الفصل 4 - لوح القدر.
الفصل الرابع: لوح القدر.
“هه…هه.ها…هاها..هاهاهاهاهاهاهاها”داخل ممر طويل، تكسوه الظلمة الخانقة، علا ضحك مجنون لطفل بائس ذاق مرارة اليأس والعجز لاول مرة في حياته.
و التي ستكون اخر مرة في حياته أيضا…لأن موته يقترب و يدنو منه.
توقفت يد فيراث عن الحركة فور سماعه الضحك المجنون، لم يتوقع صدور ضحك من الحمل الصغير في هذه اللحظة.
كما لم يتوقع ان يتوسل اليه ففيراث في النهاية يحمل دماء عائلة كل من ابيه وامه. بالتالي كبريائهم…
أما ناخت من جهة أخرى فقد طغت عليه مشاعر اليأس والغضب حتى أغشت رؤيته المحدودة ألوان ضباب أسود بنفسجي….
سرى في جسده احساس بارد ومروع امتد من أطراف وصولا الى دماغه.
لكن على عكس المتوقع فقد وجد في هذا الاحساس عزاءا، بل مهربا من ضغط المشاعر الخانق والألم المروع.
‘إن هذا…..مريح.’
لذلك تخلى عن اي فكرة لمقاومة هذا الشعور، في اعماقه علم أن فعله خاطئ الا انه سيموت قريبا على اي حال.
‘ألن يكون قضاء آخر لحظات حياتي مرتاحا…شيئا رائعا؟’
وبهذا، احتضن ذلك الشعور….
قبله…..
مطلقا الجماح لنفسه.
‘لم يعد هناك شيء يستحق الندم.’
بصوت أجش خاطب ناخت اخاه
“هاه ايها الصعلوك..ه..هل هذا ك..ل ما..ل…ديك؟ انت..لم تد…غدغ..ني حتى..ها.هااهااه..اهاه..”
كابد ناخت لاخراج هذه الكلمات بصعوبة، إلا أنه أحس بشعور غريب من الرضا اذا كان مجرد تمرد بسيط على شكل كلمات جلب له كل هذا الرضا.
‘فكيف سيكون شعور تهشيم جمجمة فيراث بيديه؟ ‘
‘اه!!! لكن ذلك لن يكون كافيا. يجب ان يكون قادرا على شفاء رأس فيراث المهشم، ثم تهشيمه مرة بعد الأخرى.’
‘هاهاهاها، كم سيكون ذلك مرضيا؟؟’
غاص ناخت أعمق و أعمق في بحر الجنون الذي يغزو عقله…
كان فيراث يقدم على تصرفات غريبة.
فقد أعاد يده اليسرى قليلا للوراء ليظهر فيها خنجر صدئ بسيط ذو مقبض جلدي مهترء.
ثم جلب مقلة عين ناخت اليمنى فوق الخنجر ليترك قطرات الدم تسقط على النصل الصدئ.
بينما كان ناخت مجمدا في الفضاء وقد سيطر عليه الجنون، رفع فيراث الخنجر ليقطر من جديد الدم من على نصل الخنجر في عينيه.
قطرة في العين اليمنى، وأخرى في اليسرى.
“سيكون هذا كافيا من أجل التحويل.”
رفع رأسه لينظر الى الحمل الصغير.
تقدم للأمام، ثم أكمل قائلا:
“حمل أبي التاج وصار حاكما، بينما ٱستللت أنا السيف وغدوت قاتلا. لذا، هل ستصبح المجنون الذي سيغير التاريخ؟ أم أن نهايتك، موتك سيكون في هذا الممر المعزول؟”
بهذا رفع فيراث الخنجر لأعلى هاويا به صارخا بصوت عال بينما تمتد ابتسامة مرعبة على وجهه: “هل تقبل نهاية بائسة كهذه؟”
بوف!!
غرس فيراث الحنجر الصدئ في جبهة ناخت، وبحكم ان الخنجر كان صدئا فلم يستطع اختراق جمجمة ناخت. لكن هذا لم يكن هدف فيراث أصلا فلو اراد لهشم رأس ناخت بتلويحة منه.
“هيااااااا ناخت، ألم تقل أنني لم أدغدغك حتى؟ إنه عقوق في حقي أيها الحمل الصغير..”
شعر ناخت في تلك اللحظة بألم حاد، وكأن مسمارا ساخنا قد دق في جبينه. من هول الصدمة غاب عن الوعي رغم المنع الذي فرض عليه، ولو كان ذلك للحظة.
الا ان هذا لا يفسر سوى هول الألم المبرح الذي يعيشه.
لم يتوقف فيراث بل جر الخنجر الصدئ ببطئ من جانب جبهة ناخت اليمنى كاشطا عظم جمجمته و قاطعا من خلال طبقات الجلد والأنسجة.
شعر ناخت باهتزاز ينتشر داخل جمجمته في تزامن مع ألم زاحف ينتقل مع حركة النصل. شعور ألم مرعب كأن جمرة ملتهبة تسحب ببطئ فوق عظم رأسه….
ما إن وصل الخنجر الى الطرف الآخر من جبهته حتى أداره فيراث متجها نحوه حاجبه الأيمن…
غمر الألم ناخت من أعماق جمجمته وحتى أخمص قدمية، من يعرف اذا كان ذلك نعمة او نقمة إلا أن الألم قد سحبه من الأعماق السحيقة لبحر الجنون الذي كان عقله يغوص فيه.
“اوه، لا.” ٱستيقظ ناخت من حالة النشوة الجنونية التي دخلها سابقا بسبب الألم.
رغم كل الأحاسيس والمشاعر التي تغرقه حافظ على لمحة من الوعي الذاتي بنفسه.
تمسك بها…
واحتضنها…
ببطئ لكن بثبات انتشل وعيه من الفوضى المجنونة التي غمرت عقله..
دارت كلمات أخيه الأخيرة في عقله المغمور بالألم لربما كان ناخت ليقبل موته في هذا المكان وبهذه الطريقة العاجزة.
إلا أن كبرياءه لا يسمح له بأن يموت وهو على حالة اقنتع فيها هذا الكائن البشع المسمى فيراث بأنها ملبية لمعاييره.
لقد رفض ذلك.
انقبضت عينه اليمنى تلقائيا ومع ومضات بيضاء وأخرى سوداء تظهر وتختفي في رؤيته، انهمرت دموع من عين ناخت اليمنى.
إلا أنها كانت………قطرات من دم أحمر قرمزي خالص.
حتى عندما رفض جسده الاستجابة له، عندما لم يكن بإمكانه الدفاع عن نفسه أو إبداء أي المقاومة.
في لحظات عاش فيها اليأس والبؤس. بغضب وكره عارمين قادرين على تغطية السماوات، رفض ناخت إنزال دمعة مالحة واحدة وإن تجاوز ألمه ومعاناته حدود المعقول والتحمل منذ مدة طويلة..
لذا بكى دما…
كان ذلك عزاءا لنفسه، عزاءا لكبريائه و عجزه. ودليلا على رغبته في المقاومة….
رغبته في العيش.
هنا وفي هذه اللحظة…ذلك الشعور المظلم بداخل روحه بدأ بالإنكماش، و التكثف.
بينما بدأ رنين خافت وبعيد يتردد صداه في العالم من حوله…
بدا بعيدا و وهميا، إلا أنه كان قريبا…….قريبا بشكل أكثر واقعية من أي شيء آخر.
أقرب من دقات قلبه….
اقرب من افكاره الداخلية….
اقرب حتى من الألم المجنون الذي كان يغمره…..
مغمورا في الحالة الغريبة التي ولج إليها وصل ناخت لإدراك….
“اه، أ-أنا… أقوم بإيقاظ سمتي..”
على النقيض لما عاشه من ألم و جنون قبل لحظات كان الآن يطير بين السماوات في حالة من النشوة.
توقف الخنجر قبل ملامسة جفنه الأيمن حيث أن أوتارا ذهبية وأخرى سوداء ظهرت تحت جلد ناخت تتلوى كالثعابين السماوية…
بنظرة غامضة تعلو وجه فيراث، تراجع خطوتين للوراء وزوايا شفتيه تلتف مشكلة نفس الابتسامة…..
أما ناخت على الجانب الآخر فقد كان يشهد تحولا جذريا، بينا يشهد وعيه حالة النشوة كان جسده في العالم الواقعي يعاد تشكيلة حيث أن الأوتار الذهبية خلف جلده قد اخترقت عظامه ومزقت عضلاته وجلده.
بوف..
مع انفجار تمزقت ذراعه اليمنى في فوضى دموية، بينما تلوت الأوتار الذهبية خارج جسده مثل المجسات مضيئة بذلك الممر المظلم…
بوف…
تبعه بعد ذلك انفجار من يده اليسرى حيث انفجرت هي الأخرى مطلقة نفس الظاهرة….
بوف….
بوف….
انفجرت ساقاه الإثنتين تاليا…
بروووووزوف…
تلل ذلك انفجار مدوي تدمر معه جسد ناخت بالكامل ظهر حينها مشهد سماوي.
كأن ساميا قد أطل على العالم الدنيوي.
أوتار ذهبية مثل خيوط البرق في السماء تتلوى وتنقبض، 15 ،كان ذلك عددهم.
رمش فيراث بعد عده للأوتار…….
ٱرتبطت الأوتار ببعضها البعض حيث أنه وفي مركزهم طفت كرة ذهبية بحجم البيضة.
إلا أن الغريب كان قطرة صغيرة وسطها..
قطرة حمراء….
لقد كانت دمعة ناخت….
دليل مقاومته…….
و تجسيد رغبته…
انقسمت قطرة الدماء الى أربعة أجزاء: امتد ثلاثة منهم لثلاة من الأوتار الذهبية، كل على حدة.
بينما ظل الجزء الرابع معلقا وسط الكرة الذهبية الطافية…ولم يدم ذلك أيضا طويلا حيث أن الرنين السابق عاود الظهور من جديد.
هذه المرة كان أعلى….
أغمض فيراث عينيه وهو يستمع الى الرنين العذب.
“فقط القليل…القليل بعد.”
++++++++++++
في نفس اللحظة :
خلف مكتب من الخشب العتيق موضوع وسط غرفة مليئة بالكتب التاريخية جلس رجل عجوز على كرسي مبطن بالجلد الأبيض.
اعتدل في جلسته قليلا ثم وضع نظارات بعدستين سوداوين على عينيه قبل أن يختفي من مكانه.
++++++++++++
في تزامن مع ذلك داخل غرفة عرش يسودها الظلام والسكون بأرضية رخامية سوداء لامعة، وجد في نهايتها سلالم حجرية بحجم يمكن لعملاق بطول خمس عشرة مترا أن يخطو عليها.
صعودا على السلالم يمكن رؤية أسلحة لا تعد ولا تحصى غرست في كل درجة من الدرجات وصولا الى نهاية الدرج.
أعلاها عرش. يفصل بينه وبين نهاية السلالم سيوف، فؤوس و مناجل…
برز من بينها خمس أسلحة، على كل مقبض سلاح غرس رأس بشري، وحشي أو رؤوس كائنات غريبة وحشية المظهر…..
لم يظهر من العرش سوى يدين كانتا موضوعتين على مقبضيه الاثنتين.
حيث غطي الكيان المتربع للعرش بحجاب من الظلام الدامس…
دوى صوت تصم له الآذان وترتجف له القلوب من وراء الحجاب المظلم للعرش.
“واحد آخر حتى ٱكتمال المسار إذا….”
عاد الصمت ليسود ارجاء غرفة العرش، أو المقبرة على….
++++++++++
عودة الى الممر المظلم.
فتح فيراث عينيه، كانت بؤبؤاه قد اكتستا لونا بنفسجيا الآن.
متطلعا للوح القدر العظيم تحدث فيراث:
[يوم صعود القمر الثاني،
ستفتح السماء جرحها.]
مثل بركة من سامي عظيم، وسط الرنين السماوي العذب وتلاوة فيراث المقدسة للوح القدر.
بدأ جسد مهيب في التشكل.
تشكلت الجمجة أولا تلاها بعد ذلك العمود الفقري لينشر بعدها القفص الصدري و عظام القدمين.
[ستسقط الساميين قبل أن تسقط النجوم،
وستسقط النجوم قبل أن تسقط السماء.]
في تزامن مع ذلك ظهرت الأوتار العضلية من بين شقوق العظام لتكسو العظام لحما بينما انبثقت الأعضاء الداخلية وسط الهيكل العظمي المشكل حديثا…
أنهى نبوءته قائلا:
[حينها سيخرج من البحر مالم يولد،
ومن القبر من لم يمت،
ومن قلب الإنسان سيخلق العازف.]
هكذا وفي عملية عجيبة وغريبة تم تشكيل جسد عضلي يقف بطول175 سم، بلون بشرة بيضاء شاحبة و شعر ناصع البياض.
غطى الضباب المشكل إثر عملية التحول السابقة معظم جسده إلا أن هذا لم يزد الشكل المنتصب إلا غموضا ورعبا..
بخطوة ثابتة للأمام برزت بعض ملامحه، أنف مستقيم شفاه رقيقة عظام وجه بارزة.
وبخطوة أخرى يمكنك تمييز ندبة تمتد من طرف جبهته اليسرى الى الطرف المقابل من جبهته نزولا الى الى منتصف حاجبه الأيمن…
أما محجر عينه اليسرى فقد كان فارغا….
نعم لقد كان هو.
ناخت فيرنس.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
the honord one.
ترقبو الفصل القادم خلال الساعات القادمة…….استمتعو