابقة، لا يظهر مثل هذا الوضع عادةً إلا عندما يقل عدد المتبقين عن عشرة، ويكون الجميع قد استبد بهم جنون القتال، ما لم يكن…”
“هناك متنافسون مختبئون بين المشاركين، يتعمدون تسريع وتيرة القتال”، أكملت هيلي كلامه.
شعر تاليس بقشعريرة تسري في قلبه، وكبح رغبته في النهوض والانحناء إلى الأمام.
“لم أكن منتبهًا قبل قليل… هل رأيتما من فعل ذلك؟”
“أنا أيضًا لم أره. أحقًا يحاولون إشعال شغب؟ وبالاستعانة بهذه المجموعة التي لا يتجاوز عددها مئة متنافس، ممن يتباهون بمهاراتهم؟” تساءلت هيلي.
“لا يهم.” أخذ زاين كوفيندير نفسًا عميقًا، محاولًا فيما يبدو استعادة هدوئه ونسيان فقدانه السابق للاتزان. “نحن في ساحة المنافسة، وقد اتخذ فيلق اليشم تدابيره الأمنية مسبقًا. ومهما كانت المفاجآت التي قد تظهر، ومهما كانت الأساليب التي أعدّوها…”
وفي تلك اللحظة، جاء صوت مألوف من جهة الدرج:
“صاحب السمو تاليس!”
استدار الثلاثة في وقت واحد، فرأوا شخصًا يقف على الدرج أسفل مقصورة المشاهدة، ويتجادل مع القائد سيشيل، المسؤول عن الحراسة، بينما ينادي الأمير بقلق.
ضيّق زاين كوفيندير عينيه.
“تاليس، أليس هذا…؟”
ارتعش جفن تاليس.
“أجل، إنه مرافقي، وايا.”
“أيّ واحد منهم؟” سألت هيلي.
كاد تاليس يختنق.
“ماذا تقصدين بقولك: أيّ واحد؟” تساءل زاين كوفيندير بحيرة.
“إنه ذاك… على أي حال، دعوه يصعد أولًا. ربما لديه شيء يبلّغني به.” استسلم تاليس لمحاولة الشرح.
قلب زاين كوفيندير عينيه، وقد ارتسم الحذر على وجهه.
“مهلًا، مرافقك هذا… هل يُحتمل أن يخونك؟”
“مستحيل تمامًا.” أجاب تاليس بحزم. “أنا أثق بوايا أكثر من أي شخص آخر.”
“أكثر من وايا آخر؟” تدخلت هيلي.
“اخرسي.” قال تاليس بوجه قاتم.
بدا الارتباك على وجه زاين كوفيندير، لكنه أشار إلى الجنود كي يسمحوا له بالمرور.
“صاحب السمو تاليس!”
صعد وايا الدرج مسرعًا، واتجه مباشرةً نحو تاليس.
“اللورد زاين، والآنسة سيسيليا، لقد ذهبت للتو إلى دورة المياه، أعتذر عن إزعاج راحتكم…”
راحتهم؟
ألقى تاليس نظرة خاطفة إلى الجانب. ففي زاوية غير بعيدة عنهم، كان أحد المتنافسين ممددًا على الأرض فاقدًا الوعي، بعد أن تلقى ضربة على رأسه. والدماء تسيل منه بغزارة، إلى أن انتهز المسعفون وحملة النقالات فرصة مناسبة، وسحبوه من الساحة بحذر وسرعة.
“لا، لقد جئت في الوقت المناسب يا وايا. أين البقية؟ أتذكر أنني طلبت من هوغو أن يستفسر عن وضع مالوس…”
تردد وايا، وبدا عليه الحرج.
“إنهم… حسنًا…”
وتحت أنظار تاليس، أخذ وايا نفسًا عميقًا.
“إنهم… ذهبوا للمراهنة معًا.”
ما إن سمع زاين كوفيندير وهيلي ذلك حتى تبادلا نظرة مع تاليس في اللحظة نفسها.
حتى حاجبا تاليس ارتعشا.
“للـ…المراهنة؟”
ابتسم وايا ابتسامة محرجة.
“أجل، أجل، أعني… ذلك الشيء، كما تعلمون، الرهانات… والمراهنون… والفائز يأخذ كل شيء… والرهانات المتداخلة وما إلى ذلك…”
“إذًا، كل هذا التكتل المريب الذي كنتم فيه بالأسفل لم يكن إلا من أجل هذا؟” قالت هيلي، وقد امتلأت عيناها بالازدراء.
“أكان الأمر واضحًا إلى هذا الحد؟” تفاجأ وايا أولًا، ثم استوعب الموقف، فابتسم بحرج. “آه، أجل، أجل، لقد اكتشفتم أمرنا. هيه، هيهي، هيهيهي.”
“وفي مثل هذا الوقت؟”
أطلق زاين كوفيندير همهمة مستاءة، على نحو لا يتفق مع صورته المعتادة كرجل لطيف ومتسامح، لكنه سرعان ما تدارك نفسه وسعل.
“مع أنني لا أعلّق آمالًا كبيرة على رجالك يا تاليس، لكن…”
شعر تاليس بأن وجهه قد تيبس.
تبًّا! مالوس ليس هنا، ولذلك تجرأ هؤلاء الأوغاد على التهاون علانيةً؟!
“أنا… حسنًا، أنتم لا تعرفون، المراهنة ليست سوى غطاء. إنهم… في الواقع يؤدون مهام أخرى بالغة الأهمية.” قال تاليس متكلفًا الثبات. “أليس كذلك يا وايا؟”
ارتجف وايا.
“بـ… بالطبع! يا صاحب السمو! مهام مهمة! مهمة للغاية!” أجاب وايا بتصلب. “سيظهرون بمجرد أن ينتهوا من مهامهم!”
نظر الشقيقان كوفيندير إلى تاليس بازدراء.
لم يجد تاليس بدًا من إطلاق ضحكة جافة، ثم واصل متابعة المباراة بوقاحة من لا يبالي.
“أوه، أين كنا؟ صحيح! لنرَ إن كان هناك أشخاص مريبون وسط المعركة!”
أطلق الشقيقان همهمتين، ثم أعادا أنظارهما إلى الساحة.
كانت المعركة الجماعية في الساحة ضارية ودامية. ومع تسارع وتيرتها، ظل المتنافسون منشغلين على الدوام، مجبرين على التعامل مع خصوم يهاجمونهم من كل اتجاه، تمامًا كما يحدث في ساحة معركة حقيقية.
“وايا؟”
“نعم، يا صاحب السمو؟”
“أنت… أنت تقف قريبًا مني أكثر مما ينبغي.”
“آه، عذرًا!” انتفض وايا، وتراجع بسرعة.
“لا بأس. وأيضًا، هل يمكنك… أن تفلت ذراعي؟ أنت تؤلمني.”
“آه، يا صاحب السمو، أنا آسف، لقد…”
أسرع وايا إلى إفلات يده، ثم ألقى نظرة على زاين كوفيندير وهيلي، وابتسم للأمير بحرج.
“لقد طال غيابي عنك، واشتقت إليك.”
تبادل زاين كوفيندير وهيلي، اللذان كانا يراقبان المباراة، نظرتين جانبيتين
“آه، بالطبع، هاها.” تجمد تاليس للحظة، ثم عصر ابتسامة متكلفة، ونظر إلى الشقيقين كوفيندير. “كما تعلمان، أنا ووايا رفيقان منذ سنوات طويلة، وعلاقتنا وثيقة للغاية.”
قطّب الشقيقان من عائلة زهرة السوسن حاجبيهما، ثم أعادا أنظارهما إلى الساحة.
“آه، وايا…” قال الأمير بحرج. “لا تزال لدي أمور أنا واللورد زاين بحاجة إلى مناقشتها. هل يمكنك الانتظار في الأسفل، عند قاعدة مقصورة المشاهدة، كما اعتدت؟”
“حـ… آه؟”
شحب وجه وايا أولًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه اتخذ قرارًا حاسمًا.
“لكن، يا صاحب السمو، لقد ابتعدت عنك طويلًا، وأنا أشتاق إليك كثيرًا. هل يمكنني البقاء معك؟ لن أطيل، أريد البقاء معك قليلًا فحسب.”
أدار زاين كوفيندير وهيلي رأسيهما مرة أخرى، وقد ارتسمت على وجهيهما تعابير مريبة.
تجمدت ابتسامة تاليس على وجهه.
“هيهي، لقد قلت لكما إن علاقتنا وثيقة للغاية. حسنًا، ابقَ إذًا.”
ثم أشار بطبيعية إلى الساحة، محاولًا تغيير الموضوع أمامهما.
“آه! انظرا إلى هذين المتنافسين! أحدهما أسود والآخر أبيض، يا لهما من ثنائي مذهل!”
عاد الشقيقان إلى متابعة المباراة، وإن ظلت الشكوك تملأ نظراتهما.
“أيها الجمهور العزيز، انظروا إليه! إنه سيف القدر المحظوظ! يتصدى لنصال خصومه ويحمي زميله، ويمهد له الطريق، بل ويجبر عدة أشخاص على التراجع في طريقه!”
وبناءً على كلمات المعلّق، اتجهت أنظار الجمهور إلى المشهد الذي كان يصفه، وهو تحديدًا الثنائي الذي أشار إليه تاليس.
في خضم المعركة الجماعية، تقدم محارب يرتدي درعًا أسود، وسيفه الطويل يلمع ويتحرك بين يديه. كان يناور بمرونة وسرعة لا تتناسبان إطلاقًا مع ثقل درعه وضخامة جسده، وأسقط عدة أشخاص في غضون عشرات الثواني، شاقًا طريقًا ملطخًا بالدماء وسط حشود المتنافسين.
وخلفه سار مبارز يرتدي الأبيض، وقد غطّت خوذته وجهه بالكامل. كان يتقدم بسيفه دون عجلة، متجاوزًا المتنافسين الممددين على الأرض، وهم يئنون ويصرخون. وكلما حاول أحدهم مباغتته من الخلف، كان المحارب ذو الدرع الأسود في المقدمة مستعدًا دائمًا، إما بالالتفاف لصد الهجوم، أو رمي المقذوفات من بعيد لحماية المبارز ذي الثياب البيضاء.
“ذلك الرجل ذو الدرع الأسود… هل يحمي شخصًا آخر؟” سألت هيلي بريبة.
كان تاليس على وشك الإجابة، لكنه لاحظ بسرعة بديهة أن وايا قد التقط سيفه، “الحارس”، خلسةً في وقت ما.
غريب…
ارتعش حاجب تاليس، فاستقام في جلسته دون اكتراث ظاهر، متحسسًا خنجر JC المربوط عند أسفل ظهره.
تردد صدى نبرة المعلّق المتعمدة الإطالة في أرجاء الساحة، وهو يطرح السؤال نفسه الذي طرحته هيلي:
“هل هذان الرفيقان ثنائي آخر من الفرسان المخلصين، تربطهما علاقة مؤثرة بين السيد وتابعه؟ أم أن الأمر لا يعدو كون أحد حراس العائلة أو مرتزقتها يقاتل بلا كلل من أجل سمعة سيده الشاب؟ أم أنها معركة متفق عليها مسبقًا، من النوع الذي يمقته المتفرجون مقتًا شديدًا، حيث يُمهّد أحد المتنافسين الطريق للآخر كي يضمن تأهله؟ أم… أنهما عاشقان آخران، وقعا في الحب من النظرة الأولى وسط ساحة المعركة، وأخذا يحمي أحدهما الآخر حتى الموت؟ أما الحقيقة، فلننتظر ونرَ!”
أثار هذا المشهد نقاشًا محتدمًا بين المتفرجين:
“ماذا؟ مرة أخرى؟ شخص آخر دفع المال ليشق طريقه إلى الأدوار المتقدمة؟”
“أي ابن عائلة ثرية جاء هذه المرة ليصقل سمعته؟!”
“مهلًا، هذا يُسمى ممارسة الحياة على أرض الواقع، واكتساب الخبرة، وإثراء السيرة الذاتية!”
“هل من المسموح اللعب بهذه الطريقة أيضًا؟”
“هذه منافسات فرق، ومن المفهوم ضمنًا أن استخدام الأساليب المختلفة مسموح. ما دمت قادرًا على الفوز، فلا يهم كيف تفعل ذلك!”
“إذًا، ما الفائدة من هذه المنافسة أصلًا؟!”
كان المحارب ذو الدرع الأسود والمبارز ذو الرداء الأبيض يتحركان كفريق واحد، أحدهما في المقدمة والآخر خلفه، أحدهما كثير الحركة والآخر هادئ الخطى. ولم يكن لهما منافس يُذكر. ومع احتدام المعارك حولهما، أخذ المتسابقون يشكلون دون أن يشعروا منطقة خالية من المقاتلين حولهما، وتحركت تلك المنطقة تدريجيًا مع خطوات المحارب الأسود.
“أوه! المتنافس بيشوف وشريكه يقطعان الطريق وسط الحشود، وقد شقّا طريقهما عبر الطوق المحيط بهما! تُرى، هل يحاولان الاستيلاء على موقع استراتيجي مناسب والقتال حتى النهاية؟ لقد قطعا شوطًا طويلًا!”
لكن في تلك اللحظة، تغير إيقاع تعليق المعلّق فجأة:
“مهلًا، إلى أين يتجهان…؟ لا، لا، لا! أيها المتنافس بيشوف! لا يمكنك تجاوز هذا الخط، هل تسمعني؟ هذه مخالفة للقواعد، وستُعاقب عليها، بل قد… عُد! عُد! هذا الاتجاه ليس جزءًا من ميدان المنافسة! لا يمكنك المجيء إلى هنا للقتال، ولا يمكنك المجيء إلى هنا لتجنب القتال! إذا كنت لا تريد القتال، فما عليك إلا الانسحاب والإقرار بالهزيمة… لقد اقتربتما بالفعل من منصة المعلّق، وهنا أسلاك مكبرات الصوت، وهي باهظة الثمن… مهلاً! أيها الحرس، أين الحرس؟ أعيدوهما إلى الخلف!”
انتشر صوت المعلّق المضخم في أرجاء الساحة، مستقطبًا انتباه الجمهور على الفور. نهض الجميع بفضول، والتفت تاليس والآخرون بدورهم إلى الأسفل، نحو منصة المعلّق.
اقترب عدد من الحرس من المحارب ذي الدرع الأسود، وأشهروا أسلحتهم، مطالبين إياه بالعودة.
لكن وميضًا من النصل لمع فجأة، فسقط الحارس المتقدم على رأس المجموعة أرضًا وهو يئن. ولم يكن الآخرون قد استوعبوا ما حدث بعد، أو حتى أتيحت لهم فرصة الرد، حتى أسقطهم المحارب ذو الدرع الأسود واحدًا تلو الآخر!
اتسعت عينا تاليس صدمةً، وانحنى زاين كوفيندير وهيلي إلى الأمام بصورة غريزية.
أما وايا، الواقف خلف تاليس، فابتلع ريقه بصعوبة.
وتحت أنظار الساحة بأكملها، واصل المبارز ذو الثياب البيضاء السير خلف المحارب ذي الدرع الأسود، من دون أن يشهر سيفه ولو مرة واحدة. ومع ذلك، بدت هيئته مسترخية وخطواته خفيفة.
كأنه يتجول في مملكته الخاصة.
“مخالفة! مهلاً! هذا تجمع اختيار القادة المقدس! لا يمكنكما فعل هذا! لا يمكنكما! لا يجوز لكما مهاجمة الحرس!”
على منصة المعلّق، أخذ مقدم الفعالية يلوّح بيديه في يأس، بينما انتشر صوته في أرجاء الساحة:
“إنهم ليسوا خصومكما! ستُستبعدان من المنافسة! حسنًا، وإذا سقط قتلى أو جرحى، فاستعدا للذهاب إلى السجن! لن ينفعكما منصب مهما علا شأنه!”
لكن المتنافسين الاثنين، أحدهما بالأسود والآخر بالأبيض، لم يلقيا بالًا لكلامه، وواصلا التقدم فحسب.
اندفعت فرق من الحرس من مختلف الممرات لتعزيز القوات، لكن منافسات الفرق كانت لا تزال جارية. وقد جعلت الفوضى العارمة في الميدان من المستحيل عليهم التجمع والدخول جميعًا دفعة واحدة لمعاقبة المخالفين. فلم يكن أمامهم سوى الوصول فرقةً تلو الأخرى، ليُسقطهم المحارب ذو الدرع الأسود واحدًا تلو الآخر.
وربما لأن كثيرًا من المتفرجين لم يسبق لهم أن شهدوا مشهدًا كهذا، فقد استبدت بهم الحماسة. نهضوا واحدًا تلو الآخر، وأخذوا يصيحون ويهتفون للثنائي الذي يتحدى القواعد.
“ما الذي يحدث؟” ضيّق تاليس عينيه.
“أهذا هو الشخص الذي تبحث عنه؟” انحنت هيلي إلى الأمام.
“لا أعرف بعد.” قال زاين، وعيناه تلمعان وهو يراقب منافسات الفرق التي تزداد فوضى، وذلك الثنائي الغريب من المتنافسين. “لكنني سأعرف… في زنزانة السجن.”
وفي تلك اللحظة، صعد الفارس سيشيل مسرعًا إلى منصة المشاهدة، وتقدم نحو زاين.
“سيدي الدوق! لقد عثرنا عليه!”
قطبت هيلي حاجبيها واستدارت نحوه.
“عثرتم على ماذا؟”
ألقى الفارس سيشيل نظرة حذرة على تاليس وهيلي، ثم سعل تحت أنظار زاين.
“سيدي، لقد أمرتني بمراقبة أي تحركات مريبة في الميدان، خارج نطاق دفاعاتنا…”
“ادخل في صلب الموضوع.” قال زاين باقتضاب، دون أن ينظر إليه حتى، الأمر الذي جعل سيشيل يرتجف.
“أجل، سيدي. يبدو أن المخالف الذي يرتدي الدرع الأسود هو المتأهل إلى ربع النهائي، المتنافس تيت بيشوف.”
ألقى سيشيل نظرة على المتنافسين ذوي الثياب السوداء والبيضاء في الجهة الأخرى من الساحة.
“لقد عثرنا عليه للتو داخل برميل خشبي. أو بالأحرى، عثرنا على الشخص الحقيقي؛ فقد كان فاقدًا للوعي، ومقيّدًا، ومحشورًا داخل البرميل.”
قطّب الثلاثة حواجبهم في اللحظة نفسها.
“لا عجب إذًا. إنه منتحل!” سخر زاين ببرود.
ضيّقت هيلي عينيها.
“إذًا، من المختبئ داخل ذلك الدرع الأسود؟”
“لا نعرف حتى الآن.” ظل سيشيل يحدق في المحارب ذي الدرع الأسود من بعيد. “لكن من الواضح أن مهاراته ليست بالضعيفة.”
وخلف تاليس، بدا وايا وكأنه يريد قول شيء، لكنه تردد.
في تلك الأثناء، توقف المحارب ذو الدرع الأسود في الميدان أسفل منصة المعلّق، ثم أدار رأسه ونظر إلى المبارز ذي الثياب البيضاء خلفه.
“اذهب يا سيشيل. لن ننتظر أكثر. حاصرهم فورًا، وحاول القبض عليهم أحياء. وإن قاوموا… همف.”
أصدر دوق الساحل الجنوبي أوامره إلى سيشيل.
“وإذا كان لهما شركاء، فمن المفترض أنهم لن يستطيعوا التزام الهدوء حتى الآن.”
أومأ سيشيل موافقًا.
“ما زلت لا أفهم.” قال تاليس بحيرة. “هذان الرجلان لم يقتربا من مقصورتنا، ولم يحاولا اغتيال أي شخصية مهمة أو اختطافها، بل إنهما لم يحاولا حتى الفوز بالمباراة. ومع ذلك، هاجما الحرس بهذا الاستعراض الصارخ… ما الذي يحاولان فعله؟ هل أدركا فشل خطتهما، فقررا شق طريقهما للخروج؟”
“لا أعرف.” هز زاين رأسه. “لكن وفقًا لخبرتي السابقة، مهما كان ما يخططان له، فلن يخرج الأمر عن القتل وإزهاق الأرواح.”
القتل وإزهاق الأرواح.
في تلك اللحظة، وبينما كان تاليس يراقب موقع المحارب ذي الدرع الأسود، تلألأت عيناه.
“القتل وإزهاق الأرواح… إن لم يقتلوا ولم يزهقوا الأرواح…” تمتم الأمير، “فلن يصغي إليهم أحد.”
“ماذا؟” سأل زاين.
لن يصغي إليهم أحد… يصغي إليهم…
وفي الثانية التالية، بعدما أدرك تاليس شيئًا ما، شحب وجهه من الصدمة ونهض بصورة غريزية!
وفي أثناء حديثهم، استدار سيشيل نحو الحرس أسفل مقصورة مشاهدة الدوق، وصاح آمرًا:
“فيلق اليشم! أخرجوا أسلحتكم!”
وششش!
ما إن صدر الأمر حتى أشهر الجنود المحيطون بمقصورة مشاهدة الدوق سيوفهم في وقت واحد!
كانوا مدربين تدريبًا جيدًا، وبدوا مهيبين إلى حد أن كثيرًا من المتفرجين في المقاعد المحيطة انتفضوا فزعًا.
“لوريان وسيلفا، خذا فرقتيكما إلى هناك وتعاملوا مع مخالفي القواعد…”
لكن في تلك اللحظة، هبّت عاصفة هواء مفاجئة، جعلت الجميع يلتفتون ويغمضون أعينهم بصورة غريزية!
فوووش، فووش—ششينغ!
وسط صفير الرياح، هبطت من السماء هيئة رشيقة، واستقرت بجوار تاليس وزاين، فيما لمع وميض نصل!
يا للهول!
تشوش بصر تاليس. ومدّ يده غريزيًا نحو خنجر JC عند أسفل ظهره، لكن أحدهم جذبه بعنف إلى الخلف.
وفي الثانية التالية، لمح وميضًا من النصل، ثم سُمع صيحة سيشيل الغاضبة، أعقبتها سلسلة من الصدامات المعدنية الحادة:
كلانغ! كلانغ!
سُحب تاليس إلى الخلف، وحاول جاهدًا أن يجد موطئ قدم ويحافظ على توازنه، لكنه شعر بعدة أشخاص آخرين يقفزون إلى منصة المشاهدة وينخرطون في قتال ضارٍ!
“مـ…”
“قتلة مأجورون!”
“احموا الدوق!”
“انتبه يا صاحب السمو!”
ما هذا بحق خالق الجحيم؟
أهؤلاء قتلة مأجورون حقًا؟
أيها العجوز، ألم تجد خطة أقل ابتذالًا من هذه؟!
(م.م: يقصد الملك)
وسط الفوضى، حاول تاليس التقاط أنفاسه، ولم يسمع سوى أصوات كثيرة من حوله تصيح:
“تماسكوا!”
“توقفوا!”
“اخرجوا من هنا!”
“سأغطي انسحابكم!”
“لا يُسمح لأحد بالمغادرة!”
“تراجعوا!”
“من يتقدم سيموت!”
وبعد ثوانٍ معدودة، خمدت أصوات القتال على منصة المشاهدة، وأخيرًا رُفع تاليس بذراعين، وتمكن بصعوبة من الوقوف بثبات.
“ما الذي يحدث؟”
لكن ما إن اتضحت له صورة الوضع على المنصة حتى تجمد في مكانه من جديد.
على منصة مشاهدة الدوق، وقف القائد سيشيل في مواجهتهم، ممسكًا بسيفه الطويل، وقد ارتسمت على وجهه علامات الصدمة والغضب. وخلفه كان زاين محاطًا بإحكام بحرس مدججين بالسلاح، وقد بدا عليه الغضب الشديد.
أما في الجهة الأخرى، فقد ظهر الفارس كاسيان على المنصة في وقت ما، متخذًا من جسده درعًا يحمي هيلي. وكانت الفتاة تقبض على ذراعه، وتحاول جاهدة أن تطل من خلفه، وهي تنظر إلى تاليس بدهشة.
“لماذا؟”
شق زاين طريقه عبر حرسه، وحدق في الأمير بعدم تصديق.
“لماذا؟”
“تاليس؟” تساءلت هيلي بحيرة.
“لماذا ماذا؟ وماذا عن القتلة المأجورين…؟” أجاب تاليس بصورة غريزية، لكنه تجمد بمجرد أن أدار رأسه.
ففي لحظة ما، كان ميراندا وجلوفر ودي.دي ورالف ومورغان وبول ونيس… قد ظهروا على المنصة، وهم أفراد حرس بحيرة النجوم المكلفون بالحماية اللصيقة. كانوا مصطفين جميعًا، أو بالأحرى معظمهم، وقد أشهروا أسلحتهم ووقفوا بحذر أمامه.
لقد أحاطوا به بإحكام في أحد أركان المنصة، ووقفوا في مواجهة فيلق اليشم المقابل لهم، والسيوف مشرعة من الجانبين، وقد اتضحت خطوط المواجهة تمامًا.
هاه؟
هذا يعني أن القتلة الذين ظهروا للتو كانوا…
“أنتم… أنتم؟” حدّق تاليس فيهم غير مصدق. “أنتم من فعل ذلك؟!”
انتفض أفراد حرس بحيرة النجوم جميعًا، وأخذوا يجيبون في وقت واحد:
“يا صاحب السمو، هل أنت بخير؟”
“لا تخف، سنحميك!”
“لا تتخلَّ عن حذرك!”
“أخرجوه من هنا أولًا!”
“إذا اندلع القتال لاحقًا…”
“هل الطريق الخلفي آمن؟”
“اهدؤوا!”
“كفى!!!”
زأر وايا، واضعًا حدًا لضجيج حرس بحيرة النجوم.
“اصمتوا جميعًا!”
عادت منصة المشاهدة إلى الصمت. وسرعان ما أخذ انتباه المتفرجين في الساحة ينتقل من مكان إلى آخر، من الأقرب إلى الأبعد، حتى التفتوا إلى الضجة التي اندلعت في مقصورة الدوق. وتوقفوا عن متابعة المتنافسين المخالفين للقواعد، ذوي الثياب السوداء والبيضاء، وأخذوا يتناقشون بشأن ما حدث مجددًا بين الدوق والأمير.
“ما الذي يجري هناك؟”
“الدوق والأمير… أيتقاتلان؟”
“مستحيل! الآن؟ وفي هذا المكان؟”
“من يدري؟ ألم يقتل الأمير اليوم أحد رجال شرطة الدوق…؟”
“هاه؟ لا، هذه مسألة عائلية بسيطة. أخ يتشاجر مع صهره حول أخته… صدقوني، نحن أبناء هانبول نعرف هذه الأمور جيدًا…”
“آه؟ إذًا ليس شجارًا حقيقيًا؟ تبًّا، وما الفائدة إذًا…”
“لا، لكن إن اندلع صراع حقيقي، فمن سنساعد؟ هل نتدخل لفض النزاع؟”
“هراء! نحن أجانب، فلنساعد أنفسنا!”
“ألم تروا ما حلّ بذاك كاناماني؟ لا تتدخلوا لفض شجار لا تضمنون القدرة على التعامل معه!”
حتى تعليق المعلّق، الذي كان يتردد في أرجاء المدرجات، تغير بدوره:
“أوه، ما بال الجمهور؟ من الذي سرق انتباههم منا؟ هل لم يعد مخالفو القواعد قادرين على جذب اهتمامهم؟ أوه، يبدو أن شيئًا ما قد حدث في مقصورة المشاهدة! أهي الغيرة؟ أم عرض زواج علني؟ دعونا نرَ… أوه، إنها مقصورة الدوق، هيهي. يبدو أن الدوق زاين والأمير تاليس يخوضان لعبة ما… آه، آه، حسنًا، لنعد بتركيزنا إلى الساحة، إلى المنافسة! انظروا، البطل باليغي يواجه دوسالان الشرسة! الأول يتحرك، والثانية تتحرك أيضًا، لكن لا أحد منهما يتسرع في الهجوم. همم، ما زالا يتحركان. إن تفاهمهما الضمني يخبرنا بأن السلام أثمن ما يكون حين يتواجه خصمان…”
(م.م: شكله المعلق نكب نفسه وما لقى شيء يغير بيه الموضوع هههههه)
حتى الحرس الذين كانوا قد انطلقوا في الأصل لفرض النظام ومعاقبة مخالفي القواعد، بدأوا يترددون: إلى أي جانب ينبغي لهم التوجه أولًا؟
دفع تاليس ذراعي دي.دي ونيس بعيدًا عنه، محاولًا استيعاب كل ما يجري أمامه.
“تاليس.” أخذ زاين نفسًا عميقًا، ونظر إلى الأمير الذي قد بدا عليه أنه لم يستعد هدوءه بعد. “ما معنى هذا؟ أم أن الأمر كما توقعت؟ أأنت الورقة الرابحة التي كانوا يخفونها؟”
“لا! أقسم أنني لا أعرف شيئًا!” رفع تاليس المرتبك يديه على عجل، محاولًا إثبات براءته.
لكن هيلي حدّقت في خنجر JC الذي يمسكه، وقد ارتسم الشك في عينيها. “أحقًا لا تعرف؟”
تفاجأ تاليس. “لا، ليس الأمر كذلك. لقد كان هذا مجرد تصرف غريزي!”
أسرع إلى إعادة خنجر JC إلى غمده، لكن الشقيقين كوفيندير ظلا ينظران إليه بريبة.
أغمض تاليس عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.
“وايا! ألم تقل إنهم ذهبوا للمراهنة؟”
ارتجف وايا، ورفع رأسه مرتجفًا.
“آه، أجل، لكنك ألم تقل إن المراهنة مجرد ذريعة؟ وإن لديهم… مهام أخرى؟” قال المرافق، وقد بلغ به الحرج ذروته.
“مهام أخرى؟”
ازداد ذهول تاليس.
“وما هي تلك المهام إذًا…؟”
لم يجرؤ وايا على مواصلة الإجابة، فاستدار ووبّخ رفاقه:
“لقد تحركتم جميعًا مبكرًا جدًا! ألم أقل لكم أن تنتظروا إشارتي؟”
“قلت الشيء نفسه.” تنهد بول. “بل إنني قلت إنه ينبغي لنا انتظار موافقة حامل الراية هوغو…”
“لكنهم… هؤلاء ذوو القبعات الخضراء أشهروا سيوفهم! لقد أشهروا سيوفهم! لقد أشهروا سيوفهم، يا رجل!”
حدّق دي.دي بقلق في جنود فيلق اليشم المحيطين بهم.
“انسَ أمر انتظار إجابة ذلك الشبح! لقد خشيتُ أنه لو انتظرت ثانية أخرى، فلن أبقى حيًا حتى تصل إشارتك!”
هاه؟
تجمد تاليس في مكانه.
“انتظار إشارة؟” ضيّقت هيلي عينيها.
“لا، أنا… لم تكن إشارتي أنا، بل كانت إشارته…” أخذ تاليس يلوّح بيديه على عجل.
“لكنّك قلت للتو إنك تثق به أكثر من أي شخص آخر؟” رمقته هيلي بنظرة حادة. “ألم تقصد وايا الحقيقي هذا؟”
“أنا…” عجز تاليس عن الرد للحظة.
“أنا آسفة يا صاحب السمو، ذلك الفارس كان قويًا للغاية.” صرت ميراندا على أسنانها، وهي تمسك بذراعها، والدماء تقطر من بين أصابعها. “لم أتمكن من الإمساك بالدوق.”
“الخطأ خطئي.” تأوه جلوفر. “كان ينبغي لي أن أوقفه… تبًّا، لو لم أكن مصابًا…”
“لم يكن ذلك لينجح أيضًا.” هز بول رأسه وتنهد. “لقد قلت لكم، كان ينبغي لنا استخدام الأقواس والسهام.”
وبسماع هذه المحادثة، ازدادت نظرات الشقيقين كوفيندير إلى تاليس نفورًا وارتيابًا.
أما القائد سيشيل، الواقف في الجهة المقابلة، فأطلق شخيرًا ساخرًا.
“أنا…” شعر تاليس بأنه لن يتمكن من تبرئة نفسه مهما قال.
“لا أفهم شيئًا.” كتم زاين غضبه. “هل يستطيع أحد أن يشرح لي ما يحدث؟”
تبادل الموجودون على الجانبين النظرات، وظلوا يحدقون بعضهم في بعض بنية قتل واضحة، سواء بنظراتهم أو برؤوس سيوفهم.
“أجل، سيدي.” والمفاجئ أن من تولى الكلام كان القائد سيشيل. “وفقًا لأوامرك، كنت مسؤولًا عن مراقبة الوضع في الميدان، والترصد لأي نشاط مريب. وللأسف، فقد تمكنت أخيرًا من تحديد المجموعة التي كانت تتحرك على نحو غير مألوف، وتتبع مسارات أكثر إثارة للريبة، وتمتلك القوة الأكثر تهديدًا. واتضح أنها هذه المجموعة بالذات… حرس الأمير.”
نظر إلى جلوفر والآخرين، وأطلق شخيرًا ساخرًا.
“همف، كنت أعلم ذلك. هذه المجموعة التي ظلت متجمعة تتآمر طوال هذا الوقت… لا بد أن وراءها أمرًا مريبًا.”
صُدم تاليس.
“أنا…”
لكن قبل أن يتمكن من الكلام، جذبه وايا إلى الخلف.
“أعتذر يا صاحب السمو، لقد كان الموقف طارئًا، ولم يكن أمامنا خيار سوى اللجوء إلى هذا الأسلوب.” خفض وايا صوته، وهمس في أذن تاليس. “لكن في هذه اللحظة تحديدًا، من المرجح جدًا أن لوسون الثاني مختبئ وسط الحشود المضطربة في الأسفل، منتظرًا الفرصة المناسبة للهجوم.”
صُدم تاليس.
“ماذا؟ هو؟ لكن أليس…؟”
“أجل، لا يزال حيًا.” قال دي.دي بوجه متجهم. “صدقني يا صاحب السمو، لم أكن أرغب في هذا أيضًا.”
وفي الجهة الأخرى، واصل سيشيل تقريره بصوت مرتفع:
“قبل قليل، استخدم فتى طليق اللسان أسماءنا لترتيب لقاء بيني وبين كاسيان…”
“لكننا أدركنا، عندما وصلنا إلى المكان، أنه كان مجرد إلهاء.” تنهد كاسيان.
استدار أفراد حرس بحيرة النجوم جميعًا، وحدقوا في دويل بانزعاج.
“لقد… عندما التقيا قبل قليل، بدا الأمر وكأن بينهما ثأرًا قديمًا.” شعر دويل بشيء من الحرج تحت أنظارهم. “أنا فقط… كان عليّ أن أحاول، أليس كذلك؟”
ازداد العبوس على وجه زاين.
“سيدي الدوق، وفقًا لملاحظاتي، فمنذ اللحظة التي بدأ فيها تجمع اختيار القادة…” حدّق سيشيل فيهم باستياء متزايد، “وهؤلاء الأشقياء ينظمون تحركاتهم، ويتجسسون لجمع المعلومات، ويعقدون اللقاءات ذهابًا وإيابًا، وكل من تواصلوا معه كان شخصًا ذا شأن…”
تبادل أفراد حرس بحيرة النجوم النظرات، وقطبوا حواجبهم في وقت واحد.
“كنا نجمع المعلومات الاستخباراتية يا صاحب السمو، واكتشفنا بالمصادفة حقائق مرعبة.” همس وايا لتاليس. “الضحايا الذين سقطوا في الأيام الأخيرة، بمن فيهم سليماني يا صاحب السمو، أُسكتوا جميعًا للسبب نفسه: التستر على سر… سر الطريقة التي وصل بها الدوق زاين إلى السلطة.”
حقائق؟ سر؟ الوصول إلى السلطة؟
تلألأت عينا تاليس. ونظر إلى زاين بعينين يملؤهما الشك.
ما الذي يخفيه عني هذا الرجل أيضًا؟