الفصل 8 - الحاصد السماوي.
الفصل الثامن: الحاصد السماوي
تك.
رفع ناخت رأسه بصعوبة نحو اتجاه الصوت، مسددًا لكمة واهنة.
كانت الخشخشات السابقة قد تحولت الآن إلى صرير كاد يصيبه بالجنون. كان الأمر أشبه بكشط آلاف الألواح الزجاجية في الوقت نفسه داخل عقل ناخت.
أمسك ناخت رأسه بكلتا يديه وهو يغطي أذنيه. كان ذلك بلا جدوى، فالأصوات الغريبة التي يسمعها كانت ترتفع وتخبو من داخله.
‘كم مرة لامست حد الجنون العقلي خلال الساعات القليلة الماضية ماذا بحقك؟’
معلومات بعد الأخرى.
مواقف بعد الأخرى.
بالكاد حصل على فرصة للتنفس، ليجد نفسه ملقى في تجربة تختبر حدوده العقلية في الثانية التالية.
‘جنون.’
كان هذا هو الوصف الأمثل والوحيد لما يعيشه ناخت الآن.
‘لا أعلم إذا كان الأمر قابلًا للتطبيق هنا أم لا، بالإضافة إلى أن تحضيراتي لم تكتمل بعد، إلا أنني سأقامر على ذلك.’
لمع بؤبؤ عين ناخت وهو يفتح جفنيه.
‘أحتاج إلى اقتناص الفرصة المناسبة.’
كان الصرير لا يزال يجول في عقله، معذبًا إياه بلا انقطاع، إلا أن المواقف السابقة دفعت بقدراته على المقاومة العقلية إلى مستوى أعلى.
لكن الفارق في هذه الحالة، وسبب تفكيره بشيء من الثبات، كان بفضل شفط نطاقه العقلي. فمع كل مرة يُترك فيها فارغًا، كانت المشاعر والأحاسيس تُسلب منه، وبذلك اختفى الألم والمعاناة اللذان سببهما له الصرير.
بل الأدق أنه أصبح مجرد ضجيج في الخلفية المظلمة لعقله.
وقد كان ذلك… محتملًا.
‘لن يدوم ذلك طويلًا، فغالبًا ما ستزداد شدة تأثير الصرير عليّ إلى أن أصل إلى حدودي. عليّ التحرك قبل ذلك.’
وضع ناخت كلتا يديه على الأرضية، وهو يقرفص على قدميه.
تك.
“ما أكرم السماء! حتى أولئك الذين يلعنونها يعيشون في ظل ما تمنحه. وحتى من يرفع سيفه في وجهها، لا يدرك أن القوة التي يمسك بها هي واحدة من عطاياها.”
أكمل الصوت المتعالي إلقاءه وهو يبجل السماء، إلا أنه، وللمرة الأولى، ظهرت ملامح جسد عريض في الأفق المظلم.
ما إن ظهرت معالم الجسد العريض في مرأى ناخت حتى برزت عروقه متضخمة في أنحاء جسده. وعلى جبهته وحول عينيه، كادت العروق أن تنفجر.
‘أغغ، اللعـنة.’
فاق تضخم الصرير توقعات ناخت السابقة. كان الأمر الآن أقرب إلى أن يغرس أحدهم آلاف القضبان الساخنة في عقله.
وبينما كان ناخت يجرب جحيمًا من نوع آخر، بلغ غضبه مرحلة جديدة، فانفجر في وجه الشخصية الغامضة.
“عادلة؟ كريمة؟ السماء؟ ما الذي تتحدث عنه ماذا بحقك؟ ألا يمكـ… أغغ.”
بصق ناخت فمًا من الدم، مقاطعًا كلامه بذلك.
دعم نفسه بيد، بينما أمسك ببطنه باليد الأخرى، وخفض رأسه نحو الأرضية، ولم يأبه برفع نظره.
أيًّا ما كان ما يعيشه، فإن ناخت متأكد من أن النظر مباشرة نحو الشخصية الغامضة لن يتسبب له إلا في مضاعفات أخطر، أو أسوأ من ذلك… الهلاك.
“ألا يمكنك رؤية الجحيم الذي يعيشه طفل في الرابعة عشرة من عمره هنا؟ مجرد بشري ضعيف. أيمكن تسمية هذا بالعدل؟ بالكرم؟”
للمرة الأولى، خرجت الشخصية المتمثلة في الظلام عن إلقائها، موجّهةً نظرتها نحو ناخت، مما تسبب في ارتجاف الأخير.
“هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها!”
في ضحكة هستيرية زعزعت أساسات الممر، راحت قطرات من الظلام الخالص تتساقط كالماء بدلًا من التربة.
“الحمل الصغير، هل تسمي نفسك طفلًا؟ بشريًا؟ يبدو أنك فقدت عقلك بالفعل! هاهاهاهاها!”
مرّت رجفة عبر جسد ناخت عند سماعه ذلك.
‘هاه؟’
وفي اللحظة نفسها، عادت إليه ذكريات الوقت الذي قضاه داخل نطاقه العقلي. هناك، كان قد شعر بأنه نسي شيئًا مهمًا عن نفسه.
تذكر العجوز عندما أخبرهم كيف أن سائر الدروب يمكن أن تفقد… لا، بل الأصح أن بعض ذكرياته قد تُحجب عنه إلى أن يستطيع إدراكها من جديد.
وأخيرًا، تذكر حديثه مع كاي وكيف وصفه بالهجين.
‘لقد وجدتها.’
التوت شفتا ناخت إلى الأعلى، مشكلتين ابتسامة صغيرة، قبل أن تختفي في الثانية التالية.
لم يستغرق هذا التفكير سوى لحظة وجيزة، لذا تجاهلت الشخصية الرد على ناخت، وأكملت مراسمها السابقة.
ثم أعلنت قائلة:
“باسم السماوات، أنا فيراث فيرنس، الحاصد السماوي، قد جئت بعد أن منحت لآخذ.”
‘الآن.’
في تلك اللحظة، وبسرعة تعجز الأبصار عن ملاحقتها، أطلق ناخت نبضة من القوة المركزة بيده الملامسة للأرضية، بينما بدأ لون جلده يتغير إلى الأبيض الناصع، وبدأت العظام تبرز من ظهره.
تحطمت الأرضية من تحته، وتحولت، على نحو غريب، إلى سائل مظلم، ليبدأ جسد ناخت بالسقوط.
وجّه فيراث نظره نحو ناخت، ليتجمد الأخير في الهواء، إلا أن التغيرات التي كانت تحدث له لم تتوقف.
استمر جلده في التحول إلى الأبيض، بينما بدأ هيكله وحجمه في الازدياد، مع بروز عظام اخترقت ظهره.
طبّق عليه فيراث التجميد في الفراغ كما فعل سابقًا، إلا أن ناخت كان قد بدأ عملية التحول هذه المرة. وبحسب ما يعرفه عن الأشياء التي لن تستطيع سلطات فيراث الحالية إيقافها، فإن هذه العملية كانت إحداها.
‘سأنجو مهما كلف الثمن.’
تجنب ناخت إجراء أي اتصال بصري مع فيراث، وظل جل نظره مثبتًا نحو الأسفل.
وبينما كان ناخت مجمدًا في الهواء، خاضعًا لعملية التحول الغريبة والغامضة تلك، كانت الشخصية تراقب من داخل الغشاوة المظلمة في صمت.
وكأن كل تحرك، وكل فكرة، وكل احتمال قد حُسب وتوقع من قبلها.
أكمل فيراث: “عينك اليسرى، جزيتي…”
كانت يده ممتدة من الغشاوة المظلمة، تحمل بؤبؤ العين الذهبي الذي انتزعه من ناخت، مستعدًا لتحطيمه.
وبعد الكلمات الأولى التي نطق بها، انطلق عواء مرعب من ناخت. توقفت عملية التحول الغريبة التي كان يخضع لها، بل خرجت عن السيطرة.
‘اللعنة ماللذي يحصل؟’
بدأت العظام المكوّنة لهيكل ناخت العظمي في الالتواء والتضخم تحت جلده، مسببةً تموجات في جميع أنحاء جسده.
‘آه، لقد أحرقت كل مالدي الآن وقد خرجت الأمور عن السيطرة…’
أغمض ناخت عينيه.
‘يبدو أنها النهاية.’
بالرغم من قوله ذلك كز ناخت على أسنانه، لقد كان حزينا على نفسه بحق.
في هذه اللحظة كان جسد ناخت أشبه بمعجون طيني يُعاد تشكيله.
وبلا مبالاة أكمل فيراث مراسمه عازما على وضع حد لكل شيء: “تقول السماء إن هذه العين محرَّ_”
في تلك اللحظة، سُمع صوت تكسر من أنحاء جسد ناخت، ومع عواء يقشعر له الأبدان، بدأ بالنزيف من فتحاته السبع.
كان ما حال بينه وبين الهلاك هو الرجل الذي يقف الآن بينه وبين فيراث، وقد ألجم فم ناخت بوضع إصبع على شفتيه.
“هوهو، انظروا ماذا لدينا هنا.”
بنبرة متسلية وابتسامة خفيفة تعلو وجهه، خاطب الرجل فيراث.
“أرجو ألا تكون قد بدأت تصدّق ألقابك. سيكون محرجًا للغاية أن أضطر إلى تذكيرك بمن كان يربط لك حذاءك، هوهوهوهو.”
انكشفت الغشاوة عن وجه فيراث، ليظهر وهو يرد الابتسامة للرجل أمامه. تراجع إلى الوراء قليلًا، ثم وضع يدًا على قلبه والأخرى خلف ظهره، قبل أن ينحني بخفة.
“مرت مدة منذ آخر مرة.”
ثم رفع رأسه نحو الرجل العجوز أمامه.
“أيها الجد ماركوس.”
نهاية الفصل.
The Honored One.
استمتعوا…