الفصل 6 - النطاق العقلي.
الفصل السادس: النطاق العقلي
أعادت إليه الدموع ذكريات الممر الجحيمي حيث كان يعاني بؤسًا ويأسًا مريرين.
بدأ الغضب يشتعل في صدره، إلا أنه سرعان ما بدأت كرات حمراء في الخروج من صدره متصاعدة نحو الفراغ الأسود.
ومعها غادرته المشاعر المشتعلة.
«هاه!»
لم يلحظ ذلك إلى الآن، كان الفضاء الأسود من حوله مغمورًا بكرات زرقاء وأخرى بنفسجية.
نظر نحو يديه الاثنتين وقد بدأت بالارتجاف.
وفي الثانية التالية تصاعدت كرات زرقاء صغيرة من جسده، ومعها ثبتت يداه.
لف رأسه يمينًا ويسارًا محاولًا تكوين فكرة عن مكانه.
«يا للغرابة، هل هذا المكان هو…؟»
رفع رأسه وهو ينكز الكرات أمامه.
مرت أصابعه من خلالها وقد بدأت تتلاشى بالفعل، من حوله كان كمن يقف وسط سديم من النجوم.
«يا إلهي!» اتسعت حدقتا عينيه، وقد تراجع للخلف عدة خطوات محاولًا استيعاب بديع جمال المكان.
وفي الثانية التالية ارتفعت كرات خضراء شفافة من جسده، ومعها عاد الفراغ مجددا ليطغى على وجوده.
لم يستطع كبح ارتجافة أخرى، الا أنها لاقت المصير نفسه.
مع ذلك، أومأ ناخت في نفسه وقد كوّن افتراضًا عن مكان وجوده الحالي.
«إنه هو، أنا متأكد، هذا هو ما يطلق عليه…»
نشر يديه على مصراعيهما وهو يستوعب أهمية وعظمة هذا المكان.
“النطاق العقلي.”
كيف لا، وقد كان النطاق العقلي مرادفًا ومصاحبًا لأشخاص أقوياء وعظماء.
أطلق عليهم البشر اسم: «سائرو الدروب العليا».
اليوم كان ناخت قد أصبح واحدًا منهم، واحدًا من الكائنات التي كرهها وأحبها في الوقت نفسه.
أنزل رأسه وهو يراقب الكرات ذات الألوان المتراوحة بين الأخضر والزمردي التي تغادر جسده طافية نحو الفراغ.
«لكن لماذا الشفط بهذه الدرجة من القوة بالفعل؟»
خلال المدة التي كان يتنقل فيها بين أفكاره، لم تتوقف تلك الكرات عن التصاعد والبحث عن مكان خاص بها وسط النطاق.
لكن الأهم من ذلك هو تأثير تلك الظاهرة الداخلي على ناخت، فقد ظل في تحول مستمر بين حالة من الفراغ تركته أشبه بقشرة جوفاء.
وبسبب ذلك الفراغ تمكن من الشعور بالعواطف وهي تشتعل بداخله… شعر بها وهي تولد وترتفع في انفجارات سريعة غمرت كيانه وأغرقته.
ليشاهدها تاليًا وهي تخمد وتتلاشى، حيث إنها سرعان ما شُفطت وتفرقت في شرارات خارج جسده.
استمر ذلك بالفعل حتى الآن عدة دورات… وقد كان أمرًا مروعًا.
مد ناخت يده اليمنى وهو يمررها بالكرات العديدة التي أحاطته.
«آه، كم هذا جميل».
لكنه كان لطيفًا أيضًا بطريقته الخاصة.
لقد كره المشاعر، تلك الفوضى المشتعلة التي جردته من ثباته واتزانه.
لقد حرمت المشاعر ناخت من التمتع بنعيم الراحة، لكن الفراغ كان مميزًا، كان جميلًا فقد منحه مبتغاه.
«الراحة».
أضاق ناخت جفنيه متجمدًا في المشهد السديمي، كان قد فقد نفسه وإحساسه بالوقت وهو مستغرق في التأمل في دورات الاشتعال والخمود، بين عبث المشاعر وفوضويتها وثبات الفراغ ونظامه.
ومع تدفق الوقت بدأ إدراك يبزغ في عقل ناخت، كان قد استهل في إدراك الجانب الآخر للعواطف.
رغم جلبها للفوضى وعدم الاستقرار، فقد كانت تبزغ كنور الفجر الذي يفلق ظلام الليل الخانق. كانت دافئة، لطيفة. كانت المشاعر نعمة، فكيف يمكن الاستمتاع ببدعة الحياة دون عاطفة؟ وكيف يمكن الاستمتاع بلحظة الفرح دون تجربة الفقد والحزن؟
سحبه ذلك الإدراك من جموده. الآن وقد استعاد شعوره بنفسه، استوحش من الفراغ وخافه.
«يا إلهي، كنت على شفا السقوط في لعنة الفراغ».
تصاعدت الكرات الزرقاء من أنحاء جسد ناخت بينما حاول استرجاع ذكرياته من باطن عقله، في محاولة منه للحفاظ على عقله وذاته سليمين قدر الإمكان.
«الآن وقد تذكرت ذلك، لماذا لدي هذا الإحساس بأنني قد نسيت شيئًا مهمًا؟»
همم.
«هل هي الأرشيفات؟»
بالرغم من كل ما كان يبدو عليه من إثارة للشفقة في نظر بعض أفراد عائلته، فإنه يظل أحد المرشحين للوراثة. وما دام رب العائلة لم يلغِ مكانته وشرعيته كوريث، فقد كان يملك إمكانية الوصول إلى معلومات عن حقيقة العالم وخباياه، وإن كان ذلك بدرجة أقل.
ومن أهم ما كان يجب الاطلاع عليه النطاق العقلي.
«الآن وقد تذكرت، كان العجوز ملحًّا على غير عادته خلال فترة دراساتنا عن النطاق العقلي».
لقد كان أساسًا وضرورة لكل سائر دروب عليا، كان النعمة التي مكنت البشر من السير على مسار السمو والصعود، ومكنتهم أيضًا من الحفاظ على وجودهم داخل العالم المادي عند تقدمهم وتجاوزهم لطبيعتهم البشرية.
«لكنه نقمة في الوقت نفسه».
«سيرك على الدروب يقتضي ابتعادك الحتمي عن طبيعتك الإنسانية».
متذكرًا ما ورد في الأرشيفات التي أطلعهم عليها العجوز، علقت هذه الكلمة الأخيرة بالخصوص في نفسه.
لم يكن مهتمًا حقًا بالبقاء بشرًا عاديًا، فمنذ لحظة ولادته في هذه العائلة كُتب له السير على الدروب كمصير.
لكن سؤاله الدائم كان:
«في هذه الحياة، من يحظى بالراحة الأعظم: بشري عادي أم سائر دروب؟»
كان جوابه بالتأكيد الإنسان العادي.
«لكن هل ذلك صحيح حقًا؟»
العجوز، فيراث، عائلة فيرنس. ما الذي أثبتته له هذه الشخصيات؟ هل أثبتت أن البشر ضعفاء؟ أن القوة هي سبيله الوحيد لضمان الراحة؟ أم أنني أنا، ناخت فيرنس، بسبب موقعي داخل العائلة، لم أعرف أصلًا حياة الإنسان العادي؟
مع كرات شفافة حمراء وأخرى زرقاء تخرج من جسده، تحرك ناخت للأمام بضع خطوات. ولإدراكه أنه عارٍ، رفع ذقنه قليلًا وهو يتخيل نفسه مرتديًا كاسايا زرقاء اللون مخططة بالأخضر عند الأكمام.
مد يده وهو يبعثر الكرات من حوله لتتفرق في جزيئات صغيرة. لم تتلاشَ هذه المرة، بل شكلت إعصارًا أحاط بجسده.
«مناسب تمامًا، إن هذا مريح حقًا».
مع رفع الإبهام في رضًا، تصاعدت كرات خضراء وأخرى صفراء مرّت من خلال ثوب الكاسايا الأزرق المخطط.
«أستطيع فهم العجوز الآن».
مع ابتسامة خفيفة مرسومة على وجهه، وضع ناخت يديه خلفه ثم بدأ في السير نحو الأمام.
«قبل اتخاذ أي خطوة أو قرار، يجب عليّ استرجاع ما فقدته من ذكريات، أو بالأدق، ما أحس أنني قد فقدته».
همم، لنرَ…
بدأ ناخت في استرجاع ذكرياته، ومعها بدأ أخيرًا في ربط الأحداث.
قبل بضعة شهور، وكعادته، كان على أحد الجبال داخل ملكية فيرنس يرعى الغنم في سلام، متكئًا على أحد الأحجار الضخمة من خلفه.
إلى أن ظهر فيراث من العدم، مشتتًا لحظة السلام. أخذه من عقب عنقه وانتقل به إلى مكان تغمره ظلمة حالكة، ثم تركه وحيدًا هناك.
من وسط الظلام ظهرت نقطتان حمراوان، ثم أخرى وأخرى حتى أحاطته من الجانبين.
كانت تلك مخلوقات الذئب النجمي.
وقد حوصر وحيدًا هناك. اعتاد ناخت منذ زمن على هذه المواقف المريعة والمميتة التي كان يضعه فيراث فيها نزوةً منه.
لذا، وبعد أن شق طريقه عبر جثث الذئاب المسعورة بيد مكسورة ووجه ملطخ بالدماء، كان في استقباله المنظر المفاجئ لمختبر فيراث.
وقد كان ذلك بداية كل شيء…
هناك، وبسبب يأسه وحقده المتغلغلين تجاه فيراث، أراد تدمير ولو شيء بسيط لرد الصاع له.
لكنه استشاط غضبًا ودخل في حالة هيجان، حطم كل ما أمكنه وأتلف كل ما استطاع.
إلى أن قاده المصير ليجد هرمًا أسود غريبًا على إحدى طاولات التشريح.
ما إن حمله حتى تفكك بسرعة لم تترك له مجالًا للرد، ثم تحول إلى سائل أسود رمادي تسلل نحو جسده.
في حالة شبه فاقدة للوعي، زحف بجسده نحو المخرج، ولم يتذكر شيئًا مما حصل بعد ذلك إلى أن استيقظ بعد أيام وهو في غرفته.
«مما ذكره العجوز، فإن سبب بدء الجنون في السيطرة على عقلي كان ذلك السائل، لكنه ذكر أن إيقاظ السمة شرط للتخلص من ذلك التأثير، والأهم من ذلك، للوصول إلى نصف تسلسل أول».
«فقدت فرصتي السابقة في الحرب بسبب هروبي، لكن لقائي السابق مع فيراث سمح لي بإيقاظ سمتي وتحفيز التغيير».
«باعتبار حالتي الشاذة المتمثلة في كوني أحد القلائل الذين تمكنوا من تحقيق إنجاز الوصول إلى نصف تسلسل أول، تصبح المتغيرات أمرًا منطقيًا».
ففي الحالة الطبيعية، يُفترض أن تُشفط مشاعره لتتركه يعايش درجة أقل من الشعور نفسه، لا أن يختبر الغياب التام، بل أن يدخل في حالة الفراغ لعدة لحظات.
«لا، ليس فراغًا تامًا. سابقًا وجدت دموعًا في عيني بالرغم من حالة الفراغ المزعومة».
همم.
ظهر ألم مريع في بطنه، وللحظات فقد القدرة على التفكير.
بدأت الكرات الزرقاء تخرج من جسده.
ومعها طفت فكرة إلى سطح عقله.
«اللعنة، جسدي لا يزال في الممر حيث فيراث!»
بذلك ظهر شعور بشفط مفاجئ أخذه على حين غرة.
نهاية الفصل.
++++++++++++++++++++++++++++
the honord one.
السلام عليكم من جديد. آسف على التوقف السابق كنت قد عانيت من حادثة سير وبعد اخذ الوفت الكافي حتى شفيت والحمد لله واسترجعت احساسي بالكتابة ها انا ذا اليوم اعود من جديد.
استمتعو.