الفصل 10 - اسدال الستار
الفصل العاشر: إسدال الستار
على الممر الطويل، خطا الخادم ذو القامة المتواضعة والوقفة الرزينة إلى الأمام، بينما تجوّلت في خاطره أفكار عن كيفية قضاء عطلته القادمة.
‘لم يتبقَّ على يوم البعث سوى أسبوعين قصيرين.’
في إدراك مفاجئ، توقف الخادم للحظة، واتسع فمه وهو يقهقه: ‘هههه، يا ترى من سمّاه هكذا؟’
هز رأسه وهو يقترب ببطء من نهاية الممر.
عرف موريس ما يُسمّى بيوم البعث جيدًا. إنه اليوم الذي تنتظره البشرية جمعاء وتترقبه، من فانييها وحتى حكامها.
في يوم البعث، يُرسل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة إلى أحد العوالم الفاسدة، طامعين في القوة.
عبر ست بوابات تربط الأرض بالعوالم الفاسدة، يمكن لهؤلاء الفتية أن يحاولوا السير أبعد من أي بشري آخر، وأن يسموا ويعلوا… كان ذلك هو هدفهم الأسمى.
بامتلاك القوة، يمكنهم تغيير مصيرهم.
الثروة والمكانة والسلطة؛ بامتلاك القوة يمكن الحصول على كل ذلك، بل وأكثر.
لكن بأي ثمن؟
أطلق موريس تنهيدة خفيفة وهو يحك رأسه، بينما ينظر من النافذة نحو الأفق، حيث امتدت الخضرة والمروج على مد البصر.
‘كم سينجو هذه المرة، يا ترى؟’
أن تخطو نحو العوالم الفاسدة، نحو البوابات، كان يعني الابتعاد عن رأفة الحياة البشرية وحنانها؛ هناك، حيث تصبح هدفًا للوحوش، وتظل مراقبًا ومتابعًا باستمرار.
لم يكن لك هناك رفيق أو حليف، حتى نفسك…
مد موريس يده إلى الأمام، مسترجعًا بعضًا من ذكرياته، وقد ارتسم شيء من الألم في عينيه.
‘إما أن تموت أو يموتوا؛ بالدم تُعمَّد، وبالجنون تُزكّى.’
كانت تلك هي النقمة التي لعنت بها العوالم الستة كل من تجرأ على أن يخطو فيها طمعًا في قوة السماء.
‘كيلي، راف… هل تعلمان، يا رفاق كم اشتقت إليكما؟’
لمعت عينا موريس ببريق خافت، إلا أنه انتفض فجأة، مستديرًا إلى الخلف بعينين متسعتين وفك متجمّد من هول الصدمة.
‘مـ… ماذا؟ من أين ظهرا ماذا بحقك؟’
هناك، أمامه، وقف رجلان عريضا المنكبين، طويلَا القامة.
أما الرجل الذي كان يقف مقابل موريس وظهره إليه، فكان ذا شعر أبيض طويل، معقود برباط أسود. كانت أصابع يديه المتدليتين إلى جانبيه تنقر الهواء بسرعة جنونية، مولّدةً دوائر سوداء أخذت تتسع وتتسع حتى اختفت، كالتموجات على سطح بحيرة، لتحل محلها دوائر أخرى جديدة.
أما الرجل الآخر، الذي وقف أبعد منه، فكان عجوزًا يرتدي بذلة رسمية سوداء، بملامح تجمع بين شعر أسود ولحية بيضاء. وضع عدسات سوداء أمام عينيه، وكان يحمل جسد فتى على كتفه.
‘أهذا هو المبجّل ماركوس؟’
لم يكن موريس شخصًا ضعيف الاستيعاب أو القوة؛ فالخدمة في عائلة فيرنس تعني الكثير.
في لمح البصر، ركع موريس على ركبة واحدة، مطأطئًا رأسه إلى الأسفل، دون أن ينبس ببنت شفة.
في تلك اللحظة، وجّه العجوز ماركوس نظره نحوه.
“طفل جيد، لكن الاستماع غير مسموح لك.”
ما إن خرجت الكلمات من فمه حتى فرقع موريس طبلي أذنيه. لم يتزحزح، ولم يرف له جفن.
عندها أومأ له العجوز بخفة، تاركًا إياه مبهوتًا في مكانه.
‘فجل، خضراوات، تفاح…’
حافظ موريس على نمط متتابع من التفكير، بهدف تفريغ عقله من أي فكرة دخيلة. قد يبدو الحفاظ على نمطية التفكير وحصره بهذه الطريقة أمرًا بسيطًا، إلا أن موريس، وكل خادم في عائلة فيرنس، يمكنه أن يخبرك بالجحيم الذي يمثله ذلك في حضرة كيان مثل العجوز.
راقب موريس تفاعل الرجلين من زاوية عينه. فقد منعه العجوز من السمع، لكنه لم يمنعه من الرؤية، ولم يكن موريس ممن يخالفون أدنى التعليمات.
وجّه العجوز نظره نحو فيراث.
“ألست متماسكًا حتى الآن؟ أنا متفاجئ من قدرتك على التحمل. بعد أن دُمّر مجالك، لا بد أن ذلك قد أضر بنطاقك العقلي، أليس كذلك؟”
ظل وجه فيراث على حاله، ببرودته ولامبالاته، مع ابتسامة صغيرة تعلو شفتيه.
متجاهلًا الموضوع، أردف قائلًا:
“إذًا، ماذا بشأن الحمل الصغير؟”
“تشه، لقد غدوت مملًا.”
رمقه العجوز بنظرة أخيرة، قبل أن يستدير ممسكًا بناخت، مثبتًا جسده على كتفه بيد، بينما وضع يده الأخرى في جيبه.
“للسنوات الخمس القادمة، أحرّم عليك جميع أشكال العداء التي يمكنك توجيهها إلى ناخت.”
دوّى صدى الكلمات في الممر، ووصل إلى مسامع فيراث كقانون أُعلن من السماء.
في تلك اللحظة، اتسعت ابتسامة فيراث، وبدأت كتل من الظلام العنصري تمتد من قدميه، مغلقةً عليه.
سرت أبعد من ذلك حتى غطّت جسده كاملًا. لم يبقَ ظاهرًا سوى جسد يلفّه الظلام، ولا يظهر من وجهه إلا عيناه، اللتان تلألأ فيهما ضوء ذهبي براق.
“أتجرؤ؟ أيها العجوز، هل تعرف حتى ما تتفوه به أمامي، أنا الحاصد السماوي؟”
أن يعلن العجوز تحريم شيء على فيراث؟ كان ذلك تجاوزًا تامًا لن يقبله فيراث أو يمرره، ولو بشربة ماء.
غطّت السحب الكثيفة السماء، جالبةً معها ظلامًا أغرق القصر من أعاليه.
تك.
تك.
استمرت خطوات العجوز في الابتعاد، دون أن يُبدي أي ردة فعل.
في تلك الأثناء، بدأ سيف مظلم يتشكّل بين يدي فيراث، متطايرًا منه شرر ذهبي.
امتد السيف بسرعة خاطفة حتى بلغ طوله سبعة أقدام، وعرضه قدمين.
عندها توقف العجوز، واستدار ليرمق فيراث بنظرات جانبية، ويده لا تزال في جيبه.
عادت البرودة الآلية لتغمر وجهه، ثم تحدث:
“أم تتفاخر بلقب لا يملك حتى أدنى قدر من السلطة هنا أمامي؟ أتتحداني، وهل أجرؤ؟ أيها الطفل الصغير، دعني أُنقّي مسامعك وأطرب أذنيك.”
خلال ذلك، بدأت قطرات المطر بالتساقط في الخارج، وسرعان ما تحولت إلى عاصفة هوجاء، جرت كأنها أنهار من السماء.
رفع فيراث السيف إلى الأعلى بسرعة جعلت حركته تخلّف وراءها أوهامًا.
أكمل العجوز:
“في هذا العالم الواسع، عُرفت أنا، المبجّل في السماء والأرض، بأسماء لا تُعد ولا تُحصى؛ وقائع متعددة، وشخصيات مختلفة، وأسماء لا تُحصى.”
تقدّم فيراث بقدمه اليسرى إلى الأمام، ممسكًا بسيفه عموديًا وموجّهًا إياه إلى الخلف، في وضعية غريبة تتناقض مع الموقف، بدلًا من توجيهه نحو العجوز.
“يمكنك أن تناديني بـ…”
في تلك اللحظة، ظهرت بوابة دائرية في السقف، لتخرج منها فتاة ذات جمال سماوي، بشعر أزرق وعينين من اللون نفسه.
ما إن عبرت حتى اختفت البوابة، تاركةً إياها عالقة بين المطرقة والسندان.
“أيها الوغـ…” انقطعت كلماتها وهي تشاهد الشخصية المظلمة الحاملة للسيف تتلاشى كالدخان، وابتسامة ذهبية تعلو وجهها.
في تلك الأثناء، وصلتها كلمات من خلفها:
“عجلة الفوضى.”
ظلّت ملامح العجوز جامدة وهو يتلو اسمه المبجّل.
ما إن صدر الاسم حتى انشقت الغيوم إلى نصفين وتلاشت العاصفة، أعقب ذلك زلزال ضخم ومروّع عصف بالقصر المجيد لعائلة فيرنس.
تحطمت النوافذ في الممر، بينما غرقت الفتاة ذات الشعر الأزرق في غياهب عذابات مروعة؛ ملايين الميتات وآلاف المشاهد المرعبة أغرقت روحها في ظلمات الفساد المشؤوم.
استعاد العجوز رقة ملامحه، وأمسك بوجهه وهو يغرق في التسلية والضحك الهستيري. ثم سقط جسد الفتاة على الممر كجثة هامدة.
كان ذكر أحد أسماء العجوز كافيًا لحرق وعي الفتاة واستهلاك روحها… هذا الجسد على الأقل.
كانت الفتاة إحدى المرشحات لمنزلة الملاك، وأحد منافسي فيراث.
تعرّض فيراث اليوم لإصابة في نطاقه العقلي، بل إنه فقد مجاله الذي شكّله حديثًا.
كان من الممكن أن يتسبب ذلك في خسارة فادحة تجعله يسقط أمام خصومه ومنافسيه، فقد كانوا كالذئاب الجائعة، يترقبون كل خطوة وينتظرون أقرب زلة لينقضّوا عليه.
إلا أنه، بتخطيط ماكر وفي ظرف وجيز، تأقلم مع الموقف المميت، بل واستغله لصالحه.
هنا، في ملكية عائلة فيرنس، كان مجال الملك ممتدًا وطاغيًا؛ لذا لم يكن بمقدور أي شخص استعمال قدراته أو سلطاته.
إلا في استثناءين، أحدهما يخص حاملي سلالة فيرنس. ومن يكون فيراث إن لم يكن الوريث المباشر والابن البكر لعائلة فيرنس؟
أما النقطة الحاسمة، فكانت جهل أي شخص من خارج العائلة بهذه الاستثناءات.
ما دام فيراث قادرًا على تجاوز سلطة مجال الملك، فلماذا لا يستطيع الآخرون ذلك؟
مستغلًا هذه الفكرة كغطاء أولي، أضاف طبقة أخرى من الإخفاء عبر التلاعب بالاحتمالات، ودفع قدره إلى حالة من الفوضى، بهدف إخفاء نواياه عن العجوز إلى حدّ ما.
وفي الوقت نفسه، كشف عن ضعفه أمام أعدائه ومنافسيه بدرجة محسوبة. لم يكن أي منهم سمكة سهلة الاصطياد.
لذلك احتاج إلى جعل الطُّعم مغريًا بما يكفي.
مواجهة مباشرة بينه وبين العجوز.
أما طوق نجاته، فكان الظلام الذي غلّف به نفسه؛ إذ كان الظلام بوابة فيراث للهروب، وقد أعدّها منذ البداية.
مرّت كل هذه الأفكار بعقل العجوز، الذي أخذ يحلل ويستوعب أخيرًا كل حركة من حركات ذلك الفتى الماكر. لقد تمكّن فيراث من خداعه، بل والتلاعب به حتى اللحظة الأخيرة.
“هوهو، الآن أُصيب اثنان من أصل ثلاثة مرشحين. كيف ستؤول الأمور، يا ترى؟”
“الأمور على وشك أن تصبح مثيرة للاهتمام.”
نظر العجوز إلى الممر المحطّم. هناك، رقد جسد فتاة في مقتبل العمر، وإلى جواره جسد راكع مغلّف بغطاء معدني.
بفرقعة من أصابعه، بدأ الغطاء يتلاشى، كاشفًا عن الهيئة الراكعة.
كان موريس، وحتى تلك اللحظة، لم يتحرك قيد أنملة.
“هوهوهو، أيها الشاب، لقد أعجبتني بحق. أظنك قد تحتاج إلى ترقية.”
“أما الجثة، فيمكنك أخذها.”
وبينما بدأ موريس يستوعب ما وصل إلى مسامعه، اختفى العجوز حاملًا فتى صغيرًا على كتفه، كأنه لم يكن موجودًا قط.
‘انتظر، كيف استعدت سمعي بالفعل؟’
أمسك موريس بأذنيه، إلا أنه سرعان ما أطلق تنهيدة.
‘لا بد أن ذلك من صنيع المبجّل ماركوس.’
فتح عينيه على المنظر المدمّر والمروّع أمامه، بينما شعر ببرودة قاسية تسري في ظهره.
‘هاه، يا لهم من كائنات مرعبة.’
التصقت البذلة بظهر موريس من شدة التعرّق.
مرّر يده على شعره الأشقر إلى الخلف.
“أ… أترقى؟ هاه، بعد ماتركتهم خلفي هل يستحق الأمر ذلك؟”
انحنى ليحمل الجثة بين ذراعيه، ثم استدار متجهًا إلى الخارج مع بريق في عينيه.
“أعتقد أن القيام ببعض التحضيرات لن يضر.”
نهاية الفصل.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
the honord one.
حسنا يارفاق الى هنا ينتهي هذا الممر الجحيمي حان الوقت للانطلاق نحو العالم الخارجي.