الفصل 540 - هو زي، لا تبكي...
دعم الرواية لزيادة التنزيل الفصول :
أنواع تبرعات المتوفرة
إمايلك لتواصل معك (ليس ضروي)
الفصل 540: هو زي، لا تبكي…
لم يعد هو زي يشرب الخمر. فعلى مر السنين، أصبح يرفض الشرب، لأنه كان يخشى أن يسكر. فبمجرد أن يسكر، سيتذكر سيده، وأخاه الأكبر الأول، وأخاه الأكبر الثاني، وأخاه الأصغر.
كان هذا الحنين عذابًا خالصًا وبسيطًا بالنسبة إليه. كان يجعله يستيقظ من نومه والدموع في عينيه، ويغرقه في الوحدة بينما ينظر إلى الظلام المحيط به ويتذكر مدى وحدته وعجزه عن معرفة ما ينبغي عليه فعله.
أصبح نادرًا ما ينام الآن، وكان يفضل ألا يحلم أصلًا، لأنه كان يخشى أن يغرق في سعادة الماضي ويرفض الاستيقاظ. ولو عجز حقًا عن الاستيقاظ، فقد تقع القمة التاسعة في مأزق.
لم يعد يتلصص على الآخرين أيضًا، لأنه كبر بالفعل، ولم تعد لديه القوة للقيام بمثل هذه الأمور… إذ لم يعد هناك أي شخص آخر في هذه المنطقة سواه. وإذا كان هناك أحد، فلن يكون سوى بوابة السماء المختبئة في السماء.
كان ذلك مكانًا يكرهه بكل ما أوتي من قوة. ولم يكن لينسى أبدًا كيف تخلت بوابة السماء عن السهول الجليدية العظيمة عندما حلت بهم الكارثة، وأجبر عددًا لا يُحصى من التلاميذ في الجبال على الرحيل. تُركوا ليتجولوا دون مكان يعتبرونه منزلًا، ولم تكن لديه أدنى فكرة عما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة أم أنهم ماتوا.
اضطر إلى مشاهدة الجبال وهي تنهار، ومشاهدة بوابة السماء وهي تهبط عليها وتخضع جميع فصائل القوى الموجودة على الأرض لسلطتها، ومشاهدة القمة التاسعة وهي تغرق ببطء مع ذوبان النهر الجليدي. ولم يكن لينسى أبدًا اليوم الذي غمر فيه الماء مكان عزلة أخيه الأكبر الأول. لقد انهمرت الدموع من عينيه حينها، لكنه لم يستطع سوى التراجع، ولم يكن أمامه سوى مواصلة الابتعاد حتى اختفى مسكن كهفه، وحتى غمر الماء مسكن أخيه الأصغر أيضًا. وفي تلك اللحظة، بكى مجددًا.
لم يستطع إيقاف أي من ذلك. لم يكن بوسعه سوى مواصلة التراجع، ومشاهدة المياه وهي تغمر حتى منزل أخيه الأكبر الثاني، والنباتات والزهور وهي تموت، إلى أن لم يتبقى من القمة التاسعة بأكملها سوى ألف قدم.
بقي الجبل وحيدًا، ومعه شخص وحيد. كافح لسنوات، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن المدة التي سيضطر إلى مواصلة الكفاح فيها. وربما… لن يتمكن من الصمود طويلًا بعد الآن.
جلس هو زي على الجبل والدموع تنهمر من عينيه. نظر إلى العالم البعيد، ثم إلى مياه البحر المتلألئة، فازدادت دموعه انهمارًا. كانت تلك الدموع تحمل ألمه وغضبه، والأهم من ذلك، شوقه وحنينه.
كان يعلم أنه لولا مشاعر باي سو الخاصة تجاه القمة التاسعة وحبها لأخيه الأصغر المفقود، لكان وضعه أسوأ بكثير.
وكان يعلم أيضًا أن نفوذ باي سو داخل بوابة السماء محدود للغاية. وحتى لو كان والدها يتمتع بنفوذ كبير داخل بوابة السماء في الماضي، فإن ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية تسبب في إصابته بجروح بالغة، مما أدى إلى تراجع قوته ونفوذه بشكل كبير أيضًا.
لم يكن هو زي لينسى ذلك المشهد أبدًا. وكان مرتبطًا إلى حد كبير بشخص يُدعى سي ما شين، الذي خرج من كهف السماء المتجمدة عندما تحول النهر الجليدي إلى محيط. كان ذلك أمرًا لم يتوقعه أحد، حتى والد باي سو نفسه!
أصبح سي ما شين قويًا للغاية عندما خرج من النهر الجليدي، ومنذ ذلك الحين، أصبح أحد المحاربين الأقوياء داخل بوابة السماء. وكان وجوده أيضًا السبب وراء وقوع القمة التاسعة في هذا الوضع الصعب.
وبينما كان هو زي يبكي، لمس ظهره وبدأ يتمتم بصوت لم يكن ليسمعه سواه.
“سيدي، لقد بلغت حدود احتمالي… ذهب الأخ الأكبر الأول والأخ الأكبر الثاني إلى الأراضي القاحلة الشرقية… أيها الأخ الأصغر، أين أنت…؟ هل تعلم؟ منزلنا على وشك الاختفاء… هل ما زلت تتذكر مبادئ القمة التاسعة…؟”
اقتلوا كل من ألحق الضرر بنبتة واحدة من القمة التاسعة.
اقتلوا كل من ألحق الضرر بأحد أتباع القمة التاسعة.
اقتلوا جميع البيرسيركر المنتمين إلى قبيلة الشخص الذي ألحق الضرر بأحد تلاميذ القمة التاسعة.”
وبينما كان يتحدث، انهمرت المزيد من الدموع من عينيه، وانقبض قلبه من شدة الألم.
“هذه هي مبادئ القمة التاسعة… لكن قمتنا لم تعد موجودة، أليس كذلك…؟ فهل ما زلنا نُعتبر جزءًا منها أصلًا…؟”
واصل هو زي البكاء. وفي ذلك الجبل الوحيد، تردد نحيب رجل في الهواء.
لا يبكي الرجال بسهولة، لأن أصوات بكائهم تبدو مؤلمة للآذان، ولأن نشيجهم يرمز إلى الضعف، لكن… عندما يبلغون حدود احتمالهم، يصبح بكاؤهم مفعمًا بيأسهم من الحياة.
ولا يعود ذلك النحيب المفعم باليأس مزعجًا، بل يصبح مفعمًا بالحزن…
ظل هو زي يبكي بصمت، إلى أن صدر من خلفه تنهد، أعقبه صوت لطيف ومألوف.
“هو زي، لا تبكي…”
وبينما كان ذلك الصوت يتحدث، استقرت يد على كتف هو زي. جعلته تلك اليد التي مثلت الدفء ينتفض إلى الأمام، وعندما أدار رأسه بينما كانت جسده يرتجف، رأى وجهًا لم يكن موجودًا منذ زمن طويل إلا في ذكرياته.
“الأخ… الأصغر…”
نظر هو زي إلى سو مينغ بتعبير مذهول، وأصبح ذهنه فارغًا. لم يستطع التمييز إن كان ما يراه حقيقة أم مجرد صورة من نسج خياله. وبينما كان يرتجف، رفع يده ببطء ووضع كفه فوق اليد التي وضعها سو مينغ على كتفه، ثم أمسك بها بقوة. وعندما تأكد من أن اليد موجودة حقًا، بدأ هو زي فجأة يصرخ في وجه سو مينغ.
“هل عدت الآن فقط؟!”
“لم يتبقى من القمة التاسعة سوى القمة نفسها، هل تعلم ذلك؟! ذهب الأخ الأكبر الأول للبحث عن السيد في الأراضي القاحلة الشرقية لأننا لم نكن نعرف ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة! وبينما كنا ننتظر بقلق، رحل الأخ الأكبر الثاني إلى الأراضي القاحلة الشرقية لأنه كان قلقًا!”
“أردت الذهاب أنا أيضًا، لكنه لم يسمح لي بذلك. طلب مني حماية القمة التاسعة! طلب مني البقاء هنا وانتظارك حتى تعرف أن القمة التاسعة لا تزال موجودة، وأن منزلنا لا يزال قائمًا!”
وبينما كان هو زي يصرخ، انهمرت الدموع من عينيه.
“لقد مرت عشرون عامًا! عشرون عامًا! لقد كنت مفقودًا طوال عشرين عامًا، وعدت الآن فقط؟! هل ما زلت تتذكر أن القمة التاسعة هي منزلك؟! هل لديك أدنى فكرة عن عدد المرات التي تنهد فيها السيد ونظر نحو أرض الشامان؟! هل لديك أدنى فكرة عن مدى الإحباط الذي كان يبدو عليه كلما فعل ذلك؟!”
“هل تعرف لماذا خرج الأخ الأكبر الأول من عزلته مبكرًا وذهب إلى أرض الشامان؟! لم يذهب من أجل الشامان، بل ذهب للبحث عنك!”
“هل كنت تعرف كل هذا؟! هل كنت؟!”
“هل تعلم أن الأخ الأكبر الثاني اعتنى بمسكن كهفك وأعاد ترتيبه بحيث يبدو وكأنك لم ترحل قط؟! لا تزال النباتات والأعشاب التي زرعها على منصتك موجودة. في ذلك الوقت، عندما زرع تلك الزهور، التفت إليّ مبتسمًا وقال إن هذه الزهور ستحميك حتى تتمكن من التدرب براحة على تلك المنصة!”
“لأنه كان يعلم أنك تحب الجلوس هناك وممارسة تنفسك! هل كنت تعرف كل هذا؟!”
نهض هو زي في حالة من الانفعال، وبدأ يصرخ في وجه سو مينغ دون توقف، تمامًا مثل رجل كتم أعباءه طويلًا، ثم انفجر بكل ما في داخله عندما رأى عائلته أخيرًا.
ظل سو مينغ صامتًا، وقد غطى الحزن وجهه. نظر إلى هو زي، واستمع بصمت إلى صرخاته الغاضبة، وظل يستمع حتى تقدم هو زي، في مرحلة ما من صراخه، وعانقه.
“أيها الأخ الأصغر، لقد اشتقت إليك… لقد اشتاق إليك الأخ الأكبر الأول أيضًا، وكذلك الأخ الأكبر الثاني. لقد بدا السيد أكبر سنًا بكثير قبل رحيله، أتعلم؟ أنا أعلم أنه ذهب إلى أرض الشامان بحثًا عنك…”
“لكنه لم يتمكن من العثور عليك. أيها الأخ الأصغر الأخير، أين ذهبت ماذا بحقك؟ لماذا لم تعد سوى الآن فقط…؟”
بكى هو زي بينما كان يعانق سو مينغ. وأصبح صوته أكثر خفوتًا مع كل كلمة، حتى لم يبقى في النهاية سوى جملة واحدة تتردد في الهواء.
“كيف أمكنك أن تعود الآن فقط…؟”
“أخي الأكبر الثالث، لقد عدت…”
عانق سو مينغ هو زي وتحدث بصوت خافت. وانهمرت الدموع من عينيه هو أيضًا.
أخذ صوت هو زي يضعف مع مرور كل لحظة، وفي النهاية، تراخى جسده بأكمله واستند إلى سو مينغ. لقد كان مرهقًا للغاية، جسديًا وذهنيًا. فقد ظل يحمي القمة التاسعة وحده طوال هذه السنوات، دون نوم أو شرب، متحملًا وحدته في صمت وهدوء. وفي هذه اللحظة، ما إن رأى سو مينغ حتى استرخى. وهكذا، أغمض عينيه وهو بين ذراعيه، وبدأت تدريجيًا تتردد في الهواء أصوات شخيره المألوف لسو مينغ.
حمله سو مينغ بين ذراعيه، وحتى عندما أصبح شخير أخيه الأكبر عاليًا إلى درجة أنه بدا كهدير الرعد، لم تظهر على وجه سو مينغ أي علامة على نفاد الصبر. بل ارتسمت ابتسامة على شفتيه. كان هذا أخاه الأكبر، الأخ الذي كان مستعدًا لفعل أي شيء من أجل سو مينغ دون أن يكترث لسلامته، والأخ الذي كان سو مينغ مستعدًا للتضحية بكل شيء من أجله!
كان بسيطًا بعض الشيء، لكنه لم يكن أحمق. وكانت لديه بعض الهوايات الفريدة، لكنه كان شخصًا صادقًا. وكان سيئ المزاج، لكنه كان شخصًا يقف أمام أخيه الأصغر ليدافع عنه!
لأنه كان يؤمن دائمًا بأنه الأخ الأكبر، وأن عليه حماية أخيه الأصغر!
وبالمثل، كان يقف خلف أخيه الأكبر الثاني أيضًا، لأنه كان يؤمن بأن أخاه الأكبر الثاني سيفعل الشيء نفسه ويدافع عنه، وكان ذلك هو الواقع بالفعل. هذا… هو ما كانت عليه القمة التاسعة.
“أخي الأكبر، لقد عدت… لم تعد مضطرًا إلى حماية القمة التاسعة وحدك. سأجعل جميع من يضمرون الشر للقمة التاسعة ينشغلون بحماية أنفسهم من الآن فصاعدًا!”
ظهرت لمحة من نية القتل في عيني سو مينغ، وكانت تلك النية أقوى بكثير مما كانت عليه عندما كان في جزيرة تطهير الغربال!
ففي نهاية المطاف، كان قد فعل كل شيء في جزيرة تطهير الغربال من أجل شخص آخر، أما هنا، فكان يفعل ذلك من أجل سيده، وإخوته الأكبر، ومن أجل منزله هو!
“سأجعل الجميع يعرفون مبادئ القمة التاسعة.”
قال سو مينغ ذلك بهدوء، ثم حمل هو زي وعاد به إلى مسكن الكهف الخاص بسيدهما. وضع أخاه الأكبر على الأرض، ورفع يده اليمنى وأشار إلى منتصف حاجبيه، باعثًا موجة دافئة من الهالة إلى جسده. وكانت تلك الهالة ستغذيه وتساعده على التخلص من الإرهاق الذي تراكم عليه طوال هذه السنوات.
لقد كان مرهقًا للغاية. ولم ينم بهذه الطريقة منذ زمن طويل جدًا. وفي تلك اللحظة، بينما كانت الأحلام تزوره أثناء نومه، بدأ لعابه يسيل من زاوية فمه. بل ارتسمت ابتسامة على وجهه أيضًا، وبدا كما لو أنه صادف شيئًا سعيدًا في أحلامه.
نظر سو مينغ إلى هو زي بهدوء، وإلى علامات التقدم في العمر على وجهه، فظهرت أمام عينيه صورته الصادقة التي احتفظت بها ذكرياته، إلى جانب صورة ذلك الشخص نفسه وهو يصطحبه للتلصص على أخيهما الأكبر الثاني، بينما كانا يختبئان خلف صخرة كبيرة.
“لست أتفاخر هنا أيها الأخ الأصغر، لكن إذا تحدثنا عن الذكاء، فهل يوجد شخص آخر على هذا الجبل أذكى مني؟ لا أحد!”
ظهرت في ذهن سو مينغ الكلمات التي قالها هو زي في الماضي، والتعبير المغرور الذي كان يعلو وجهه عندما يقولها.
“دعني أخبرك، الأخ الأكبر الأول دائمًا في عزلة… أما أخونا الأكبر الثاني فهو الأكثر إثارة للاهتمام بيننا. إنه يظن دائمًا أن أحدهم يسرق نباتاته…”
“التزم الصمت. لا تُصدر أي صوت. سأصطحبك إلى القمة السابعة الليلة. سنذهب لرؤية أولئك الفتيات اليوم. دعني أخبرك أيها الأخ الأصغر، عليك أن تكون ذكيًا. عندما أطلب منك الهرب، عليك أن تنطلق بسرعة!”
“اللعنة عليكم جميعًا، كيف تجرؤون على التنمر على أخي الأصغر؟! سأُدخلكم جميعًا في أحلامي!”
“أيها الأخ الأصغر، انظر، بسرعة! السيد يرتدي ملابس مزينة بالزهور اليوم…”
نظر سو مينغ إلى هو زي، وظهرت الذكريات في ذهنه. وفي تلك اللحظة، انقلب هو زي على جانبه، كما لو أنه ظن أن النوم على بطنه سيكون أكثر راحة. وما إن غيّر وضعيته حتى اتجهت نظرة سو مينغ مباشرة إلى ظهره، فرأى بقعًا من الدم الجاف على الرداء الذي يغطيه.
اقترب منه ورفع الرداء الذي يغطي ظهره. وعندها رأى على ظهر هو زي جروحًا كان لحمها مفتوحًا ومتقلبًا إلى الخارج. تلك… كانت جروحًا خلفها الجلد بالسياط!
كانت الجروح متقاربة بعضها من بعض. وقد التأم بعضها مكونًا قشورًا، لكن عددًا أكبر منها تحول بالفعل إلى ندوب بنية اللون. وما إن رأى سو مينغ كل تلك الجروح حتى أصبح مسكن الكهف باردًا على الفور، وظهرت في عينيه نية قتل باردة لا يمكن وصفها!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
*****
تبًا… إنه الغبار مجددًا…