الفصل 9 - الحجاب الرمادي
الفصل التاسع: الحجاب الرمادي
بينما يتبادل كل من العجوز وفيراث الابتسامات والنظرات، كان ناخت خلفهما مجمّدًا في الفضاء، ينزف دماءً من فتحاته السبع.
فتجميد فيراث يحرم الشخص المجمّد من القدرة على فقدان الوعي.
“آه، يا إلهي، كيف استطعت أن تصل بأخيك إلى هذه الدرجة الفظيعة؟ يا لقساوة قلبك يا فيث.”
هز العجوز رأسه استنكارًا، وهو يلقي نظرات جانبية على الفتى المعلّق خلفه.
وبنفس الملامح الساخرة، أغمض فيراث عينيه للحظات، وهو يرفع يديه الاثنتين في تساؤل.
“لقد اتضح أن الحمل الصغير رقيق بعض الشيء.”
“هاهاهاهاها.” مال العجوز برأسه قليلًا إلى الخلف، وهو يضحك باستمتاع.
اعتدل أخيرًا في وقفته، وهو يمسح طرف عينه.
ألقى نظرات من حوله، متسائلًا في نفسه عن أمر غريب.
بينما ظل فيراث يحافظ على ابتسامة خفيفة، إلا أنها لم تتجاوز شفتيه، حيث غمرت البرودة واللامبالاة عينيه الذهبيتين.
“هممم، حسنًا، لقد اتخذت قراري. سأتوسط أنا، الجد، بينكما، أنتما الحفيدين.” ضرب العجوز قبضته براحة يده المبسوطة.
ظل فيراث دون حراك أو أي ردة فعل، بينما يراقب العجوز الذي استدار متجهًا بخطوات متثاقلة نحو ناخت، وهو يتمتم تحت أنفاسه.
“واحد، اثنان…”
جاء رد فيراث خلال ذلك: “أنت تعلم أهمية الشيء الذي أخذه مني، أليس كذلك؟”
توقف العجوز للحظة. “هاه، لقد أفقدتني تركيزي، أيها المشاغب.”
رفع رأسه قليلًا. “هممم، حسنًا، ألم تستعده بالفعل؟ ذلك الهرم الغريب.”
ظهر هرم أسود في راحة يد فيراث. حدّق فيه قليلًا قبل أن ينقر عليه من الأعلى، ليبدأ في التموج والتذبذب كالهلام.
وبصره مثبت على الهرم، تحدث: “هل تتحدث عن هذا الوهم؟”
اتسعت حدقات العجوز قليلًا، بينما تعاظمت ابتسامته. “أوه، أصبحت لديك القدرة على اكتشاف ذلك؟ جميل.”
وجّه العجوز نظره نحو ناخت. “السؤال الأهم هو: هل تمكن ناخت من أخذ ما أخذ لأنه وجده صدفة، أم لأنك خلقت احتمال تحقق تلك الصدفة؟”
حافظ فيراث على ملامح وجهه ثابتة دون أي تغيير، بينما واصل العجوز مسيره في اتجاه ناخت، وهو يكمل عده.
“ثلاثة…”
“أربعة…”
“خمسة…”
عندها توقف مباشرة أمام ناخت. كان وجه الفتى مغطى بالدماء، بينما تُرك باقي جسده في حالة محطمة ومروعة.
رفع العجوز يده اليمنى، وهو يقربها من رأس ناخت، إلا أن رفضًا غريبًا منع يده من التقدم أكثر.
“هوهو، لا بأس بك.”
بذلك دفع يده إلى الأمام، متجاوزًا الرفض وكاسرًا التجميد الذي فرضه فيراث على ناخت.
التقط العجوز ناخت، وهو يربت على رأسه. “أيها السيد الصغير، فلترتح قليلًا، أنا هنا.”
ارتجفت جفون ناخت قبل أن تنغلق في اللحظة التالية. لقد فقد ناخت وعيه أخيرًا.
أعاد العجوز نظره نحو فيراث، وقد غطت وجهه ملامح من البرودة واللامبالاة، أقرب إلى الروبوت منها إلى الإنسان.
“فيراث، لقد تجاوزت الحدود بما يفوق المسموح به بكثير.” دوّى صوته كهسهسة باردة، جعلت الممر يرتجف والظلام يتموج، بينما انطلقت رياح باردة جعلت رداء فيراث الطويل وشعره يرفرفان.
لم يطرأ أي تغيير على وجه فيراث، إلا أن إصبعه السبابة بدأ ينقر في الهواء بتتابع سريع ومتلاحق، منح إصبعه وهم الثبات.
“عشرات آلاف السنين من الانتظار، وآلاف السنين من التحضير، كانت ستضيع بتهورك.”
تصاعدت شدة الرياح في الممر وبرودتها، مما دفع فيراث، بشكل اضطراري، إلى غرس رجليه في أرضية الممر.
“أتعلم خطورة ما تعبث به؟”
آشتدت الرياح بما يفوق التصور، هل كان بالامكان وصفها رياحا حتى. فقد كانت قادرة على ترك خدوش على جسد فيراث نفسه.
“من الغريب حقًا أنني لا أستطيع قراءة نواياك الحقيقية، لكن أيًّا ما كنت تخطط للقيام به، لو مسّ ذلك «بعودته» قبل الوقت المحدد، فأنت تعلم المصير الذي ينتظرك.”
ألقى العجوز نظرة خاطفة على ناخت، فلانت ملامحه قليلًا. أغمض عينيه، وبذلك توقفت الرياح التي كانت تعصف بفيراث.
“لا، بل ما سيحل بنا جميعًا.”
هناك، أخيرًا، تمكن فيراث من الكلام بحرية والرد على العجوز: “أيها العجوز، عن أي تجاوز تتحدث؟”
أدار العجوز رأسه بحدة، وهو يحملق في فيراث. “هاه، أأصبحت بهذه البلادة؟”
هز فيراث رأسه.
“طوال هذا الوقت، ومنذ اللحظة التي خطوت فيها إلى مجال الملك، كانت كل حركة أقوم بها تحت المراقبة.”
أمال رأسه إلى الجانب قليلًا.
“بل أكاد أجزم أنك كنت تراقبني قبل ذلك حتى. ولو بدأت بالتأثير، ولو على احتمال بسيط، في تحرره قبل الوقت المحدد، لأوقفني الملك بنفسه.” عندها لمس فيراث الندبة التي كانت تمر عموديًا على عينه اليسرى.
عندها تغيرت ملامح العجوز، والتوت زاوية شفتيه، مشكلةً ابتسامة خفيفة.
“عادل بما فيه الكفاية، لكن لدي سؤال بسيط.”
ضيّق فيراث عينيه، قبل أن يكمل العجوز بابتسامته المعتادة.
تحركت شفتا العجوز ماركوس ببطء، بينما وصلت كلمات هامسة إلى مسامع فيراث، جعلت عينيه تتسعان وهو يحكم قبضتيه.
عندها بدأ الممر في الارتجاف والتذبذب، بينما بدأت البلاطات الخشبية المشكلة لأرضيته تتلاشى، مطلقة العنان لسحاب دخاني مظلم.
واحدة، اثنتان، مئة… تتابعت البلاطات في التلاشي واحدة تلو الأخرى، مشكلةً بذلك موجتين من الظلام على طرفي الممر.
راقب العجوز التحولات باهتمام غريب، والابتسامة تعلو وجهه.
على الجانب الآخر، قال فيراث: “لقد فعلتها في النهاية إذن.” كانت قطرات من الدم تنزل من زاوية فمه.
أجابه العجوز: “اعتبر هذا اختبارًا صغيرًا مني.”
“هوهو، أيضًا، لا تأخذ الأمر بشكل شخصي أرجوك يا فيث. في النهاية، أنت لست رقيقًا كالسيد الشاب، أليس كذلك؟”
هناك، وبينما كان كل من فيراث والعجوز يحدقان في بعضهما بعضًا، ابتلعتهما موجة من الظلام الخالص، طامسةً بذلك الممر وكل ما يحتويه.
تشك.
بصوت أشبه بتحطم الزجاج، انكسرت موجة الظلام إلى قسمين، ثم تتابعت الانقسامات في الجزأين المحطمين.
بعدها بدأ الظلام في التلاشي، مفسحًا المجال لما ظهر بعد ذلك. وفي المكان الذي كان يوجد فيه الممر سابقًا، أصبح بالإمكان رؤية المطبخ في الأسفل والغرف المجاورة له، حيث تحرك الخدم خلالها جيئة وذهابًا.
إلا أن حجابًا رقيقًا رماديًا كان يلتف حول المنطقة التي وُجد فيها الممر قبل أن تبتلعه موجة الظلام الأخيرة.
كانت الطبقة تفصل بين الداخل والخارج.
صعد خادم من الدرج، مرتديًا بذلة رسمية، ويحمل منديلًا أبيض على يده اليمنى، بينما أبقى يده اليسرى خلف ظهره، وعيناه مغمضتان.
تقدم نحو المكان الذي كان يوجد فيه الممر سابقًا.
وبخطوة أخرى إلى الأمام، مر عبر الطبقة الرمادية العازلة ليلج إلى الداخل، لكنه، وبشكل غريب، استمر في التحرك والتقدم، دون أن يبدو وكأنه يطأ على شيء.
كان المطبخ في الأسفل ظاهرًا، إلا أنه استمر في التحرك، شاعرًا بسطح صلب تحت قدميه، وكأن شيئًا من ذلك غير موجود.
أكان موجودًا أصلًا؟
فيما بدا أنه منتصف الممر سابقًا، توقف الخادم الشاب، وهو يلقي نظرات متفحصة على جانبيه.
“همم، ألسنا في الربيع؟ لِمَ هذا الممر بهذه الدرجة من البرودة؟”
هز الخادم رأسه، وهو يكمل سيره، فقد اعتاد على أشياء غريبة تحدث بين الفينة والأخرى في قصر عائلة فيرنس المجيدة.
تشك.
مع صوت تحطم آخر، تلوى الحجاب الرمادي قبل أن يبدأ في التكثف والتقلص.
ومع هذا، بدأت الأطراف الخارجية للممر في الظهور من الجانبين.
ازداد تكثف الحجاب، لتبدأ أرضية الممر الخشبية في الظهور، مغطيةً بذلك المطبخ في الأسفل.
ومع تقلص أخير، طفت كرة رمادية صغيرة في الممر الخشبي الطويل، بينما أطل ضوء الشمس عليه من جديد.
بق.
مع انفجار بسيط، تلاشت الكرة الطافية.
نهاية الفصل.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
the honord one.