الفصل 437
437: عن أمي… [3]
”شكراً لك.“
أجابت أماندا بابتسامة ناعمة وهي تسمع كلمات رين.
كانت متعبة للغاية بعد خروجها مباشرة من مباراتها، إلا أنها عندما تذكرت وضع والدتها، تخلت سريعاً عن كل تعبها واختارت زيارة رين.
وبصرف النظر عن رغبتها في التأكد من أنه بخير، أرادت أيضاً أن ترى إن كان بإمكانه مساعدتها.
كانت أماندا تدرك وضعها جيداً.
كانت تعرف أن وضع والدتها خطير، كما كانت تعرف أنه إذا لم تفعل شيئاً، فلن تحل المشكلة من تلقاء نفسها.
وبدلاً من الاحتفاظ بالمشكلة لنفسها، قررت أن تبادر إلى طلب المساعدة، وكان أول شخص خطر ببالها هو رين.
لقد فكرت أيضاً في طلب المساعدة من كيفن، لكنها شعرت براحة أكبر في سؤال رين أولاً.
فعلى الرغم من أنها كانت تشعر بالراحة مع كيفن، إلا أنها كانت تشعر بطمأنينة أكبر عندما تكون برفقة رين.
علاوة على ذلك، ومن خلال حديثها معه، عرفت أماندا أنه عاد للتو من نطاق الأقزام، وكانت تعرف أيضاً أن علاقته بهم جيدة، ولذلك، وبعد أن فكرت في الأمر ملياً، قررت أن تسأله إن كان لديه طريقة لحل لعنة كاسر العقل.
كانت آمالها ضئيلة، لكن رغم ذلك، لن يضرها أن تسأل.
جلست، واضعة كلتا يديها فوق حجرها، وألقت نظرة جيدة على المكان، قبل أن تتوقف عيناها فجأة على قطة سوداء صغيرة تجلس عند حافة النافذة.
”بودينغ؟“
نادتها بدهشة. وفجأة تدفقت موجة من الذكريات في رأسها، بينما ازداد الذهول في عينيها.
«كيف هي هنا؟» فكرت في البداية، لكن بعد ذلك، وبينما كانت تحدق في فرائها الوثير، تحركت يدها اليمنى على الفور، إذ راودتها رغبة مفاجئة في مداعبتها.
لكن في اللحظة التي تلاشت فيها كلمات أماندا، اهتز جسد بودينغ فجأة، فتجمدت الغرفة لثانية، قبل أن تظهر ابتسامة متكلفة على وجه رين.
حك رين مؤخرة رأسه، وأطلق ضحكة متكلفة قبل أن يحزحز جسده مبتعداً عن بودينغ:
”هاها، نعم، إنها بودينغ.“
أدار رأسه لينظر بعيداً عنها.
مالت أماندا برأسها عندما رأت ذلك، لكنها تذكرت غرض زيارتها، فتوقفت عن الاهتمام ببودينغ وتنحنحت:
”أحم… أحم…“
رن سعالها الخفيف في أنحاء الغرفة، جاذباً انتباه رين. وعندما شعر بالتغير في مزاج أماندا، اعتدل في جلسته:
”ما الأمر؟“
أزاحت أماندا شعرها خلف أذنها وقالت بهدوء:
”…هل تتذكر الحديث الذي كنا نجريه عند مقاعد المشاهدين في البطولة؟“
”مقاعد البطولة؟“
وضع يده على ذقنه، وظهرت على وجهه نظرة مفكرة بينما بذل قصارى جهده لاستعادة الحديث السابق الذي دار بينه وبينها.
وبينما كان يفكر، أخذت أماندا، الجالسة في مكانها، تتأمله جيداً.
«لقد تغير.»
فكرت. لم تكن أماندا من النوع الذي يهتم بمظهر شخص ما، لكن إن كان عليها أن تقول شيئاً، فهو أن رين الحالي كان أكثر وسامة بكثير مما كان عليه في الماضي.
فلم تكن ملامح وجهه أكثر حدة ونحتاً فحسب، بل كان جسده كذلك، بعدما كان نحيلاً جداً في السابق.
ومن دون أن تدرك، شعرت بجانبي وجنتيها بالحرارة، ما أجبرها على إدارة رأسها إلى الجانب.
ولحسن الحظ، لم يدم الإحراج طويلاً، إذ دوى صوت رين المرتفع في كل ركن من أركان الغرفة:
”آه! لقد ذكرتِ شيئاً عن والدتكِ!“
سرعان ما أصبح وجهه جاداً.
استعادت أماندا رباطة جأشها وأومأت برأسها:
”نعم.“
”…هل حدث لها شيء؟“
تابع رين سؤاله، قبل أن يرفع رأسه وينظر بحذر حول المكان:
”قلتِ إنها هنا، لكنني لا أراها في أي مكان.“
فاجأ تصرف رين المفاجئ أماندا، فلم تستطع منع نفسها من الابتسام أمام تصرفاته. كانت الطريقة التي يحرك بها رأسه بحثاً عن والدتها مضحكة. ففي النهاية، لم يكن هناك أحد آخر في الغرفة سواها.
كان يبالغ في رد فعله بوضوح من دون سبب. لكنها كانت تشعر بالراحة معه بسبب أشياء كهذه.
لكن ابتسامتها لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اختفت الابتسامة من وجهها وتجهم وجهها.
”…إنها مريضة.“
قالت أماندا في النهاية، وتوقف رين أخيراً عن التحرك. وبعد ذلك، ومض القلق والدهشة في عينيه.
مال إلى الأمام وسأل:
”…إن لم يكن لديكِ مانع، فما الذي حدث لها؟“
أومأت أماندا برأسها. كانت قد هيأت نفسها بالفعل لإخباره بكل ما حدث.
ضغطت شفتها السفلى، وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تبدأ في سرد كل ما حدث منذ وقت ليس ببعيد مع ملكة الإلف.
منذ أن أحضرتها إلى هذا المكان الغريب، إلى أن أخبرتها عن وضع والدتها، وكيف أنقذت حياة الملكة. وبينما كانت تتحدث، حرصت على ألا تفوت أي تفصيل واحد:
”…بعد أن وصلت إلى المكان، رأيت والدتي تستريح داخل كبسولة كبيرة. وعلى الرغم من أنها لم تكن تبدو تماماً كما أتذكرها، إلا أنني استطعت أن أدرك أنها والدتي…“
ومع كل كلمة نطقت بها أماندا، بدأ الثقل في صدرها يتلاشى ببطء، وأصبحت كلماتها أكثر وضوحاً.
كان الأمر أشبه برفع عبء ثقيل عن كاهلها، ما جعلها تتحدث بهدوء أكبر:
”…قالت الملكة إن والدتي تخضع حالياً تحت تأثير لعنة كاسر العقل، وإن لم يُفعل شيء، فستظل عالقة داخل الكبسولة إلى الأبد، من دون أي أمل في أن تستيقظ مجدداً.“
ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تنتهي أخيراً من سرد كل شيء. وبخفض رأسها، كانت تحمل تعبيراً مريراً على وجهها.
قبضت يدها، وتمتمت بهدوء:
”أعرف أنك على الأرجح لا تعرف شيئاً عن وضعي الحالي، وأنني ربما أضيف إلى أعبائك، لكنني سعيدة لأنك استمعت إلى ما كان لدي لأقوله.“
سرعان ما ظهرت ابتسامة مريرة وحزينة على وجهها.
بالنسبة إليها، بدا الأمر أشبه بجلسة لتفريغ ما بداخلها. فمنذ البداية، لم تضع أملاً كبيراً في أن يتمكن رين من إيجاد حل لمشكلتها، لكنها مع ذلك أرادت منه على الأقل أن يعرف وضعها الحالي.
رفعت رأسها واستعدت للمغادرة، لكن جسدها تجمد فجأة عندما رأت وجه رين.
”هذا…“
كنت أحدق في أماندا التي كانت تنظر إليّ، وبقيت عاجزاً عن الكلام للحظات.
عندما استعدت الكلمات التي قالتها لي وهي تسرد الأحداث التي أدت إلى اكتشافها أن والدتها على قيد الحياة، لم أستطع حقاً منع نفسي من الشعور بالصدمة في داخلي.
«كانت هناك قصة كهذه؟»
كانت هذه أول فكرة خطرت ببالي. والأكثر إثارة للصدمة من ذلك هو أنني لم أكن أعرف بأمر مهم كهذا.
وخاصة إذا كان الأمر متعلقاً بأماندا، إحدى الشخصيات الرئيسية في القصة. «هل تعمد الكيان استبعاد هذا؟» فكرت في نفسي وأنا أحاول أن أفهم الوضع.
رغم أن ذلك كان احتمالاً بعيد المنال، إلا أنني كنت أعلم أنني بحاجة إلى أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار. ومهما كان الاحتمال بعيداً، فإن إمكانية أن يرتد ذلك عليّ في المستقبل لم تكن مستحيلة.
لكن في تلك اللحظة، تذكرت فجأة شيئاً مهماً. ركزت انتباهي مجدداً على أماندا، التي بدت في حالة إحباط شديدة، وقلت بهدوء:
”…في الواقع، أعرف طريقة لعلاج لعنة والدتكِ.“
”ماذا؟“
استغرق الأمر لحظة حتى تستوعب أماندا كلامي، لكن ما إن أدركت معنى تلك الكلمات حتى وقفت مصدومة ونظرت إليّ بعينين تملؤهما الصدمة والدهشة:
”حقاً؟“
سألت بصوت مليء بالأمل. أومأت برأسي:
”نعم، أعرف.“
لعنة كاسر العقل. عندما تذكرت الماضي، حين ذهبت إلى إيمورا مع كيفن لجمع العلاج، لم أكن لأتخيل أبداً أنني سأضطر إلى استخدامه مجدداً.
«في الواقع، الآن بعدما فكرت في الأمر، ألم يكن هناك شخص من المفترض أن تتم معالجته بواسطة الثمار؟»
كان السبب الكامل وراء ذهاب كيفن إلى إيمورا هو جمع ثمار زورين من أجل علاج شخص مصاب بلعنة كاسر العقل. هل كان ذلك الشخص والدة أماندا؟… إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم أكن أعرف شيئاً عن هذا؟
وعلاوة على ذلك، إذا جمعت كل شيء معاً، فقد ذهب كيفن إلى إيمورا عندما كان في الرتبة <B>، وكان التوقيت يتطابق تماماً مع التوقيت الحالي… هل كنت أفتقد شيئاً؟
كلما فكرت في الأمر، ازداد ارتباكي. هل تم حذف تلك المعلومات عمداً؟… لم أكن أعرف حقاً، ولم أكن سعيداً بهذا الأمر.
ومع ذلك، ورغم أنني أردت التفكير في الأمر أكثر، عندما نظرت إلى أماندا التي بدت وكأنها تنظر إليّ بعينين مملوءتين بالأمل، ابتسمت لها:
”لا داعي للقلق كثيراً بشأن وضع والدتكِ. لدي علاج لها.“
بدأ كتفا أماندا بالارتجاف فجأة عند سماع كلماتي، لكن قبل أن أتمكن من قول أي شيء آخر، أغلقت عينيها بسرعة وهدأت نفسها. وبعد وقت قصير، فتحت عينيها مجدداً، وظهرت نظرة هادئة على وجهها. واتضح لي أنها لم تكن تريد السماح لمشاعرها بالسيطرة على عقلانيتها.
ظهرت ابتسامة على وجهي عندما رأيت ذلك. كانت فتاة قوية، وهذا تحديداً ما جعلني أقدرها إلى حد كبير.
”شكراً لك.“
همست بهدوء قبل أن تجلس مجدداً على كرسيها. كان في صوتها مزيج من الارتياح والامتنان، وحتى شيء آخر لم أستطع فهمه تماماً.
”خذي.“
أخرجت بطاقة صغيرة من مساحتي البعدية، وألقيتها نحو أماندا، التي أمسكت بها بيد واحدة.
خفضت رأسها ونظرت إلى البطاقة بتعبير مرتبك على وجهها:
”ما هذه؟“
”هذه مفاتيح غرفتي.“ أجبت بهدوء. ”إذا ذهبتِ إلى غرفتي، يفترض أن يكون هناك خزنة بجوار الغرفة. رمز الدخول هو [887930]، وهناك يفترض أن تجدي سواري البعدي. توجد بداخله الثمرة التي يمكنها علاج والدتكِ من اللعنة.“
نظراً لأن لدي مباراة مهمة جداً، وخوفاً من أن تتحطم مساحتي البعدية أثناء القتال، قررت تخزين جميع أغراضي المهمة داخل مساحة بعدية أخرى قبل وضعها داخل خزنة. وكان الكتاب الأحمر مخزناً أيضاً داخل الخزنة.
كنت سأذهب بدلاً منها، لكنني في الوقت الحالي لم أكن حقاً في حالة تسمح لي بالذهاب، لذلك لم يكن بوسعي سوى أن أجعلها تذهب نيابة عني.
قبضت أماندا على البطاقة بيدها، ونظرت إليّ بامتنان قبل أن تأخذ نفساً عميقاً.
ضغطت شفتيها برفق، وتمتمت مجدداً:
”شكراً لك.“
”لا داعي للشكر.“
لوحت بيدي، وأسندت ظهري إلى سريري. وعلى الرغم من أن ثمرة زورين كانت تساوي الكثير، إلا أنني لم أندم على إعطائها لأماندا.
فإلى جانب كونها واحدة من أقرب الأشخاص إليّ، كانت أيضاً شخصاً مر بالكثير. وفي الواقع، كان وضع والدها على الأرجح نتيجة لأفعالي أنا، وشعرت ببعض الذنب حيال ذلك.
نعم، كان والدها سيذهب دائماً إلى عالم الشياطين، لكن لم يكن من المفترض أن يحدث ذلك في وقت مبكر إلى هذا الحد. لقد غيرت أفعالي المستقبل، ونتيجة لذلك، تسببت في تعرضه لخطر أكبر مما كان من المفترض أن يتعرض له.
وقفت، وبينما كانت أماندا تقبض بقوة على بطاقة غرفتي داخل يدها، تمتمت بشيء ما قبل أن تغادر الغرفة:
”…سأرد لك الجميل بالتأكيد.“
كان صوتها خافتاً، لكنني سمعته. وقبل أن أتمكن من قول أي شيء آخر، فتحت الباب وغادرت أماندا الغرفة مباشرة، وتركتني مجدداً وحدي مع أنجيليكا داخل الغرفة.
غطيت وجهي بيدي، وأسندت ظهري إلى السرير بينما فكرت:
«أنا سعيد لأنني استطعت مساعدتها.»
وفي اللحظة التي كنت فيها على وشك الذهاب إلى النوم، ألقى ظل بظلاله عليّ. عقدت حاجبيّ، وفتحت عينيّ، ففوجئت بوجود أنجيليكا. كان حاجباها معقودين بشدة، وومض تعبير معقد على وجهها.
وعندما أدركت أن هناك خطباً ما، فتحت فمي وسألت:
”ما الأمر؟“
لكنني تمنيت لو أنني لم أنطق بهذه الكلمات قط، لأن كلماتها التالية تسببت في تجمد جسدي بالكامل:
”…إذا كنت لا تريد أن تتعرض لضرر عقد المانا، فعليك أن تمنعها من علاج والدتها.“
(يا أخي الكاتب لا يرحم)