الفصل 11 - استيقاظ.
الفصل الحادي عشر: استيقاظ
ظلام.
كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي طغى على رؤيته، لكن على عكس كل المرات السابقة. لكن الظلام هذه المرة كان مختلفًا؛ فقد جلب معه شعورًا بالراحة لم يعهده من قبل.
شعور كان قد افتقده منذ زمن بعيد جدًا. نعم، زمن بعيد.
لم يقدم الظلام له سوى العذاب والمعاناة والحرمان، ظلام قام بتحوير جسده. ظلام جعله مجنونًا بالإضافة إلى ظلام سحق عظامه لفتات.
كانت هذه المرة الأولى التي يمنحه فيها الظلام سلامًا وراحة حقيقيتين.
وكأنه غارق في مسبح من الماء، تردد صوت فقاعات متصاعدة في أذنيه بينما أحس بشعور دافئ تسلل عبر جلده نحو أعماق جسده ليتشبث ويلملم عظامه.
حرص على استشعار كل إنش وكل ذرة من الراحة التي كانت تغمره في هذا الموقف.
‘آه، هذه هي التجربة الأولى لي من هذا النوع.’
حاول الانغماس أكثر في ذلك الشعور، لكن ذلك لم يجعله إلا أكثر وعيًا وإحساسًا بمحيطه.
بيييب… بييب… بيييب.
وبتزامن موقوت وصله الصوت الذي كان أشبه بجهاز قياس نبضات القلب.
عم الهدوء قلب ناخت وهو يدرك مكان وجوده. كان آخر ما يتذكره هو وجه العجوز والابتسامة تعلو وجهه في ذلك الوقت كان قد تمتم له ببعض الكلمات إلا أنه لم يرَ سوى شفتي العجوز تتحرك قبل أن يفقد وعيه.
‘هاه، إذا وفي النهاية لقد نجوت لم يتخلَّ فيراث عن نيل دينه حتى الرمق الأخير ولولا تدخل العجوز…’
كز على أسنانه بينما بدأ قلبه بالاشتعال غضبًا مخرجًا إياه من حالة السكينة التي كان يغمر نفسه فيها.
وبنفس طريقة ظهوره لم يدم ذلك سوى ثوانٍ معدودة حتى بدأت المشاعر تتفكك وتتلاشى تاركة إياه في حالة من الفراغ العاطفي.
كان غضبه أقوى لذا وبينما بدأ يحكم قبضتيه تبدلت حالته بين الفراغ والاشتعال.
لم يرقه ذلك فقد دمر لحظة الراحة الوحيدة التي أنعم عليه بها منذ مدة: الهرم، الصفقة مع العجوز، الممر الجحيمي وفيراث حدث كل ذلك في ما يقارب النصف ساعة.
إلا أن ناخت يمكنه الشهادة عن إحساس الأبدية التي منحتها تلك اللحظات والحوادث.
‘واحد، اثنان، ثلاثة….’
بدأ ناخت في العد محاولًا دفع الأفكار الأخرى التي أشعلت غضبه نحو مؤخرة عقله.
إلا أن التغير المستمر والطول القصير التي تمتد عليه كل مرحلة من اشتعال المشاعر بداخله أو تركه فارغًا أدخلته في إجهاد عقلي.
تراكمات ما عاناه مؤخرًا من عذابات وصدمات كانت كفيلة بكسر عقله تمامًا، تماسكه حتى الآن كان إعجازًا وإنجازًا من طرفه بالفعل.
‘هاه، أن تكون ضعيفًا. يا له من أمر مقيت.’
تصاعدت مشاعر أخرى إلى جانب الغضب هذه المرة، مشاعر لم يكن عنها بالغريب فقد تجرعها مرارًا وتكرارًا حتى غدت رفيقًا له.
العجز.
في قاموسه كان العجز مرادفًا للاشمئزاز والكره الذاتي و ما زاد ذلك إلى أن حول الفتيلة لمشعلة ضخمة.
‘هاه… هاه…. هاه’
‘هذا لن يجدي نفعًا بهكذا طريقة لن أستطيع تثبيت حالتي….. اللعـ…’
انتظر…
في تلك اللحظة تذكر ناخت ما كان يطلق عليه العجوز “نصف تسلسل أول.”
خطر ببال ناخت سابقًا كيف يمكن أن يكون نصف التسلسل مميزًا لهذه الدرجة، فحتى الأشخاص الذين أيقظوا سماتهم لم يطلق عليهم أي لقب ربطهم بالدروب أو التسلسلات. لكن الوقت لم يسمح له أن يتعمق في الأمر حتى الآن.
لم تكن السمة سوى ما أطلق على العملية التي تحفز عند وصول أو ملامسة رغبة البشر إلى حد معين مغيرة بذلك طبيعة وبنية البشر الجسدية.
كانت هذه العملية تسمح بإبراز ميول الشخص نحو قوانين العالم بدرجة كافية لتشكيل قوة تقارب وجذب بينهم.
‘لكن وحتى هذه اللحظة لا تحصل الغالبية الساحقة على أي قدرات.’
دون وعي منه وفي انجرافه وسط التفكير تمكن ناخت من كسر الحالة السابقة التي سقط فيها.
‘أما وضعي أنا فمختلف، تلقيبي بنصف التسلسل يضعني مع صنف الكائنات التي تجاوزت الطبيعة البشرية.’
هذا يعني بالضرورة حصولي على قدرات خارقة، سبق للعجوز وأن ذكر أن كل قدرة تكتسب مع التقدم في التسلسلات الثمانية تصبح معرفة غريزية في النطاق العقلي لسائر الدروب كل ما احتاج لفعله هو التمكن من تشكيل اتصال واعٍ معه.
مستغلًا ما منحته إياه الحياة وبشكل مفاجئ من لحظات من الراحة وعلى عكس كل سلوك سابق كان يمتلكه في الاسترخاء دون تحريك أنملة أو استهلاك ذرة من قواه العقلية في التفكير حتى.
ها هو ذا هنا يحاول إيجاد طريقة لاكتشاف قدراته والأهم من ذلك التخلص من تلك الحالة المزعجة والمتعبة بين الفراغ والامتلاء.
‘هاه، هل أسعى نحو القوة الآن إذًا؟’
فيما كان يشعر أنه مياه تغمره ألقى بجسده للخلف قليلًا إلا أنه أحس في تلك اللحظة بأشياء ترتبط بظهره تاركة إياه معلقًا وسط السائل الذي غمر فيه.
هنالك وفي تلك اللحظة بدأ ناخت يفتح جفنيه ليستوعب المكان الذي حشر فيه دافعا كل الافكار عن استكشاف نطافه العقلي وقته لوقت لاحق.
‘هاهاهاهاهاها..’
للحظة نسي ناخت أنه أصبح أعمى من الجانب الأيمن، ماذا كان يتوقع أن تشفى عينه بطريقة سحرية ما، ربما؟
لمعت البرودة في بؤبؤ عين ناخت اليسرى وهو يستوعب المشهد أمامه.
من حوله سائل أزرق فاتح اللون غمر جسده بالكامل، كان محشورًا فيما بدا أنه حوض معدني أبيض له إطلالة زجاجية من الأمام.
كان بإمكانه الوصول للزجاج بمجرد رفع يده إلا أنه تردد في ذلك.
‘ألا يمكنني اختيار الرقود هنا مستريحًا لأمنح نفسي ولو قدرًا بسيطًا من السلام والاسترخاء؟’
تذكر ناخت العجوز وهو يلقي عليه الخطابات وكيف أن الاختيار الصغير الذي يمنح له اليوم سيحدد مصيره في يوم آخر.
تذكر أقواله ووعوده لنفسه عندما استهل فيراث تعذيبه وكيف يريد تهشيم جمجمة ذلك الوغد.
شد ناخت قبضتيه للحظات، إلا أنه سرعان ما أرخاهما وهو يطلق تنهيدة.
هييييه.
‘فليذهب كل شيء للجحيم سآخذ قسطًا من الراحة هاهنا ولا أحد سيمنعني أو يحاسبني على ذلك. الخيارات؟ الانتقام؟ إلى الجحيم معًا لا أريد شيئًا سوى الاستلقاء براحة وهناء.’
ضاربًا بالمنطق عرض الحائط، عرض الحائك، كل الوعود التي قدمها لنفسه، كل الكلمات التأنيبية التي ألقيت عليه والمواقف اليائسة التي عاشها.
خالفها، رفضها وتخلى عنها مقابل راحته اللحظية.
لقد كان……. كسولًا لدرجة تعجز السماء عن وصفها.
ألقى ناخت رأسه للوراء وهو يغمض عينيه مجددًا مستسلمًا لتلك الظلمة المريحة.
“…..”
خشييش.
فتح باب القاعة ليدخل منها رجل في منتصف العمر بصلعة لامعة وبطن بارزة يحمل في يده دفترًا صغيرًا بينما يرتدي بذلة بيضاء.
ألقى نظرة فاحصة على القاعة البيضاء التي تغمرها رائحة الكحول التعقيمي، جال بنظره على الغرفة كانت خالية تقريبًا لم يوجد فيها سوى سرير طبي مركون على الجنب وبعض آلات القياس والخزانات التي كانت موصولة بأنابيب وخيوط تمر عبر الجدار لتدخل إلى ما بدا أنه غرفة علاج من نوع متقدم.
صفير… صفير.
تقدم الرجل ذو البذلة للأمام وهو يدندن بعض الألحان تارة ويصفر تارة أخرى.
“تم التئام العضلات.”
“الدم قد عاد لمستواه الطبيعي.”
“جميع الأعضاء الداخلية في حالة سليمة.”
“العظام كذلك قد التأمت بشكل شبه كامل.”
تجاوز الرجل ذو البطن البارزة آلات القياس وهو يتوجه للإطار الزجاجي ليلقي نظرة على جسم الفتى المعلق وسط السائل الطبي الذي يغمره.
“وحوش عائلة فيرنس حقًا على مستوى آخر، حتى الطفل منهم لديه قدرة التجدد المرعبة هذه.”
ضيق الطبيب عينيه وهو يدفع نظاراته للأعلى بيد بينما بدأ بالتشطيب هنا وهناك على الدفتر في يده.
“بغض النظر عن مدى تسريع سائل النخاع لعملية الشفاء فإن التعافي شبه الكامل خلال أسبوعين فقـ”
في تلك اللحظة وقبل أن يدرك السمين أي شيء وجد يدًا بيضاء شاحبة تلتف حول عنقه وأنفاسه تختنق.
رفع السمين رأسه متابعًا اليد ليلتقي وجهًا لوجه بفتى ذي فك عريض وندبة مروعة تشق جبهته أفقيًا من الطرف حتى الطرف مع انحناءة نحو حاجبه الأيمن.
“أ… أنت… كي…”
هناك أخيرًا تحطم زجاج المسبح الطبي في انفجار نحو الخارج بينما دوت صفارة الإنذار في المكان والأضواء تشتعل لونًا أحمر.
اقترب الفتى برأسه نحو الرجل السمين وقد أضافت الأجواء المعتمة لوجوده رعبًا وقتامة.
لم يبرز من وجهه الذي اظلم الان سوى بريق عينه الذهبي.
“كم قلت إنني قضيت بداخل هذا المسبح أيها البالون؟”
تلعثم السمين.
“أسـ… أسبوعين.”
ما إن خرجت الكلمات من فمه حتى ألقى به الفتى للجانب ليرتطم ظهره مع الحائط خلفه فاقدًا الوعي في لحظته.
“اللعنة.”
اليوم قد كان يوم البعث، يوم العرج نحو العوالم الفاسدة.
نهاية الفصل
+++++++++++++++++++++++++++
THE HONORD ONE.
بوتيتوس فصل واحد فقط لليوم:)